بعد َ ليلةٍ مشوّشة الصور ، متأرجحة بين يأسٍ ورجاء ..،خيّم الصمت على المشفى ..تزامُناً مع بابٍ أطبق على قلبٍ
ما خذلني يوماً ساعة حاجتي إليه في ليلٍ أو نهار ،
مع فريقٍ من الآطباء باحثين عن مخرجٍ لآلامٍ حاول المُضيّ معها على وتر المعاناة إلى أقصى طاقاتِ إحتماله .
والأجساد الهزيلة فوقها ، ثمارٌ عصرتها يدُ الزمن فلم تترك فيها إلاّ القشور .
عمال النظافة يروحون ويجيئون في نشاطٍ دؤوب معظمهم من القرى المجاورة للقدس ، كأنهم جاءوا لينسوا الفأس والمحراث ..ومصارعة العصافير على الثمار ، ليكابدوا أخطار طريقٍ تكمنُ في منعطفاتهِ عيون العذاب ..!
خارج الغرفة يقف حراس الأمن قرب مدخل المشفى يتصفحون الوجوه العابرة ...ويتفحّصون بعضها إذا لزِم الآمر ..
في محاولة لتضييق مساحة الخطر الكامن بين تلك الوجوه المختلفة الجنسيات ..!
شعور بالحزن واحتباس الدمع في عيني ..دفعني للتجول في ردهات المشفى ..
وأمام شباكٍ عريض إقتحمتهُ الشمسُ ناشرة أشعتها في وسع المكان ، وقفتُ أرقبُ منطقة سكنية راقيةً
على سفوحٍ ربوةٍ كانت لنا ذات زمان ..!!
الشوارعُ ناعمة ..الأشجار مهرجانُ إزهارٍ وألوان ...،وبين الآغصان طيورٌ تردد ترنيمتها الصباحية .
البيوت حجارتها نظيفة بيضاء ، في نوافذها ورودٌ ..وفي حدائقها يلعبُ أطفالٌ تملؤهم الحياة ويحيط بهم
الأمن والأمان من كل الأنحاء ..، هدوء وراحة بالٍ واطمئنانٌ يلف المكان .
وفجأة ...كأن يدٌ شدّتني من عنقي فاعتدَلتُ ، ورأيتُ صورة عريضة امامي تغطي المكان ...غرف اسمنتية
متلاصقة، أزقة موحلة ..، وجوهٌ شاحبةٌ ملَّها الإنتظار ،
عربات خضار بائسة ..هي الأرض والمحصولُ والفيضان .متسولون على ارصفة المنافي يسألون الزمان :
متى بالإمكان .........................؟؟؟
هناك حيث إمتداد الجذور عذاب ..، وذلك الطفل الذي وُلِد كبيراً يقبع في عتمة الزقاق ..،حيث الحياةُ رزمة
من السياط ..تمزّقُ ..تحرق ..تستبيحُ دون مسائلةٍ أو إحتجاج ..!
تُعذبني قتامة الصورة ....تمحو جمالية الصورة التي كانت قبل لحظات .
أحد ضباط الأمن يلفت نظري إلى الإبتعاد عن النافذة ، كان الكُره منقوشاً على وجههِ بالثُّلُث وهو يحدثني ..
حدّثْتُهُ بلغتهِ العبرية ..فرَد عليّ بالعربية أن ألزم حجرة والدتي ، أو انضم إلى افراد اسرتي في الحديقة .
تحسستُ من لَغط العاملين أن حالةً حرجة في الطريق ..، ما لبث أن دخل بها طاقم الإسعاف إلى قسم الطواريء .
سيدة على ما تبدو في الخمسينات ، أصيبت بنوبة قلبيّة بعد تلقيها نبأ مقتل إبنها الضابط في اشتباكٍ
مع مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين في مكان ما على الساحل .
العائلة كلها تحيط بالأم على سريرها ..فاقدة الوعي شاحبة اللون ، يتصبب العرق من كل كيانها
كأنه دموع القلب والأعضاء ، الأبُ ذاهلُ يحدّق في صورة إبنه الشاب لحظات ..ثم يضمها الى صدرة
مجهشاً في بكاءٍ مُمِضٍّ أليم ، دموع ..واهات ..صراخٌ وعويلُ يملأ المكان ،وقد تناثر الآقارب على المقاعد
وقرب الجدران .
مشهدٌ مأساويّ يدمي القلوب لعائلةٍ ثكلتْ ابنها الشاب ،اللحظات حاسمةٌ ، مُدبَّبةٌ ..مشحونةٌ بالإحتمالات ...
ألمشهد الذي يهزّ أقسى القلوب ...، يهزني لِحظات ..غصّة تتجمع في حلقي ، تكاد تمزق حنجرتي ...
