أحبّتي في ملتقى القصة ..هذه سلسلة مقالات عن القص القصير في حلقات..
نقلتها من صحيفة المثقف ...و هي للكاتب طالب عباس الظاهر ...
أحببت أن أدرجها هنا ..للإفادة أو النقاش .
نظرات في القصة القصيرة (1) / طالب عباس الظاهر
القصّة القصيرة عانت طويلا خلال الزمن الماضي عندنا وما زالت، بل لعلها ستظل تعاني أيضاً،وفي مقدمة ما تعانيه استمرار تداعيات ذاك الواقع المرير بهذا الشكل او ذاك وبهذه الكيفية أو تلك.. وانسحاب ظلاله القاتمة من الأمس إلى اليوم .. مما يعني تجدد اصطدامها بالحواجز ذاتها، وربما استجد غيرها، التي لا زال يقيمها بعض خبراء المؤسسة الثقافية الرسمية ـ أساطين النظر ودهاة الكلام ـ ويسوّروا حصونها، ويحفظوا بها أسرارها، لتلبد سماء الثقافة الأدبية من جديد بسحبهم الكثيفة من الغبار والدخان التي تحجب فقط أشعة الشمس، لكنها بالطبع ليست كالغيوم التي تجود بالمطر، اولئك ورثة الكراسي والمسؤوليات الذين لا يمكن بأي حال من الاحوال عدّ (تقارير فحصهم) بديلا مناسبا لفيصل القانون للنظرية الاجناسية المفتقدة في قصّتنا العراقية القصيرة، لاستحالة تأثرها، هي الأخرى، وكما أولئك بعوامل المحاباة والمجاملات والإخوانيات، وما إلى ذلك من طبخات العلاقات الشخصانية التي كانت وما زالت تتحكم بمقاسات ـ الصالح للنشر من غيره ـ التي تعودوا السير في ركابها طويلا، بسبب كون الاحتكام الى الثوابت يلغي من حساباتها كل تلك المفاهيم الفاسدة، وكون الأمر باختصار شديد بلورة حقيقية للوعي الجمعي بهذا الصدد.
وهو اشد ما تحتاجه القصّة القصيرة خصوصا في هذه المرحلة الحرجة ما بين انفتاح فضاءات الحرية المطلقة، ومحاولة التخلص من قيود نفق الدكتاتورية الضيق التي رزحت فيه طويلاً، لموازنة مساراتها وعودتها ولملمة أشتاتها وتبعثرها المرير في متاهات الادلجة خلال تلك العقود المظلمة من الضياع ما بين تسييسها لخدمة توجهات الدكتاتور المتهورة وتعبويتها في ادامة عجلة الموت لتلك الحروب المدمرة بإفراز سلسلة (ادب قادسية صدام) او ما شاكلتها من السلاسل من الإصدارات المماثلة، آخذين بعين الاعتبار حداثة عمرها كفن مستقل في أدبنا العراقي بل والعربي أيضاً ، بالمعنى الفني وليس الاصطلاحي كون القصة وجدت مع الانسان ولا تموت إلا بموته.
بيد إن مقاييس الإبداع الحقيقية في القصة مثلما هي في كل الفنون الادبية لا يمكن أن تنبع إلاّ من ذواتها المبدعة، طبعاً مع مراعاة كلا الطرحين سواء في منحاه القديم (الكلاسيكي)، وكذلك الحديث في موجات ما يسمى بالحداثة وما بعد الحداثة.
اذ ان القصة على وجه الخصوص لا يمكن استخلاص قوانينها، وتأشير جمالية فنها، بمعزل عن متنها الحكائي، من خلال الكشف عن مديات التخليق في المساحات الإبداعية.. بإضافتها لمناطق اشتغال واعية على خارطة الإبداع، والتأسيس في فراغات اللاشعور وليس الوهم ـ كما في كثير من الأطروحات ـ وأسلبة الطرق بخطوات عملية، للسمو في القيم الاصيلة للمفاهيم الإنسانية العميقة غاية الإبداع، وديدن التجارب الحقيقية التي ربما لا يؤصلها شيء؛ مثلما يؤصلها الاقتراب من البؤر المتوهجة، ومراكز الإشعاع الإنساني، لإضاءة اشد الزوايا عتمة في الالم والمعاناة الوجودية لإنسان العصر.. بنبل الغايات لرسالتها الهادفة من اجل رقي الحياة وحثها صوب فجر كمالها الآتي.
