كتب مصطفى بونيف
الأغنياء...أغبياء... !!

من وصايا جدي الأكبر قبل أن يموت جوعا " لا تصاحب الأغنياء لأنهم أغبياء.."، ومع ذلك فلقد فسرت الحكمة التي تركها جدي على أنها من قبيل الحقد الطبقي، وصاحبت أحد الأصدقاء الأغنياء..مع أنني كنت أخجل أن أظهر معه في الأماكن العامة فينقل أولاد الحلال الخبر إلى والدي..وكأنني أصاحب أنثى.. !!
جلست على مائدة الطعام، ليبدأ الوالد في "أنشودة ما قبل الغداء"...والتي مطلعها يجب بأن نحمد الله على النعمة...نصف رغيف الخبز، وكوب الماء، وحبة الجزر..ولو أن الجزر يقال بأنه يقوي البصر، لكن في حالتنا ومن كثرة أكل الجزر بدأنا نشعر بأننا ننتمي إلى فصيلة الأرانب...ثم بدأ والدي يذكرنا بضرورة أن نتذكر إخواننا في مختلف أصقاع الأرض الذين يموتون جوعا، ولا يجدون نصف الرغيف الذي ننظر إليه بنصف العين، كما أن كثرة الأكل – على مسؤولية الوالد- تذهب الفطنة...ومع ذلك بعد لست أدري لماذا يحصل أبناء الأغنياء على أعلى العلامات في الامتحانات...والدي يقول في هذه النطقة بالذات بأن سبب تفوق أبناء الأغنياء في المدارس يرجع أساسا إلى ما يسمى بالدروس الخصوصية..ثم يواصل قائلا "الدروس الخصوصية ممنوعة قانونيا، ولن أقبل على أولادي أن يحصلوا على شهاداتهم من الدروس الخصوصية..."، جلست أفكر مليا كيف أن "هاني" يأخذ حصصا من الدروس الخصوصية في البيت ووالده مستشار في المحكمة، وأمه محامية... !!
ولا يجب أن نقوم من المائدة إلا بعد أن نحمد الله على النعمة، ثم ننصرف إلى حال سبيلنا بعد أن يعدنا الوالد بكيلو لحم عندما تزورنا جدتي التي لم تأت لزيارتنا منذ ثلاثة سنوات...
في هذا البيت نشأت، ودرست، وأحببت، وكرهت..وفشلت، ونجحت، ...
لكنني في أوقات كثيرة كنت أختفي عن الأنظار لمقابلة صديقي الغني..لأضرب معه سندوتشات اللحم، والهامبرجر، والبيتزا...وإلا ما كنت قد استطعت أن أكتب لكم هذا المقال ...
فجأة انتفض صاحبي من مكانه بينما كنا نتمشى في أحد الشوارع الكبرى، وصرخ قائلا " لقد ضاع مني خاتم الخطوبة ..." وراح يبحث عنه وسط الحصى..بينما استطعت أن أتلقف الخاتم بعيني بفضل غريزتي كأرنب ....تفاجئ صاحبي بقدراتي البصرية التي تعود أساسا إلى "الجزر"...وكانت هذه أول مرة يثبت لي ما تقوله الحكمة الجاهلية "يوجد في الجزر ما لا يوجد في اللحم"....
ثم جلسنا في أحد المقاهي، كان صديقي يشرب كوبا به شيئ معين، أخبرني فيما بعد بأنه مشروب الكابوتشينو، وأنا كنت أظنه ماء غسيل مواعين لرغوته الكثيرة...حتى أنني كنت أعجز عن نطق كلمة هامبرجر فأقول للبائع من فضلك "أريد ظهر سلحفاة.."...راح صديقي الغني يشفط الكابوتشينو بينما كنت أتسلى بكوب من الشاي الأحمر الذي لو رآني أبي أشربه، سوف يتبرأ مني إلى يوم الدين، ويمزق صفحة بياناتي من الدفتر العائلي، ويتهمني بالعقوق...
كان صديقي يحكي عن أزمته المالية، ثم تفر منه دمعة أمسحها له قائلا " لا تقلق يا أخي، إنها مشيئة الله أن تحكمنا هذه الحكومة الظالم أهلها حتى وصل سعر الفيلا على شاطئ البحر إلى ملايير الدينارات..."
