دكتور جيلي عبد الرحمن

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم خالد احمد شوك
    أديب وكاتب
    • 09-01-2012
    • 534

    دكتور جيلي عبد الرحمن

    دكتور جيلي عبد الرحمن



    الشاعر الدكتور جيلي السيد عبد الرحمن. صحفي وكاتب وشاعر وأستاذ جامعي. ولد بجزيرة صاي (شمال السودان) عام 1931م وسافر لمصر صغيرا وعمره لم يبلغ التاسعة. قضى جزءا من طفولته في مدينة انشاص المصرية حيث كان يعمل والده. بعد الثانوية التحق بالأزهر ودرس به. احتضنه الكاتب الكبير زكريا الحجاوي ونشر له أولى قصائده ومقالاته في جريدة المصري. عمل بمجلة روز اليوسف عام 1955م ثم التحق بالعمل في جريدتي المساء والجمهورية ثم جريدة الشعب القاهرية. وقد ترأس القسم الأدبي لجريدة المساء خلفا للدكتور علي الراعي وبترشيح منه حتى سفره للإتحاد السوفيتي عام 1961م.

    سافر للإتحاد السوفيتي عام 1961م واستقر أولا في تبليسي عاصمة جمهورية جورجيا حيث درس اللغة الروسية وانتقل بعدها لمعهد جوركي للآداب بموسكو حيث حصل على درجة الماجستير في الآداب ، كما حصل على الدكتوراه في الآداب أيضا من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية. قضى جيلي 12 عاما في موسكو وتزوج خلالها زميلته ميلا (ملاحات) وهي مسلمة من ازبكستان وله منها بنتان هما رنا وريم. عاش جيلي جل حياته مهاجرا وعمل كأستاذ محاضر بجامعات اليمن (1977-1983م) والجزائر (1983-1990م). وفي نهاية حكم نميري عاد للسودان لفترة قصيرة ثم ذهب للقاهرة للعلاج وتوفي بها في الرابع والعشرين من شهر اغسطس عام 1990م.

    صدر له كتاب "المعونة الأمريكية تهدد استقلال السودان" عام 1958م ، كما صدرت له عدة دواوين مطبوعة منها "قصائد من السودان" بالاشتراك مع الشاعر تاج السر الحسن عام 1956م وبها قصيدتا عبري الشهيرة وهجرة من صاي وقد نشرتا بالصحف أول مرة عام 1953م. كما أصدر ديوان "أغاني الزاحفين" مع نجيب سرور وكمال عمار ومجاهد عبد المنعم عام 1958م. وبعدها أصدر ديوان "الجواد والسيف المكسور" من القاهرة عام 1967م وأعيد طبعه في الجزائر عام 1985م. وبعد وفاته صدر له ديوان "بوابات المدن الصفراء" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. ولجيلي دواوين لم تطبع هي "الحريق وأحلام البلابل" و"القبر المغبون" و"الموت يدهم حلم البرتقال". وله أيضا عدة دواوين مترجمة أهمها مختارات شعرية للشاعر الكازاخي العظيم أباى كونيانيف.




    التعديل الأخير تم بواسطة ابراهيم خالد احمد شوك; الساعة 19-05-2012, 14:22.
  • ابراهيم خالد احمد شوك
    أديب وكاتب
    • 09-01-2012
    • 534

    #2
    جيلي عبدالرحمن.. عمر في الغربة : د. أبوبكر يوسف

    امضى الشاعر السوداني جيلي عبدالرحمن حوالي 30 عاما في موسكو حيث تلقى تعليمه العالي في معهد غوركي للآداب ثم عمل في صحيفة " انباء موسكو " ودار النشر " التقدم" . ومارس الى جانب نظم القصائد ترجمة الشعر من الروسية الى العربية باسلوبه الرائع . وعاش جيلي طوال حياته في الغربة بعيدا عن وطنه السودان وكان آخر ديوان شعري له هو " الجواد والسيف المكسور". ونقدم ادناه ذكريات صديقه د. أبوبكر يوسف .