اذ ان اشد ما يجذب الانتباه، ويحفز الشعور، ويطرب الطبيعة البشرية، ويقرّب الإنسان لتوأمه الإنسان.. بعيداً عن جنسه ولونه وعقيدته، وما إلى ذلك من محددات؛ هي تلك الدغدغات الموحية في مثل ذلك الرصد الشاعري للمكنونات الدفينة في الذوات، بما تمثله من المشتركات الوجودية ما بين البشرية، وفي الحديث الشريف (الناس صنفان: اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)، واستنفار ذلك القلق الأزلي المستتر، والبحث المستمر عن الحقيقة وأسرار الجمال، لبث الأمل، والاستجابة لدعواته الملحة، من اجل التحامها في مواجهة الغامض والمجهول من الأخطار الخارجية، وتوحدها لدفع هواجس الموت، وتهديدات القدر الدائمة بالفناء.
حينئذ ينبثق شعور متأصل في الذوات المرهفة، وتتوهج فيها طاقات جديدة مستمدة من خزين التجربة الإنسانية المعمقة.. من خلال سعادة المشاركة، بغبطة الالتقاء، ونعمة التماثل، بعدالة الخلق، ووحدة المصير بالانصهار والتوحد في بوتقة هذا الوجود.
نظرات في القصة القصيرة (2) / طالب عباس الظاهر
القصة القصيرة ربما لا تتعدى كونها قصة اللا قصة وحكاية اللا حكاية ولعلها واقع اللا واقع ببعديه الزمني والمكاني،
وان توسلت بمثاليتها السرد بالمنظور الحكائي، واستندت على المعاش بالصوت والصورة، برصدها انفعالات الشخصية في الصراع الداخلي أو الخارجي، وردود أفعالها إزاء الحدث القصصي، وحسب تأثيره في الواقع .. إذ لا يمكن أن تقوم قصة من دونه، فالحدث مرتكز مهم في كيان القص، يمنحه قوة الشد الدرامي المطلوب، للدفع إلى الأمام .. مسقلاً أجنحة الخيال في كل ذلك، لكهربة اللفظ بشحنات عارمة من طاقة الشعور، وإدامة زخمه حتى النهاية ، من اجل كسر سكون وحدة الصور المكانية، وتحطيم التأطير المحكم بثالوث الزمن .. بسير وحداته الرتيب من الماضي نحو الحاضر فالمستقبل، منذ خلق الإنسان وكان هذا الوجود .
إذ إن القصة تنطلق من صوت الراوي، إلا إنها سرعان ما تتوغل في ضمير الأشخاص والأحداث، فتخلق أكثر من زاوية للرصد، وعدة ضمائر للروي، وفي أحيان أخرى تستنطق حتى الأشياء الجامدة بلغة الإحساس .. فتهتز وتتحرك .. متفاعلة في الحدث والصورة .
غير إن الرؤية الواقعية لأبعاد الحياة المألوفة، عبر وحدتي الزمن والمكان العاديين لسوف تحدّ من حركتها، وهو ما يؤخذ على الاتجاه الكلاسيكي، بالمنحى الواقعي في الكتابة القصصية.. بنسقه التقريري، وعود على بدء بالتسجيل الجامد لحركة الكون والحياة والإنسان، وتقليده الواقع بأبرز خصوصياته رغم إعلان التمرد عليه منذ البداية .
