من التراث السوداني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم خالد احمد شوك
    أديب وكاتب
    • 09-01-2012
    • 534

    من التراث السوداني

    خليل فرح ... عازة في هواك



    1894 م - 1932 م




    المولد و النشأة

    ولد خليل فرح في قرية دبروسه منطقة حلفا ، وفي سجل خدمته أن ذلك كان سنة 1894 غير أن شهادة تاريخها 28 يوليو 1928 تشير أن ذلك كان عام 1892 وقّع عليها كاشف حسن بدري كاتب ادارة ضبطية الخرطوم وشخص آخر لم نتبين اسمه وشغله صراف بالمالية ولعله من أهله ،


    نصها :
    " نشهد نحن الموقعين أدناه أن لنا المعرفة التامة بالشيخ فرح بدري والست زهرة الشيخ محمد . والد ووالدة خليل فرح بدري مستخدم بمصلحة البوستة والتلغرافات السودانية . المولود في وادي حلفا بتاريخ أغسطس 1892 وان والده الشيخ فرح بدري محسي الجنس مولود بجهة عبري مديرية حلفا . وأن موطنة الشرعي حين زواجه بالست زهرة الشيخ محمد كان بجهة وادي حلفا بمديرية حلفا وموطنه حين ولد ابنه المذكور كان بجهة وادي حلفا وأن والدته الست زهرة الشيخ محمد محسية الجنس مولودة بجهة عبري مديرية وادى حلفا ونشهد أيضاً أن خليل فرح تلقى علومه جميعها بالمدارس السودانية وتحررت هذا الشهادة لاعتمادها تحت مسئولينا " .
    بينما تنبئ شهادة أخرى أن خليل فرح لم يكن مسجلاً بدفاتر مواليد حلفا 1891 إلى 1895 . وههنا اضطراب في تاريخ الميلاد ولا ندري ما كان الغرض من تحرير شهادة مثل التي وقع عليها كاشف حسن بدري ، خاص وأنها جاءت بعد نحو خمس عشرة سنة مبدأ عمله بالحكومة ! وقد رزق فرح بدري من الولد ستة هم خليل ، بدري ، حسن ، فاطمة ، عثمان ، وعلي فرح . وكان والد خليل يعمل بالتجارة وتلك جعلته كثير الأسفار في المنطقة بين حلفا ودنقلا . وكثيراً ما كان خليل يصحبه في تجواله وتوفى أبوه عام 1915 . وأمه سنة 1927 .

    ومن مقال تم نشره سابقاً كتبه البروفيسر الفاتح الطاهر قال فيه :

    في يوم( 30/6/1932م) رحل عنا الفنان الكبير خليل فرح بجسده المادى اما روحه وتراثه الغنائى العريق فما زال باقياً واثاره واضحة على مسار حياتنا الفنية . فكلما اتسعت المسافة ازدادت سنوات الرحيل وكانت الاراء اكثر دقة وموضوعية لان النظرة هنا تصبح شمولية وتصبح من حق التاريخ.
    والفنان الحقيقى لايموت فالموت رغم جبروته وقوته لم يستطع ان ينال منه ، ولو سئلت عن الفنان الذى ازدادت شعبيته بعد ان لقى ربه وكبر عدد معجبيه بعد وفاته لقلت بدون تحفظ (خليل فرح).
    ونحن لا نذكر الخليل لانه مجرد شاعر وملحن ومؤدى ولكن لانه من ابرز ابناء هذا البلد ، ومن الرواد الذين شقوا لفن الغناء السودانى طريقاً تتبع ما يطلق عليع مؤرخو الموسيقى بالاتجاه القومى ، وهذا الاتجاه يعتمد على استلهام التراث الشعبى الغنائى فى انتاجه فيقدمه باساليب فنية متعددة .. فاغنية (عزة فى هواك) اخذ مقدمتها الموسيقية من (مارش ود الشريف) والتيمة الاساسية (اللحن الاساسى) من الاغتية الشعبية ( عمتى حوا ماشفت الليلة الفنجرى ).... واغنية ( تم دوره ادوار) جارى بها الاغنية الشعبية (سيرة مرقت كية للنوارة ) .
    حقاً جاء الخليل بلهجة جديدة فى فن الغناء السودانى ، احب النيل وانسان النيل ووادى النيل ولذا نجد اغانيه امتازت بالطرب وصدق التعبير والاصالة الفنية وايقاع الالحان وجمال وحداثة الكلمات واصبحت كل اغنية من اغانيه اشبه بلوحة متكاملة من حيث التوازن والايقاع مع مراعاة البناء العام .. فالمطلع يكرره واحياناً ينوع فى تشكيلة وايقاعه ثم يعود اليه مرة اخرى فى تناغم وترابط بحيث تنصهر كل مقاطع الاغنية فى تناسق عضوى دون خلل او نشاز وهذا نتاج ثقافته وذكائه.
    والان بعد مرور اكثر نصف قرن على وفاته .. اين تقع اين تقع اعماله الفنية فى حياتنا الثقافية؟ وماذا تعرف الاجيال الجديدة من الشباب عن هذا الفنان العبقرى ؟ الذى اغدق فى فن الغناء اكثر مما اغدق فى تخصصه الاصلى وهو المهندس الناجح.
    ولد خليل فرح فى قرية دبروسة منطقة حلفا عام 1894م ونال جزأ من تعليمه فى خلوة الشيخ احمد هاشم) بجزيرة (صاى) والكتاب فى (دنقلا) والهندسة الميكانيكية فى (كلية غردون ) ثم التحق بمصلحة البوستة والتلغراف مهندساً .

    فى اوائل العشرينات سكن الخرطوم وفيها تفتحت عينه امام افاق جديدة وخاصة موقع سكنه كان بالخرطوم القديمة خلف مدرسة (اليونيتى) (مدرسة الاتحاد العليا حالياً) وكان سكان هذه المنطقة هم خليط من المصريين والشوام والاغاريق والسودانيين ، وكان المصريون هم الاكبر عددية ، فالحربية المصرية كانت هناك ايام (سير لى ستاك) حاكم عام السودان وسردار الجيش المصرى ، اما السودانيين الذين يسكنون تلك المنطقة كانوا يجارون المصريين فى ثقافتهم فى تفكيرهم فى ملبسهم فى مأكلهم كانوا يلبسون الطربوش والجاكتة والجلابية ، ويسمعون الاغانى المصرية من الفونغراف ابو ابرة (صوت سيدة) ولذا نجد سكان هذه المنطقة يختلفون عن سكان ام درمان والخرطوم بحرى بالنسبة لحياتهم الاجتماعية ، وفى هذا الجو المفعم بعطر الشرق الملئ بالفن العربى الاصيل ، بدأ خليل يسمع من ابناء الحى من المصريين اغانى (صالح عبدالحى وسيد درويش ومنيرة المهدية واناشيد ثورة 1919م ) والتى صاغها شعراء (مكرم عبيد) فتأثر بها وبدأ يغنيها بعناية ودراية وكان (شيخ الصادق المصرى) من اشهر عازفى العود فى الخرطوم فى تلك الايام الى جانب (احمد خليل المصرى) واخر اسمه احمد وكانوا هم الذين يقيمون حفلات الخرطوم فى تلك الايام .
    كان هذا الجو حافزاً للخليل لاظهار مواهبه الفنية ودفعه لاقتحام ميدان الفن هذا الميدان البكر ، فتعلم العزف على العود .. وبناء على على طلب احد الاصدقاء تعرف على عازف الماندولين والمترجم الناجح (عبدالقادر سليمان) فى نادى الخريجين وكان موقع النادى انذاك ، والبناية القديمة المهدمة حالياً وتقاصد فندق المريديان من ناحية شارع القصر (شمال الفندق) استمع اليه الخليل واعجب بعزفه ، فكونا ثنائى الجيل يغنى وعبدالقادر يعزف ، وكانت دار صديقه الراحل (حسين احمد سكر) ملتقى للادباء والمفكرين والفنانين ، وفى مجلسهم الخاص يغنى الخليل وعندما يدخل شخص مهما كان حجمه ووزنه ولم يكن يعرفه يرفض ان يغنى حتى يغادر هذا الشخص المكان ، والمعروف عن الخليل انه لم يغنى طوال حياته لا فى بيوت الافراح ولا المناسبات الا عند الصفوة من الاصدقاء وفى حدود ضيقة.
    كان فن الغناء فى تلك الايام وهى اواسط العشرينات 1923م يتزعمه الفنان (محمد احمد سرور) وفرقته الفنية (الشيالين) وقد ابتكر هذا النوع من الغناء فى مدينة ام درمان ، ومن بين رواد هذه المدرسة عمر البنا ، عبدالله الماحى ، كرومة ، وعلى الشايقى وغيرهم ومن بين المطربين المستحدثين الذين حافظوا على تقاليدها وساروا فى ركبها ( محمد احمد عوض، بادى محمد الطيب ، عوض الكريم عبدالله، كمال ترياس، القلع عبدالحفيظ ،حسين شندى) اما مدرسة خليل فرح الخرطومية فاستغنت عن الشيالين وحلت مكانهم الالة الموسيقية فادخل العود والماندولين والكمان والبيانو والبدلة الكاملة والكرفتة والطربوش ، ومن رواد هذه المدرسة ( ابراهيم عبدالجليل، زنقار، اسماعيل عبدالمعين، حسن سليمان، حسن عطية ، احمد المصطفى) وجيل الورثة الفنية (ابراهيم عوض، محمد وردى، محمد الامين، ابوعركى البخيت الخ...)

