نظرات في القصة القصيرة / طالب عباس الظاهر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    نظرات في القصة القصيرة / طالب عباس الظاهر

    أحبّتي في ملتقى القصة ..هذه سلسلة مقالات عن القص القصير في حلقات..
    نقلتها من صحيفة المثقف ...
    و هي للكاتب طالب عباس الظاهر ...
    أحببت أن أدرجها هنا ..للإفادة أو النقاش .


    نظرات في القصة القصيرة (1) / طالب عباس الظاهر

    القصّة القصيرة عانت طويلا خلال الزمن الماضي عندنا وما زالت، بل لعلها ستظل تعاني أيضاً،
    وفي مقدمة ما تعانيه استمرار تداعيات ذاك الواقع المرير بهذا الشكل او ذاك وبهذه الكيفية أو تلك.. وانسحاب ظلاله القاتمة من الأمس إلى اليوم .. مما يعني تجدد اصطدامها بالحواجز ذاتها، وربما استجد غيرها، التي لا زال يقيمها بعض خبراء المؤسسة الثقافية الرسمية ـ أساطين النظر ودهاة الكلام ـ ويسوّروا حصونها، ويحفظوا بها أسرارها، لتلبد سماء الثقافة الأدبية من جديد بسحبهم الكثيفة من الغبار والدخان التي تحجب فقط أشعة الشمس، لكنها بالطبع ليست كالغيوم التي تجود بالمطر، اولئك ورثة الكراسي والمسؤوليات الذين لا يمكن بأي حال من الاحوال عدّ (تقارير فحصهم) بديلا مناسبا لفيصل القانون للنظرية الاجناسية المفتقدة في قصّتنا العراقية القصيرة، لاستحالة تأثرها، هي الأخرى، وكما أولئك بعوامل المحاباة والمجاملات والإخوانيات، وما إلى ذلك من طبخات العلاقات الشخصانية التي كانت وما زالت تتحكم بمقاسات ـ الصالح للنشر من غيره ـ التي تعودوا السير في ركابها طويلا، بسبب كون الاحتكام الى الثوابت يلغي من حساباتها كل تلك المفاهيم الفاسدة، وكون الأمر باختصار شديد بلورة حقيقية للوعي الجمعي بهذا الصدد.
    وهو اشد ما تحتاجه القصّة القصيرة خصوصا في هذه المرحلة الحرجة ما بين انفتاح فضاءات الحرية المطلقة، ومحاولة التخلص من قيود نفق الدكتاتورية الضيق التي رزحت فيه طويلاً، لموازنة مساراتها وعودتها ولملمة أشتاتها وتبعثرها المرير في متاهات الادلجة خلال تلك العقود المظلمة من الضياع ما بين تسييسها لخدمة توجهات الدكتاتور المتهورة وتعبويتها في ادامة عجلة الموت لتلك الحروب المدمرة بإفراز سلسلة (ادب قادسية صدام) او ما شاكلتها من السلاسل من الإصدارات المماثلة، آخذين بعين الاعتبار حداثة عمرها كفن مستقل في أدبنا العراقي بل والعربي أيضاً ، بالمعنى الفني وليس الاصطلاحي كون القصة وجدت مع الانسان ولا تموت إلا بموته.
    بيد إن مقاييس الإبداع الحقيقية في القصة مثلما هي في كل الفنون الادبية لا يمكن أن تنبع إلاّ من ذواتها المبدعة، طبعاً مع مراعاة كلا الطرحين سواء في منحاه القديم (الكلاسيكي)، وكذلك الحديث في موجات ما يسمى بالحداثة وما بعد الحداثة.
    اذ ان القصة على وجه الخصوص لا يمكن استخلاص قوانينها، وتأشير جمالية فنها، بمعزل عن متنها الحكائي، من خلال الكشف عن مديات التخليق في المساحات الإبداعية.. بإضافتها لمناطق اشتغال واعية على خارطة الإبداع، والتأسيس في فراغات اللاشعور وليس الوهم ـ كما في كثير من الأطروحات ـ وأسلبة الطرق بخطوات عملية، للسمو في القيم الاصيلة للمفاهيم الإنسانية العميقة غاية الإبداع، وديدن التجارب الحقيقية التي ربما لا يؤصلها شيء؛ مثلما يؤصلها الاقتراب من البؤر المتوهجة، ومراكز الإشعاع الإنساني، لإضاءة اشد الزوايا عتمة في الالم والمعاناة الوجودية لإنسان العصر.. بنبل الغايات لرسالتها الهادفة من اجل رقي الحياة وحثها صوب فجر كمالها الآتي.
    اذ ان اشد ما يجذب الانتباه، ويحفز الشعور، ويطرب الطبيعة البشرية، ويقرّب الإنسان لتوأمه الإنسان.. بعيداً عن جنسه ولونه وعقيدته، وما إلى ذلك من محددات؛ هي تلك الدغدغات الموحية في مثل ذلك الرصد الشاعري للمكنونات الدفينة في الذوات، بما تمثله من المشتركات الوجودية ما بين البشرية، وفي الحديث الشريف (الناس صنفان: اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)، واستنفار ذلك القلق الأزلي المستتر، والبحث المستمر عن الحقيقة وأسرار الجمال، لبث الأمل، والاستجابة لدعواته الملحة، من اجل التحامها في مواجهة الغامض والمجهول من الأخطار الخارجية، وتوحدها لدفع هواجس الموت، وتهديدات القدر الدائمة بالفناء.
    حينئذ ينبثق شعور متأصل في الذوات المرهفة، وتتوهج فيها طاقات جديدة مستمدة من خزين التجربة الإنسانية المعمقة.. من خلال سعادة المشاركة، بغبطة الالتقاء، ونعمة التماثل، بعدالة الخلق، ووحدة المصير بالانصهار والتوحد في بوتقة هذا الوجود.




    نظرات في القصة القصيرة (2) / طالب عباس الظاهر
    القصة القصيرة ربما لا تتعدى كونها قصة اللا قصة وحكاية اللا حكاية ولعلها واقع اللا واقع ببعديه الزمني والمكاني،
    وان توسلت بمثاليتها السرد بالمنظور الحكائي، واستندت على المعاش بالصوت والصورة، برصدها انفعالات الشخصية في الصراع الداخلي أو الخارجي، وردود أفعالها إزاء الحدث القصصي، وحسب تأثيره في الواقع .. إذ لا يمكن أن تقوم قصة من دونه، فالحدث مرتكز مهم في كيان القص، يمنحه قوة الشد الدرامي المطلوب، للدفع إلى الأمام .. مسقلاً أجنحة الخيال في كل ذلك، لكهربة اللفظ بشحنات عارمة من طاقة الشعور، وإدامة زخمه حتى النهاية ، من اجل كسر سكون وحدة الصور المكانية، وتحطيم التأطير المحكم بثالوث الزمن .. بسير وحداته الرتيب من الماضي نحو الحاضر فالمستقبل، منذ خلق الإنسان وكان هذا الوجود .
    إذ إن القصة تنطلق من صوت الراوي، إلا إنها سرعان ما تتوغل في ضمير الأشخاص والأحداث، فتخلق أكثر من زاوية للرصد، وعدة ضمائر للروي، وفي أحيان أخرى تستنطق حتى الأشياء الجامدة بلغة الإحساس .. فتهتز وتتحرك .. متفاعلة في الحدث والصورة .
    غير إن الرؤية الواقعية لأبعاد الحياة المألوفة، عبر وحدتي الزمن والمكان العاديين لسوف تحدّ من حركتها، وهو ما يؤخذ على الاتجاه الكلاسيكي، بالمنحى الواقعي في الكتابة القصصية.. بنسقه التقريري، وعود على بدء بالتسجيل الجامد لحركة الكون والحياة والإنسان، وتقليده الواقع بأبرز خصوصياته رغم إعلان التمرد عليه منذ البداية .
    فأن لم يكن الفن بصورة عامة، والقصة منه على وجه الخصوص؛ ثورة على آلية مثل ذلك الواقع .. فأي شيء هي إذن، بل وما الداعي لتدوين ما نراه ونحن نعيشه؟ وهل من الإبداع في شيء .. رفض جمود الواقع، ولكن بالنقل له فوتوغرافيا، مع إضافة أي رتوش أو تحسينات عليه.
    لعلل التطرف في الرؤية والأحكام، غالباً ما يؤدي إلى ردود أفعال معاكسة، يدنيها من التطرف أيضاً .. من جهات مقابلة، معتقدة بأنه سبيلها الوحيد للإصلاح والموازنة، وهو ما يمكن ملاحظة آثاره من خلال الاتجاهات الجديدة في الكتابة القصصية، وخروجها على جميع القيود، وتمردها على كل ما هو مألوف .. من حيث كونه مألوفاً، دون الالتفات لما قد ينطوي عليه من حسنات وركائز للتأسيس، لا يمكن تجاوزها، وهو بالطبع لا يخلو ولن يخلو منها قطعا، إذ كيف يمكن تخيل قصة قصيرة من دون شخصية، وبلا حدث أو بلا حبكة وبلا زمان ومكان، كما يحدث في بعض أطروحات النصوص الآن، بالتجاوز على مثل تلك المفردات الأساسية أو على بعضها .. عبر التوغل المحموم في تيار الإبهام، والمجانية والغرائبية الذاتية، أو الفوضى أحياناً بالانسياق خلف إغراءات الأوهام الذاتية .. بالتداعي المنفلت مع التجارب الخاصة، وإسقاطاتها على ذات التجربة في عموميتها، مستغلة فضاءات الافتقاد الكلي للنظرية الاجناسية، لكبح نزقها، وكذلك الحال في عملية تلقي القصة ومحاولة التقييم لها نقديا، مع وجود الاستثناءات دائما، بسبب كون الذائقة الفردية ومهما اتصفت به من الحصافة؛ فأن بعض جوانب حكمها لابد وأن تظل قاصرة، فلا تمثل حقيقة التقييم بكليته، لأن أحكامها ليست نهائية، لعدم استنادها على ثوابت النظرية من جهة، والافتقار لنوع عميق من التجرد الموضوعي من الجهة الأكثر أهمية .. بحيادية التلقي والتقديم .
    لذلك فإن كثيرا مما تطرحه الساحة الثقافية، وتحتفي به من نماذج القصة القصيرة - مع الأسف الشديد - لا يمت بصلة لهذا الفن الإبداعي، نتيجة التأثر بتراكمات الموجة السائدة، باستحكام أسباب التقليد، بيد إن هذا لا يلغي كونها صادقة مع ذاتها، وحقيقية في دوافعها الشعورية، لكنها ستظل أسيرة مثل تلك الاتجاهات، وتيارات الارتجال، وانسياقات الوهم اللذيذ، فتتقاذفها الرغائب والأمزجة، ولكن هل يا ترى يكفي الصدق مع النفس وحده للنجاح في طرح التجربة، واعتماد الإبداع من دون امتلاك الأسباب؟ لهذا سيظل الأفذاذ، ويتناوبوا بالتبجح بحمل رايتها، أولائك من ذوي الريادة .. بالهالات الإعلامية أو الإعلانية الجوفاء، ومن خلال استمرار منهج تلميع الأسماء، التي ديدنه إثارة الغبار والضجيج من حولها، أنى حلت، ومتى ما طلعت بفتوحاتها الإبداعية، لينفخ في جوفها الفارغ، حفنة كتاب لم يألفوا للقلم من مهمة، سوى الانضمام لجوقة التطبيل والتزمير .. إن أمام الأسماء، أو الأشخاص ذات البريق، لغاية من الغايات أو لحشر أسمائهم بمرادفة تلك الأسماء ، أو بمحاذاة تلك الأسماء .. لاعتقادهم بأنه سبيل وحيد للشهرة، ولمعان أسمائهم بين الأسماء في دنيا الأدب والثقافة، وزرع بصمتهم في حقل الإبداع.