فأن لم يكن الفن بصورة عامة، والقصة منه على وجه الخصوص؛ ثورة على آلية مثل ذلك الواقع .. فأي شيء هي إذن، بل وما الداعي لتدوين ما نراه ونحن نعيشه؟ وهل من الإبداع في شيء .. رفض جمود الواقع، ولكن بالنقل له فوتوغرافيا، مع إضافة أي رتوش أو تحسينات عليه.
لعلل التطرف في الرؤية والأحكام، غالباً ما يؤدي إلى ردود أفعال معاكسة، يدنيها من التطرف أيضاً .. من جهات مقابلة، معتقدة بأنه سبيلها الوحيد للإصلاح والموازنة، وهو ما يمكن ملاحظة آثاره من خلال الاتجاهات الجديدة في الكتابة القصصية، وخروجها على جميع القيود، وتمردها على كل ما هو مألوف .. من حيث كونه مألوفاً، دون الالتفات لما قد ينطوي عليه من حسنات وركائز للتأسيس، لا يمكن تجاوزها، وهو بالطبع لا يخلو ولن يخلو منها قطعا، إذ كيف يمكن تخيل قصة قصيرة من دون شخصية، وبلا حدث أو بلا حبكة وبلا زمان ومكان، كما يحدث في بعض أطروحات النصوص الآن، بالتجاوز على مثل تلك المفردات الأساسية أو على بعضها .. عبر التوغل المحموم في تيار الإبهام، والمجانية والغرائبية الذاتية، أو الفوضى أحياناً بالانسياق خلف إغراءات الأوهام الذاتية .. بالتداعي المنفلت مع التجارب الخاصة، وإسقاطاتها على ذات التجربة في عموميتها، مستغلة فضاءات الافتقاد الكلي للنظرية الاجناسية، لكبح نزقها، وكذلك الحال في عملية تلقي القصة ومحاولة التقييم لها نقديا، مع وجود الاستثناءات دائما، بسبب كون الذائقة الفردية ومهما اتصفت به من الحصافة؛ فأن بعض جوانب حكمها لابد وأن تظل قاصرة، فلا تمثل حقيقة التقييم بكليته، لأن أحكامها ليست نهائية، لعدم استنادها على ثوابت النظرية من جهة، والافتقار لنوع عميق من التجرد الموضوعي من الجهة الأكثر أهمية .. بحيادية التلقي والتقديم .
لذلك فإن كثيرا مما تطرحه الساحة الثقافية، وتحتفي به من نماذج القصة القصيرة - مع الأسف الشديد - لا يمت بصلة لهذا الفن الإبداعي، نتيجة التأثر بتراكمات الموجة السائدة، باستحكام أسباب التقليد، بيد إن هذا لا يلغي كونها صادقة مع ذاتها، وحقيقية في دوافعها الشعورية، لكنها ستظل أسيرة مثل تلك الاتجاهات، وتيارات الارتجال، وانسياقات الوهم اللذيذ، فتتقاذفها الرغائب والأمزجة، ولكن هل يا ترى يكفي الصدق مع النفس وحده للنجاح في طرح التجربة، واعتماد الإبداع من دون امتلاك الأسباب؟ لهذا سيظل الأفذاذ، ويتناوبوا بالتبجح بحمل رايتها، أولائك من ذوي الريادة .. بالهالات الإعلامية أو الإعلانية الجوفاء، ومن خلال استمرار منهج تلميع الأسماء، التي ديدنه إثارة الغبار والضجيج من حولها، أنى حلت، ومتى ما طلعت بفتوحاتها الإبداعية، لينفخ في جوفها الفارغ، حفنة كتاب لم يألفوا للقلم من مهمة، سوى الانضمام لجوقة التطبيل والتزمير .. إن أمام الأسماء، أو الأشخاص ذات البريق، لغاية من الغايات أو لحشر أسمائهم بمرادفة تلك الأسماء ، أو بمحاذاة تلك الأسماء .. لاعتقادهم بأنه سبيل وحيد للشهرة، ولمعان أسمائهم بين الأسماء في دنيا الأدب والثقافة، وزرع بصمتهم في حقل الإبداع.