    فما فعله الخليل جديد وجرئ والجديد فى الفن لا يأتى الا عندما يخرج فنان معين عن قاعدة ويقدم شيئاً لم يكن معروفاً من قبل وتتقبله الجماهير ويصبح هذا الشئ هو القانون الجديد ويدخل مع الايام الحصيلة الفنية العامة ، هذا ما فعله الخليل فهو فنان ذكى رفعه ذكاؤه الى درجة العبقرية فاغانيه تعتبر النموذج الحى المتطور فى الغناء السودانى ( فى السبعين سنة الاخيرة ) فهو منذ البداية ارتقى بذوق الجماهير فجعل اغانيه تمتاز بالعمق وارتفاع المستوى الفنى ، ( الشرف الباذخ، يا نيلنا يا نيل الحياة ، ماهو عارف ، فى الضواحى، بين جناين الشاطئ ، عازة) واصبح الرائد والقائد والشخصية التى لن تتكرر وصوت لن يجود بمثله الزمان .
    فى اواسط العشرينات اصبح فن الغناء جزءاً من ثورة اجتماعية ضخمة اشتعلن فى ارجاء البلاد عقب ثورة 1924م وكانت تجسيداً تلقائياً مباشراً وقوياً جداً لحاله الصحوة العامة فى الحياة السودانية فى تلك الايام استطاع من خلالها ان يطوع اعقد الامانى السياسية لتصبح كلمات غنائية قابلة للحفظ والترديد وهى تحمل الانشغال بقضايا وطنية ومنا ما يشبه الاعجاز وانطلق الشعب كله ورائه يغنى ويشدو ويتعبد فى محراب الوطنية والشعور بالانتماء الى هذا البلد ، لقد ساهمت اعماله فى النضال الشعبى بعد اخفاق ثورة 1924م منها ( نحن ونحن الشرف الباذخ و نيلنا يا نيل الحياة) وهكذا يبدو الخليل وكانه يحشد اكبر قدر من المعانى والشعارات الوطنية ضد الاستعمار البريطانى ، خاصة والخليل كان عضواً فى جمعية الاتحاد السودانى التى اسست عام 1921م.
    فحياة هذا الفنان العبقرى رغم قصرها حافلة بالكفاح ولذا استطاع فى فترة قصيرة ان يثبت وجوده كفنان ، ولا ننسى فضله التاريخى فهو اول ابناء جيله من عالج التلحين بالصيغة الغريبة الدائرة ، ففى اغنية (الشرف الباذخ) نجده لحنها بحرص واضح على الصياغة المتنوعة المطلع وثلاث كوبليهات ويختلف كل كوبليه عن الكوبليه الاخر وبهذا اراد وهو رائد المدرسة الفنية الاولى ان يدمج ثلاث اغنيات قصيرة فى اغنية واحدة ويربطها جميعاً بخيط واحد هو ترديد المطلع ( نحن ونحن الشرف الباذخ) فتزيد من ترابط اللحن وتتابعه فى سهولة وجمال ورقة ويستمر حتى نهاية الاغنية.
    لقد ارتفع الخليل فى هذه الاغنية لتسمو فوق الحان الشكوى الناعمة المتداولة التى كانت تسيطر على اغنيات الحقيبة _ الحب الواثق من نفسه المعتز بكبريائه ، وفى اغنية عازة نجده على وجه التحديد اراد ان يكسر الحاجز بين اغنية الحقيبة والاغنية الشعبية ويقدمها فى ثوب جديد ، لحن شعبى وكلمات وضعها مجارياً بها اللحن ونلاحظ فى مقدمة الاغنية تصرفات موسيقية جديدة وغريبة ، استعماله لالة البيانو وبشكل مميز مع الكمان والعود وهذه التوليفة الفنية هى الاولى فى نوعها عالمياً فلا سيد درويش ولا بعده الحامولى ولا صالح عبدالحى ولا عبدالوهاب استطاعوا ان يمزجوا هذه الالات معاً فى عمل فنى قبل اغنية عازة والتى سجلها الخليل عام 1931م ، ولكن فى عام 1939م ادخل عبدالوهاب الة البيانو فى اغنيته(انت وعزولى وزمانى حرام عليك.)

    اما المقطع الثانى نجده اداه باحساس رقيق غير متداول فى اغانى هذه الايام ثم تطل علينا جملة (عازة ما سليت) من الفرقة المصاحبة بفطرته الموسيقية الذكية ، فيغنيها فنجد فيها شيئاً غريباً وملفتاً للنظر تتقبله الاذن ببساطة واستمتاع حتى يصل بنا اللحن الى اعلى درجات فخامته حينما يهتف فى همس ورقة فى ختام المقطع الثالث للاغنية ( آه آه ... أنا ..آه آه) لتنتهى الاغنية بصوت ممدود وغير مقيد بزمن وهذا اسلوب جديد ادخله الخليل فى الاغنية السودانية.
    لقد جاء الخليل بلهجة جديدة حقاً فى فن الغناء السودانى ليست بلهجة سرور وان كانت جزورها تمتد الى سرور وهذه هى القيمة الفنية الحقيقية للخليل ، ولا جدال فى انه هو رأس المدرسة الفنية الاولى (حقيبة الفن) وهذا جزء من عبقريته وهو استاذ المدرسة ، صحيح أن سرور رافد من الروافد العظيمة العذبة و الامين برهان رافد اخر متألق كرومة رافد عريق مجيد ولكن الخليل كان هو المسئول عن مناهج المدرسة جميعها ، فلولاه ولولاهم لما تعلمنا الغناء ولا اصوله ، لانهم كانوا يمتازون بالعطاء وحياتهم وقفاً على الفن واغانيهم اصيلة نابعة من القلب وكان الجمهور صادقاً معهم يدفعهم للامام والاجادة.
    فالفنان الحقيقى لا يموت ابداً بل يظل حياً بفنه فى قلوب الملايين ، فخلود الخليل يكمن فى ان اغانيه قابلة للتحليل العلمى بكل المفاييس العلمية وكل المقاييس الحديثة بحيث يمكن اعادة توزيعها وتقديمها فى ثوب جديد ، فعازة ، فلق الصباح ، ياليل صباحك مالو ، بين جناين الشاطئ ) التى قام بعلمنتها مؤلف هذا الكتاب للكمان والبيانو وقام بعزفها عازف الكمان الروسى ( ريباكوف وزوجته لودميلا) واغنية (عازة وفلق الصباح) التى قام بتوزيها الخبراء الكوريين خير دليل على ذلك.
    له الرحمة ولنا السلوى فى فنه الساكن فى وجداننا والذى يعيش فى وجدان الزمن.


    من أجمل قصائد خليل فرح



    عازة في هواك



    عازة في هواك عازا نحن الجبال
    وللبخوض صفاك عازا نحن النبال
    عازة ما بنوم الليل محــــال
    وبحسب النجوم فوق الرحال
    خلقة الزاد كمل وأنا حالي حال
    متين أعود أشوف ظبياتنا الكحال
    عازة ما سليت وطن الجمــال
    ولا أبتغيت بديل غير الكمــال
    ***
    وقلبي لي سواك ما شفتو مال
    خذيني باليمين وانا راقد شمال
    عازة ما نسيت جنــة بلال
    وملعب الشباب تحت الظلال
    ونحن كالزهور فوق التلال
    نتشابي للنجوم وانا ضافر الهلال
    عازة جسمي صار زي الخلال
    وحظي في الركاب صابه الكلال
    وقلبي لسه ما عرف الملال
    أظنه ود قبيل وكريم الخلال
    عازة ما أشتهيت نوم الحجال
    ولا السوار بكي في يمينا جال
    وعازة في الفريق لي ضيق مجال
    قبيلة بت قبيل ملأ الكون رجال
    ***
    عازة شفت كيف نهض العيال
    جددوا القديم تركوا الخيال
    روحك أم سماح سري كالسيال
    شجوا الفؤاد حيوا محسور الليال
    عازة في الفؤاد سحرك حلال
    ونار هواك شفا وتيهك دلال
    ودمعي في هواك حلو كالزلال
    تزيدى كل يوم عظمة ازداد جلال
    ***
    عازة في حذا الخرطوم قبال
    وعازة من جنان شمبات حبال
    وعازة لي ربوع ام در جبال
    وعازة في الفؤاد دوا يشفي الوبال






    التعديل الأخير تم بواسطة ابراهيم خالد احمد شوك; الساعة 13-05-2012, 10:28.
  • أحمد على
    السهم المصري
    • 07-10-2011
    • 2980

    #2
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    شكرا لك أخي إبراهيم خالد
    على نشاطك الكبير وعلى تقديم ذلك الشاعر الجميل ، التراث السوداني رائع بحق .

    واسمح لي بنقله للقسم المناسب .
    قيمت الموضوع أخي ، عذرا قمت بتعديل العنوان قليلا
    حتى تضع لنا مزيدا من أخبار شعراء السودان الكبار .

    تحيات لك ..