    يتبع
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    #2
    نظرات في القصة القصيرة (3) / طالب عباس الظاهر

    القصة القصيرة ليست سوى معايشة وجدانية لحدث أو العديد من الأحداث أو مجموعة من الانفعالات الحسّية
    عايشها القاص كتجربة حياتية، واستطاع أن يعكسها عبر ممارسة نصية / إبداعية، ترسم وجه الحياة من وجهة نظر إنسانية عميقة .. تشف عن عمق دواخل القاص الموغلة في المجهول، وتنبئ عن توجهه الفلسفي في الحياة، متلمسة سبيلها للمعقول، لاستنادها بالأساس على تجربة حياتية معاشة، عاناها صاحبها مرة بعد أخرى، حتى رشح عنها ذلك المفرز المقروء، من خلال نجاح الإحالة لما هو محسوس، وبمدى الإخلاص وقدرة الاستلهام في رسم الصورة الحسية في الآخر، لتحريك الساكن فيه، والإثارة لمضمرات عواطفه اتجاه أشيائها، وعلى عكس الكثير من الحالات، فكلما اقتربت الصورة في الصيرورة من ذات كاتبها؛ تجلت نظارتها، وبانت عافيتها، مشيرة نحو حيوية نسخ الحياة في عروقها.. باتجاهات الشاعرية الصاعدة نحو ذرى إنسانية الإنسان، عاكسة عمق انسجامها العضوي المشكل بتوائمه في نفسه.
    إذ إن تلك المعطيات المخلقة، وسواها الكثير، ستمنح عملية سردها القصة، قوة التأثير، وسرعة سحب متلقيها إليها، وديمومة الاحتفاظ بوعيه في إطاراته المخلقة، حتى توهمه في نهاية المطاف بأنه صاحب المخاض، أو مشاركاً فيه، أو متعاطفاً معه في أقل التقادير.. فيبكي ويضحك ويتوتر ويغضب، حسب قوة الإقناع وموضوعية الطرح في متنها الحكائي.
    ومن بديهي القول بأن ذلك لا يتأتى بشكل مجاني، بقدر امتلاك القاص المبدع للمعرفة والصدق – جناحا الإبداع – لتكون التجربة مخلصة في نقلها لما يعتمل في شعوره الباطن من عوامل داخلية، ليغمر القارئ بها، فكلما ازدادت إحاطته بالقواعد الأساسية للقصة وأسرارها الفنية؛ كلما ازداد تمكناً من توظيف أدق تطبيقاتها الجزئية، وبالتالي خلق لحظة الإدهاش والصدم الهادئ، والخروج بالقصة سردياً، من خط سير الأفكار التقليدي في الطرق السالكة، وتجنب انحدارها وسقوطها في مستنقع برودة المألوف، والعادي من القصص والحكايات والأحداث، سبيلاً لتركها من قبل متلقيها وتحوله عنها، نتيجة عدم التوفيق بكسر حواجز السأم والملل فيه، ووقوعها أسيرة لما هو معروف ومألوف وتقليدي في الصورة الساكنة في ذائقته.
    أذن، فإن الصدق مع النفس وحده، قد لا يستطيع تشكيل قصة قصيرة، نعم يستطيع أن يمنحنا نصاً إبداعياً جميلاً، لكنه لن يكون قصة، فليس كل سرد جميل للمشاعر أو تتبع تجربة حياتية، أو حكاية تفاصيل شخصية، هو بالضرورة قصة، فقد يكون خاطرة أو مجرد تدويناً للمذكرات واليوميات العابرة، أو تسجيلاً لحدث من الأحداث، وكذلك الحال بالنسبة للمعرفة وحدها، فهي أيضاً غير كافية، وإن أسست التجربة خلفية لها، إلا إنهما معاً؛ وأعني بهما الصدق والمعرفة، سيظلان يعانيان على انفراد من فجوة تصدم المتلقي، وتصده عن الاستمرار في المتابعة، وتوقف فضول المتابعة لديه.
    إن القصة القصيرة قد تتحدث عن أشخاص وصراع عصري، غير إنها تعتمد فيما تعتده - كما نعتقد - على الخبرة، المختزلة لحقب زمانية متعاقبة، لطرح معيارية لحدود السمو، أو الانحدار بالفرز لأشدّ خصوصيات الرؤية الفلسفية لكاتبها، من خلال انتخابه لزاوية الالتقاط، وصورة الانعكاس للإيقاعات الكونية في ذاته، المستلمة والمرسلة في آن معاً، باعتباره مستلماً كإنسان ومنتجاً كقاص، فصفة الاستلام عامة، أما الإنتاج فهي خاصة بالمبدعين فقط، فليس مهما ما قد انعكس في مرآته الشفافة من حركة وتفاصيل الحياة المباحة؛ بقدر أهمية كيفية الانعكاس، بموجب تلك الرؤية، وبوحي من ذلك المنظور ذي التفرد المدهش.
    فإن لم يكن من الاستحالة تطابق التقاط المؤثرات الخارجة بين إنسانين من هذا الوجود؛ فمن الطبيعي سيكون من الاستحالة عكسها بنفس الطريقة..أجل قد يكون هنالك تشابهاً بعدة نقاط، والتقاء بأخرى، لكنهما على كل حال لن يتطابقا أبداً.
    وكذلك الحال بالنسبة للمقاساة الذاتية للنصوص الإبداعية بالمنظور الفني للشكل والمضمون، سواء كانت لنفس الكاتب أو بمقارنتها بنصوص سواه، على إن القصة تكتب لمرة واحدة والى الأبد، لتأشير مكانتها، وتحديد موقعها الحقيقي على سلم الإبداع.
    فالقيم الجمالية يتم تحسسها على نحو غامض وعجيب، حتى دون وعي كامل من متلقيها، فالكثير منها تستعذبه الذائقة الجمالية في الإنسان دون معرفة الأسباب الكامنة خلف مثل ذلك الشعور المترف، والانتشاء الطروب، وهذه من غرائب الفن ومعجزاته، وقد تقترب القصة بهذه المسافة أو تلك من الفنون الإبداعية الأخرى، كالتشكيل والنحت والموسيقى، وخاصة الشعر من فنون الأدب، لقرب منابع جذورهما العاطفية، فيما يسمى بالقصة الشعرية أو القص الشاعري وما شاكلهما، وفيما تنحو القصيدة باقتفاء الأثر نحو القمم، وتنتهي إليها في اللحظات العالية المتبلورة، بينما سيكون العكس في القصة، إذ يسمح لها أن تماشي إيقاع الحياة المفترضة في داخلها، ولعل اشد ما يجب أن تحافظ القصة والأقصوصة عليه، عدم التماهي مع قصيدة الشعر.. بخلق محوريتها، من خلال حركية بنائها، وتعددية أصواتها، وزمكانية طرحها، ولكن ليست أية حركة وأي بناء، كما في بعض الهلوسات القصصية، والهذيانات المنفلتة، التي يلجأ إليها بعض القصاصين في سردياتهم، فلا تؤدي إلاّ إلى متاهات فكرية وشعورية، فتضل أكثر ما تدل، وتشتت أكثر من كونها تلم وتجمع رؤوس خيوط السرد في الحبكة، لتضيء - كما هو مفترض لها- جوانب معتمة من الحياة، كفن يسعى جاهداً من أجل تحقيق ذاته السامية.