فأنا إنسان رغم كل التناقضات ..،فاجعةٌ بكل المقاييس تقف منّي على بُعْد خطوات .. ولكني لا أشعر أني جزء
من ذلك المشهد ..ولو على سبيل المواساة ..أو السؤال ..!
..هوَّة بلا قرارٍ تفصلُ بيننا ، هوّةٌ يقبعُ في اعماقها أنهارٌ من الدماء ..مئات أعرفهم من الشهداء والجرحى
والثكالى والأرامل والأيتام ...
فجأة يُطلّ وجه ابراهيم ..ذلك العريس الذي اغتالت القوات الخاصة فرحته قبل زفافه بيومين ،
من الناحية الاخرى يُطل وجا وفاء ، ابنة العشرين ربيعا ..والرصاص يسقط العلم من يدها ..فترتقي
شهيدة نحو السماء .
ألتفتُ يُطل وجه أمين ...وجه مها ..وجه ملاكٍ يحملُ في غلالة نورٍ جنيناُ مزق الرصاص رحم امه .
يُطلّ بيتُ تجتاحهُ الجرافات .
تُطِلّ تعريشةُ يا سمين من بين الركام ، تُطلُّ أحلامٌ ذابت تحت التراب . يُطِلّ شبابٌ ذوى بين الزنازين ..
خلف القضبان ، وجهُ أخي وتوأم روحي يُطلّ من خلف عشرةِ أعوام ...!!
تُحاصرني الأطياف من كل الجهات ..مُعفّرة بتراب الغربة ..مُضرّجةً بالدماء ،يختفي المشهد الآخر من المكان
ولا يتبقى إلا أنا وتلك الأطياف ..، تنفجر عيوني شلالاتُ دموعٍ ودماء ...
أركض ...أغادر المكان المزدحم بالمأساة ...أصطدم بطاقم التمريض يسحب سرير أمي خارج غرفة العمليات ،
أتسمّرُ في مكاني مذهولة ..عيوني الدامعة تستنطق الجَرّاح ..
يربتُ الجراح الإيرلنديّ على كتفي هامساُ : لا تقلقي ...كل شيءٍ على ما يُرام .
نجاح عيسى ..
رام الله
فلسطين .
ما خذلني يوماً ساعة حاجتي إليه في ليلٍ أو نهار ،
مع فريقٍ من الآطباء باحثين عن مخرجٍ لآلامٍ حاول المُضيّ معها على وتر المعاناة إلى أقصى طاقاتِ إحتماله .
الجو خانق..والأصواتُ فوضى خافتة الخطوات ..،عيون باهتةٌ ...نظراتٌ مُتعبةٌ ، إبتساماتٌ باردةٌ ما تكاد تعلو الوجوه
حتى تسقطُ في غموض طقسٍ إختلطت فيه العفويّة بالتخطيط المُرَكَّز .
بياضٌ يكتسحُ كل ما تقع عليه العين في المكان ، والأسِرّةُ كأنها أكُفّ مرفوعة تنتظر الرحمة من السماء ...حتى تسقطُ في غموض طقسٍ إختلطت فيه العفويّة بالتخطيط المُرَكَّز .
والأجساد الهزيلة فوقها ، ثمارٌ عصرتها يدُ الزمن فلم تترك فيها إلاّ القشور .
عمال النظافة يروحون ويجيئون في نشاطٍ دؤوب معظمهم من القرى المجاورة للقدس ، كأنهم جاءوا لينسوا الفأس والمحراث ..ومصارعة العصافير على الثمار ، ليكابدوا أخطار طريقٍ تكمنُ في منعطفاتهِ عيون العذاب ..!
خارج الغرفة يقف حراس الأمن قرب مدخل المشفى يتصفحون الوجوه العابرة ...ويتفحّصون بعضها إذا لزِم الآمر ..
في محاولة لتضييق مساحة الخطر الكامن بين تلك الوجوه المختلفة الجنسيات ..!
شعور بالحزن واحتباس الدمع في عيني ..دفعني للتجول في ردهات المشفى ..
وأمام شباكٍ عريض إقتحمتهُ الشمسُ ناشرة أشعتها في وسع المكان ، وقفتُ أرقبُ منطقة سكنية راقيةً
على سفوحٍ ربوةٍ كانت لنا ذات زمان ..!!
الشوارعُ ناعمة ..الأشجار مهرجانُ إزهارٍ وألوان ...،وبين الآغصان طيورٌ تردد ترنيمتها الصباحية .
البيوت حجارتها نظيفة بيضاء ، في نوافذها ورودٌ ..وفي حدائقها يلعبُ أطفالٌ تملؤهم الحياة ويحيط بهم
الأمن والأمان من كل الأنحاء ..، هدوء وراحة بالٍ واطمئنانٌ يلف المكان .