    "ولد الشاعرجيلي عبد الرحمن بجزيرة صاي في النوبةعام 1931 وسافر الى مصر صغيرا حيث كان يعمل والده ، والتحق بالأزهر . نشر جيلي أولى قصائده ومقالاته في جريدة " المصري" القاهرية في أوائل الخمسينات من القرن الماضي. عمل بمجلة "روز اليوسف" وفي جريدتي "المساء" و"الجمهورية" ثم جريدة "الشعب". سافر للإتحاد السوفيتي عام 1961 ودرس بمعهد جوركي للآداب بموسكو حيث حصل على الماجستير في الآداب، ثم على الدكتوراه في الآداب من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو. تزوج زميلته( ميلا ملاحات) وهي مسلمة من أذربيجان وأنجب منها بنتين هما (رنا وريم). عمل محررا بجريدة أنباء موسكو (1969)ومراجعا بدار التقدم للنشر بموسكو(1975) حيث صدرت له ترجمة لمختارات من شعر الشاعر الكازاخي الكبير أباي كوننبايف و مختارات من شعر المقاومة السوفيتي " أشعار مقاتلة" ( بالاشتراك مع ابوبكر يوسف وماهر عسل). سافر الى اليمن الجنوبي حيث عمل أستاذا بجامعة عدن ( 1978-1983) ثم بجامعة الجزائر (1983-1990). وفي نهاية حكم نميري عاد الى السودان لفترة قصيرة ثم ذهب للقاهرة للعلاج وتوفي بها في الرابع والعشرين من شهر اغسطس عام 1990م.
    صدر له كتاب "المعونة الأمريكية تهدد استقلال السودان" ( 1958)، وعدة دواوين منها "قصائد من السودان" بالاشتراك مع الشاعر تاج السر الحسن (1956) وديوان "أغاني الزاحفين " مع نجيب سرور وكمال عمار ومجاهد عبد المنعم (1958 ) . وبعد فترة أصدر ديوان "الجواد والسيف المكسور" من القاهرة (1967) وأعيد طبعه في الجزائر ( 1985). وبعد وفاته صدر له ديوان "بوابات المدن الصفراء" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. ولجيلي دواوين لم تطبع هي "الحريق وأحلام البلابل" و"القبر المغبون" و"الموت يدهم حلم البرتقال". . .
    أمضى جيلي عبدالرحمن نحو عشرين عاماً في موسكو، وهي بعض من سنوات الغربة التي قضاها متنقلاً بين الجزائر وعدن والقاهرة وغيرها . وقد ترك جيلي أثراً كبيراً في الشعر العربي بديوانه الوحيد المطبوع في حياته " الجواد والسيف المكسور" الذي كسر فيه عمود الشعر التقليدي واختط لنفسه طريقاً خاصاً فكان إحدى أهم العلامات البارزة في تطور الشعرالعربي الحديث . لكن صفحة أخرى من إبداع جيلي وحياته ما زالت مجهولة وأعني تجربة جيلي الفريدة حينما تولى ترجمة بعض الشعراء الروس إلى العربية على نحو رائع .
    وقد تعرفت على جيلي عبدالرحمن لأول مرة ـ أو بالأحرى رأيته ـ في إحدى القاعات بموسكو عام 1963 في مهرجان شعري . وكنت قد لمحته من قبل مع الشاعر الراحل أيضاً نجيب سرور قبل ذلك بسنة في إحدى محطات مترو الإنفاق بموسكو لكني لم أقترب منهما ـ رغم شوقي للتعرف ـ لجفوة كانت بيني بين المرحوم نجيب سرور الذي كان يدرس الإخراج المسرحي في موسكو آنذاك وكانت بيننا صداقة ومودة شابتها في تلك السنة سحابة عابرة .