    نظرات في القصة القصيرة (4) / طالب عباس الظاهر

    القصة القصيرة ترتكز على المخيال بالأساس، سواء أكان واقعياً، أم فنطا زيا، أم رمزياً، لكنه ينبغي أن يكون موضوعياً في طرحه، ليكسب المعقولية في التناول، والجدوى في الخوض، ومن ثم المقبولية في التلقي، بالرغم من كون الأمر برمته، لا يخرج عن كونه تمرداً على رتابة سير الحياة، وتحرراً من قسوة قيود الواقع، وانطلاقاً نحو فضاءات الخيال.
    بيد انه ينبغي أن يكون تمرد وتحرر وانطلاق واعٍ مؤطر بالموهبة، إزاء أصعب فنون الادب ـ باعتراف الأدباء أنفسهم ـ لأن القصة هي عملية موازنة دقيقة بين التكثيف الرؤيوي في الشعر، وبين انسيابية الطرح في الرواية، فالقصة لا هي في حقيقتها مطولة شعرية، ولا هي مقطع من رواية .. لكنها يجب أن تكون هادئة في سردها، تملك بنية شاملة لجميع عناصرها، عبر انتقاء دقيق .. متناسق، يعمل جاهداً على أن يكمل بعضه البعض الآخر ويسانده، من أجل تصاعدية البناء نحو الخاتمة، غير قابلة للحذف منها، كما لا يمكن الإضافة عليها، ولو لكلمة أو جملة أو سطر فقط.. ناهيك عن إمكانية تسقيط أجزاء منها كما في الكثير من القصص، دون التأثير على بنيتها السردية أو متنها الحكائي.
    وقد يصعب ايجازها في تعريف دقيق او حتى حشرها في النظام الحكائي، والتتابع الحدثي، والرصد لانفعالات الشخصية، من دون المس بحقيقة تكوينها الفني وتحجيمه، والأفضل تركها تمثل نفسها، في انطلاقة الفن في نسغها الفني، وعكسها للقيم الجمالية المضمرة في الذات الإنسانية.
    ومن دون أدنى شك، وبإيمان راسخ نبوّب لقناعتنا، بعدم جدوى الفرض اياً كان نوعه ودوافعه.. من حيث كونه فرضاً لحواضن مسبقة، لقياس القصة من خلالها أو صنع الأطر ضمن الإنشاءات والرغبات الذاتية، فلن يوصف مثل ذلك التصرف ـ على اي حال ـ سوى بالغفلة والسذاجة، خاصة لما هو خارج عن طبيعتها كفن مستقل، سواء بالعقلنة او الاستعارة الجاهزة لنظريات الغرب لملء الفراغ ، وتوسل تطبيقاتها الحرفية، وإقحامها في قراءاتنا النقدية النادرة، قياساً إلى المنتج القصصي، وإن حقيقة الخلل ليس في النظرية، بقدر كونه يكمن في التطبيق بكونها - أعني تلك النظريات الغربية- قد ولدت بناء على حاجة التأصيل لمفردات واقع غير واقعنا، وضرورة تكيفها مع مناخات غير مناخاتنا؛ أي إنها غريبة عن مولدات قصتنا بصورة عامة، وبعيدة كل البعد عن همومنا الثقافية، ومشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي غيرها من جوانب الحياة الأخرى ومشاكلها، من دون بذل الجهد الكبير من اجل إجراء –على الأقل- بعض التعديلات اللازمة عليها؛ لتتلاءم مع قصتنا .. عبر التعكز على الحقيقة التاريخية القائلة، بنسبتها إليه، أي القصة، ومن ثم انتقالها إلينا، إذ إن الأدب العربي لم يعرف القصة القصيرة كجنس أدبي مستقل، إلا مع بدايات القرن العشرين، على العكس تماماً من فن الشعر.. الضارب بجذوره بعمق واقعنا الثقافي القديم.
    بيد ان ذلك لا يبرر الانسياق صوب التقليد الاعمى للمنجز الغربي بهذا الخصوص، وكذلك لا يبيح التمسك المتزمت بالموروث، بالرغم من تمنطق الطرفين بسلاح النقد، وتحصنهما بدرع التأدب، للرجم بحماسة المنفتحين أو بحسرة المتباكين على ماضي الأدب العربي، وإذا سلمنا بوجوب استجابتها وتأثرها بمثل تلك الأطروحات الخارجية، بشكل مباشر أو غير مباشر، من خلال إقحام نفسها بالقليل الذي تدركه، والكثير الذي تجهله؛ فذاك دليل كاف على عدم نضجها، وتأخر إمكانية امتلاكها لشخصيتها الأدبية المستقلة، ويؤشر بذات الوقت لبداية خروج عن حظيرة الفن الجميل، والانضواء تحت يافطة اي مسمى آخر، إلا القصة.. بأصالتها المطلوبة، ومن ثم تحويلها الى هجين ادبي ـ كما في كثير من النماذج مما تطرحه الساحة الثقافية الآنـ يستعير من القصة الإسم فقط، لكنه بالحقيقة يضيع في فراغات التنطع والوهم والخزعبلات...!
    فالقصة تؤشر رحلة بحث كاتبها في الحياة والإنسان والوجود، وتحاول أن ترسم مكابداته الروحية، وفق لحظة ابداعية محددة إلى بعدٍ تكويني جديد، يتسامى عما هو آني مقيد، لما هو تجاوزي مفتوح على آفاق الكون الآخر .. المجهول في داخله وفي دواخلنا، لنتحصن بفهم أفضل لكل ملابسات أحداث هذا الوجود وتناقضاته وتعقيداته.
    إذن، لنعظم الابتكار في نفسه، مهما كان ضئيلا، ونحتقر التقليد مهما ساق في تضخمه من الأسماء والمصطلحات الأجنبية الرنانة، التي غدت ـ مع الأسف الشديد ـ عند بعضهم الدليل الوحيد على الجودة .. باحتمالات سعة الاطلاع، ونفخ الآخرين ليهبوه سمنة خادعة، لكنها لا تعدو كونها مرضية، فعمر التقليد لا يولّد إبداعاً، ولكن من المحتمل أن تؤدي بعض هذه الإرهاصات البسيطة إلى الإبداع الحقيقي، رغم تواضع طرحها، وعزوفها عن التدافع مع زمرة المتدافعين، لحجز موقع لأقدامها تحت بؤرة الأضواء.