    تعليق

    • ابراهيم خالد احمد شوك
      أديب وكاتب
      • 09-01-2012
      • 534

      #3
      عازة فى هواك

      اغنية عازة صارت هي الرمز للوطن وباستخدام الخليل للرمزية صارت من اغاني الوطن، وقد كتبت برؤى مستقبلية لذلك خلدت كما خلد شاعرها ومغنيها في وجدان الامة السودانية؛لانها اثارت الشعور الوطني ضد المستعمر، وخليل فرح شاعر الوطن ومغنيه يعتد بالوطن السوداني في تاريخه وبطولاته كما في الشرف الباذخ:
      نحن ونحن الشرف الباذخ
      دابي الكر شباب النيل
      نحن حمايتك ونحن فدايتك
      نحن نموت ويحيا النيل
      نحن الطينة ونحن العينة
      نحن اليوم بشائر جيل
      فالاغنية مسقية بحب الوطن من عاشق الوطن خليل فرح الذي تأدب بحب الوطن لذلك فهي معطونة بالوطنية سلاحه الذي سكن في قلوب كل السودانيين.
      عازة في هواك
      بقلم الأستاذ الموسيقي أنس العاقب

      مقدمة:
      شهد السودان عبر تاريخيه الطويل قروناً كان فيها السودان دولة حضارية مستقلة ساهمت في نشر وبعث التراث الإنساني. وامتد أثرها شمالاً حتى شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وشرقاً إلى شواطئ الجزيرة العربية. وامتد جنوباً إلى منابع النيل ثم انداح إلى الغرب فالتقى بالشاطئ الغربي الأفريقي.
      والحضارة السودانية لا تزال أثارها باقية في مصر وفي دول غرب أفريقيا. ولكن مرت بالسودان عهود بعيدة وقريبة فقد فيها استقلاله السياسي والفكري. ولكنه ظل يستفيد تاريخيه ويواصل رحلته الحضارية.. صحيح ان السودان تعرض لهجمة استعمارية في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. وظل حبيساً وأسيراً لهذه الهجمة حتى بدايات العقد السادس من القرن الماضي حتى نال حريته والاستقلال واستعاد موقعه الطبيعي في التاريخ. ولأن الشعب السوداني ظل قادراً على العطاء بحكم جذوره الحضارة فإننا لا نستغرب مكافحة الاستعمار بكل الطرق والوسائل وهو في قمة عنفوانه الاستعماري من مناهضات عسكرية وقبلية ودينية، إلى ما قام به خليل فرح ليس فقط في الدعوة إلى مناهضة الاستعمار ولكن للاحتفاء بالاستقلال قبل ان يتم.
      مضمون الأغنية:
      في أغنيته الخالدة «عزة في هواك» صاغ خليل كلماتها وأكد في مقدمتها استقلال الدولة السودانية. وقال «عزة في هواك عزة نحن الجبال وبنخوض صفاك نحن النبال». وخليل في هذا المقطع لا يتخلص من الاستعمار فقط، بل هو يثبت حرية السودان وينافح من أجلها كل طارئ يتربص. واعتقد ان نقاد الشعر عامة والشعر الغنائي خاصة يحتفون بأغنية «عزة» بوصفها أغنية سياسية رمزية ألفها خليل ضد الاستعمار، قد يكون هذا صحيحاً. وذلك لأن الإحساس الوطني العارم ضد الإنجليز استجاب للشكل الخارجي للقصيدة. ولم ينتبه النقاد والمحللون الى ان خليل فرح على الأقل تخيل ان السودان ظل في وجدانه دولة مستقلة ولم يستسلم لفكرة الاستعمار، أي ان أغنية «عزة في هواك» تؤكد نضال الشعب السوداني الطويل وحبه للحرية وعشقه للجمال.
      خليل يقول في ذلك: «عزة شفتي كيف نهض العيال جددوا القديم تركوا الخيال». وهذا تأكيد لما أقول فهو يتحدث بصيغة الماضي مع مطلع العقد السادس من القرن الماضي. وفي الجمال يقول خليل فرح «عزة ما نسيت جنة بلال وملعب الشباب تحت الظلال. ونحن الزهور فوق التلال.. نتشابا للنجوم ونحن نضافر الهلال».
      وهو يتغزل في عزة «وقلبي لي سواك ما شفتو مال، خذيني باليمين وأنا راقد شمال». ويقول أيضاً «عزة في الفؤاد سحرك حلال، نار هواك شفي وتيهك دلال. ودمعي في هواك حلو كالزلال، تزيدي كل يوم عظمة ونزاد جلال».
      هذا شعر غزلي وصفي رومانسي يصف حالة من التفاؤل والاستقرار لوطن جميل يقول فيه خليل فرح «عزة ما سليت وطن الجمال. ولا ابتغيت بديل غير الكمال».
      وخليل فرح لم يحاول مطلقاً وهو في قمة أزمته ان يأزمنا معه ويحول الوطن إلى ساحة باكية. ووطن كهذا يجب ان يكون مستقلاً. ولكم كنت أتخيل وأنا استرجع التاريخ ان لو كان الناس الكبار الذين صنعوا الاستقلال وشهدوه.. ان تكون أغنية عزة هي أغنية الاستقلال لكل زمان في إطارها الثقافي الفني العام. ولكن إذا قمنا بالتحليل الموسيقي لأغنية «عزة في هواك» سنكتشف بعد طول عناء ان خليل فرح في أسلوب تلحين «عزة في هواك» اتجه لوضع نموذج غنائي جديد ينسجم مع مضامين ثقافية جديدة.
      لحن عزة في هواك:
      فهو أولاً كان المعاصر لأغنية الحقيبة وانفلت من قالبها اللحني والموسيقي شكلاً ومضموناً. وأغنية الحقيبة أغنية شعبية حضرية تأثرت بقالب المدحة في شكلها العام وبنائها الشعري. وأخذت من المدائح كثيراً من ألحانها «المباريات» وأغنية الحقيبة كانت تغنى بلا مصاحبة آلية وبلا تفكير موسيقي، مما أطرها في إطارها المتعارف عليه حتى الآن.
      أما خليل فرح فلأنه كان متعلماً ونال درجة مقدرة من الدراسة الأكاديمية النادرة في ذلك الزمان. والموظف الحكومي في وظائف النادرة في ذلك الزمان. والشاعر الذي كتب في كل ضروب الشعر. والسياسي الذي شارك في المنتديات والجمعيات السرية والمعلنة. والشخصية الاجتماعية التي استطاعت ان تلج مجتمعات الجاليات العربية والتشرب من ثقافاتها الفنية وجلسات المنادمة التي جمعت الصفوة التي عرفت بها الليالي السودانية، كل هذه العناصر وغيرها خلقت من خليل فرح فناناً ذا رؤية متميزة للوطن وللواقع وللأحداث، فلننظر كيف ابتدر خليل فرح افتتاحية الأغنية.
      لقد كتبت في ذلك كثيراً وتحدثت كثيراً في ان خليل فرح بهذه المقدمة سبق الأولين والآخرين. ولكي يرمز إلى حالة ركود إنساني غشي الأمة السودانية، فقد رمز لهذا الركود بتفكيك عناصر مارش ود الشريف القوي ليتحول إلى لحن بطئ غاية البطء، مما أكسبه شيئاً من الحزن والضبابية. ومن تجديداته في هذا اللحن الانتقال المقامي واللحني لنفس الجملة لتثير فنياً الدهشة والانتباه، فحينما يبتدئ مارش ود الشريف في الانتهاء يبدأ خليل فرح الغناء هادئاً منادياً مناجياً «عزة في هواك.. عزة في هواك». وتنتهي مرحلة الركود تماماً ليبدأ مهرجان الأغنية بإيقاع الفالس النمساوي القادم من فينا. والذي لم يكن يعرفه سوى السودانيين إلا أهله من الخواجات وبعض السودانيين.
      والفالس أصلاً هو إيقاع ثلاثي اشتهر في أوروبا. وهو إيقاع راقص يتباري فيه الراقصون الارستقراطيون ويتحول إلى مهرجان من الفرح والرقص. وخليل فرح لأنه متجدد الثقافة والمعارف كما سبق وأشرت، أراد ان يحملنا معه إلى مهرجان فرح كبير لكل السودان، فيتصاعد صوته «عزة ما بنوم الليل محال.. وبحسب النجوم فوق الرحال، خلقة الزاد كمل وانا حالي حال.. متين أعود أشوف ظبياتنا الكحال».
      ولم يجد خليل فرح بداً من ان يقدم عواطفه وأحساسه في المقطع الأول. وهو كشاعر إنساني كأنما كان يحس بدنو الأجل ولكنه صاغها بهذا الإحساس بروح متفائلة شفيفة. ويتصاعد أداء خليل فرح برغم أنه كان مصدوراً إلاَّ ان جمال صوته ووضوح نبراته ظلت متماسكة وواضحة، فكأنما ينادي بأعلى صوته:«عزة ما سليت وطن الجمال.. عزة ما نسيت جنة بلال.. عزة جسمي صار زي الخلال.. عزة ما اشتهيت نوم الحجال.. عزة شفتي كيف نهض العيال .. عزة في الفؤاد سحرك حلال.. عزة في حذا الخرطوم قبال». وكل مقطع من مقاطع الأغنية كان يتصدر مقاطع من مقاطع الأغنية. ولا يكتفي خليل فرح بذلك ، فإذا كان المقطع فكرة والاستهلال الغنائي فكرة وكل المقاطع الغنائية فكرة ثالثة، فإن خليل فرح أدخل الآهات فكرة رابعة لا تنفصل عن البناء اللحني بل زادته معنى عميقاً فسره الكثيرون بأن خليل فرح كان ينعي نفسه جراء المرض بهذه الآهات. وآخرون فسروا الآهات بأنها صدى حسرات لواقع وربما وربما. ولكني أفسرها بأن خليل فرح أراد ان يدخل الآهات وفي داخله يتمنى ان لو رددتها معه كل كورالات الدنيا.
      والآهات اشتهرت في كثير من الغنائيات الإنسانية بأشكال مختلفة، كاستدعاء للاستماع أو استطراد لتأكيد مهارة المغني، فمثل هذا الأداء موجود في الدوبيت والمواويل والأوبرا على سبيل المثال.
      والأغنية تظل الرائعة الوحيدة لخليل فرح ورائعة الغناء الأولى في التراث الغنائي السوداني. وهي تحتاج لكثير تحليل مصاحب بالنموذج الصوتي لنثبت ان خليل فرح كان أول المجددين موسيقياً في البناء اللحني كان مجدداً.. في استخدام واستلاف التراث الموسيقي ومارش ود الشريف وبإدخال البيانو كان مجدداً.. وبمصاحبة الكمان للبيانو والغناء كان مجدداً.. بأدائه الصوتي المتميز كان مجدداً.
      وهو تجديد لم يقم به من بعد خليل فرح إلا قليلون جداً. ولم يتجاوزوه ولن يتجاوزوه. وتظل أغنية خليل فرح هي أغنية للتاريخ السوداني منذ ثلاثة وثلاثين قرناً حتى نهاية التاريخ. وبهذه المناسبة أرجو ان تسمحوا ان أهنئ الشعب السوداني بهذه المناسبة الجليلة. وأخص أهلنا في الجنوب الحبيب ونحن نستقبل عاماً بلا احتراب وبلا دموع. وأتمنى ان يتوقف النزيف في دارفور. وان يكون مارش ود الشريف ليس حزيناً هذه المرة، فأنا أحببت دارفور لأنها علمتني الغناء. وعشقت زالنجي لأنها خلقت مني إنساناً ثانياً «فنان» وتحياتي لقراء «الصحافة».



