انقلاب لحظي
هذه المرأة التي على إيقاع الدفوف القسطنطينية, تطارحك الرقص كما لو كانت تطارحك البكاء أحلام مستغانمي
كمْ أحسدك ..
تخبرني بهذا وتمضي .. خلف الجدار الذي فصل حجرتينا ، تتمطى وتجلس على كرسيها الهانئ بها ، أشتم رائحة عطرها من مكانها وأرى شعرها رغم الجدار الذي استحال شفافاً جداً ، وحين تنزع عويناتها وتضعها على مكتبها ويغلبها النعاس ، أحرص أن تسهر رموشي على عينيها ، ربما لتحميها أو تستمد الدفء منها أو لتوقظها من غفوتها حين لا تحلم بي ، حين تكون مع غيري ..
***
أنتِ هشة جداً ، أخاف أن تتكسر يداكِ لو حللتِ قيودك
***
هل تعلم أنها تراقبني منذ ساعة أو ربما أكثر ؟ هل ترى عيناها تتابعني مذ جلسنا هنا ؟ أخبرتك ولم تصدق ، أظنها تحبني حقاً !
لم يرد ، نظر لها في دهشة ، رأيت في نظراته بعض إعجاب ، وشعرت بغيرة تشتعل داخلي وداخله ، اقتربت منه حتى صار وجهي أمام وجهه ، رفعت إصبعي حتى كاد يقتلع عينه فتأوهنا ، وقلت :
- حاذر يا صديقي ، فتلك من المحرمات
تراجع تملؤه الدهشة ، ثم هز كتفيه لا مبالياً واختفى من أمامي ، رأيتها تحادث زميلها ، و سمعت صوت ضحكتها تهز كياني ، نظرت لها محذراً ، وضعت غضب الدنيا كله في ملامحي ، ثم انصرفت غاضباً ، هكذا ستشعر بي ، وستعرف أن مشاعري لم تكن يوماً لعبة في يديها ، راودتني رغبتي أن أنظر خلفي ، أن أرى رد فعلها ، اختفيت خلف عمود من الرخام أمام مدخل المشفى ، نظرت إلى حيث كانت ، فوجدتها قد اختفت ، مخلفة أكواما من ذكرى وغضب .
***
ضعي يدك على قلبي ، وأخبريني ، هل تشعرين بي حقا ؟
***
أولد صباحاً حين تفتح باب غرفتي ، تنطق اسمي همساً فأشعر به بطيئاً كأنه لا يريد أن يغادر شفتيها ، أحاول أن أبدو هادئاً فأخاف أن يسبقني إليها ، أهرع لأخبرها كم تبدو جميلة هذا الصباح ، فتهرب مني ، أتبعها في الممر الطويل الذي يتسع أحياناً ويضيق أحياناً أخرى ، أجدها خلف الباب الخشبي تجفف دمعها ، قلت لها ذات دموع :
- هل تخشين الارتباط إلى هذا الحد ؟
أومأت برأسها فلم أعرف بالإيجاب أم بالنفي ، سمحت لنفسي أن ألتقط دمعتها الهاربة بين أصابعي ، قضيت ليلتي أحلل ذراتها في معملي ، أبحث في ملوحتها عن نفسي ، تعلمت الكيمياء من أجلها ، وأتقنت الشعر حتى تدركني ، قالت لي دموعها :
ابق معي ، ظلّ أرجوك كما أنت .
لم أبال بالخاتم الذي كان يحتل بنصرها اليسرى قبل شهور ، لم أسأل فيم لبسته ولم خلعته مرة أخرى ، لكني لا أنكر أن يدها بدونه أجمل ، هذه فتنة تلوثها الملابس والمصوغات ..
لقد خلقتِ لتكوني شفافة كما أنتِ .
***
في مساء يشبهني رقصت رقصتي الأولى ، حين أمسكَتْ يدي ، رافقتني إلى الصالة الكبرى ، وطلبت مني أن أكون شريكها ، على وقع الموسيقى الحزينة صرنا معاً ، جسدين يحكمهما قانون واحد ، يحيط بهما كيان مادي متمايز ، وهالةٌ واحدةٌ متفردة ، لا يحكمنا إلا قانون الحب .
وهناك .. وجدتك في انتظاري ..
دقائق في صحبتها ، تطفئ نيران شوقك ، تضعها بين ذراعيك ، فتبتعد عنك
تريد لك أن تشتعل ، أن تزداد حبا وشوقا
وقبل لحظة من معانقة شفتيك تعطيك ظهرها وتمضي
تبتعد عنك وتقترب مني ..
أمسك يديها ، وأرجوها أن تبقى
كنت ستسألها : كيف كانت قبلتي الأولى ؟
هذه المرأة التي حملت ملامح ايزيس ، تحول بينك وبينها سماعة طبية ، ومعطف أبيض ، وشعرٌ ثائرٌ يشبهك
ولم تفعل ..
تنزع يديها وتمشي ، أصرخ بك وبها ، يذهلني صمتك كما يدهشني هروبها ، أتساقط أرضاً وكأن جسدي استجاب أخيراً لكل عوامل الجاذبية ، تعود إليَّ مسرعةٌ والفزع يبدو في ملامحها ، تضع رأسي على ركبتيها ، تتحسس شعري وأنا أبدو ذابلاً كأني زهرة فقدت ماءها مرة واحدة
أقول لها :
- هل تحبينني حقا ؟
فتهز رأسها إيجاباً ، أقسم أنها فعلت ، فأقول وأنا أشعر بالدماء تعود إلى جسدي مرة أخرى :
- فعلام تحسدينني إذاً ؟
تقترب مني حتى أشعر بعطرها وحرارة شفتيها ، تقول وهي بين ذراعي وأنفاسها الحرَّى تغطيني لأنتشي حد الثمالة :
- أنك تعيش عالمك .
***
أترى .. عالمي وحدي من يثيرها ، أترى أنك لا شيء .
***
تعليق