    يتبع
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

    تعليق

    • آسيا رحاحليه
      أديب وكاتب
      • 08-09-2009
      • 7182

      #3
      نظرات في القصة القصيرة (5) / طالب عباس الظاهر

      القصة القصيرة هي لحظة من لحظات التوهج الإبداعي في القلب والعقل معاً، ودالة على التنظيم المعجز فيهما داخل الذات الإنسانية،
      أي ذات القاص المبدع، رغم فوضى المؤثرات/ الملّدات الإبداعية على المستوى الخارجي، فما يشغل القلب، لابد وأن ينعكس على توجهات العقل، ويؤثر في قراراته اللاواعية ويصوغها حسب صبغته السائدة فرحاً كان أم حزناً، أم تقلباً ما بينهما .. بل هي ومضة من ومضات التجلي في فضاءات الأدب، وفلتة من فلتات الشعور الممنهج بالفكر، باتجاهات فضاء الكمال المادي المستحيل على البشر كونهم محكومون بمجموعة من الرغائب والميول الأرضية، والمستحكمة في أفعالهم وردودها، والاستعاضة عنه بالحسّي الممكن، وسبر مديات اللانهاية .. العائمة في سديم المجهول، للتأسيس لآتي المعرفة، عن طريق فتح آفاق جديدة في الشعور، وتدشين عذراء المعابر، وبكر الطرائق الشعورية، التي لم تطأها من قبل شاردات الخواطر، ولم تفضها بعد فحولة الإدراك، من أجل لملمة شتات أفكار التائهين في وهاد الغفلة والتيه، والملفعة نزعاتهم بجلابيب الأنانية، وشهوة الدم، من أجل ترويض وحشية الاستئثار .. المتأصلة في تراب ذواتهم السفلية، وبالتالي الاغناء لخزين التجربة الإنسانية .. برفدها بالجديد من تراكمات الخبرة الحياتية، اللازمة لمواكبة تطور الحياة بالاتجاهات الصاعدة، عبر توغلها في الأكوان الداخلية التي أبدعها الله ـ سبحانه وتعالى ـ في مخلوقاته، وأتمها في خليفته الإنسان .. لخلق المعادل الموضوعي لعظمة تكوينه لهذا الوجود.
      ولئن تكللت بالنجاح بعض خطوات العلم بغزو الفضاء، والنفاذ نحو الكون الخارجي بسلطان المعرفة، فوطئت أقدام البشر سطح القمر، وبعض الكواكب الأخرى، إلا إنها ستظلّ عاجزة عن اختراق الكون الداخلي للإنسان .. بل ستظل تحبو أبداً عند تخوم ضحضاحه .. وقد جاء في الحديث الشريف: (من عرف نفسه فقد عرف ربه)، وعن أمير البلاغة والبيان قوله بهذا الاتجاه:
      دواؤك فيك وما تشعر*********** وداؤك منك وما تبصر
      وتحسب إنك جرم صغير******* وفيك انطوى العالم الأكبر
      وكذلك قال الحكماء قديماً:(اعرف نفسك).
      فالقصة بهذا المعنى؛ محاولة لفهم مكنونات الذوات، وكشف النقاب عن أسرار الخلق في نفس هذا المخلوق العجيب الغريب، أجل، هذا الجرم العظيم القابع في الأعماق، الذي يدعى (الإنسان)، من خلال محاولة عرض ردود أفعاله اتجاه المؤثرات لتفسيرها، وحقيقة صراعه مع أخيه الإنسان، أو مع الموجودات الأخرى، وأزلية تصارع الخير والشر في نفسه، ومثلما أعتقد قدماء العرب بوجود شيطان للشعر؛ أي لحظة للإبداع الأدبي، تراود الشاعر العربي في لحظة بقت غير محسوبة، وغير مفهومة؛ فالقصة أيضا لها مثل تلك اللحظة، وإن اتخذت سبيل ليس بمعلن ضمن هذا الإطار، وقد أسهبوا قديماً في الوصف، وصوروا الأمر وكأنه هبوط لوحي الشعر أو الإلهام الإبداعي من السماء، بينما نحسبه ليس إلا توهجاً من الذات المبدعة، نحو سمو الحياة مع عنف التجربة.
      إذ إن القصة ما هي في حقيقتها، إلا استكناه لما يعتمل ويمور في دهاليز العقل الباطن، وإفصاح بليغ عن تراكمات انكساراتنا الخرساء، بدرجة لعلها أرفع من درجة الوعي ذاته، وقد سمي خطأً بـ(اللاوعي)، واختراق الحجب، وارتياد جنة التخليق المحرّمة، إلا على النابهين فقط ـ أحياناً ـ للخروج من منطقة الوعي المألوفة، صعودا باتجاه الأعلى منها، فبينما الوعي ربما يكون بالإمكان تهيئة أسبابه أنى شاء الكاتب دونما مشقة، وحسب الظروف الشخصية بطقوس الكتابة، ولكن وبذات الوقت سيكون من الصعب تجاوز منطقته نحو المنطقة التالية الأعلى منه، إلا نادراً في لحظات بزوغ الإبداع الحقيقي، وهو ما يمكن أن ننسب إليه لتلك النوعية من ردود الفعل العميقة في الإنسان، والتأدية للنشاطات اللاإرادية، ولا يمكن عزوه إلى اللاوعي المزعوم، فثمة سؤال يتبادر إلى الذهن هنا:
      يا ترى هل إن هذا اللاوعي الذي يسندوا إليه فعل الإبداع الأدبي، بقادر على تحريك يد الكاتب لتسطير جملة مفيدة واحدة، فضلا عن قصيدة أو قصة مكتملة العناصر، من دون اللجوء إلى الوعي ذاته في ذلك؟!
      وبصيغة أخرى: أبالوعي ذاته يرتفع الوعي؟ أم كيف يمكن تصور اللاوعي يقود الوعي؟! وأي وعي ذاك الذي يقوده اللاوعي..!!
      فالقصة القصيرة إذن، ببنائها المحكم، ورؤاها العالية، وصدق الحياة في عروقها، ودقة الإدارة لمفرداتها الفنية؛ لابد وأن تكون وليدة معطيات راقية، ليس الفكر والعاطفة وحدهما الأبوين الشرعيين لها،كي تنتمي لأسرة الإبداع، ما لم تنضم إليهما، وتكمن خلفهما ـ وهذا الأهم ـ توهجات الموهبة.


      نظرات في القصة القصيرة (6) طالب عباس الظاهر

      لقصة القصيرة لعلها من أكثر أجناس الأدب إغراءً للكتاب، لمراودة عالمها المكتظ، وأجواءها الحلمية، وتجريب الخوض في غمارها ..
      ربما لقربها وسهولتها الظاهرة، بالرغم من خطرها وتعقيدها المكين، بيد إنها ألذ فنون الأدب وأمرها بذات الوقت، بل لعلها الأشد شفافية وإيهاما، وقد تتجاوز القصّة ذاتها ـ أحياناً ـ فتكون ضدها، أو بموازاتها، كحكاية اللا حكاية نفسها، ولكن وحدهم من يتصفون بالأصالة، يستشعرون مواطن خطرها، فيتوجسون خيفة من إقحام أنفسهم في عالمها السحري، ويحاولوا تحسس بواطن جمالها لعكسه للآخرين، فيلتذون بمعاناتهم الإبداعية المريرة في معالجة مفرداتها فنياً وأسلوبياً وبنائياً، عكس من يوظفون ملكاتهم لأغراض نفعية .. ضيقة الأفق، أو في محاولة التحقيق لمآرب وطموحات شخصية في محاولة التقرب من هذا أو ذاك –حسب الطلب- أو تحقيقاً لذواتهم القلقة.. غير المستقرة، وغير المؤمنة بفنها أصلاً، وإذا ما خلو لأنفسهم قالوا، ما نحن إلا لاعبين! خاصة وإنها لتبدو للناظرين الأقرب والأكثر ألفة من الكاتب والقارئ معاً.
      أجل.. فمن يدرك حقيقتها الفنية؛ يحذر إغراءاتها الأدبية، فالشعر مثلاً عاطفة ورؤى فائقة، وموسيقى داخلية وصور، والرواية أحداث وشخوص وبناء ، إلا أن الإبداع القصصي، لا تصنعه المطاولة وطول النفس في متابعة تقنيات الرواية، ولا حيثيات الشعر، وتعويماته، بل هو مزيج من الاثنتين معاً، ومن أشياء أخرى لا يمكن حتى التأشير إليها بالكلمات .
      فهي إذن، حكاية يقصّها الكاتب، وقصّة هي التي تحكيه، يكتبها فتكتبه، فكم ..كم من أبطال لقصص أثيرة في نفوسنا، أحببناهم وربما عشقناهم أيضاً، ولا يمكن أن تغادر ذاكرتنا أسماء مبدعيهم من الكتاب، لأن ما تبوح به القصة في أوج تألقها من أشياء وأشياء، سيظل الأدنى قيمة إزاء سمو ما تحيل إليه من شفرات في نفوس متلقيها .. فهي حكاية تفصيلات حياتية، وتداعيات شعورية، وسياحات حسّية.. باستطاعة أيّ كاتب ارتياد عالمها المنظور أنى شاء، ولكنها قصة ستظل مستعصية حتى على الراسخ فيها، إلا حينما هي تشاء، فيصدمه الفشل في كتابتها، ولو حاول لمرات ومرات، حتى وإن حسب نفسه جالس على الغيم أو سائراً فوق الماء أو طائراً في الهواء!.
      وكما في الكثير من الكتابات التي يتوهم كتابها بأنها قصص قصيرة، وينشروها تحت هذا التوصيف، بل ويطلقوه على كل ما يكتبوا، وكما يحلو لهم، لا كما يجب، ولا يعدموا المهللين، بل ويحتفي بكتاباتهم الهجينة جمهرة من الكتاب كنصر مبين، ويستقبلونهم كالفاتحين!، بيد إنها بالحقيقة لا تستحق هذا التوصيف، بالرغم من توفرها على بعض الشروط المهمة فعلاً، لكنها ستبقى تفتقد الأهم، مما يسلبها في النهاية صفتها الأثيرة، لأن القصة ـ في حدود فهمنا البسيط لها ـ ليست فقط تسطيراً للأفكار والمشاعر، وحُسن التلاعب بهما فنياً، نعم هذه أدواتها، وبعض مفرداتها، ولكن على وجه اليقين أين يكمن الأهم ؟!
      بلا ريب، إنه لن يكون في التسليم اللاواعي لتنطعات الخيال، وعربدات القلم، وشطحات الرؤية، والاستسهال المؤلم الذي يمارسه البعض في الكتابة القصصية على بساط التجديد والتجريب والتجريد!.
      فنقول لهم، إن الجواد جامح، والمنحدرات وعره، والجو ماطر، والأرض زلقة، لكن وحدها مهارة الفارس ـ موهبته ـ من تستطيع أن تكسبه الرهان الصعب ـ الإبداع ـ وتعصمه من مخاطر المجازفة، وتقيه مغبة الانزلاق إلى تهلكة الغفلة، ومن ثم السقوط في مستنقع إغراءات الوهم، واللهاث خلف اللذة الحسّية في الذاتيات من مشاعر وعواطف وتجارب حياتية وتشبعه بها، مما يؤدي الى فقدان ملكة التجرد الموضوعي في نفسه، بعزل الكاتب لأناه عن قلمه، لكي يلهب اندفاعه وجماحه بسوط التهذيب، ويلجم غروره وتهوره بوقار الحكمة والتعقل والهدوء، فالرقيب الذاتي الذي يعدّ ـ بلا شك ـ أبرز مقومات نجاح المبدع، والعامل الأهم لاستمرار تطوره، وبمدى الصرامة التي يتمتع بها مثل ذلك المشرط الفني.. فلا نجاح على وجه الإطلاق لكاتب قد قمع في ذاته صوت مثل ذلك الرقيب.
      إذ إن السرد بذاته يعد أحد أهم الجماليات في القصة، خاصة لمن وهب لغة ناهضة، وأسلوباً دافقاً، وخيالاً خلاقاً، وذائقة مروضة على الاستلهام الشاعري، نتيجة طول المران والممارسة.. مما يوقع الكثير من الأقلام، وبعضهم ممن يعتبروا الآن أصحاب خبرة، بل ورواداً في مجالهم، في إشكالية مفادها، الخلط ما بين الجمالية الايقاعية للفظ والنغمة والنسق في سرد الخطرات الذاتية بأسلوب شاعري، وبين ماهية الإبداع القصصي الذي يعتمد ـ فيما يعتمده ـ على امثل ذلك لسرد الموحي،كإحدى دعامتي النص الأدبي فقط، إلا إن الانسياق مع لذة التفريغ الذهني لما تنوء به نفس الكاتب من مشاعر وأحاسيس وذكريات، دون التساوق مع القيادة الإبداعية الواعية لخيوط الحبكة القصصية فيها، لا يمكن ـ بأيّ حال ـ أن يبني قصّة متوازنة، ورشيقة، ومكتملة العناصر .. بالقياسات العالية، لا حسب مجانية التوصيفات السائدة!.
      ولو استمر السرد لمثل تلك الأشياء لعشرات الصفحات، فليس القصر أو الطول مناط الحكم، فما أسهل الاسترسال في التداعيات الشعورية، وتتبع الخطرات الحسية، والسياحة مع تموجات الإنثيالات الذهنية والذكريات، وبذات الوقت ما أصعب لملمة اشتاتها في قصّة قصيرة؟
      فكثيراً من القصص تشدنا بلغة سردها، وغرائبية تراكيبها، وشاعرية صورها، لكننا ننساها بعد لحظات فقط من قراءتها، وتحيرنا ماذا كانت تروم قوله، أو ما الذي كان يريد أن يوصله إلينا القاص من خلالها.. بل ما الهدف النهائي من وراء كل ذلك؟! ويأتي الجواب صادماً، بأن لا شيء هناك سوى العبث.
      فالإبداع القصصي يكمن في دقّة التوازن، وفق مقتضى الحال، فـ(كيف) الشكل ينبغي ايجاد تبريره بـ(ماذا) المضمون، والعكس بالعكس صحيح أيضاً، أي ليس مهماً في الشكل (ماذا قيل فيه) بقدر أهمية (كيف قيل)، وكذلك فليس مهماًَ في المضمون (كيف قيل) بقدر أهمية (ماذا قال).
      إذن، ستظل الكتابة القصصية توقع في شباكها الكتاب، وتستقطب المزيد من الأقلام الطامحة، لتجريب عالمها المكتنز بالأسرار، ذلك العالم الذي نوجزه بالسهل حدّ الانقياد .. الصعب حدّ المعصية.