      المصدر:
      http://www.dr-mahmoud.com/content/view/1067/1/

      تعليق

      • ابراهيم خالد احمد شوك
        أديب وكاتب
        • 09-01-2012
        • 534

        #4
        موسيقى اغنية عازة في هواك - فرقة إثيوبية



        [MEDIA]http://www.youtube.com/watch?v=3fnINCq0nLA[/MEDIA]






        موسيقى اغنية عازة في هواك


        [MEDIA]http://www.youtube.com/watch?v=Gka_rzQDfG8&feature=related[/MEDIA]




        التعديل الأخير تم بواسطة ابراهيم خالد احمد شوك; الساعة 15-05-2012, 12:21.

        تعليق

        • ابراهيم خالد احمد شوك
          أديب وكاتب
          • 09-01-2012
          • 534

          #5
          عازة في هواك





          كورال كلية الدراما والموسيقى




          [MEDIA]http://www.youtube.com/watch?v=rEUJJ1rlKOw[/MEDIA]
          التعديل الأخير تم بواسطة ابراهيم خالد احمد شوك; الساعة 15-05-2012, 12:09.

          تعليق

          • ابراهيم خالد احمد شوك
            أديب وكاتب
            • 09-01-2012
            • 534

            #6
            عندما قامت جمعية اللواء الابيض انضم اليها خليل فرح وكان الخليل يعبر في قصائده واشعاره عن اهداف وشعارات وحدة وادى النيل التى قامت ثورة 1924 م على أساسها ونلمس ذلك على سبيل المثال في قصيدة ( الشرف الباذخ) والتى يقول فيها:



            نحن ونحن الشرف الباذخ دابى الكر شباب النيل
            قوم قوم كفاك يانائم شوف شوف حداك يالايم
            مجدك ولىّ وشرفك ضلّ وامتى تزيد زيادة النيل

            الى أن يقول:
            ده ودعمى وده ضريب دمى وانت شنك طفيلي دخيل
            يانزلانا امرقوا الذمه كيف ينطاق هوان الامه
            شالو حقوقنا وزردوا حلوقنا ديل دائرين دمانا تسيل
            من تبينا قمنا ربينا ما تفاسلنا لو في قليل
            ما فيش تانى مصرى سودانى نحن الكل ولاد النيل

            واضح من القصيدة انها تعبر عن جماعة ( نحن) أى جماعة وحدة وادى النيل ، ويرد فيها ذكر (النيل) اكثر من مرة ويختتم بقوله ( مافيش تانى مصرى سوداني نحن الكل (ولاد النيل)، ويرد فيها تعابير مصرية مثل( امتى تزيد زيادة النيل )، كما يشير الخليل الى الكبت الذي يعانى منه الشعب السودانى في ظل الاستعمار الانجليزى عندما يقول:

            يانزلانا امرقوا الذمه كيف ينطاق هوان الامه
            شالو حقوقنا وزردوا حلوقنا ديل دائرين دماءنا تسيل

            ويقول للمصرى والانجليزى:
            ده ود عمى وده ضريب دمى وانت شنك طفيلى دخيل

            اى أن القصيدة تعبر تعبيرا كاملا عن اهداف اللواء الابيض ( وحدة وادى النيل)



            الشرف الباذخ





            نحن ونحن الشرف الباذخ


            دابي الكر شباب النيل

            قوم وم كفاك يا نايم

            شوف شوف حداك يا لايم

            مجدك ولي وشرفك ضل

            إمتي تزيد زيادة النيل

            نحن نطارد العنزة الفاردة

            نحن نزود مشارع النيل

            نحن برانا نحمي حمانا

            نحن نموت ويحيا النيل

            ما بنندس ما بنتوصي

            نحن نكيل برانا نشيل

            نحن الطينة ومطر العينة

            نحن الوادي برقه يشيل

            نحن الصولة سيوف الدولة

            نحن كنانة اسماعيل

            بابه العالي وشرفه الغالي

            كان لجدودنا ظله ظليل

            يا حكامنا جيبوا البينه

            ولا انقرعوا كفوا الشينه

            ده ود عمي وده ضريب دمي

            انت شنو طفيلي دخيل

            يا نزلانا أمرقوا الذمة

            كيف ينطاق هوان الأمة

            شالوا حقوقنا وزردوا حلقونا

            ديل عاوزين دمانا تسيل

            من تبينا قمنا ربينا

            ما اتفاسلنا قط في قليل

            ما فيش تاني مصري سوداني


            نحن الكل ولاد النيل


            المصدر:








            الشرف الباذخ - كلمات خليل فرح




            اداء: عبدالكريم الكابلي




            [MEDIA]http://www.youtube.com/watch?v=4Y4EnnQbVYo&feature=relmfu[/MEDIA]


            التعديل الأخير تم بواسطة ابراهيم خالد احمد شوك; الساعة 13-05-2012, 13:14.

            تعليق

            • ابراهيم خالد احمد شوك
              أديب وكاتب
              • 09-01-2012
              • 534