يتبع
نقلتها من صحيفة المثقف ...و هي للكاتب طالب عباس الظاهر ...
أحببت أن أدرجها هنا ..للإفادة أو النقاش .
نظرات في القصة القصيرة (1) / طالب عباس الظاهر
القصّة القصيرة عانت طويلا خلال الزمن الماضي عندنا وما زالت، بل لعلها ستظل تعاني أيضاً،وفي مقدمة ما تعانيه استمرار تداعيات ذاك الواقع المرير بهذا الشكل او ذاك وبهذه الكيفية أو تلك.. وانسحاب ظلاله القاتمة من الأمس إلى اليوم .. مما يعني تجدد اصطدامها بالحواجز ذاتها، وربما استجد غيرها، التي لا زال يقيمها بعض خبراء المؤسسة الثقافية الرسمية ـ أساطين النظر ودهاة الكلام ـ ويسوّروا حصونها، ويحفظوا بها أسرارها، لتلبد سماء الثقافة الأدبية من جديد بسحبهم الكثيفة من الغبار والدخان التي تحجب فقط أشعة الشمس، لكنها بالطبع ليست كالغيوم التي تجود بالمطر، اولئك ورثة الكراسي والمسؤوليات الذين لا يمكن بأي حال من الاحوال عدّ (تقارير فحصهم) بديلا مناسبا لفيصل القانون للنظرية الاجناسية المفتقدة في قصّتنا العراقية القصيرة، لاستحالة تأثرها، هي الأخرى، وكما أولئك بعوامل المحاباة والمجاملات والإخوانيات، وما إلى ذلك من طبخات العلاقات الشخصانية التي كانت وما زالت تتحكم بمقاسات ـ الصالح للنشر من غيره ـ التي تعودوا السير في ركابها طويلا، بسبب كون الاحتكام الى الثوابت يلغي من حساباتها كل تلك المفاهيم الفاسدة، وكون الأمر باختصار شديد بلورة حقيقية للوعي الجمعي بهذا الصدد.
وهو اشد ما تحتاجه القصّة القصيرة خصوصا في هذه المرحلة الحرجة ما بين انفتاح فضاءات الحرية المطلقة، ومحاولة التخلص من قيود نفق الدكتاتورية الضيق التي رزحت فيه طويلاً، لموازنة مساراتها وعودتها ولملمة أشتاتها وتبعثرها المرير في متاهات الادلجة خلال تلك العقود المظلمة من الضياع ما بين تسييسها لخدمة توجهات الدكتاتور المتهورة وتعبويتها في ادامة عجلة الموت لتلك الحروب المدمرة بإفراز سلسلة (ادب قادسية صدام) او ما شاكلتها من السلاسل من الإصدارات المماثلة، آخذين بعين الاعتبار حداثة عمرها كفن مستقل في أدبنا العراقي بل والعربي أيضاً ، بالمعنى الفني وليس الاصطلاحي كون القصة وجدت مع الانسان ولا تموت إلا بموته.
بيد إن مقاييس الإبداع الحقيقية في القصة مثلما هي في كل الفنون الادبية لا يمكن أن تنبع إلاّ من ذواتها المبدعة، طبعاً مع مراعاة كلا الطرحين سواء في منحاه القديم (الكلاسيكي)، وكذلك الحديث في موجات ما يسمى بالحداثة وما بعد الحداثة.
اذ ان القصة على وجه الخصوص لا يمكن استخلاص قوانينها، وتأشير جمالية فنها، بمعزل عن متنها الحكائي، من خلال الكشف عن مديات التخليق في المساحات الإبداعية.. بإضافتها لمناطق اشتغال واعية على خارطة الإبداع، والتأسيس في فراغات اللاشعور وليس الوهم ـ كما في كثير من الأطروحات ـ وأسلبة الطرق بخطوات عملية، للسمو في القيم الاصيلة للمفاهيم الإنسانية العميقة غاية الإبداع، وديدن التجارب الحقيقية التي ربما لا يؤصلها شيء؛ مثلما يؤصلها الاقتراب من البؤر المتوهجة، ومراكز الإشعاع الإنساني، لإضاءة اشد الزوايا عتمة في الالم والمعاناة الوجودية لإنسان العصر.. بنبل الغايات لرسالتها الهادفة من اجل رقي الحياة وحثها صوب فجر كمالها الآتي.