      يتبع



      يظن الناس بي خيرا و إنّي
      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        نظرات في القصة القصيرة (7) / طالب عباس الظاهر

        القصة القصيرة، لا شك بأنها أثراً لقيادة واعية، ولكن في العقل الباطن..وقد تبدو غاية في الدقة والإتقان،
        وقد تصل أحياناً حدّ الإعجاز، إذا ما اقترنت بالموهبة، لإضفاء نوع من الانسجام على متناقضات الأحداث، واختلاف النوازع الشخصية وتقلباتها، وغرابة جريان نهر الوجود على مستوى السطح، من منظور الرؤية اليومية المعاشة، فتحاول تلك القيادة الواعية في العقل الباطن أن تجمع في قبضتها، ما تبعثره الحياة، وتبعثر ما تجمعه..في خضم تشابك خيوط الأحداث والمواقف والأشخاص في الأزمنة والأمكنة المتفاوتة، بتأشير خطوط فاصلة فيما بينهما.
        رغم استحالة تحقيق مثل ذلك الأمر في الواقع، وترتيبها حسب مقتضى سير الحبكة عن طريق الوجود في الزمن الحاضر أو الرجوع أو التقدم إلى الآتي، أو الانتقال المتتالي بينها، وعرض أحداث الحياة حية أو كأنها قطعة منها، بدفع جميع المكونات نحو نهاية ينبغي أن تكون حاضرة في وعي القاص المبدع منذ نقطة الشروع الأولى في التمهيد والافتتاح للقصة، لحين بلوغ الهدف النهائي.
        لكي يتسنى التوظيف لأدق الجزيئيات المشعة، وحشد جميع الممكنات منها، في خدمة عملية القص، والبناء الداخلي للقصة، باتجاه سد الفراغات السردية، من أجل الإضاءة لأهم الجوانب المعتمة في النص الأدبي، لخلق التأثير اللازم في الآخر، من خلال استدراجه بهدوء وروية، وإغرائه لتتبع البنيات المشكلة، من خلال الاستثمار الأمثل لخزين الخبرة في ذاكرته .. المعبأة أصلاً بذكرى الألفاظ ، والتجارب الشعورية الماضية، وتراكم الخبرات، في عملية تخليق وإشاعة الجو المطلوب لأحداث القصة، بإثارة المتلقي، وجعله حاضر الذهن والتوقع لتلقي المزيد من الومضات أو الإشارات، ومن ثم بدء التصعيد الفني للبناء الداخلي للقصة.. دفقة فدفقة، وخطوة إثر الخطوة، وانتقاله بعد الإنتقالة وهكذا، حتى تهيج العواطف والأحاسيس، وربما تستدر دموع القارئ حزناً أو فرحاً أو غضباً دون مشيئة منه.
        فالقصة القصيرةإذن، هي لحظة قنص بارعة، أو مجموعة ضربات موفقة، لما يستدعيه الجو العام من الألفاظ والأحداث والأوصاف والأسماء، وما إلى ذلك من أشياء، في عملية رصد فذ لأدق الحركات والسكنات والانفعالات، وردود الأفعال وغربلتها، بل والاستجابة الشاعرة لموسيقى الألفاظ والأنساق، بما تحيل إليه من ذكريات موحية، فإذا ما أبطأ القاص بالتصويب باللحظة المناسبة؛ فاتته الفرصة (الفكرة)،أي فشل باقتناص اللحظة المثالية في طرق هذه الفكرة أو تلك، وأضحت تصويبته باردة، فلا تدرك حيلة إزاء الوصول لمبتغاها، وإذا ما تعجّل؛ ولدت ناقصة.. فجة .. تائهة، لا تعرف ماذا تريد، والى أين تذهب، فتجهل نفسها وهدفها، وسرعان ما تتحول إلى مجرد رقم من بين الأرقام، وتضاف إلى هذا الركام الهائل من القصص.
        القصة القصيرة، لا يمكن أن تجيّر إلا لذاتها .. تقودها النظرة الفلسفية لكاتبها في الحياة والوجود والإنسان، وإن بدت معالم مثل تلك النظرة، غير واضحة تماماً بين ثنيات النص القصصي المطروح لأول وهلة، وقد يلتبس الأمر حتى على الكاتب نفسه .. المبدع لها، لأن لها وجودها الفني المستقل بعد صدورها عنه، المرتبط أصلاً بخلفيته الثقافية، ومواريثه الاجتماعية، فهي بالتالي ابنة عواطفه دون تجريد ملكاته العقلية، فمن يستطيع بالحقيقة دفع لحظة حزن واحدة عن نفسه، أو جلب الفرح لها؟
        أجل..فإن الإبداع بصورة عامة، وفي القصة على وجه الخصوص، لا يأتي بحقائق خارجية ليعرفها للآخرين، فأنه كفن غير معني بذلك أصلاً، لأنها مسؤولية العلم، وغاية ما يرجوه استنفارها فيهم،؛ أي حقائق الوجود .. ليوقظ سباتها المديد، ويوقظ غفلة ذواتهم عنها، من خلال العودة للكشف عن معدنها الأصيل؛ أي ليذكرهم .. سبيلاً نحو إزاحة غشاء الإهمال عنها في عميق مشاعرهم، وجلي الرين المتراكم عليها بالنسيان، تطهيراً لفطرتهم - الملوثة بهموم ومشاكل الحياة المادية - التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيهم، منذ صورهم وكانوا عدما.
        إذ إن النتاج الفكري، ربما يخرج من واحة الشعور من خلال بوابة العقل والمنطق، أما النتاج الشعري فإنه يخرج من واحة العقل والمنطق، من خلال بوابة الشعور، فالإنسان أذن، لن يخضع فينقاد انقيادا واعيا لشيء؛ مثلما يخضع وينقاد للذوق الفني السليم، والحس المرهف، والأصالة في الإنعكاس، والصدق في الإلتقاط لجمال الكون والحياة والإنسان .
        وهنالك من يستجيب لمسحة دون الأخرى من مسحات القصة القصيرة، ويستهويه طابع دون الآخر، سواء أكان تشاؤمي أم متفائل، فرح أو حزن، ويحاول فرض وجه نظره، إلا إننا نعتقد بما يفرضه المقام، فالكل في موقعه مستحسن، وهي بالتالي ستظل وليدة بيئتها، وإفرازاً حقيقياً لما يخبئه الواقع، وما تعكسه مرآة كاتبها من خلالها، إذ ليس بالضرورة إن كل مفرح جميل، أو أن يكون كل محزن قبيح، لكن قطعاً إن كل حقيقي مؤثر، وحسب صدق الدوافع في نفسها، ومن ثم الموهبة في ترجمة المشاعر، وهي أثيرية الوجود، وتحويلها إلى أحداث وصور.. نابضة بدفق الحياة، ونسغ الخلود، مع كونها مجرد تسطير للكلمات الخرساء، وتسييل للحبر الميت على أديم ورق أصم.