    في ذلك المهرجان الشعري رأيت جيلي : تلك القامة النحيلة التي سبق أن رأيتها في محطة المترو ، وذلك الوجه الأسمر الممتلئ قليلاً في شبه استدارة ، والعينين الخفيضتي النظرة عن حياء داخلي وإحساس بالخجل ( لا لذنب ارتكبه كما أدركت فيما بعد ولكن خجلاً مما يرتكبه الآخرون ) . وكانت على إحدى مقلتيه بقعة زرقاء حرمته النظربهذه العين وزادته انطواء . في تلك القاعة ألقى جيلي إحدى قصائده المعروفة وهي قصيدة " لوركا " . وما إن صعد جيلي إلى المنصة حتى تحول في لحظة واحدة إلى كتلة ملتهبة من العواطف مشحونة بطاقة تتفجر قوافي وإيقاعات مدوية كصوت الرصاص وطبول الحرب الأفريقية . وبدا للسامعين كأنه لا شيء في العالم يستطيع الوقوف بوجه هذا السيل الجارف من الشعر اللاهب المنطلق كحمم البراكين من فم جيلي ، بينما تتردد بين الفقرة والأخرى لازمة قاطعة كأمر عسكري "شدوا على الزناد " !
    دوت القاعة بتصفيق هادر عاصف وظلت الأكف مشتعلة به طويلاً . ونسيت نفسي في تلك اللحظة فقد أصبحت ذرة في هذا الخضم الجياش . وهتفت القاعة بحرارة تطالب جيلي بإعادة إلقاء القصيدة . وبعد تردد وحياء صعد جيلي إلى المنصة مرة أخرى ليتحول ثانية إلى لهب يصهرنا معه في أتون الإيقاع والصور.
    من يومها أحببت جيلي عبدالرحمن الشاعر الفطري العذري كغابات أفريقيا ، الأسمر كمياه النيل والعذب مثلها والذي كان رغم كل ما يحمله من هموم ـ وبعد ذلك من أمراض ـ حاضر النكتة يعشق " القفشة " ويجيد اقتناصها . لكن معرفتي وصداقتي الحقة مع جيلي لم تترسخ إلا بعد ذلك بسنوات وتحديداً في بداية 1969 عندما تقرر إصدار صحيفة " أنباء موسكو " الروسية باللغة العربية فوقع الاختيار عليَّ كمترجم ومحرر مسؤول عن الصفحة الأدبية وعلى جيلي عبدالرحمن والمرحوم الأديب السوري سعيد حورانية كمراجعي أسلوب ، لتصحيح ما قد يشوب الترجمة من أخطاء، وانتقاء العناوين ،وكتابة مقدمات للمقالات إلخ . وعملنا معا ثلاثتنا في هذه الصحيفة جنباً إلى جنب خمس سنوات كنا نلتقي خلالها يومياً في العمل وفي أحيان كثيرة في بيته أو بيتي بعد العمل . وكان جيلي آنذاك يحضررسالة الدكتوراه تحت إشراف الأستاذ جريجوري شرباتوف بمعهد الاستشراق في موضوع أثير لديه هو "القصة العربية والسودانية " . خلال هذه السنوات وما بعدها ـ حتى عودة جيلي الأخيرة إلى مصر حيث انتقل الى مثواه الأخير ـ توطدت بيننا صداقة لا تشوبها شائبة . وتعرفت في جيلي إلى قطرة مصفاة من العذوبة والرقة ورهافة الإحساس ، فكان لا يفارقني الشعور بأنه يمشي بين الناس بأعصاب عارية تجرحها أية نسمة . وكنت أبدو له في أحيان كثيرة دعامة قوية في مواجهة شظف الحياة وعنف الطباع .