قال وهو يشعر بحسرة شديدة:- شايف يا موس، الفيلا التي قضيت عمري أحلم بها وصل سعرها إلى المليار، وأنا معي ثلاثة ملايير، كنت سأخصص منها مليارين ونصف لشراء سيارة من نوع هامر، وحضور حفلة شاكيرا...يعني ماذا سأفعل ..هل سأشتري الفيلا أم السيارة..أم سأسافر إلى أمريكا لحضور حفلة شاكيرا هناك...؟؟".
قلت لصاحبي: - هل ستغني "شاكيرا" وهي بملابس البحر؟
تحسر صديقي وقال لي : - طبعا، الحفلة أساسا على الشاطئ...
- الفيلا يا صديقي بإمكانك تعويضها، والسيارة مهما كان نوعها سيصبح مصيرها كمصير البيجو 404، أنصحك بالذهاب إلى حفلة شاكيرا أفضل..
كان صديقي (المليونير) كلتة من الغباء تسير على الأرض، وقضيت سنوات طويلة أشرح له بأن الفرق بين الألف وأصبع الموز، بأن الألف حرف يقرأ بينما اصبع الموز يؤكل....
نظر إلي صديقي في غباء منقطع النظير ثم قال لي..."سنذهب إلى المطعم، أنا جائع.."...كان يأكل في شراهة، ومنظره وهو يأكل يشبه ذلك الشيئ العملاق بيضوي الشكل ويلتصق بالشاحنة التي نراها في شركات البناء، ثم يوضع بها أكياس من الاسمنت لتبدأ هي بالدوران، بينما يغرف منها البنائون الاسمنت...
كان الأكل ينزل مباشرة إلى الخلاط الموجود في معدته، ثم تبدأ المحركات بالدوران..فيخرج منها صوت أشبه بعزف الكونترباص تلك الآلة الموسيقية التي تشبه الكمان العملاق...كانت اللقمة تنزل من هنا، فيخرج الصوت من هناك، حتى أنني قمت من مكاني وتأكدت بأن صاحبنا لا يجلس على مقعد حمام....
ثم أجهز على دجاجة (محمرة) بأسنانه ومخالبه، وراح يفترسها بشراهة، نظرت إلى الدجاجة وهي بين يديه هباء منثورا، وقلت له " بالعقل يا صديقي، مهما يكن فهذه دجاجة.." ثم صرخت "هل هذه الدجاجة ليس لها أهل...هذا مصير كل أنثى تخرج دون أن تشاور أهلها، وعلى رأي الشاعر طيور الجنة حين قال:
قال الأرنب لأمه...اسمحيلي رح ألعب
قالت له لأ يا بابا..ممكن يجيك الثعلب.."
ولو رأى الأرانب والدجاج كيف يأكلها صاحبي لأعلنت حضر تجول... !!
قال لي صاحبي وهو يغتصب طير الدجاج:" ما معنى برلمان..؟"
قلت له : البرلمان هو عبارة عن صالون كبير جدا، يجلس فيه الأغنياء من أمثالك والذين انتخبهم فقراء من أمثالي، وفي هذا الصالون يصدرون القرارات التي ترفع الضغط والسكر للشعب....
ثم سألني وهو يمسح فمه من آثار الدجاجة ليجهز على صحن السمك الذي أمامه، مع أنني أعتقد بأن السمك الموجود على هذا الصحن استسلم بنفسه ولم يصطادوه..
كانت السمكة تدخل من فمه مباشرة ولا يظهر لها أثر...
- هل يملك الأغنياء الذين يجلسون في البرلمان..سيارات؟
- نعم يا صديقي، يملكون سيارات، وعقارات،....
- وهل يذهب الأغنياء الذين يجلسون في البرلمان إلى حفلات أمريكا؟
- نعم يا صديقي، هم لا يذهبون فقط، بل إن شاكيرا، وهيفاء وروبي يأتين إليهن...وهم ينوبون عن الشعب في......
وقف صاحبي من مكانه والسمكة الثالثة عشر تسبح في فمه، وماهو ملف الترشح إلى البرلمان...هل يشترطون أشياء معينة..؟
- الشرط الوحيد بعد أن تكون غنيا، هو أن تفرق بين الألف واصبع الموز..
احتضنني صديقي بحرارة ثم قال لي....الألف تؤكل، وأصبع الموز للتحلية....هيا بنا لأضع ملف ترشحي فورا...
وفي الأخير...أصبح صاحبي ( نائبة كبيرة في البرلمان)...وأنا من أمسك له إدارة الحملة الانتخابية...رجاء هذا سر بيني وبينكم لا أحد يفتن بي إلى الوالد...