        نظرات في القصة القصيرة (8) / طالب عباس الظاهر



        القصة القصيرة نمط سردي مفتوح، وفي انفتاحه تكمن صعوبة الإحاطة بدلالاته المعرفية، جراء فتحه لنوافذ التأويل،
        وأبواب الإستقراء، في ملاحقة التصورات الإبداعية للقاص، ومحاولة الإيغال بعيداً مع أطروحاته الذهنية .. سواء في بعدها الرمزي أم الصريح، وترك الأبواب مشرعة على شتى الاحتمالات الممكنة.. والمألوف أن يتلقى الآخر المنتج الإبداعي حسب انعكاسه في ذائقته الفنية، لا كما هو في الواقع، فيتحول إلى مبدع آخر للقصة، وإلى منتج ثان لذات النص.. وفي أحيان يكون فيها المتلقي أكثر عمقاً حتى من الكاتب نفسه.
        ففن القصة يكسر حصار الممكن والمعقول والمقبول من التصورات الذهنية، بالاختراق لحاجز فوضى الواقعي، صوب انتظام المتخيل .. الذي لا يصيب بمخياله صميم الواقع فحسب، بل يتعداه فيستكشف ضبابية الآتي، ويستشرف أحياناً أفق مدياته الرحبة، ويسيح في مداه اللا منتهاه، لأن النص القصصي يحمل في طياته مشروعيه التجريبي لمختلف الطرائق، ما دام إن ليس هنالك ما يمكن الاستناد عليه من ثوابت السرد وكيفيته، لكن شريطة أن لا يكون ذلك على حساب الركائز الأساسية لفنها الجميل، كما في الكثير من النماذج القصصية، بالاستغراق بالرمزية أو التحليل النفسي أو الفنتازيات، وما إلى ذلك، ولكي نحفظها من عبث المتجاوزين، وغفلة المتنطعين.
        أو قد تدمر القصة الرؤيا الواقعية للحياة، وتثور على المألوف أحياناً في بنيتها الحكائية، ولكن لمصلحة بناء ذاتي جديد يؤسس لمنحى كاتبها الأصيل.. وبالعكس فان الاستجابة المتعجلة؛ يعني انحرافها مع عنف الموجات السائدة من التهويمات والتجريد، بالتقليد الأعمى، أو التأثر السلبي بما تنقله ألينا بعض الترجمات من القصص، والضعيف منه بالخصوص بالاستسهال، مما سيولد حينئذ موتها المعنوي، فتغدو مجرد هياكل جوفاء، فاقدة الروح والمعنى، سرعان ما تلفها غبرة الإهمال، وتقرضها أرضة الزمن بالنسيان، وربما عاشت منذ ولادتها محنطة في متاحف الكتب .. داخل معارض الصفحات، محنطة في توابيت السطور، فتفرّ من منظرها ورائحتها كلما اقتحمتها النفوس الظامئة بفضول الاستطلاع، وهي التائقة أبداً لكوثر الخلود، والجائعة لخبز المعرفة للتزود من إكسير الحكمة.
        فذاك بالحقيقة برزخ فاصل ما بين خلود الإبداع، وفناء الهذيانات السردية الجوفاء، والخط العازل ما بين ولادة الفن، واحتضار التزييف، بل وسيكون حداً ما بين ربيع متجدد، وخريف دائم.
        فبعض القصص مثل بعض الأزاهير الطارئة، يوجدها الفجر، ويمحقها الأصيل، وكأنها تأتي الحياة لكي تموت، وسواها يموت لكي يحيا، فلم تحلم بالسمو إلى مرتبة القصة القصيرة بأصالتها المعهودة، لتضيف أي شيء للحياة والإنسان والوجود، حروف وكلمات وسطور تعانق شغاف القلب، وسكنها حدقات العيون، فتنساب في مجرى الزمن، وفي ضمير الحقيقة الكلية، لأنها تحكي معاناة العصر بصدق للأجيال ـ عصر ولادتها ـ وتعكس وجه الحياة المغيبة عن الرؤية العادية، عبر تدفقها الحيوي كما العبير، من صميم إنسانية الإنسان، وكعين ماء زلال متدفقة من صدر الأرض الصامت منذ الأزل والى الأبد.
        فبقدر تعلق الأمر بالقاص المبدع ذاته، فهو يتحمل مسؤولية حسن العكس والتوصيل، إلا إن مسؤولية الآخر في استلهام قيم النص الجمالية أكبر، بقراءة واعية تفوق مستوى استقراء الكاتب نفسه أحياناً.
        فالقصة قد تحقق شاعريتها، إلا إنها لن تكون سوى بصمة مبدعها المتفردة، فالذي يهرق مداد قلمه ـ زيت روحه ـ على أعتاب العابر، والساذج والدنيء من الرغبات، وربما المتطرف من الهواجس والهموم غير المفهومة أحياناً، فأنه لا يضمن له الاستمرار، إلا بمقدار بقائه بالحياة في أفضل الفرضيات، أو قبل ذلك، فتكون كتاباته عسيرة الهضم والتمثل في الذائقة الجمعية، وثقيلة الوقع في مجموعها على جمهور المتلقين من القراء والمهتمين والدارسين، بيد إنها ستظل خفيفة جداً، بل ومتلاشية الوزن والقيمة في حسابات الزمن، فتركن في إحدى زوايا الإهمال، مشكلة مع ما يشاكلها من نتاجات الأدب الهابط، عبئاً مضافاً على ما يثقل صدر الأرض من أطنان الكتب.
        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          نظرات في القصة القصيرة (9) / طالب عباس الظاهر


          القصة القصيرة أداء لغوي موح، يحيل لما هو حياتي معاش بالصوت والصورة،
          مستثمراً في الآخر لخزين تجربته الإنسانية في الحياة، والتحفيز لتراكمية الأحداث لمشاهده وذكرياته، فيعكس مثل هذا الأداء التعبيري مدى أصالة تجربة القاص الإبداعية في ملامسة أدق الجزيئيات المهملة، وربما المنسية أيضاً في دهاليز الذاكرة، وترتيبها بأوضح شكل، ليعيد تشكيل لبناتها من جديد، وفق رؤيته الفلسفية، لا كما هي في الواقع .. عبر توفر شرطي المعرفة والصدق في مثل ذلك الاشتغال الفني، في محاولة للربط مابين الأحداث والشخوص والأمكنة والأزمنة المختلفة، واغتناء احدهما بالآخر في المسيرة السردية التي قد تطول أو تقصر، لاستيفاء الغرض المراد في البناء الداخلي للنص القصصي.
          إلا إن من المهم جداً الالتقاط الواعي لأهم المفردات الحياتية التي تخدم هذا الغرض، والمحافظة على التتبع الدقيق لتطور خطوط سير الثيمة، من البداية حتى النهاية، وعدم إغفال المفردات عائمة تتخبط في فراغ المجهول، مهما كانت بسيطة، إذ إن قوة الحدث الرئيسي للقصة، ومحاولة تجسيد صفات الشخصية المحورية ـ البطل ـ يدفعان بالبنيات المشكَّلة نحو التوهج .. بالإفصاح البليغ عن أبعد مكنونات المبدع.
          إذن، فالحدث يُعَدُّ نقطة ارتكاز لانطلاق القصة، وبفقده تفقد بوصلتها، وتظل تائهة في بحر السطور لا تعرف ماذا تريد؟ وإلى أين هي ذاهبة؟! وبالتالي تعجز عن فهم نفسها وهويتها معاً، فضلاً عن قدرة الأداء لرسالتها ونجاحها في تلك المهمة الجوهرية، وعلى العكس فإنّ الوصف الزائد، والإغراق فيه يوقف التدفق الحيوي لسير الحبكة، وربما يورث السأم في نفس المتلقي .. دافعاً به نحو الخارج، ومحفزاً إياه على التشتت.. بدلاً من سحبه إلى الداخل؛ أي الانشداد إلى المتن القصصي، كما هو مفترض، وإغراقه في خضم تناقضاته وصراعاته، واحتجاجاته المستترة والعميقة على يجري وما هو حاصل على مستوى السطح من أحداث الحياة والوجود.
          فضلاً عما يمثله الحدث من الأهمية القصوى، بإدامة عنصر التشويق في سرد النص القصصي، واستمرار متابعة الآخر؛ فهنالك مفردة مهمة أيضاً، وهي ضرورة الاشتغال على المتناقضات والمتضادات والمتعاكسات، من أجل إبراز القيم الجمالية للأشياء في النص من خلال الخوض في القبيح منها، والعكس صحيح أيضاً، فالوجود قائم بالأساس على ثنائية الأضداد كالليل والنهار، والحق والباطل، والسماء والأرض وما إلى ذلك..فلولا سواد الليل وعتمته؛ لما عرفنا بياض النهار ووضوحه، ولو لا ظلم الباطل، لما لمسنا عدالة الحق، ولولا سمو السماء لما أدركنا وطء الأرض وانحدارها .. وهكذا.
          القصة القصيرة كيان محنط في ظاهره الساكن، وجسد جامد لا روح فيه ولا نبض، رغم إنه يختزل الحياة أو قطعة حية من الوجود .. في تجربة حياتية وإنسانية ثرة، فبينما يجف النسغ في عروق الأحياء، إلا إنه يمكن أن يخلد في متن النص القصصي، حتى بعد موت كاتبه، وتحول عظامه إلى مجرد رميم، وربما يستمر إلى الأبد أحياناً .. بمدى ملامسته لحقائق الوجود الكبرى.
          فالموهبة الإبداعية كما البذرة، تستطيع أن تختزن وتحفظ للقصة حيوية الصيرورة، وتبقي الحياة تمور بكيانها .. بدفق الوجود، متى ما حرّكت الذائقة المرهفة للآخرين سكون المعنى وهجوعه وقيامه المؤمل، فتبعثه نضراً يفيض حيوية كالحياة، يقابله في البذرة توفر الظروف الطبيعية من تربة وماء وهواء.. دائماً يحاول أن يستدرج المتلقي للتوغل أكثر فأكثر صوب المخبوء، ويجذبه بسحر أخّاذ لاكتشاف أعماقه .. بالاستقراء الواعي لأدق التفصيلات الحياتية المضمرة طي الحروف والكلمات، بل بعمقها المحجوب أبداً عن النظرة العادية .. بالاستقبال الساذج، لإماطة اللثام عن فحوى طرحها الإنساني الخالد، وبمدى تحسس الوجع النبيل في عقل وقلب ونفس الإنسان .. الرابض في التأوهات المكبوتة، وصدى الصراخ الأخرس، ورجع الأنين الشجي، بألف ألف لغة غير مدونة، تستهزئ بقدرات البوح الممكن في كل لغات العالم مجتمعة.
          القصة القصيرة ينبغي لها أن تغدو نافذة على عالم شفاف مشحون بالرؤى، وكهف مسكون بالهواجس البكر التي لم تطأها بعد عذراء المشاعر والأفكار، كونها تنساب في ذائقة الآخر كصوت نحيب المطر في غبش شتوي بارد على شباك علوي لبيت قديم، تولول الريح بين قضبانه الحديدية الصدئة، وتصفر مع اشتداد الأعاصير، فينعكس على زجاجه وميض انفلاق السماء بالبرق، وغضب الرعود، فيمسح وجهه كل صباح ضباب الفجر الحالم .. وقطعاً فلن تتحسس مثل تلك الأشياء النفوس المتلفعة بالغفلة، والأذواق النزقة المتشرنقة بغشاء البلادة واللامبالاة، التي غالباً ما ترى لكنها نادراً ما تعقل.
          والقصة ككل متكامل ومتوحد ومتناسق الألوان والأشكال، بل وغاية في الدقة والإتقان، وبكلمة واحدة إبداع، فلا ينقص جزء إلا ويحدث الخلل، ولا يطغى جانب إلا ويولد عدم الارتياح، ولا تتعارض الفطرة إلا وتخلف النفرة، كلوحة فنية رائعة من صنع إله قدير بديع السماوات السبع والأرضين.. بعكسها صورة الحياة الشفافة، فترجيع في أطرها صدى خطى الانسان منذ وطئت قدماه هذي الأرض، بإعادة المتخيل الإنساني إلى الوجود مرة بعد أخرى حتى يصل إلى مرحلة التكامل بالخلود.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • وسام دبليز
            همس الياسمين
            • 03-07-2010
            • 687