    وأذكر مرة أنه حصل على مكافأة مالية كبيرة على ترجمة ديوان الشاعر الكازاخي " أباي " وكنت بحاجة إلى مبلغ من المال فطلبته منه وأنا على يقين من أنه لن يتأخر خاصة أن أياماً قليلة لم تنقض على استلامه المكافأة . وفوجئت به يقول لي إنه لا يملك سوى مائتي روبل من بضعة آلاف استلمها ! وأوضح لي جيلي أن الطلبة السودانيين الدارسين في موسكو ـ وكان بيته يغص بهم عل الدوام ـ " أخذوا الغروش " ! ودهشت لهذا الشخص الذي يوزع في أيام قلائل عدة آلاف من الروبلات على الطلاب الفقراء دون أمل في استردادها .. ولكن أليس هو نفسه جيلي عبدالرحمن القائل :
    " خلَّينا الدنيا للمفتون .. وعفنا المالْ
    وسرحنا في خرقتنا .. نقتات الأهوال " ؟
    أليس هو الذي أعطيته ذات مرة قصة قصيرة بعنوان " عيد الميلاد " كنت ترجمتها للأديب الروسي فلاديمير ليدين ليراجعها قبل نشرها في الجريدة ، وعند الصفحة الأخيرة رأيت الدموع تنساب من عيني جيلي بغزارة تأثراً بالقصة . وقلت له من باب التخفيف عنه وصرفه عن الحزن : " متى عيد ميلادك يا جيلي ؟ " فقال وهو يغالب بقايا الدموع بنبرة شابتها روح الفكاهة المعهودة فيه : " لو كنت أعلم متى ولدت ! خليها على الله ! " لم أدهش لأنني أيضاً من بيئة قروية وكان كثير من المواليد حينذاك لا يسجلون في السجلات الرسمية . وقلت له ملتقطاً الفكرة التي ظهرت لتوها : إذاً فليكن عيد ميلادك اليوم ولنحتفل به ! ولم يمانع جيلي وصرنا نحتفل بعيد ميلاده الذي تخيرناه صدفة .
    في أواسط السبعينات أدركت أن جيلي قادر على نقل روائع الشعر الروسي إلى المكتب العربية شعراً، مثل قصائد الشاعرين الكبيرين ألكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف لو توفرت له الترجمة الحرفية الأمينة ، خاصة أنه درس الأدب الروسي في معهد غوركي للآداب وأصبحت صلته باللغة الروسية قوية ولكن ليس بالقدر الذي يسمح له بالترجمة بدون مساعدة . وعرضت عليه أن نشترك في هذا العمل الجليل فأقوم أنا بإعداد الترجمة النثرية ويقوم هو بصياغتها شعراً . وشجعني على ذلك بعض النماذج التي قدمها جيلي في ترجمته ومنها قصيدة للشاعر نيكولاي تيخونوف ، كتبها خلال حصار مدينة ليننجراد الرهيب الذي دام تسعمائة يوم، وترجمها جيلي على النحو التالي :
    " شجيرتي المتجمدة
    شجيرتي المتجمدة
    تناثر الرماد في الكهوف
    على الشطوط الجهمة المستوحدة
    وأنت تنشجين كالأمواج ، كالعزيف.
    شجيرتي المتجمدة
    ينيخ فوقك الظلام والسكون
    وأنت تحبسين الدمع ، تذرفين
    وتعبق الدماء في العيون الجامدة.
    يا أفرعي الخضراء .. أصدقائي،
    وأنتِ تهجعين في العراءِ
    أسقيك من دمائي
    في العاصف الشتائي !
    فلتشربي ياأفرعي
    وليسكبُ الغذاء في حنايا الآضلعِ
    حتى يذوبَ الثلج في المساءِ
    يا أفرعي الخضراء.. أصدقائي..