وفجأة ...كأن يدٌ شدّتني من عنقي فاعتدَلتُ ، ورأيتُ صورة عريضة امامي تغطي المكان ...غرف اسمنتية
متلاصقة، أزقة موحلة ..، وجوهٌ شاحبةٌ ملَّها الإنتظار ،
عربات خضار بائسة ..هي الأرض والمحصولُ والفيضان .متسولون على ارصفة المنافي يسألون الزمان :
متى بالإمكان .........................؟؟؟
هناك حيث إمتداد الجذور عذاب ..، وذلك الطفل الذي وُلِد كبيراً يقبع في عتمة الزقاق ..،حيث الحياةُ رزمة
من السياط ..تمزّقُ ..تحرق ..تستبيحُ دون مسائلةٍ أو إحتجاج ..!
تُعذبني قتامة الصورة ....تمحو جمالية الصورة التي كانت قبل لحظات .
أحد ضباط الأمن يلفت نظري إلى الإبتعاد عن النافذة ، كان الكُره منقوشاً على وجههِ بالثُّلُث وهو يحدثني ..
حدّثْتُهُ بلغتهِ العبرية ..فرَد عليّ بالعربية أن ألزم حجرة والدتي ، أو انضم إلى افراد اسرتي في الحديقة .
تحسستُ من لَغط العاملين أن حالةً حرجة في الطريق ..، ما لبث أن دخل بها طاقم الإسعاف إلى قسم الطواريء .
سيدة على ما تبدو في الخمسينات ، أصيبت بنوبة قلبيّة بعد تلقيها نبأ مقتل إبنها الضابط في اشتباكٍ
مع مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين في مكان ما على الساحل .
العائلة كلها تحيط بالأم على سريرها ..فاقدة الوعي شاحبة اللون ، يتصبب العرق من كل كيانها
كأنه دموع القلب والأعضاء ، الأبُ ذاهلُ يحدّق في صورة إبنه الشاب لحظات ..ثم يضمها الى صدرة
مجهشاً في بكاءٍ مُمِضٍّ أليم ، دموع ..واهات ..صراخٌ وعويلُ يملأ المكان ،وقد تناثر الآقارب على المقاعد
وقرب الجدران .
مشهدٌ مأساويّ يدمي القلوب لعائلةٍ ثكلتْ ابنها الشاب ،اللحظات حاسمةٌ ، مُدبَّبةٌ ..مشحونةٌ بالإحتمالات ...
ألمشهد الذي يهزّ أقسى القلوب ...، يهزني لِحظات ..غصّة تتجمع في حلقي ، تكاد تمزق حنجرتي ...
فأنا إنسان رغم كل التناقضات ..،فاجعةٌ بكل المقاييس تقف منّي على بُعْد خطوات .. ولكني لا أشعر أني جزء
من ذلك المشهد ..ولو على سبيل المواساة ..أو السؤال ..!
..هوَّة بلا قرارٍ تفصلُ بيننا ، هوّةٌ يقبعُ في اعماقها أنهارٌ من الدماء ..مئات أعرفهم من الشهداء والجرحى
والثكالى والأرامل والأيتام ...
فجأة يُطلّ وجه ابراهيم ..ذلك العريس الذي اغتالت القوات الخاصة فرحته قبل زفافه بيومين ،
من الناحية الاخرى يُطل وجا وفاء ، ابنة العشرين ربيعا ..والرصاص يسقط العلم من يدها ..فترتقي
شهيدة نحو السماء .
ألتفتُ يُطل وجه أمين ...وجه مها ..وجه ملاكٍ يحملُ في غلالة نورٍ جنيناُ مزق الرصاص رحم امه .
يُطلّ بيتُ تجتاحهُ الجرافات .
تُطِلّ تعريشةُ يا سمين من بين الركام ، تُطلُّ أحلامٌ ذابت تحت التراب . يُطِلّ شبابٌ ذوى بين الزنازين ..
خلف القضبان ، وجهُ أخي وتوأم روحي يُطلّ من خلف عشرةِ أعوام ...!!
تُحاصرني الأطياف من كل الجهات ..مُعفّرة بتراب الغربة ..مُضرّجةً بالدماء ،يختفي المشهد الآخر من المكان
ولا يتبقى إلا أنا وتلك الأطياف ..، تنفجر عيوني شلالاتُ دموعٍ ودماء ...
أركض ...أغادر المكان المزدحم بالمأساة ...أصطدم بطاقم التمريض يسحب سرير أمي خارج غرفة العمليات ،
أتسمّرُ في مكاني مذهولة ..عيوني الدامعة تستنطق الجَرّاح ..
يربتُ الجراح الإيرلنديّ على كتفي هامساُ : لا تقلقي ...كل شيءٍ على ما يُرام .
نجاح عيسى ..
رام الله
فلسطين .
تعليق