اذ ان اشد ما يجذب الانتباه، ويحفز الشعور، ويطرب الطبيعة البشرية، ويقرّب الإنسان لتوأمه الإنسان.. بعيداً عن جنسه ولونه وعقيدته، وما إلى ذلك من محددات؛ هي تلك الدغدغات الموحية في مثل ذلك الرصد الشاعري للمكنونات الدفينة في الذوات، بما تمثله من المشتركات الوجودية ما بين البشرية، وفي الحديث الشريف (الناس صنفان: اما اخ لك في الدين او نظير لك في الخلق)، واستنفار ذلك القلق الأزلي المستتر، والبحث المستمر عن الحقيقة وأسرار الجمال، لبث الأمل، والاستجابة لدعواته الملحة، من اجل التحامها في مواجهة الغامض والمجهول من الأخطار الخارجية، وتوحدها لدفع هواجس الموت، وتهديدات القدر الدائمة بالفناء.
حينئذ ينبثق شعور متأصل في الذوات المرهفة، وتتوهج فيها طاقات جديدة مستمدة من خزين التجربة الإنسانية المعمقة.. من خلال سعادة المشاركة، بغبطة الالتقاء، ونعمة التماثل، بعدالة الخلق، ووحدة المصير بالانصهار والتوحد في بوتقة هذا الوجود.
نظرات في القصة القصيرة (2) / طالب عباس الظاهر
القصة القصيرة ربما لا تتعدى كونها قصة اللا قصة وحكاية اللا حكاية ولعلها واقع اللا واقع ببعديه الزمني والمكاني،
وان توسلت بمثاليتها السرد بالمنظور الحكائي، واستندت على المعاش بالصوت والصورة، برصدها انفعالات الشخصية في الصراع الداخلي أو الخارجي، وردود أفعالها إزاء الحدث القصصي، وحسب تأثيره في الواقع .. إذ لا يمكن أن تقوم قصة من دونه، فالحدث مرتكز مهم في كيان القص، يمنحه قوة الشد الدرامي المطلوب، للدفع إلى الأمام .. مسقلاً أجنحة الخيال في كل ذلك، لكهربة اللفظ بشحنات عارمة من طاقة الشعور، وإدامة زخمه حتى النهاية ، من اجل كسر سكون وحدة الصور المكانية، وتحطيم التأطير المحكم بثالوث الزمن .. بسير وحداته الرتيب من الماضي نحو الحاضر فالمستقبل، منذ خلق الإنسان وكان هذا الوجود .
إذ إن القصة تنطلق من صوت الراوي، إلا إنها سرعان ما تتوغل في ضمير الأشخاص والأحداث، فتخلق أكثر من زاوية للرصد، وعدة ضمائر للروي، وفي أحيان أخرى تستنطق حتى الأشياء الجامدة بلغة الإحساس .. فتهتز وتتحرك .. متفاعلة في الحدث والصورة .
غير إن الرؤية الواقعية لأبعاد الحياة المألوفة، عبر وحدتي الزمن والمكان العاديين لسوف تحدّ من حركتها، وهو ما يؤخذ على الاتجاه الكلاسيكي، بالمنحى الواقعي في الكتابة القصصية.. بنسقه التقريري، وعود على بدء بالتسجيل الجامد لحركة الكون والحياة والإنسان، وتقليده الواقع بأبرز خصوصياته رغم إعلان التمرد عليه منذ البداية .