الأغنياء...أغبياء... !!

من وصايا جدي الأكبر قبل أن يموت جوعا " لا تصاحب الأغنياء لأنهم أغبياء.."، ومع ذلك فلقد فسرت الحكمة التي تركها جدي على أنها من قبيل الحقد الطبقي، وصاحبت أحد الأصدقاء الأغنياء..مع أنني كنت أخجل أن أظهر معه في الأماكن العامة فينقل أولاد الحلال الخبر إلى والدي..وكأنني أصاحب أنثى.. !!
جلست على مائدة الطعام، ليبدأ الوالد في "أنشودة ما قبل الغداء"...والتي مطلعها يجب بأن نحمد الله على النعمة...نصف رغيف الخبز، وكوب الماء، وحبة الجزر..ولو أن الجزر يقال بأنه يقوي البصر، لكن في حالتنا ومن كثرة أكل الجزر بدأنا نشعر بأننا ننتمي إلى فصيلة الأرانب...ثم بدأ والدي يذكرنا بضرورة أن نتذكر إخواننا في مختلف أصقاع الأرض الذين يموتون جوعا، ولا يجدون نصف الرغيف الذي ننظر إليه بنصف العين، كما أن كثرة الأكل – على مسؤولية الوالد- تذهب الفطنة...ومع ذلك بعد لست أدري لماذا يحصل أبناء الأغنياء على أعلى العلامات في الامتحانات...والدي يقول في هذه النطقة بالذات بأن سبب تفوق أبناء الأغنياء في المدارس يرجع أساسا إلى ما يسمى بالدروس الخصوصية..ثم يواصل قائلا "الدروس الخصوصية ممنوعة قانونيا، ولن أقبل على أولادي أن يحصلوا على شهاداتهم من الدروس الخصوصية..."، جلست أفكر مليا كيف أن "هاني" يأخذ حصصا من الدروس الخصوصية في البيت ووالده مستشار في المحكمة، وأمه محامية... !!
ولا يجب أن نقوم من المائدة إلا بعد أن نحمد الله على النعمة، ثم ننصرف إلى حال سبيلنا بعد أن يعدنا الوالد بكيلو لحم عندما تزورنا جدتي التي لم تأت لزيارتنا منذ ثلاثة سنوات...
في هذا البيت نشأت، ودرست، وأحببت، وكرهت..وفشلت، ونجحت، ...
لكنني في أوقات كثيرة كنت أختفي عن الأنظار لمقابلة صديقي الغني..لأضرب معه سندوتشات اللحم، والهامبرجر، والبيتزا...وإلا ما كنت قد استطعت أن أكتب لكم هذا المقال ...
فجأة انتفض صاحبي من مكانه بينما كنا نتمشى في أحد الشوارع الكبرى، وصرخ قائلا " لقد ضاع مني خاتم الخطوبة ..." وراح يبحث عنه وسط الحصى..بينما استطعت أن أتلقف الخاتم بعيني بفضل غريزتي كأرنب ....تفاجئ صاحبي بقدراتي البصرية التي تعود أساسا إلى "الجزر"...وكانت هذه أول مرة يثبت لي ما تقوله الحكمة الجاهلية "يوجد في الجزر ما لا يوجد في اللحم"....
ثم جلسنا في أحد المقاهي، كان صديقي يشرب كوبا به شيئ معين، أخبرني فيما بعد بأنه مشروب الكابوتشينو، وأنا كنت أظنه ماء غسيل مواعين لرغوته الكثيرة...حتى أنني كنت أعجز عن نطق كلمة هامبرجر فأقول للبائع من فضلك "أريد ظهر سلحفاة.."...راح صديقي الغني يشفط الكابوتشينو بينما كنت أتسلى بكوب من الشاي الأحمر الذي لو رآني أبي أشربه، سوف يتبرأ مني إلى يوم الدين، ويمزق صفحة بياناتي من الدفتر العائلي، ويتهمني بالعقوق...
كان صديقي يحكي عن أزمته المالية، ثم تفر منه دمعة أمسحها له قائلا " لا تقلق يا أخي، إنها مشيئة الله أن تحكمنا هذه الحكومة الظالم أهلها حتى وصل سعر الفيلا على شاطئ البحر إلى ملايير الدينارات..."