    رحب جيلي بالاقتراح وتحمس له ، لكن بيته المفتوح - الغاص دوماً بالأصدقاء والمعارف وحتى بغير المعارف - ومشاغل الحياة ووطأة المرض حالت دون إنجاز ذلك المشروع . كان جيلي مسرفاً في عطائه للآخرين على حساب إبداعه الشخصي ، وكثيراً ما عاتبته على هذا الإسراف . وكنت أرى كيف يغترف الكثيرون بلا رحمة من هذا المورد العذب السيال غير عابئين بما يبقى أو لا يبقى منه للشعر بعدهم . لكن جيلي كان يرد على عتابي بنظرة صامتة خجولة حيية كأنما يقول " لا أستطيع غير ذلك " !
    في السنوات الأخيرة اشتد المرض على جيلي وكان يلزمه الفراش بالأسابيع وأحياناً بالأشهر ، وأحس أنه عبء على الصحيفة التي تصدر أسبوعياً . وفي تلك الفترة كنت قد انتقلت للعمل بدار" التقدم" للترجمة والنشر، ولم تكن طبيعة العمل فيها تستوجب المداومة اليومية ، فرأيت أنها فرصة مناسبة لنقل جيلي أيضاً إلى هناك . ومن هذه الدار صدرت ترجمة جيلي عبدالرحمن لأشعار الشاعر الكازاخي " أباي " وديوان : " أشعار مقاتلة " الذي شاركته أنا والدكتور ماهر عسل ترجمته إلى العربية. وأفسح العمل في الدار المزيد من الوقت لجيلي فكنت كثيراً ما أناقشه في قضايا الشعر الحديث والمهام الجديدة التي يواجهها بعد أن كسر عمود الشعر التقليدي وقدم شعراؤه ـ ومنهم جيلي ـ نماذج رائعة للقصيدة الحديثة . وكان جيلي في شعره مزيجاً فريداً من الرومانسية والواقعية . كان شعره تجسيداً للأغنية الوجدانية بطابعها العميق الذاتية ، وفي الوقت نفسه كان جيلي عبدالرحمن يسلك دروباً واقعية تبعده عن شعراء الرومانسية المهومين في بحار ذواتهم وعوالمهم المنفصلة عن الحياة . ومع إعجابي الشديد بقصائد جيلي ذات الطابع الحزين فقد كنت أتمنى لو استطاع أن يخرج من الإطار الضيق للقصيدة الوجدانية الغنائية إلى رحابة الشعر الدرامي والقصصي الذي درسنا معاً في موسكو أعظم نماذجه لدى كبار الشعراء الروس في القرن التاسع عشر، مثل ألكسندر بوشكين وميخائيل ليرمنتوف و فلاديمير مايكوفسكي وسيرغي يسينين وآنا أخماتوفا وغيرهم . كنت أود لو استطاع جيلي بموهبته الشعرية الفذة ان يقدم لنا تجربة الشعب النوبي بماضيه العتيد وحاضره المأساوي في ملحمة شعرية ، سواء مسرحية أم رواية شعرية أم خليط من هذا وذاك . لكن جيلي لم يكن يجيد العزف على آلات الأوركسترا الغربية ، وظل لصيقاً بنايه الأسمر الشجي الحزين. ولست أدري الآن إن كنت على حق أم لا آنذاك في دفعي لجيلي إلى أحضان الثقافة الأوروبية والأجناس الأدبية البعيدة عن طبعه وعن فنه . وأتساءل : ترى لو استجاب لدعوتي وانتقل إلى " الشارع الغريب " .. هل كان سيبقى هو نفسه جيلي عبدالرحمن الذي عرفناه وأحببناه ؟ وهل كان سيظل محتفظاً بعذرية الأرض السمراء ونخيلها المطرق وبيوتها وقراها الحزينة ؟ لقد بقي جيلي في دائرته التي كانت تتلامس وتتقاطع وتحتك بخطوط الدوائر الثقافية الأخرى الروسية والغربية والآسيوية دون أن تتحد مع أي منها . وربما كان ذلك دفاعاً تلقائياً لا شعورياً تذود به موهبة الشاعر الأسمر عن أصالتها وخصوصيتها وتفرد تجربتها . وكانت لقاءات وأحاديث كثيرة بهذا الصدد وبغيره تجمعني مع جيلي عبدالرحمن ، ونجيب سرور، وتاج السر الحسن، وعبدالوهاب البياتي ، وغائب طعمة فرمان ، ، وكانوا قد اجتمعوا في فترة واحدة في موسكو في الستينات والسبعينات ، كما حل على ضيافة