              #7
              في الذكري ال77 لرحيل خليل فرح

              بقلم: تاج السر عثمان


              الحوار المتمدن - العدد: 2774 - 2009 / 9 / 19


              في 30/6/1932م توقف قلب كبير عن الخفقان ، توفى خليل فرح الذي كان نزيلا بمستشفى النهر بالخرطوم ، بعد أن ادركته علة الرئه(السل) ، تلك العله التى قال عنها الخليل: (علتى وهى علتى قصة الناس في البلد) .
              والواقع ، عندما نتحدث عن الاغنية السودانية الحديثه وروادها يقفز الى الذهن خليل فرح ، انه كان مبدعا ومجددا حقيقيا في الأغنية السودانية ، وقد صدرت في سيرة الخليل عدة كتب نذكر منها على سبيل المثال لاالحصر :
              - نقوش على قبر الخليل ، للاديب المثقف والدبلوماسي عبد الهادى صديق ، رحمه الله.
              - ديوان الخليل، الذى قدم له وحققه طيب الذكر الراحل على المك.
              - كما قدمت الاستاذة حاجه كاشف دراسه عن الخليل .
              - وفى مؤلف المرحوم حسن نجيله : ملامح من المجتمع السودانى ، جوانب مختلفه من شعر الخليل ودوره في الحركة الوطنية وفي جمعية اللواء الأبيض وذكريات نابضة بالحياة عن صالون (فوز).*
              الخليل من ذلك الجيل من المتعلمين والمثقفين السودانيين الذين تخرجوا في كلية غردون وغيرها ، والذين حملوا أعباء النهضة السودانية الحديثه وصارعوا من اجل ارساءها في مختلف المجالات ، ووضعوا حجر الأساس الذي لازلنا نبنى عليه في تلك المجالات ، سواء اكان ذلك في ميادين الاقتصاد أم الاجتماع أم السياسة ، ام الموسيقى أم المسرح .. الخ.
              والواقع أننا لايمكن فهم تطور السودان الحديث دون المعرفة العميقة والباطنية لجذور وجينات ذلك التطور والظروف التى حكمت وشكلت قسمات نشأته الاولى.
              من هذه الزاويه ، نتناول الدور الذي لعبه الخليل في نهضة وتطور السودان الحديث ، ونتناول قضايا التقدم الاجتماعي التى كان يثيرها ، كما نتناول الربط المبدع لأشعار الخليل بالوطنية والطبيعه السودانية وتخطيه لحدود المكان والزمان.فلازالت قصيدة( عزه في هواك) ترن في الاذان كرمز للوطنية السودانية ، وسوف تظل خالدة في حاضر ومستقبل السودان ، كما كانت في الماضي.يقول الخليل فيها:
              عزه في هواك نحن الجبال وللبخوض صفاك نحن النبال
              عزه ماسليت وطن الجمال ولاابتغيت بديل غير الكمال
              وقلبي لسواك ماشفته مال خذينى باليمين وأنا راقد شمال
              عزه مانسيت جنة بلال وملعب الشباب تحت الظلال
              وهى من القصائد الرائعه التى يربط فيها الخليل الوطن الكبير(السودان) بالوطن الصغير (امدرمان) ومنطقة مولد الخليل.
              يتناول البحث القضايا التاليه:
              1- الخليل وعصره
              2- الخليل والتجديد
              3- النهضه في اشعار الخليل
              4- الخليل والوطنية السودانية
              5- الخليل والمرأة
              6- الخليل والطبيعه
              7- خاتمه.
              أولا: الخليل وعصره:
              ولد خليل فرح في قرية دبروسه بمنطقة حلفا سنة 1894م (1) ، أى أن الخليل ولد في السنوات الأخيرة لدولة المهديه التى استقل فيها السودان لمدة ثلاثة عشر عاما وتم سقوطها في عام 1898م ، فالخليل تفتح على الاحتلال الانجليزى – المصرى للسودان، وهزيمة دولة المهدية ، وربما يكون اختزن في ذاكرته فظائع احتلال السودان واستباحة الخرطوم خلال الايام الاولى للغزو ، ومؤكد ان - صح ذلك – أن هذا الواقع يكون قد ترك اثره بهذا القدر أو ذاك في الخليل ، كما تفتح الخليل ايضا في طفولته الباكره على النيل وجمال الطبيعه والنخيل والسواقي والاشجار والطيور المتنوعه .. وكل ما تحمله حياة الريف في منطقة السكوت أو المنطقة الشمالية من جمال وبساطه وبهحه ، اضافه لأغانى النوبة ورقصهم وتراثهم الشعبي وأمثالهم وحكمهم، كما نلاحظ بعضا من ذلك في اشعاره ، فعلى سبيل المثال هناك مثل نوبي يقول:زوج البنت دينار فوق جبهة الحماة. والدينار عند النوبة حلية من الذهب الخالص مستديرة الشكل تربطها المرأة في شعر الناصية وترسلها الى الامام ، فتستقر فوق الجبهة ، وهى حليه من الحلى الزاهيه تعتز بها كل امرأة. وهو مثل يضرب للدلالة على مكانة زوج البنت وعلو قدره في نظر حماته.وفي قصيدة ( جنائن الشاطئ) يستلهم الخليل هذا التراث عندما يقول:
              القوام اللادن والحشا المبروم
              والصدير الطامح زى خليج الروم
              حلى جات متبوعه الصافيه كالدينار
              في القوام مربوعه شوفا عاليه منار
              وكان والد الخليل : فرح بدرى يعمل بالتجارة ، وكان كثير الاسفار في المنطقة من حلفا ودنقلا وكثيرا ما كان يصحبه خليل في تلك الاسفار، وبطبيعة الحال ، ان هذه الاسفار كان لها الاثر في شخصية وتفكير الخليل فجعلته يتعرف على مناطق مختلفه من السودان في بداية حياته، الشئ الذى جعله واسع الافق والخيال كما ساعدته على حب وعشق الطبيعه والتى عبر عنها كثيرا في اشعاره ، توفى والده سنة 1915 ، كما توفيت والدته سنة 1927 م.
              نال الخليل جزءا من تعليمه في خلوة الشيخ احمد هاشم بجزيرة صاى ، ثم الكتاب في دنقلا ، كما درس في امدرمان حيث كان يقيم واهل ابيه ، ودخل كلية غردون وتخرج فيها مهندسا ميكانيكيا، وعمل بعد تخرجه في مصلحة البوسته والتلغراف ، ونتوقف هنا قليلا لنلاحظ ، أن الخليل تلقى تعليما مدنيا حديثا أو مدنيا فرضته احتياجات الادارة البريطانية بعد قيام مشاريعها الصناعية والزراعية والخدمية ، واحتياجها لنوع من التعليم الحديث يلبى الاحتياجات ، وبدراسة الخليل للهندسه تفتح افقه وخياله وبدأ يتعامل مع المنجزات الحديثه للثورة الصناعية الاولى من ادوات انتاج ومبادئ العلوم والرياضيات والهندسه .. الخ، كل ذلك اسهم في تنمية وعى الخليل الاجتماعي والذى صقله فيما بعد باطلاعه الواسع في الادب والشعر القديم والتاريخ الاسلامي والسوداني ، اى ان الخليل تخطى برنامج كلية غردون الدراسي الذي كان يقتصر على تدريب الطالب على مهنه محددة معزوله عن الثقافة العامة ، وهذه نقطه مهمه تشكل المفتاح لفهم سر التجديد في الاغنية السودانية وفي الشعر السوداني عامة ، ذلك لأن الخليل نفسه هو نتاج القوى الحديثه من موظفين وعمال ومهندسين الذين برزوا بعد قيام مؤسسات الادارة الاستعمارية في بداية القرن الماضي ، وهذه القوى هى التى قادت دفة التجديد في مختلف المجالات الأدبية والفنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والرياضية فيما بعد.
              ومن الملامح الانسانية للخليل زواجه من السيدة سلامه اغا ابراهيم أرملة شقيقه بدرى وذلك في جزيرة (صاى) عام 1923 م ، وكان له من الولد فرح وعائشه.
              وكان للخليل نظرة عميقة للاستعمار باعتباره سبب الشقاء والتخلف للسودانيين ، وهذه النظرة نلمحهافي قصيدة ( صائد الانام) ، وهى قصيدة نظمها بمناسبة زيارة ( أمير بريطاني) للسودان جاء فيها :
              ياصائد الانام سافر ياامير وانزل اراضينا
              جوب ساحاته واستعرض ميادينا
              ما تهمك مدارسنا ونوادينا
              اهلك اهملوا تأسيسه عامدينا
              ساد الجهل وسادت عوادينا
              وعم الفقر مداينا وبوادينا
              ما اتسولنا أو مدت ايادينا
              غير الخالق المن فيضه يدينا
              ياصائد الانام المولى عاطينا
              طبيعه غنيه في بواطينا
              ما اخصب جزائرنا وشواطينا
              وخيرات الجزيرة الدافقه طينا
              ويختتم الشاعر بقوله :
              بس الشفته من احوالنا بيألم
              احكى عنه لاهلك وعد سالم
              والخليل هنا يعبر عن مفهوم عميق للاستعمار كظاهرة اقتصادية اجتماعية ، باعتباره سبب الجهل والتخلف رغم ادعائه بأنه جاء لنشر التعليم والمدنية ، ويتضح ذلك من اهماله للتعليم والشح في بناء المدارس والاندية التى ترمز للوعى والتقدم الاجتماعي والثقافي ، ورغم خيرات البلاد وخصوبة أرض الجزيرة ، الا أن عائدها يذهب لجيوب المستعمرين بينما السودانيون يعانون من الفقر في المدن والبوادى ، والخليل هنا كان عميقا عندما يلاحظ الفقر في القطاع الحديث ( المدن) ، وفى القطاع التقليدي ( البوادى) ، ويشير الى عزة السودانيين الذين يرفضون التسول رغم الفقر الذي عمّ في فترة سيادة الاستعمار الذي اهتم بالمحصول النقدي ( القطن) واهمل زراعة قوت الناس مثل: الذرة والدخن والخضروات .. الخ، أى أن الاستعمار لم يكن يهمه غذاء السودانيين ورفاهيتهم بقدر ما كان يهمه غذاء السودانيين ورفاهيتهم بقدر ما كان يهمه انتاج المحصول النقدي( القطن) اللازم لمصانعه في لانكشير.
              اعتقد أن الخليل هنا عبر بالحدس والفطرة تعبيرا عميقا عن فهم ظاهرة الاستعمار والأسباب الأساسية للتخلف التى نشأت من استنزاف خيرات البلاد، وتصدير الفائض الاقتصاي للخارج وابقاء السودانيين في حالة من الجهل والفقر.
              وبعد استقرار دولة الحكم الثنائي شرعت في ارساء البنيات الاساسية للدولة السودانية الحديثة ، فقامت السكك الحديدية والنقل النهرى وتم انشاء ميناء بورتسودان ، وتم ارساء التعليم الحديث وقامت كلية غردون وتم بناء المستشفيات الحديثة وقامت مصلحة البوستة والتلغراف وقام مشروع الجزيرة وخزان سنار ، ونشأت دور الطباعة والنشر والصحافة .. الخ.
              وشهدت الفترة(1900 – 1919 م) تخرج متعلمين من كلية غردون ، كما شهدت تطورات عالمية وداخلية كان لها الاثر في تطور وظهور شكل جديد للوطنية السودانية بعد هزيمة دولة المهدية واتباعها وهزيمة الانتفاضات القبلية والدينية التى استمرت حتى 1916م. حيث تم القضاء على تمرد السلطان على دينار في دارفور. وشهدت تلك الفترة الحرب العالمية الاولى وما تمخض عنها من تطورات في الحركة الوطنية لشعوب المستعمرات.والاتجاه العام للمطالبه بحق تقرير المصير ، كما شهدت نشوء ومولد الصحافة السودانية التى بدأت اجنبية الملكية سودانية القراء ، حتى قامت أول جريدة ( الحضارة) سودانية في الملكية والقراء(2 ).