            #6
            ياه يا أسيا حقا حين نقول مبدعة فأنت تحملين الإبداع نبضا في أعماقك
            لا اعلم لما قرأتك هنا كما كنت أقرأ لغادة السمان بلذة بنهم للحروف
            رائعة وكفى

            تعليق

            • آسيا رحاحليه
              أديب وكاتب
              • 08-09-2009
              • 7182

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة وسام دبليز مشاهدة المشاركة
              ياه يا أسيا حقا حين نقول مبدعة فأنت تحملين الإبداع نبضا في أعماقك
              لا اعلم لما قرأتك هنا كما كنت أقرأ لغادة السمان بلذة بنهم للحروف
              رائعة وكفى
              كم سرّني كلامك عزيزتي وسام ...
              و كنت بحاجة لرأيك خاصة و أن النص تجريب
              و محاولة جمع بعض الخواطر على طريقة القص ..
              شكرا لك من كل قلبي .
              مودّتي و امتناني.
              يظن الناس بي خيرا و إنّي
              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

              تعليق

              • دينا نبيل
                أديبة وناقدة
                • 03-07-2011
                • 732

                #8
                أ / آسيا رحاحلية .. الحبيبة

                كانت لابد أن تكون لقطات ، ومقاطع وكأنه قلب يكتب مذكّراته! .. ربما تكون اليوميات شيء روتيني ، ولكن ما أغربه من روتين حين يكسره ذلك الأهوج المتقلّب .. القلب !

                فنُصبت له تلك الساعة، فبدل الأرقام .. هاهي مشاعرها معلّقة مشرّعة ( الخوف - العشق - الجنون - الحزن .. ) لتعلن أمام ذلك القلب الأنثوي الرقيق مصير حب نبت فيه بريئاً .. فتحاول تنقذه تنبهه على جرس الإنذار

                جميلة الصور المتلاحقة لحالة حب متطوّرة بكل مراحلها ..

                وهذه صورة جديدة .. اليوميات - فكرة الساعة في مقابلة مشاعر الحب ، وكأنّ الواقع قد أخذ ينصب أنيابه حول كل شيء جميل حتى يكاد يفتك به ، لأن كل شيء له نهاية ومساحة من الوقت ..

                راقني ما قرأت لك أستاذتي ..

                تقديري لإبداعك المتميّز ..

                تحياتي

                تعليق

                • فاطمة يوسف عبد الرحيم
                  أديب وكاتب
                  • 03-02-2011
                  • 413

                  #9
                  الأديبة الرائعة آسيا
                  كلمات من القلب وأثرها غمر كلّ القلوب وصداها لامس شغاف القلوب الرهيفة ، سلمت يمينك لما لك من فضل في إضفاء المتعة على قلب كل قارئ
                  تحية وتقدير

                  تعليق

                  • آسيا رحاحليه
                    أديب وكاتب
                    • 08-09-2009
                    • 7182

                    #10
                    نظرات في القصة القصيرة (10) / طالب عباس الظاهر

                    لقصة القصيرة وليدة تلاقحات نفسية وشعورية عميقة الأثر في الذات الشاعرة للقاص، يتداولها عقله الباطن،
                    يضيف إليها أو يحذف منها، حتى توجدها معطيات متناقضة في إعادة الهيكلة لكيان مستقل، هو خليط من تداعيات مواريثه الاجتماعية، وذكريات خلفيته الثقافية، وأشياء أخرى لا يمكن الإحاطة بكنهها، فتحيا القصة تحت مستوى الإدراك الواعي في ذات المبدع، بل وقد تسبت طويلاً بين ثنيات الوعي الداخلي للعقل الباطن، إلا إنها تظل تنمو هناك بوئدة وهدوء، حسب جدية الاشتغال في منطقتها الشعورية الحارة..أي بإدامة زخم الانفعالات العاطفة المجاورة لماهية التجربة، وربما تحولها نحو الذهنية الباردة أحياناً، وفي أحيان أخرى قتلها بكيف وأين ومتى و..و..! وفي غيرها من الاستفهامات الصارمة التي تؤدي إلى وئدها في الرحم الإبداعي قبل تشكلها الفني في لا وعي القاص.
                    فإن الأفكار المجردة موجودة في كل أجناس الأدب، والقصة منها على وجه الخصوص، وإن يكن نصيبها من القوة والضعف، أو الغموض والوضوح متفاوتاً من نص لنص، ومن قاص إلى آخر.. بيد إنها في متناول الجميع على حد سواء، وبمسافات متماثلة ربما، لكن الفن كل الفن يكمن في القدرة على شحنها بطاقات العاطفة، ونبض الشعور، ودفق الإحساس، لتتعايش مع ما يكنه الآخرون في أعماقهم عبر وعيهم الجمعي، فيعيشوا معها من جديد مرة تلو أخرى،كما إستلهمها المبدع ذاته أول مرة، فتطرح مشاريعها الفكرية التجديدية بسهولة ويسر، وبأقصر الطرق وأنجحها، سالكة سبيلاً غير مباشر، بدغدغتها للفطرة السليمة النائمة تحت ركام الأوهام، وصولا نحو كسر دفاعاتها النفسية، وتهيئتها من أجل تلقي ما لم تستجيب له لو جاء بشكل جاف.. بعيداً عن أثارتها واستدراجها الهادئ نحو محاولة الفك لبعض الأسرار عبر الرمزية المفتوحة، والإيحاء والإيماء والإشارة، على العكس من محاولة الفرض للتصورات الجاهزة .. الخالية من دفق العاطفة، ووهج اللغة الأدبية المنمقة وسحرها، هذه اللغة التي ترفض عادة مثل تلك الأفكار المجردة ذات المنظور الوحيد كما في المطالب العلمية، لأنها سوف تقذف بها خارج مجالات الفن والأدب.
                    فإن من المهم جداً استمرار رفدها بالمستجدات من التجارب الشعورية للقاص المبدع ذاته، على أن لا ننسى بأن التجارب تلك – مهما تكن غنية- لا تقدم سوى المواد الخام، ولا تمدّ إلا بالتصورات الحسية الأولية لمضمون التجربة، وإنها تبقى غير ذات معنى، ولا فائدة؛ لو لم تصادف في ذهنية الآخر الشروط الطبيعية والسيكولوجية الخاصة للاستنتاج والتحليل، ومعارف ضرورية لا تخضع للتجربة، ليمارس تطبيقها على المواد الخام تلك؛ فينتهي بنتائج جديدة، وكلما تكررت عملية التمحيص، وتكامل رصيدها من الخبرات اللازمة؛ كلما ازدادت فيها عوامل الخصب والثراء وبالتالي الفائدة والاستمتاع معاً.
                    بيد إن صدق التجربة واختمارها جيداً، ومحاولة قنص لحظة الولادة الفنية الملائمة، هو السبيل الوحيد الذي يمكن أن يعصمها من الانزلاق في الايهامات السردية العائمة، والتدعيات المنفلتة، والتي وإن كانت شاعريتها عالية؛ إلا إنها لن تكون منضبطة تماماً كما ينبغي على أية حال.
                    وبلا أدنى شك فإن القصة الحقيقية لن تستجيب للإستدعاءات الواعية قبل موعد اكتمالها الفني، ونضجها المعنوي .. في مدة حضانتها الطبيعية، التي قد تستمر أحياناً لساعات فقط، وربما امتدت لعشرات من السنين في أحيان أخرى.. فكم من الومضات الحسّية تسبت في الأعماق اللاشعورية للقاص المبدع، حتى تكاد تندرس فيما يندرس من ركامات الذاكرة، إلا إنها فجأة تتهيكل من مادة إبداعية مستقلة بذاتها، أو تكون جزءاً من غيرها، ولعل من المستحيل إمكانية التحديد لموعد ولادة القصة – طبعاً بالقياسات الفنية العالية – بل هي وحدها من يختار مثل ذلك المعاد، وبمحض إرادة ذلك الأعلى من الوعي ذاته الذي نوهنا عنه سابقاً، وأقصد به (لحظة الإبداع).
                    فحينما تخدش يد القدر الفولاذية أعماق سحيقة وشفافة في كينونة الإنسان المرهفة، وتستفز بقوة روحه الشاعرة؛ تنزف تلك الذات أو الروح ما ناءت بحمله طويلاً في حشاشتها من رميم الأحلام الموءودة، وبقايا أشلاء الأماني القتيلة، وقيح التطلعات الجريحة.. في توجعها الوجودي النبيل، قاذفة بها نحو مراسي الرؤى البعيدة، الموغلة في القدم والمجهول، عند لحظة مخاض عسير تحاصر كاتبها أينما كان ويكون، كي يفسح مسالك روحه لمرور موكبها القدسي الجليل نحو التجسد والتهيكل بكيان، لتبصر النور بعيون الشعور، ولمح البصيرة، وجمال الخلاص، فتحيا غمرة السعادة الأبدية للإنعتاق من العدم المهول التي رزحت فيه قبل الآن، يوم..شهر..سنة..حقبة..قرن، وكلما كانت مدة سجنها الكونية أطول؛ كلما كان الفرح أعم وأشمل.. فتحيا راقصة على الورق والكلمات، بعد أن ولدت وترعرعت في عالم الخيال والنغمات.
                    يظن الناس بي خيرا و إنّي
                    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                    تعليق