موسكو عبدالرحمن الخميسي وسعيد حورانية وسعيد مراد . وكنا نحن الذين جئنا من بلادنا لندرس الأدب نشعر بمتعة حقيقية من التواصل مع هؤلاء المبدعين الكبار ونتابع إنتاجهم أولاً بأول في الندوات والأمسيات الشعرية والحفلات التي كانت تقام بكثرة آنذاك . وأعتقد أن أولئك المبدعين أنفسهم كانوا يشعرون بتلك المتعة التي أحسسنا بها وهم يلتقون بجمهورهم الحي الذي يبدي لهم آيات العرفان . وكانت تلك الأمسيات بالنسبة لهم قطرات ـ ولو شحيحة ـ من ينابيع الوطن في سنوات الغربة . لكن القطرات أخذت تشح شيئاً فشيئاً حتى غاض نبعها، وأناخت الغربة على جيلي عبدالرحمن بثقلها ، فتقوقع يحتمي بصدفة شعره ، وراحت تطل من قصائده أشباح الراحلين الأعزاء من الأصدقاء والرفاق والمعارف والأهل . وازدادت وطأة المرض عليه فعاوده إحساسه القديم بأنه " عبء " ، وأصبحت موسكو التي قضى فيها زهاء العشرين عاماً ضيقة عليه ، وبدت له ضائقة به ، ولا حت بوادر أزمة إبداعية كانت انعكاساً لأزمة العلاقة مع الواقع المحيط .
    حينذاك ، وفي نهاية السبعينات ، أخذت أشجع جيلي على الرحيل عن موسكو والإقامة في أي بلد عربي ، إدراكاً مني أن جيلي أصبح في مسيس الحاجة إلى محيطه العربي ليسمع فيه إيقاع اللغة التي يبدع بها ، ولكي يتواصل مع مبدعين مثله أو شبان واعدين سيحبونه ، وسيمنحهم هو من ذاته ومن عطفه الكثير " دون ثمن ، دون حساب الربح والخسارة " على حد تعبير الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور . وكانت مصر والسودان هما الأقرب إلى قلبه لكنه كان ممنوعاً من دخولهما آنذاك ومن ثم اتجه إلى جنوب اليمن حيث قام بتدريس الأدب في جامعة عدن . وبعدها بسنوات انتقل إلى الجزائر التي عانى فيها كثيراً واستمتع كثيراً بصحبة أدباء وشعراء وقراء جزائريين أحبوه وأعزوه ، وفي مقدمتهم الأديب الطاهر وطّار . وكان جيلي يعود إلى موسكو في فترة الإجازات فنلتقي كثيراً ، ونستعيد الذكريات ، ونحلم بمشاريع لم يقيض لها أن تتحقق . في مقدمة أحلامنا كان إصدار ديوان جيلي الجديد. وكنت أحثه كثيراً على جمعه وإصداره خاصة أنني كنت حينذاك أتردد على بيروت وكانت مطابعها ودور النشر فيها على أتم الاستعداد لنشر ديوان كهذا . وأكد لي جيلي بدوره أن دور النشر في عدن وأماكن أخرى ترحب بل وتحثه على جمع قصائده لنشرها . لكني لم أقرأ حتى الآن هذا الديوان . ولا أدري إن كان أحد بعد موت جيلي قد اعتنى بجمع تراثه ونشره أم لا . الديوان الوحيد الذي قرأته لجيلي كان في أواسط الستينات في القاهرة بعنوان " الجواد والسيف المكسور " وبقدر ما سعد جيلي بهذا الديوان بقدر ما عانى من الحزن والقهر بسبب الأخطاء المطبعية الفادحة التي انتشرت فيه . وأقول الديوان الوحيد باعتباره العمل المستقل بعد أن صدرت دواوين جيلي الأولى مشتركة مع تاج السر الحسن وأخرين. أما ديوانه الثاني "بوابات المدن الصفراء" فصدر بعد موته فلم يسعد جيلي برؤيته.
    وأياً كان الأمر ، وسواء طبعت دوواينه أم لا ، فسيبقى جيلي عبدالرحمن حياً في ذاكرة بل في قلب كل من عرفه وعايشه واستمع إلى شعره ، ولو مرة ، فقد كان تجسيداً لمعاني العطاء والتفاني ، وكانت حياته كلها التزاماً دائماً بقضايا الفقراء والمضطهدين ، وكان شعره تعبيراً عن هذا الالتزام بشفافية وعمق وعذوبة تعلو به إلى مصاف كبار الشعراء المبدعين".