              كما اشترك الجنود السودانيون في الحرب العالمية الاولى وعادوا للبلاد بوعى جديد ، كما شهدت تلك الفترة نهوض الحركة الوطنية المصرية التى توجت بثورة 1919 م والتى كانت تطالب بسيادة واستقلال مصر ، كما شهدت شعوب المستعمرات الاخرى في الشرق ثورات مثل ثورة الهند ، كما قامت الثورة الروسية عام 1917م.
              ولم يكن السودانيين ولاسيما المتعلمين منهم بمعزل عن تلك الاحداث والتطورات فتم انشاء نادى الخريجين ، وقامت جمعية الاتحاد السوداني وجمعية اللواء الأبيض فيما بعد والتى كانت تطالب بوحدة وادى النيل تحت التاج المصرى وجمعية اللواء الابيض من اوائل التنظيمات التى قامت على اسس سياسية حديثة في السودان وشكلت تطورا ارقى في ميدان التنظيم في السودان. كان خليل فرح عضوا في جمعية الاتحاد السوداني التى تكونت عام 1921 م في منزل محى الدين جمال ابوسيف ومن اعضائها المؤسسين توفيق احمد البكرى وبشير عبد الرحمن وكلهم كانوا من طلاب كليةغردون ، وكان هدف هذه الجمعية وحدة وادى النيل ثم صار من اعضائها : مدثر البوشي ، الامين على مدنى ، عبيد حاج الامين ، بابكر القبانى ، توفيق صالح جبريل وغيرهم.
              ومارست الجمعية آساليب العمل السري ، وكانت اجتماعاتها تتم سرا ، وتوزع المنشورات التى توضح اهداف وافكار الجمعية ، وعندما قامت جمعية اللواء الابيض انضم اليها خليل فرح وكان الخليل يعبر في قصائده واشعاره عن اهداف وشعارات وحدة وادى النيل التى قامت ثورة 1924 م على أساسها ونلمس ذلك على سبيل المثال في قصيدة ( الشرف الباذخ) والتى يقول فيها:
              نحن ونحن الشرف الباذخ دابى الكر شباب النيل
              قوم قوم كفاك يانائم شوف شوف حداك يالايم
              مجدك ولىّ وشرفك ضلّ وامتى تزيد زيادة النيل
              الى أن يقول:
              ده ودعمى وده ضريب دمى وانت شنك طفيلي دخيل
              يانزلانا امرقوا الذمه كيف ينطاق هوان الامه
              شالو حقوقنا وزردوا حلوقنا ديل دائرين دمانا تسيل
              من تبينا قمنا ربينا ما تفاسلنا لو في قليل
              ما فيش تانى مصرى سودانى نحن الكل ولاد النيل
              واضح من القصيدة انها تعبر عن جماعة ( نحن) أى جماعة وحدة وادى النيل ، ويرد فيها ذكر (النيل ) اكثر من مرة ويختتم بقوله ( مافيش تانى مصرى سوداني نحن الكل (ولاد النيل)، ويرد فيها تعابير مصرية مثل( امتى تزيد زيادة النيل )، كما يشير الخليل الى الكبت الذي يعانى منه الشعب السودانى في ظل الاستعمار الانجليزى عندما يقول:
              يانزلانا امرقوا الذمه كيف ينطاق هوان الامه
              شالو حقوقنا وزردوا حلوقنا ديل دائرين دماءنا تسيل
              ويقول للمصرى والانجليزى:
              ده ود عمى وده ضريب دمى وانت شنك طفيلى دخيل .
              اى أن القصيدة تعبر تعبيرا كاملا عن اهداف اللواء الابيض ( وحدة وادى النيل).
              بعد هزيمة ثورة 1924 م وخروج القوات المصرية من السودان وانفراد الانجليز بالحكم ، نظم الخليل قصيدة( ماك غلطان) في عام 1925 والتى تحولت الى نشيد وطني ذاع شأنه وكان يغنيه كثير من المطربين ، يقول فيها:
              ماك غلطان ده هوى الاوطان نوح ياحمام
              الى أن يقول فيها:
              اطرى فلان وليالى عنان وين ياسلام
              كنا حنان والحله جنان نوح ياحمام
              اليوم آن للمحنه آوان ضل المرام
              ما فى اخوان وحياتنا هوان نوح ياحمام
              لاشك أن التزام خليل السياسي سبب له المتاعب في الخدمة المدنية ، حيث كان هدفا لحزم الادارة ، وعلى حد تعبير على المك ( ربما كان ذلك عقابا على شعره واشاراته للادارة البريطانية بالتلميح والتصريح) (4). فقد بلغ مجموع الايام التى خصمت رواتبها من خليل فرح عشرون يوما في مدة خدمته من أخريات عام 1913 م الى عام 1929م.
              احب الخليل مصر والذى كان يرى فيها مثلا اعلى في الثقافة والعلم ، كما ادرك قوة الصلة بين الشعبين المصرى والسوداني ، وما انضمام خليل لجمعية اللواء الأبيض والتى كان من اهدافها ( وحدة وادى النيل) الا دليل على ذلك ، فقد ذكر مصر كثيرا في اشعاره كقوله ( نحن الكل اولاد النيل)، ( نحن كنانة اسماعيل). وعليه شد الرحال الى مصر في آخر عام 1928م ، واستطاع أن يكسر ويتخطى القيود التى كان يضعها الانجليز في سفر المثقفين والمتعلمين السودانيين الى مصر طلبا للمزيد من العلم والمعرفه.
              وفي الفترة الى قضاها الخليل في مصر استطاع أن يطور قدراته الغنائية والموسيقية ويتزود بالعلم في هذا الجانب ، ودرس علوم الموسيقي ، واستطاع الخليل عن طريق المعارف العلمية الاولية في هذا الجانب أن يطور ويسهم في ارساء قواعد الأغنية السودانية على أسس جديدة راقية ومتطورة .
              كان صراع الخليل مزدوجا : الصراع ضد الاستعمار والتخلف والفقر والصراع ضد المرض ، داء السل العضال الذى كان يعانى منه ، فازدادت معاناته ومتاعبه وعلى حد قول المتنبي ( ومن ذا يحمد الداء العضالا).
              وفي قصائده اشارات كثيرة لذلك المرض ، وكان يربط علته بعلة الوطن كله ، ومن الامثله على ذلك قصيدة ( من يداويك) والتى جاء فيها:
              من يداويك والحياة كما شاءوا وما شئت كلها الآم
              مالنا نسكب الدموع على القرطاس ياقوم ولعلى أقوام
              وكذلك نلاحظ ذلك في قصيدة ( الاتومبيل والاسد) والتى جاء فيها:
              يابناءا على المجد قد قام واعتمد
              رفع الله امة رفعت مجدها السند
              كم طبيب على عبادة الفجر ما رقد
              يتلقاك باسما جس نبضا أو انتقد
              تلك ستون ليلة هى كالسجن أو اشد
              صدمة ليتها صدمة الاتومبيل أو الاسد
              علتى وهى علتى قصة الناس في البلد
              كان الخليل عميقا في ثقافته ومعرفته بالتاريخ والشعر العربي والتراث السوداني وينعكس ذلك في شعره وقصائده ، كما استطاع أن يطوع تلك المعرفة على الواقع السوداني ، وتحت مفاهيم جديدة ولغة جديدة وجمع في شعره بين العامية والفصحى.
              وفي قصيدة ( طير الوادى) اشارة للتراث ولآثار السودانية والامجاد الماضية يقول فيها:
              كنانة آمون مشغوله قايدة وشايدة
              من والدنه بى تلك القصور الشايدة
              وفي قصيدة ( تعال الى ) يقول:
              طربت وهزنى الشوق المشيم وعاود مهجتى داء قديم
              الى أن يقول:
              فسل سوبا وسنار عنا وواد النخل لبنك الرسوم
              فالخليل هنا يصل لمرحلة متقدمة في الوعى بالذات وبالحضارة السودانية.
              وفي قصيدة ( لاتقوم الشعوب الا على ماضي)، يقول:
              رب ما ض من الهوى بعثته ذكريات الهويل بالتغريد
              لاتقوم الشعوب الا على ماض بقيت بذكره في النشيد
              وبنفسى هى الحياة حياة اسلكت اهلها سبيل الخلود
              ويدعو الخليل الى العلم والمعرفهحين يقول:
              فكونوا كا الكواكب ذا زمان لغير اولى النهى ليل بهيم
              وشدوا بعضكم بعضا وسيروا بغير العلم مسلككم وخيم
              ثانيا : الخليل والتجديد :
              كانت الاغنية السودانية قبل الخليل تتسم بالاسفاف والركاكه ، وهى نتاج المجتمع التقليدي الضيق الذي كان يعيش فيه السودانيون قبل الارتباط بتيارات الثقافة العالمية ، ودخول التعليم الحديث ، وبالطبع عندما جاء الخليل بتعليمه المدنى الحديث وثقافته واطلاعه الواسع ، اسهم في الارتقاء بالاغنية السودانية ونحت تعابير ومفاهيم جديدة تتسم بالرصانه على المستوى العامى والفصيح. ويرى المبارك ابراهيم ، أن تاريخ وتهذيب الأغانى السودانية في مبتدأه لايعترف الا بوجود الزعماء المجددين الثلاثه: ابراهيم العبادى ، صالح عبد السيد( ابوصلاح)، وخليل فرح(5).
              هذا وقد اتسم شعره بصفة عامة بحب الطبيعة والوطن ويقول القصيدة تصدر عنه بلحنها مثلما هو بشفق عليها ان تقع في ايدى العابثين ، فكانت الحانه فريدة والعمل الغنائي يخرجه خليل فرح كاملا كلمات وغناء ، والذي اسماه المبارك ابراهيم تهذيبا ، ولكن على المك يطلق عليه في الواقع ثورة(6).
              وخليل فرح رغم أنه نوبي ، ورغم سيطرة ثقافة الوسط العربية ومحاولة تهميشها لثقافات الاطراف غير العربية ، الا أن الخليل برهن عاى أنه متمن من اللغة العربية العامية والفصحى ، واستطاع أن يحدث ثورة حقيقية في الأغنية السودانية ، وفي تنمية لغة اهل امدرمان التى هى حصيلة تفاعل قبائل السودان المختلفة التى تم حشدها في المدينة عند بداية تأسيها بعد انتصار الثورة المهدية.
              واسهام النوبة في الثقافة العربية الاسلامية واضح ، فكما يقول د. عبد الله الطيب : الجاحظ العظيم نوبي ، وذو النون المصري القطب الصوفي المشهور كان نوبيا ، مما يوضح أن النوبة كما ابناء الفرس والروم اسهموا في تشييد صرح الثقافة العربية الاسلامية. وبالتالى لانستغرب ابداع خليل فرح النوبي وتمكنه من اللغة العربية واسهامه في تطوير وتجديد فن الغناء السوداني.
              ثالثا: النهضة في اشعار الخليل:
              في قصائد الخليل نلمس دعوات واضحه الى ابناء الوطن لكى ينهضوا ويواكبوا التطور ويتحرروا من الركود والجمود، في قصيدة (الشرف الباذخ) يقول:
              قوم قوم كفاك يانايم شوف شوف حداك يالايم
              مجدك ولى وشرفك ضل وامتى تزيد زيادة النيل
              فهى دعوة صريحه للنهضة والتطور والازهار حتى يعم الرخاء والتقدم في البلاد.
              وفى قصيدة ( فلق الصباح) يقول:
              عزه قومى كفاك مومك وكفانا دلال يومك
              انت يالكبرتوك البنات فاتوك
              في القطار الطار
              فهى دعوة صريحة للوطن لينهض ويلحق بالاوطان الأخرى التى سبقته في مضمار النهضة والتقدم.
              وفي قصيدة (عزة في هواك) يقول:
              عزة شفت كيف نهضوا العيال جددوا القديم تركوا الخيال
              وفي قصيدة ( وطني) يقول :
              لبسوا الجديد على القديم وهكذا
