محنة الهجرة
لما حصل عباس على شهادة الإجازة، ظن أن باستطاعته أن يختار الحياة التي يريد أن يحياها. لكن الأزمة الاقتصادية التي حلت بالوطن، جعلته يبدأ رحلة الحياة من حيث انطلق.
تألم عباس كثيرا عندما رأى أن جل رفاقه الذين تخرجوا معه، حصلوا على مناصب إدارية في الجماعات المحلية؛ عرضت عليه هو الآخرمناصب بمقابل فرفض. كان يعتقد أن القيم السامية التي تعلمها على مدرج الجامعة، لاتسمح له بأن يرضخ لمساومة السماسرة على شرفه وكرامته، فهاجر إلى ألمانيا. هناك، ومن دون جهد كبير، فتحت له كل الأبواب التي أغلقت في وجهه. حصل على وظيفة محترمة، ثم تزوج بفتاة أحبها، وسكن في بيت واسع، لم يكن ليسكنه لو بقي في وطنه.. لما استقر به الحال، أخذ ضميره يوبخه، فأخذ يقول للناس من حوله: يجب أن نفعل شيئا ايجابيا في حياتنا، يجب أن نخدم الوطن من هذا الموقع.
قال له أحدهم بكلمات متسرعة:« وماذا فعل لنا الوطن حتى نخدمه؟ ألم يلفضنا كما تلفض الحامل حملها؟ هذه الأرض التي أعطتني فرصة العيش بحرية وكرامة، هي أرضي ووطني».
أجابه عباس وهو يحاول الابتعاد عن إثارة هذا الموضوع:« من واجبنا الاعتراف بالجميل لأهل الفضل علينا، لكن هذا لا يمنعنا من القيام بشيء يخدم قضيتنا كجالية عربية، وأن نعمل على أن يدرس أطفالنا اللغة العربية، حتى يتمسكوا بهويتهم وعقيدتهم الإسلامية.
أسس عباس جمعية أسماها جمعية الفتح، وتعاون مع مؤسسات وجمعيات أخرى. قدم في هذا المجال خير ما يملك. كان يقضي جل وقته في الاجتماعات والمشاورات،همه الوحيد هو جمع التمويل للتعليم، وتنظيم الأنشطة الرياضية، والرحلات للأطفال والنساء. لم يشارك الناس في ممارسة هواياتهم رغم أنه هو السبب في إيجادها؛ إلى جانب عمله اليومي كانت له عائلة وأطفال، وكان يجب عليه أن يوفي بمسؤولياته كاملة كصاحب أسرة.
كان لا بد من وجود رجل يتابع الاجتماعات مع السلطات المحلية، حتى تستمر أنشطة أعضاءالجمعية. كان لا بد من رجل يسهر الليل، يرتب الأوراق ويكتب الطلبات. كان همه الوحيد هو أن ينشغل الشباب بالرياضة، وبالأعمال الثقافية، بدل الجلوس في زوايا الأحياء السكنية المظلمة. كان هدفه هو أن يتعلم أبناء الجالية اللغة العربية، حتى إذاعادوا في العطل الصيفية إلى أرض الوطن، يستطيعون التواصل مع الجد والجدة وباقي أفراد العائلة من دون عائق.
كان يريد أن يخلق جوا عربيا، تجتمع فيه النسوة مع بعضهن البعض، فيخرجن من عزلة البيت القاتمة. ويجلس الرجال يشربون الشاي، ويتبادلون أطراف الحديث عن أحوال البلد، ويتعرف الشبان على بعضهم البعض فيتزاوجون فيما بينهم، حتى لا يضيع النسب الأصيل بين الشعوب الأخرى.
مرت عشرون سنة حقق فيها عباس جل أهدافه، وهو على هذا الحال يكابد الأيام من أجل إسعاد الآخرين.
لم يكن لوحده في تعبه وشقائه، لكنه كان فريدا في عمله. كان كثيرا ما يعرض عليه منصب رئيس مؤسسة أو جمعية، فيرفض رفضا قاطعا، ويحبذ أن يشتغل دون أن تعطى له أية صفة. لايقبل أجرا أو هدية.. خلال هذه السنين الطويلة كان عباس يقول دائما:« نزرع ونجوع فيأكلون، ونسقي ونظمأ فيشربون، نسهر الليل وهم نائمون، نتعب ونشقى وهم يمرحون.. ».