قال وهو يشعر بحسرة شديدة:- شايف يا موس، الفيلا التي قضيت عمري أحلم بها وصل سعرها إلى المليار، وأنا معي ثلاثة ملايير، كنت سأخصص منها مليارين ونصف لشراء سيارة من نوع هامر، وحضور حفلة شاكيرا...يعني ماذا سأفعل ..هل سأشتري الفيلا أم السيارة..أم سأسافر إلى أمريكا لحضور حفلة شاكيرا هناك...؟؟".
قلت لصاحبي: - هل ستغني "شاكيرا" وهي بملابس البحر؟
تحسر صديقي وقال لي : - طبعا، الحفلة أساسا على الشاطئ...
- الفيلا يا صديقي بإمكانك تعويضها، والسيارة مهما كان نوعها سيصبح مصيرها كمصير البيجو 404، أنصحك بالذهاب إلى حفلة شاكيرا أفضل..
كان صديقي (المليونير) كلتة من الغباء تسير على الأرض، وقضيت سنوات طويلة أشرح له بأن الفرق بين الألف وأصبع الموز، بأن الألف حرف يقرأ بينما اصبع الموز يؤكل....
نظر إلي صديقي في غباء منقطع النظير ثم قال لي..."سنذهب إلى المطعم، أنا جائع.."...كان يأكل في شراهة، ومنظره وهو يأكل يشبه ذلك الشيئ العملاق بيضوي الشكل ويلتصق بالشاحنة التي نراها في شركات البناء، ثم يوضع بها أكياس من الاسمنت لتبدأ هي بالدوران، بينما يغرف منها البنائون الاسمنت...
كان الأكل ينزل مباشرة إلى الخلاط الموجود في معدته، ثم تبدأ المحركات بالدوران..فيخرج منها صوت أشبه بعزف الكونترباص تلك الآلة الموسيقية التي تشبه الكمان العملاق...كانت اللقمة تنزل من هنا، فيخرج الصوت من هناك، حتى أنني قمت من مكاني وتأكدت بأن صاحبنا لا يجلس على مقعد حمام....
ثم أجهز على دجاجة (محمرة) بأسنانه ومخالبه، وراح يفترسها بشراهة، نظرت إلى الدجاجة وهي بين يديه هباء منثورا، وقلت له " بالعقل يا صديقي، مهما يكن فهذه دجاجة.." ثم صرخت "هل هذه الدجاجة ليس لها أهل...هذا مصير كل أنثى تخرج دون أن تشاور أهلها، وعلى رأي الشاعر طيور الجنة حين قال:
قال الأرنب لأمه...اسمحيلي رح ألعب
قالت له لأ يا بابا..ممكن يجيك الثعلب.."
ولو رأى الأرانب والدجاج كيف يأكلها صاحبي لأعلنت حضر تجول... !!
قال لي صاحبي وهو يغتصب طير الدجاج:" ما معنى برلمان..؟"
قلت له : البرلمان هو عبارة عن صالون كبير جدا، يجلس فيه الأغنياء من أمثالك والذين انتخبهم فقراء من أمثالي، وفي هذا الصالون يصدرون القرارات التي ترفع الضغط والسكر للشعب....
ثم سألني وهو يمسح فمه من آثار الدجاجة ليجهز على صحن السمك الذي أمامه، مع أنني أعتقد بأن السمك الموجود على هذا الصحن استسلم بنفسه ولم يصطادوه..
كانت السمكة تدخل من فمه مباشرة ولا يظهر لها أثر...
- هل يملك الأغنياء الذين يجلسون في البرلمان..سيارات؟
- نعم يا صديقي، يملكون سيارات، وعقارات،....
- وهل يذهب الأغنياء الذين يجلسون في البرلمان إلى حفلات أمريكا؟
- نعم يا صديقي، هم لا يذهبون فقط، بل إن شاكيرا، وهيفاء وروبي يأتين إليهن...وهم ينوبون عن الشعب في......
وقف صاحبي من مكانه والسمكة الثالثة عشر تسبح في فمه، وماهو ملف الترشح إلى البرلمان...هل يشترطون أشياء معينة..؟
- الشرط الوحيد بعد أن تكون غنيا، هو أن تفرق بين الألف واصبع الموز..
احتضنني صديقي بحرارة ثم قال لي....الألف تؤكل، وأصبع الموز للتحلية....هيا بنا لأضع ملف ترشحي فورا...
وفي الأخير...أصبح صاحبي ( نائبة كبيرة في البرلمان)...وأنا من أمسك له إدارة الحملة الانتخابية...رجاء هذا سر بيني وبينكم لا أحد يفتن بي إلى الوالد...
تعليق