فأن لم يكن الفن بصورة عامة، والقصة منه على وجه الخصوص؛ ثورة على آلية مثل ذلك الواقع .. فأي شيء هي إذن، بل وما الداعي لتدوين ما نراه ونحن نعيشه؟ وهل من الإبداع في شيء .. رفض جمود الواقع، ولكن بالنقل له فوتوغرافيا، مع إضافة أي رتوش أو تحسينات عليه.
لعلل التطرف في الرؤية والأحكام، غالباً ما يؤدي إلى ردود أفعال معاكسة، يدنيها من التطرف أيضاً .. من جهات مقابلة، معتقدة بأنه سبيلها الوحيد للإصلاح والموازنة، وهو ما يمكن ملاحظة آثاره من خلال الاتجاهات الجديدة في الكتابة القصصية، وخروجها على جميع القيود، وتمردها على كل ما هو مألوف .. من حيث كونه مألوفاً، دون الالتفات لما قد ينطوي عليه من حسنات وركائز للتأسيس، لا يمكن تجاوزها، وهو بالطبع لا يخلو ولن يخلو منها قطعا، إذ كيف يمكن تخيل قصة قصيرة من دون شخصية، وبلا حدث أو بلا حبكة وبلا زمان ومكان، كما يحدث في بعض أطروحات النصوص الآن، بالتجاوز على مثل تلك المفردات الأساسية أو على بعضها .. عبر التوغل المحموم في تيار الإبهام، والمجانية والغرائبية الذاتية، أو الفوضى أحياناً بالانسياق خلف إغراءات الأوهام الذاتية .. بالتداعي المنفلت مع التجارب الخاصة، وإسقاطاتها على ذات التجربة في عموميتها، مستغلة فضاءات الافتقاد الكلي للنظرية الاجناسية، لكبح نزقها، وكذلك الحال في عملية تلقي القصة ومحاولة التقييم لها نقديا، مع وجود الاستثناءات دائما، بسبب كون الذائقة الفردية ومهما اتصفت به من الحصافة؛ فأن بعض جوانب حكمها لابد وأن تظل قاصرة، فلا تمثل حقيقة التقييم بكليته، لأن أحكامها ليست نهائية، لعدم استنادها على ثوابت النظرية من جهة، والافتقار لنوع عميق من التجرد الموضوعي من الجهة الأكثر أهمية .. بحيادية التلقي والتقديم .
لذلك فإن كثيرا مما تطرحه الساحة الثقافية، وتحتفي به من نماذج القصة القصيرة - مع الأسف الشديد - لا يمت بصلة لهذا الفن الإبداعي، نتيجة التأثر بتراكمات الموجة السائدة، باستحكام أسباب التقليد، بيد إن هذا لا يلغي كونها صادقة مع ذاتها، وحقيقية في دوافعها الشعورية، لكنها ستظل أسيرة مثل تلك الاتجاهات، وتيارات الارتجال، وانسياقات الوهم اللذيذ، فتتقاذفها الرغائب والأمزجة، ولكن هل يا ترى يكفي الصدق مع النفس وحده للنجاح في طرح التجربة، واعتماد الإبداع من دون امتلاك الأسباب؟ لهذا سيظل الأفذاذ، ويتناوبوا بالتبجح بحمل رايتها، أولائك من ذوي الريادة .. بالهالات الإعلامية أو الإعلانية الجوفاء، ومن خلال استمرار منهج تلميع الأسماء، التي ديدنه إثارة الغبار والضجيج من حولها، أنى حلت، ومتى ما طلعت بفتوحاتها الإبداعية، لينفخ في جوفها الفارغ، حفنة كتاب لم يألفوا للقلم من مهمة، سوى الانضمام لجوقة التطبيل والتزمير .. إن أمام الأسماء، أو الأشخاص ذات البريق، لغاية من الغايات أو لحشر أسمائهم بمرادفة تلك الأسماء ، أو بمحاذاة تلك الأسماء .. لاعتقادهم بأنه سبيل وحيد للشهرة، ولمعان أسمائهم بين الأسماء في دنيا الأدب والثقافة، وزرع بصمتهم في حقل الإبداع.
يتبع
تعليق