                    • آسيا رحاحليه
                      أديب وكاتب
                      • 08-09-2009
                      • 7182

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة دينا نبيل مشاهدة المشاركة
                      أ / آسيا رحاحلية .. الحبيبة

                      كانت لابد أن تكون لقطات ، ومقاطع وكأنه قلب يكتب مذكّراته! .. ربما تكون اليوميات شيء روتيني ، ولكن ما أغربه من روتين حين يكسره ذلك الأهوج المتقلّب .. القلب !

                      فنُصبت له تلك الساعة، فبدل الأرقام .. هاهي مشاعرها معلّقة مشرّعة ( الخوف - العشق - الجنون - الحزن .. ) لتعلن أمام ذلك القلب الأنثوي الرقيق مصير حب نبت فيه بريئاً .. فتحاول تنقذه تنبهه على جرس الإنذار

                      جميلة الصور المتلاحقة لحالة حب متطوّرة بكل مراحلها ..

                      وهذه صورة جديدة .. اليوميات - فكرة الساعة في مقابلة مشاعر الحب ، وكأنّ الواقع قد أخذ ينصب أنيابه حول كل شيء جميل حتى يكاد يفتك به ، لأن كل شيء له نهاية ومساحة من الوقت ..

                      راقني ما قرأت لك أستاذتي ..

                      تقديري لإبداعك المتميّز ..

                      تحياتي
                      الناقدة الواعدة دينا نبيل ..
                      سرّني جدا أنّ النص راقك ..
                      ربما أغيّر العنوان إلى " من ألبوم القلب "حين أقرّر نشر النص في المجموعة.
                      شكرا لك من كل قلبي .
                      تقبّلي محبّتي و تقديري و أصدق أمنياتي .
                      يظن الناس بي خيرا و إنّي
                      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                      تعليق

                      • آسيا رحاحليه
                        أديب وكاتب
                        • 08-09-2009
                        • 7182

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة فاطمة يوسف عبد الرحيم مشاهدة المشاركة
                        الأديبة الرائعة آسيا
                        كلمات من القلب وأثرها غمر كلّ القلوب وصداها لامس شغاف القلوب الرهيفة ، سلمت يمينك لما لك من فضل في إضفاء المتعة على قلب كل قارئ
                        تحية وتقدير
                        شكرا لك على لقب الأديبة ..
                        أتمنى أن تجدي ما يمتعك دائما في كل نصوصي .
                        محبّتي و احترامي أختي فاطمة .
                        يظن الناس بي خيرا و إنّي
                        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                        تعليق

                        • عائده محمد نادر
                          عضو الملتقى
                          • 18-10-2008
                          • 12843

                          #13
                          آسيا
                          آسيا
                          آسيا
                          نص عاشق جدا
                          خذلان
                          ترقب
                          وفيه وخزة قوية أحببتها جدا
                          حين يخذلنا أقرب الناس للقلب تصبح الروح معذبة وتفقد الصور رونقها سوى ألم وغصة تتركها في القلب لتوجعه
                          اليوم تعرفت على وجهك الآخر وسعيدة به صدقا
                          حروفك كانت تنساب بدفق أذهلني كأنها تراكمات أردت انزياحها بالسرد ففعلت
                          وسؤال طرحته على البطل وكانت الاجابة فلسفة رائعه حبست أنفاسي حقا
                          كنت رائعة هنا لولا بعض الخاطر نفح كثيرا
                          محبتي وغابات ورد وليتني أجد ردا منك يذهب عني الكثير من الوجع
                          محبتي غاليتي
                          ماذا..؟ وكل رجل تحمله حواء على أكف الوجع إلى بيادر الفرحة يجرجرها هو من شعرها معصوبة العينين إلى المقصلة...؟
                          و تقول : أود لو أقضمك كتفاحة ؟!
                          أوَ لم تكْفك تفاحة قضمتها قبلا فأخرجتنا بها جميعا من الفردوس ؟ ثم شَرقت بها فاحتبست في حلقك بارزة ، شاهدة أبد الدهر على جشعك وعصيانك ؟
                          يحزنني أنّك و أنا لم نر الحب من نفس الزاوية...أنا رأيت الحب شريعة ، فلسفة حياة ، قضيةً و مصيرا... وصمةً ، وشمًا ، بصمةً و هوية ، و رأيته أنت محض تدريب لأعضاء الجسد .
                          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                          تعليق

                          • آسيا رحاحليه
                            أديب وكاتب
                            • 08-09-2009
                            • 7182

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                            آسيا
                            آسيا
                            آسيا
                            نص عاشق جدا
                            خذلان
                            ترقب
                            وفيه وخزة قوية أحببتها جدا
                            حين يخذلنا أقرب الناس للقلب تصبح الروح معذبة وتفقد الصور رونقها سوى ألم وغصة تتركها في القلب لتوجعه
                            اليوم تعرفت على وجهك الآخر وسعيدة به صدقا
                            حروفك كانت تنساب بدفق أذهلني كأنها تراكمات أردت انزياحها بالسرد ففعلت
                            وسؤال طرحته على البطل وكانت الاجابة فلسفة رائعه حبست أنفاسي حقا
                            كنت رائعة هنا لولا بعض الخاطر نفح كثيرا
                            محبتي وغابات ورد وليتني أجد ردا منك يذهب عني الكثير من الوجع
                            محبتي غاليتي
                            ماذا..؟ وكل رجل تحمله حواء على أكف الوجع إلى بيادر الفرحة يجرجرها هو من شعرها معصوبة العينين إلى المقصلة...؟
                            و تقول : أود لو أقضمك كتفاحة ؟!
                            أوَ لم تكْفك تفاحة قضمتها قبلا فأخرجتنا بها جميعا من الفردوس ؟ ثم شَرقت بها فاحتبست في حلقك بارزة ، شاهدة أبد الدهر على جشعك وعصيانك ؟
                            يحزنني أنّك و أنا لم نر الحب من نفس الزاوية...أنا رأيت الحب شريعة ، فلسفة حياة ، قضيةً و مصيرا... وصمةً ، وشمًا ، بصمةً و هوية ، و رأيته أنت محض تدريب لأعضاء الجسد .
                            حبيبتي عايدة..
                            كم أني مشتاقة لك..
                            كم اتمنى أن يكون وجهي انعكاسا لوجهك الرائع المنير الجميل..
                            أرجو ان تكوني بخير سيدة القص الجميل.
                            محبتي دائما.
                            يظن الناس بي خيرا و إنّي
                            لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                            تعليق

                            يعمل...
                            X