حمداً لله على السلامة , وشكراً له على ما تكرم علينا من جزيل العطايا بإنعامه , وله الفضل والمنة فالخير منه وإليه يعود إلى يوم القيامة ... هكذا تكون البدايات ليس لأن القلم هو البادئ ولكن لأن المبدئ هو الأصلح أن يقدم ويكون في البداية , مهما تكاثرت الحروف واختلفت البدايات وتناثرت الكلمات وانسجمت العبارات وسُجِّعت الجمل وصارت كالوتيرة أو سمِّها كما تشاء قل سيمفونية أو فلتسمها نثرية أو كما تريد المهم أنها الكلمات ... لكن السؤال هل توجد في تلك الكلمات روح ؟
بالطبع نعم في كل كلمة يتحسس الذواقةِ لروح كاتبها فمنها صاحب الروح الشاعرية أو صاحب الروح الهادئة ومنها صاحب الكلمة الدافئة والتي تخرج من تلك الروح الملتهبة فما إن خرجت الكلمات إلا وقلَّ الإشتعال شيئاً فشيئاً حتى وصل الدفئ إلى القارئ وربما كاتبها يعاني الويلات , قد يصف الواصفون في كلماتهم ما لا يقوى على فعله فتجده تفانى في إخراجها ولكن لم يرضَ عنها ! هل تعلم أخي وحبيبي لماذا ؟ فقط لأن الروح فقدت إكسيرها ولم تجد محركها وقلت الدوافع التي تجعل من تلك الروح محركاً ذاتياً للكلمة تلو الكلمة حتى تجد نفسك في السطر الأخير لهذا النظم الجميل ولا تريد أن تنتهي !
لماذا نفقدها ؟ لماذا نفقد تلك الشعوريات الجميلة التي تجعل القلب يتهادى ويقل طمسه ويخَّف نغزه ويشَّف وصفه ؟
لأننا لم نضع الكلمات في أماكنها الصحيحة ببساطة نزعناها وتنازعناها فوضعنا الحبيب بجوار اسم الشخص البعيد وقربنا مسافات الوصل ما لا يصح ان نقربها فمات الوصف ناقصاً رغم أن الروح تلوح في الكلمات وتبحث عن مصفيها وموفيها وتريد أن تظهر على ما يخفيها .. هنا نعرف حقاً أن روح الكلمة تظهر من معناها لا نريد أن نفرغها من محتواها لأن محتواها أصلٌ فيها فهو فيها موفيها ومصفيها وحاميها .. روح الكلمة تخرج فقط من الصادقين من نلتمس من كلماتهم الحق ونرى في معانيها شعاع النور ولازلنا نبحث عن تلك الكلمات نجدها هنا وهناك إلا إننا مثلاً نجد أن هناك كلمات لا نمل من قرائتها رغم تكرارها وكلمات نملها قبل أن نفرغ منها ... فالكلمات كلما اقتربت للأصل كلما كانت ذات معنى ومصطحبةً للإحساس وتصب في إناء الروح فتهديها بلسماً لجراحاتها وتلمسها ملامسةً حانية تذكرها أجمل المشاعر وأفضل الصفات .. الله ربنا خلق الروح ونفخ فيها من روحه وخلق الكلمات وجعل القرآن سيدها .. ومن أصدق من الله حديثا ؟ وقال ربنا ونعم قال ومن أصدق من الله قيلا ؟ لكنّا فقط نريد أن نتطرق لباب المعاني فنقف على كتابه الكريم فنتفهمه ونعيه {{ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها }} سبحان الله متى يزال صدأ هذا القفل من على القلب ؟ سبحان الله متى نجد مفتاحاً لهذا القفل حتى نعي ونفهم , متى وعينا كتاب ربنا وعرفنا روح كلماته وبليغ عباراته من هنا فقط نستطيع أن نقرأ الكلمة من منبعها ونعلم أين تصب وما يريد صاحبها بها .. عرفنا العلاقة بين الروح وبين الكلمة , علمنا العلاقة بين سحر البيان وتأثيرها على الوجدان ... متى فهمنا منبع الصدق في ذات الحرف فتح الله علينا من معين الفهم والخير ما لا يفتحه على سواه إذ أن روح الكلمة حقاً هي التي أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء لا تنتهي بمجرد الإنتهاء من القراءة بل إنها تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها ........ فما أجمل أن نجد في أنفسنا مجالاً ومتسعاً يستوعب الكلمات ووعاءً نقياً طاهراً يحفظها وقلباً فياضاً يتصدق علينا بالوعي والتدبر ولساناً طليقاً ينطقنا وينطق بنا حتى تؤتي كلماتنا ثمرتها بإذن ربنا ....... هكذا تكون الكلمة وتلك هي الروح الشفافة النقية الصادقة الصفية تصفو بالقرب وتصفو بلا مغالاة وتصفو بلا تكلف وتصفو بلا تلميحات وتصفو إن أخلصت وتصفو إن تخلصت وتصفو إن تجنبت وتصفو إن توحدت وبقيت على عهدها ثابتةً لا تتحرك من أجل الشهوات ولا يؤثر فيها مزج الثناءات ولا يؤخرها عن مطلوبها الأعلى ذم البطالين والبطالات , لأنها جاءت من نبع صفى فصفي له .. نسأل الله لنا ولكم الصدق في قول الحق
تعليق