عصفت رياح الأزمة المالية بالأسواق والبنوك في ألمانيا. بلغ أثرها إلى صناديق السلطات المحلية، فأصبح عباس بعد كل اجتماع، يبلغ شفهيا وكتابيا أن الدعم المالي لم يعد قائما، وان الصنبور الذي كان يسيل بدون انقطاع حان الوقت لإغلاقه. أخذ عباس يشعر بالفشل وبخيبة الأمل. أرسل رسائل إلى الدول العربية يستغيث بها لدعم جمعية الفتح في تعليم اللغة العربية، لكن خاب ظنه. أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم. أصبحوا كلما رأوا عباس يهمسون بصوت واحد: ما هو الخطأ القاتل الذي ارتكبه؟.
شعرعباس وكأنه هو الذي تسبب في حدوث الأزمة المالية العالمية، انتبه إلى أن الجالية العربية اعتادت سنين طويلة على"بالمجان"، وأنها لم تعتمد على نفسها أبدا. لاحظ أن كثيرا من أعضاء الجمعية،أصبح يتقن فن التجاهل واللامبالاة، منهم من أوقف أبائه عن التعليم، بحجة أن اللغةالعربية لا تنفعهم في شيء، ومنهم من أفتى بأن الأنشطة التي تقوم بها الجمعية حرامأن تنظم خارج المسجد، لأن في ذلك تفرقة وتشتت أفراد الجالية في المهجر.
أحس عباس أنه طعن في صدره وفي ظهره، طعن في أفكاره، لدغ بسم عقارب الصحراء، فتسرب السم إلى شرايين دمه، ثم وصل إلى دماغه، فلم يعد يحس أو يشعر. تعطلت حركاته فجأة وتجمد طموحه، أصبح يرى ولا يبصر، يتكلم ولا تصغي له المسامع، يتألم ولا يضجر.
لزم عباس بيته فلم يعد يلتقي بأحد. حتى المسجد لم يعد يتردد عليه. أصبح يعتقد أن الأزمة الاقتصادية عكست أوجه الشرلدى الناس، وأن أيام الرخاء كانت تحجب خبث النفوس.
أخذعباس يفكر في الماضي ويراجع حساباته، فاكتشف أن الأزمة الاقتصادية هي سبب هجرته من وطنه، وهاهي اليوم ترغمه على الهجرة من جديد.
قال له أحدهم بكلمات متسرعة:« وماذا فعل لنا الوطن حتى نخدمه؟ ألم يلفضنا كما تلفض الحامل حملها؟ هذه الأرض التي أعطتني فرصة العيش بحرية وكرامة، هي أرضي ووطني».
أجابه عباس وهو يحاول الابتعاد عن إثارة هذا الموضوع:« من واجبنا الاعتراف بالجميل لأهل الفضل علينا، لكن هذا لا يمنعنا من القيام بشيء يخدم قضيتنا كجالية عربية، وأن نعمل على أن يدرس أطفالنا اللغة العربية، حتى يتمسكوا بهويتهم وعقيدتهم الإسلامية.
أسس عباس جمعية أسماها جمعية الفتح، وتعاون مع مؤسسات وجمعيات أخرى. قدم في هذا المجال خير ما يملك. كان يقضي جل وقته في الاجتماعات والمشاورات،همه الوحيد هو جمع التمويل للتعليم، وتنظيم الأنشطة الرياضية، والرحلات للأطفال والنساء. لم يشارك الناس في ممارسة هواياتهم رغم أنه هو السبب في إيجادها؛ إلى جانب عمله اليومي كانت له عائلة وأطفال، وكان يجب عليه أن يوفي بمسؤولياته كاملة كصاحب أسرة.