              صارت تصان وديعة الاحفاد
              رابعا: خليل والوطن:
              احب الخليل الوطن وعشقه عشقا شديدا وعبر عن هذا الحب في اشكال مختلفه منها الشكل المباشر والشكل الرمزى ( الحبيبه ، عزه ، المرأة ، ... الخ).
              وفي قصيدة ( ماهو عارف) يصل للقمه في حب الوكن يقول في القصيدة:
              ماهو عارف قدمه المفارق يامحط امالى السلام
              في سموم الصيف لاح بارق لم يزل يرتاد المشارق
              كان مع الاحباب نجمه شارق ماله والافلاك في الظلام
              الى أن يقول:
              من فتيح للخور للمغالق من علايل ابروف للمزالق
              قدله يامولاى حافى حالق بالطريق الشاقه الترام
              ما يئسنا الخير عوده سابق الى يعود ان اتى دونه عايق
              الى يوم اللقاء وانت رايق السلام ياوطنى السلام
              وفي قصيدة ( اذكر بقعة ام درمان) يعبر عن حب عميق لوطنه الصغير ( ام درمان) وعن فهم عميق لتاريخ وجذور المدينه وتركيبتها ، يقول في القصيدة:
              اذكر بقعة ام درمان وانشر في ربوعها آمان
              ذكر ياشبابي زمان
              يواصل الخليل ويقول:
              دارنا ودار ابونا زمان وفيها رفاة جدودنا كمان
              ما بننساك خلقه ضمان جنه وحور حماك ضمان
              بطرى الاسسوك زمان كانوا نحاف جسوم ما سمان
              كانوا يحلحلوا الغرمان يساهروا يتفقدوا الصرمان
              في السودان فتيح معروف ولسه ابو عنجه خوره سروف
              وود نوباوى زول معروف باقى وديك مشارع ابروف
              كانوا جبال تقال ومكان نزلوا اتربعوا الاركان
              نلاحظ هنا أن الخليل يستخدم ( بقعة ام درمان) ، وكلمة بقعه من الكلمات التىيستخدمها الامام المهدى عليه السلام ، مما يشير الى ربطه وتلميحه الى ام درمان العاصمه الوطنية أو عاصمة أول دولة مستقلة.
              وفي القصيدة نلاحظ الوصف للاحياء والذين اسسوها وبطولاتهم وشهامتهم ( جبال تقال ومكان).أى أن الخليل هنا يشير الى امجاد المدينه وتاريخها والوطنية السودانية من خلال هذه القصيدة ، وكذلك في رائعته ( يانيلنا يانيل الحياة) التى يقول فيها :
              يانيلنا يا نيل الحياة حياك حياك الحيا
              الى أن يقول:
              بالله ياوطن الصبا بالعافية ياروح الصبا
              بفداك من قلبي الصبا بي مالى بي دم الصبا
              يواصل ويقول:
              يا نيلنا ياسحر الحلال يا ابشامه في صدرك هلال
              قول للسلف خلفا حلال نتلاقى في جنة بلال
              خلاصة القول : أن الخليل احب الوطن حبا جما ، حبا ملك كل كيانه وسرى في دمه ، ومن هنا نفهم سر خلود شعر الخليل على مر العصور والازمان ، وسيظل الناس دائما يرددون ( عازه في هواك)، و( ماهو عارف قدمه المفارق)، و ( فلق الصباح )، .. الخ.
              خامسا: الخليل والطبيعه:
              كانت الطبيعة والبيئة السودانية مصدرا هاما لاشعار واغانى الخليل ، فنجد أن الخليل حسد ما كان يدعوا اليه حمزة الملك طمبل ، وهو نظم شعر سوداني اصيل يعكس بصدق واقع وبيئة السودان بدلا من النقل الاعمى لبيئات اخرى وحشرها حشرا في اشعارنا ، اى شعر كل من يقرأه يعرف أنه شعر سوداني صميم.
              ومن الامثله لذلك قصيدة ( مقرن النيلين) التى يقول فيها:
              صبحنا نوارك هباب والروضة تتنفس حباب
              حس السواقى مع الضباب مناحه بالهوى طارقه باب
              وقصيدة ( اياما مضت) تعكس ذكرى عميقة للطبيعة يقول فيها:
              اياما مضت ساعة تدخل الغابه
              في ضل الاراك ترى البهم تشابى
              لى وقت العصير تتفاوت الجلابه
              تغشى الحله سامعين لى نبيح كلابه
              ومن الاشجار التى ترد في شعر الخليل ( النخل)، ( النبق أو السدر)، ( الاراك)، ( السلم)،... الخ من الاشجار التى تعبر عن البيئة السودانية.
              ويصل حب الطبيعة الى نهايته العظمى في شعر الخليل في قصيدة ( في الضواحى) التى يقول فيها :
              في الضواحى وطرف المداين يله ننظر شفق الصباح
              قوموا خلوا الضيق في الجناين شوفوا عز الصيد في العساين
              الى أن يقول:
              بالطبيعة الواديك ساكن ما فى مثلك قط في الاماكن
              ياجمال النأى في ثراكن ياحلاة البرعى اراكن
              في قفاهن ثور قرنه ساكن لاغش لاشافن مساكن
              في الحزام والشبح والبراح
              ويختتم بقوله :
              مال نسيم الليل بي برودك نامت الازهارفي خدودك
              عرد العصفور فوق عودك النفوس ما تعدت حدودك
              ما عرفنا عدوك من ودودك بس انا المقسوم لى صدودك
              ياحياتى واملى اللى راح
              سادسا: الخليل والمرأة:
              اهتم الخليل بتعليم المرأة باعتبار ذلك اساس النهضة والعمران ، وكان انحياز الخليل واضحا في الصراع الذى دار في العشرينيات من القرن الماضي بين انصار واعداء تعليم المراة ، كان الخليل مع تعليم المرأة ووقف بجرأة مع مجرى التطور والتقدم الاجتماعي ، ويتضح ذلك في قصيدته بعنوان ( في تعليم المرأة) والتى يقول فيها :
              ارشدونا ياولاة الامر في امرنا ذل جهول خامل
              وانصفونا من حياة نصفها حائر والنصف جسم جاهل
              تعب في الغيط والبيت متى يصلح الحال ويأوى العاقل
              علموها انها مدرسة لحياة ما اليها طائل
              وللخليل قصيدة اخرى في تعليم المرأة بعنوان (المدرسة) يقول فيها:
              يلا نمشى المدرسة سادة غير اساور غير رسا
              يلا سيبى الغطرسه قومى افرزى كتب المدرسه
              الساعة سته دقت يام رسا نايمه والمنبه حارسا
              الى أن يقول:
              دارسه ماك جاهله محنسه قادله لى كتابه مؤنسه
              حاشا ما تربيتي مدنسه لسه لسه عزك ما اتنسى
              اى أن الخليل يرى أن التعليم هو أساس التقدم والنهضة ولابد لنصف المجتمع أن يأخذ نصيبه منه. وكان الخليل يدعو لتحرر المرأة من الجمود والنظره الباليه للمرأة ولتحرر العلائق الاجتماعية في عفة وجمال وفي اطار تقاليد المجتمع.وفي قصيدة (صح النوم) يقول:
              اختك يازينة العوالم طلعت فوق من غير سلالم
              انت كمان عندك معالم بكره نقوم وطريقنا سالم
              ليك الدار والناس محارم مجدك حى واهلك حضارم
              انت العز وانت المكارم شرفك لى في الهيجا صارم
              وفي قصيدة ( تم دور وادور) يقول:
              النحر معمر والسباته حارة والمجال مضمر
              الشعر مخمر يرشح كله ند عردب المجمر
              قام محمد بشر هز فوق تيجانن سل سيفه كشر
              قول معاى واتفشر نحن سياج عروضن ونحن يوم المحشر
              ومن قصائده الرائعه ( ميل وعرض) التى يقول فيها:
              ميل وعرض كتر امراضي بي هواكم والهوان راضى
              جن ليلى وهاجت اعراضى سح دمعى وطاشت اغراضى
              الى أن يقول:
              بالى جسمي ومن زمان قاضى هاهو حبك بين انقاضى
              هدى روعك اوع لاتقاضى ما بشارعك مابكوس قاضى
              المضلل رشدى ياهادى والمكتر في القضاء سهادى
              ومن روائعه ايضا: قصيدة ( بين ها القصور) التى يقول فيها:
              اللحظ مثير والكفيل وثير
              والبسيم مفلج كالدر النثير
              البنان خضيب والقوام رطيب
              والوريد الباهى محق الوضيب
              غير شك تسود العيون السود
              مافى شئ مبدع خالى من حسود
              خاتمه:
              من العرض السابق نصل الى أن الخليل كان مجددا حقيقيا لفن الغناء السوداني ، والخليل نتاج النهضة الحديثة والتعليم المدنى الحديث ، وكان ذو ثقافة عميقة وعلى المام بالتاريخ الاسلامي والسوداني وبالتراث السوداني ، ويظهر ذلك في شعره ، كما استطاع الخليل أن ينحت قوالب جديدة تناسب البيئة السودانية ، فجمع الخليل بعمق وبمهارة بين العامية والفصحى مما يدل على تمكنه من ناصية اللغة والشعر ، واستطاع الخليل أن يعطى القوالب الفنية القديمة التى كانت تتلخص في غناء الدوباى والطنبور والمديح . استطاع أن يكسبها مضامين جديدة ، أو كما يقولون : استطاع أن يصب نبيذا جديا في قنانى قديمه ، فبعث فيها الحياة وبكلمات اخرى ، كان الخليل عميقا بنى الجديد على افضل ما القديم .
              استطاع الخليل انتاج شعر وفن غناء سوداني اصيل عبر عن الفترة التاريخية بكل شحناتها والآمها وعبر عن الواقع والبيئة السودانية في اشجارها وطيورها وانهارها وازهارها وجبالها ومعالمها التاريخية وتراثها الزاخر بالحياة ، كل ذلك في نسيج فريد ، كما استطاع الخليل أن ينحت كلمات وتعابير جديدة ، كانت ترمز للوطن بهذا القدر أو ذاك مثل ( عزة)، و( جنة بلال)،.... الخ.
              كان الخليل مناضلا من اجل الاستقلال ، وكان عضوا في جمعية اللواء الابيض ومن رموزها الثقافية البارزة والمعبرين فنيا عن شعاراتها ، فالخليل لم يكن شاعرا رومانسيا بعيدا عن قضايا وهموم الوطن ، بل كان يعمل من اجل تغيير الواقع الى الافضل.
              كما كان الخليل يعبر عن التيار العام للتطور الاجتماعي ، فنجد في قصائده الدعوة الى تعليم المرأة وتحرير البلاد من الجهل والفقر ، وكان وعيه مبكرا ، بأن سبب تخلف وفقر البلاد هو الاستعمار الانجليزى ، اى أن الخليل كان شاعرا واعيا بذاته وبتاريخه وبوطنه.
              وكان الخليل من الاوائل الذين ادخلوا العود والالات الموسيقية الحديثة في الاغنية السودانية.
              كما كان الخليل يصارع ضد نوعين من الاضطهاد : اضطهاد الاستعماريين للسودانيين ككل ، واضطهاد القبائل العربية لثقافات القبائل الطرفية ، اى كان مناضلا ضد العنصرية ، واستطاع الخليل أن يبرهن أن ابناء النوبة رغم ( رطانتهم)، - والتى في الواقع لغة – يمكن أن يبدعوا في استيعاب اللغة العربية والشعر العربي.