كان لا بد من وجود رجل يتابع الاجتماعات مع السلطات المحلية، حتى تستمر أنشطة أعضاءالجمعية. كان لا بد من رجل يسهر الليل، يرتب الأوراق ويكتب الطلبات. كان همه الوحيد هو أن ينشغل الشباب بالرياضة، وبالأعمال الثقافية، بدل الجلوس في زوايا الأحياء السكنية المظلمة. كان هدفه هو أن يتعلم أبناء الجالية اللغة العربية، حتى إذاعادوا في العطل الصيفية إلى أرض الوطن، يستطيعون التواصل مع الجد والجدة وباقي أفراد العائلة من دون عائق.
كان يريد أن يخلق جوا عربيا، تجتمع فيه النسوة مع بعضهن البعض، فيخرجن من عزلة البيت القاتمة. ويجلس الرجال يشربون الشاي، ويتبادلون أطراف الحديث عن أحوال البلد، ويتعرف الشبان على بعضهم البعض فيتزاوجون فيما بينهم، حتى لا يضيع النسب الأصيل بين الشعوب الأخرى.
مرت عشرون سنة حقق فيها عباس جل أهدافه، وهو على هذا الحال يكابد الأيام من أجل إسعاد الآخرين.
لم يكن لوحده في تعبه وشقائه، لكنه كان فريدا في عمله. كان كثيرا ما يعرض عليه منصب رئيس مؤسسة أو جمعية، فيرفض رفضا قاطعا، ويحبذ أن يشتغل دون أن تعطى له أية صفة. لايقبل أجرا أو هدية.. خلال هذه السنين الطويلة كان عباس يقول دائما:« نزرع ونجوع فيأكلون، ونسقي ونظمأ فيشربون، نسهر الليل وهم نائمون، نتعب ونشقى وهم يمرحون.. ».
عصفت رياح الأزمة المالية بالأسواق والبنوك في ألمانيا. بلغ أثرها إلى صناديق السلطات المحلية، فأصبح عباس بعد كل اجتماع، يبلغ شفهيا وكتابيا أن الدعم المالي لم يعد قائما، وان الصنبور الذي كان يسيل بدون انقطاع حان الوقت لإغلاقه. أخذ عباس يشعر بالفشل وبخيبة الأمل. أرسل رسائل إلى الدول العربية يستغيث بها لدعم جمعية الفتح في تعليم اللغة العربية، لكن خاب ظنه. أقبل الناس بعضهم على بعض يتساءلون عما جرى لهم. أصبحوا كلما رأوا عباس يهمسون بصوت واحد: ما هو الخطأ القاتل الذي ارتكبه؟.
شعرعباس وكأنه هو الذي تسبب في حدوث الأزمة المالية العالمية، انتبه إلى أن الجالية العربية اعتادت سنين طويلة على"بالمجان"، وأنها لم تعتمد على نفسها أبدا. لاحظ أن كثيرا من أعضاء الجمعية،أصبح يتقن فن التجاهل واللامبالاة، منهم من أوقف أبائه عن التعليم، بحجة أن اللغةالعربية لا تنفعهم في شيء، ومنهم من أفتى بأن الأنشطة التي تقوم بها الجمعية حرامأن تنظم خارج المسجد، لأن في ذلك تفرقة وتشتت أفراد الجالية في المهجر.
أحس عباس أنه طعن في صدره وفي ظهره، طعن في أفكاره، لدغ بسم عقارب الصحراء، فتسرب السم إلى شرايين دمه، ثم وصل إلى دماغه، فلم يعد يحس أو يشعر. تعطلت حركاته فجأة وتجمد طموحه، أصبح يرى ولا يبصر، يتكلم ولا تصغي له المسامع، يتألم ولا يضجر.
لزم عباس بيته فلم يعد يلتقي بأحد. حتى المسجد لم يعد يتردد عليه. أصبح يعتقد أن الأزمة الاقتصادية عكست أوجه الشرلدى الناس، وأن أيام الرخاء كانت تحجب خبث النفوس.
أخذعباس يفكر في الماضي ويراجع حساباته، فاكتشف أن الأزمة الاقتصادية هي سبب هجرته من وطنه، وهاهي اليوم ترغمه على الهجرة من جديد.
تعليق