              الهوامش والمصادر:
              *الاشارة هنا الى مبروكة( فوز) التى كانت تؤمن اجتماعات جمعية اللواء الابيض وتشاركهم القضية والغناء مضحية بسمعتها ومكانتها في المجتمع في تلك الفترة الباكرة من تطور المجتمع السوداني من عشرينيات القرن الماضي.
              1 – انظر ديوان خليل فرح ، تحقيق وتقديم على المك ( دار جامعة الخرطوم للنشر 1977 م).
              2 – راجع محمد متولى بدر : حكم وأمثال النوبة ( معهد الدراسات الآسيةية والافريقية – شعبة الفلكلور 1978 ).
              3 – للمزيد من التفاصيل راجع حسن نجيله ( ملامح من المجتمع السوداني ) – الجزء الأول ، ومحجوب محمد صالح ( الصحافة السودانية في نصف قرن ) – الجزء الاول.
              4 – على المك ديوان الخليل ، مرجع سابق.
              5 - المرجع السابق، ص 14 .
              6 – المرجع السابق.





              الهوامش والمصادر:
              *الاشارة هنا الى مبروكة( فوز) التى كانت تؤمن اجتماعات جمعية اللواء الابيض وتشاركهم القضية والغناء مضحية بسمعتها ومكانتها في المجتمع في تلك الفترة الباكرة من تطور المجتمع السوداني من عشرينيات القرن الماضي.
              1 – انظر ديوان خليل فرح ، تحقيق وتقديم على المك ( دار جامعة الخرطوم للنشر 1977 م).
              2 – راجع محمد متولى بدر : حكم وأمثال النوبة ( معهد الدراسات الآسيةية والافريقية – شعبة الفلكلور 1978 ).
              3 – للمزيد من التفاصيل راجع حسن نجيله ( ملامح من المجتمع السوداني ) – الجزء الأول ، ومحجوب محمد صالح ( الصحافة السودانية في نصف قرن ) – الجزء الاول.
              4 – على المك ديوان الخليل ، مرجع سابق.
              5 - المرجع السابق، ص 14 .
              6 – المرجع السابق.

              7- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=185132

              تعليق

              • ابراهيم خالد احمد شوك
                أديب وكاتب
                • 09-01-2012
                • 534

                #8
                فرقة يابانية مع مشاركة سودانية - عزة في هواك

                [MEDIA]http://www.youtube.com/watch?v=yvNBu9p68BE[/MEDIA]


                عقد الجلاد -- عزة في هواك -- حفل رأس السنة

                [MEDIA]http://www.youtube.com/watch?v=X1ntLSO2RLM&feature=relmfu[/MEDIA]

                تعليق

                • أحمد على
                  السهم المصري
                  • 07-10-2011
                  • 2980

                  #9
                  جميل ما تدرج لنا هنا أخي إبراهيم خالد

                  متابع ،،

                  استمر

                  تحيات لكـ

                  تعليق

                  • ابراهيم خالد احمد شوك
                    أديب وكاتب
                    • 09-01-2012
                    • 534

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة أحمد على مشاهدة المشاركة
                    جميل ما تدرج لنا هنا أخي إبراهيم خالد

                    متابع ،،

                    استمر

                    تحيات لكـ


                    لك الشكر أيها الجميل المتألق على المتابعة
                    هل وصلك بريدى بشأن من التراث السودانى ؟

                    مودة لاينضب معينها

                    تعليق

                    • المدارمه
                      عضو الملتقى
                      • 24-06-2012
                      • 18

                      #11
                      ياسلام روعه
                      يسلموا السودان بلد جميله

                      تعليق

                      يعمل...
                      X