    المصدر:
    موقع روسيا اليوم
    -من سلسلة مقالات " مبدعون عرب في روسيا"-
    http://arabic.rt.com/news_all_news/info/40406/


    تعليق

    • ابراهيم خالد احمد شوك
      أديب وكاتب
      • 09-01-2012
      • 534

      #3
      يهتز الشارع يالوركا / شعر جيلى عبدالرحمن

      اليوم رمادى اجرد
      فالسحب تنيخ على افق مدينتنا
      والمغرب مربد
      ماذا تلد الهرة سوداء الابوين
      سوى هر اسود
      فاحمل يا ( سيزيف ) الصخرة
      دارت ساقية الحزن المرة
      هذى مئذنة ترمق نهر الليل
      يكسوها ظل الشمس الغارب
      ذكرى تنبشها ؟
      لاشىء على جسر الماضى الشاحب
      لاجدوى ! ابواق تعوى حمحمة الخيل !
      ياصوت الارض الريفية
      كيف ركضت .. صهلت على هذا السيل ؟
      الشارع يهتز كان خطاه الوتر المشدود
      لوركا ياكبدى .. ماذا قلت عن الايام السود
      افتح عينيك ولا تسرح .. كدت تبعثر حلوى عرق اليوم
      انى لا اقصد .. عفوا
      لوركا عفوا !
      يهتز الشارع مثل دمائك فى غرناطة
      والاوتار تشد نياطه !
      كم غنيت الحرية والموت
      فالحرية تلد الفرحة للناس
      والموت رقاد لا عتمة فيه ولا صوت
      ما اعمق هذا الاحساس
      ان لاح جناز قد هرول فى صمت للقبر
      وارتاع الناس على الافريز بكوا من غير دموع
      فليرحمه الله
      ثم انسابوا فى موجات النهر
      ماذا تصنع يالوركاى ؟
      هل بحت اصوات الناى ؟
      والتقت احراش خريف مسنون النظرة كالموت
      لا نأمة فيه ولا صوت
      قالتها عارية الصدر
      فى لفظ مرتعد كالطفل المعروق
      ياعينى كان عريسا ما انطفات شمعات العرس المشنوق ؟
      مازال المخدع رفاف العطر
      فليرحمه الله
      صوت فى الضجة تاه
      طق طق طق .. طوق
      خيل مذياع بوق
      هبنى يالوركا الشعرا
      ملحمة مثل عروس الدم
      تنضو عن هذا الهم
      ترمينى فى اودية اخرى
      ماذا ابصر ؟ مئذنة غرقى فى نهر الليل
      اعلى مافى قريتنا مئذنة المسجد
      جدى كان ينادى فيها الفجر
      تصحو الديكة لما اذن يصحو الطير؟
      فليرحمه الله
      جدى جمجمة ملقاة فى جوف القبر
      مااحتفلت مركبة الفجر بها لما خلتها ملقاة
      وامتص الدود العينين
      حتى شعر اللحية .. حتى الرسغين !
      والموت رقاد لا عتمة فيه ولا صوت
      لوركا يامن اعجزت الموت
      جدى فلاح من حلفا
      لم ينهر يوما ضيفا
      يهوى الارض يضمدها بالعينين اذا اغفى
      لما مات انتحبت قريته بللت التربة صيفا
      كانوا الفا ..
      حتى شتلات النخل انتحبت والشاطىء يالوركا اصغى ..
      يقتات الكسرة ما اشتاقت رئتاه التبغا
      روحى مثل شجيرة حناء
      جامدة من غير دماء
      ماذا تجدى اشعار الخنساء ؟
      ماذا تجدى يالوركاى ؟
      يهتز الشارع مازال اصما
      اعمى يقتاد الاعمى
      وامراة هلكى تتصابى
      هل تحيى الاصباغ شبابا ؟
      يااصحابى انى موثق
      مدوا ايديكم قولوا كيف الحال ؟!
      هذا شيخ يجثوا فوق عصاه
      فى لحيته .. حتى الشارب .. ياالله !
      فى مشيته جدى .. ياجدى
      ماذا ياولدى
      عانق احزانى وامسح خوفى
      لاتربت بالكفين على كتفى
      هذا لا يكفى
      - لا قوة الا بالله -
      لوركا يامن اعجزت الموت
      انى اعجز عن كلمة
      لما ساقوك الى الاجمة
      كان سكوتك ابقى ماقلت
      هب لى شيئا يالوركاى ..
      يمشى فى اوصال الناى
      يهتف ان احيا ..


      من كتاب جيلى عبد الرحمن .. شاعر الوقت فى سياق اخر
      اعداد وتحرير الياس فتح الرحمن ود. حيدر ابراهيم على
      http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...msg=1222747949



      تعليق

      • ابراهيم خالد احمد شوك
        أديب وكاتب
        • 09-01-2012
        • 534

        #4
        الجواد والسيف المكسور / شعر جيلى عبدالرحمن

        ماعاد ياتاجوج قد صدئْ الجراب
        والسيف اغمد من زمان .. والرقاب
        فكّت لثام العين جست قيدها ، زيف القباب
        ماعاد يدعوها الى عشق الحراب
        هدرا تموت على دماء الشمس كالجرذان
        عفرها التراب
        ماعاد فارسك المحلق فوق صهوات الجياد
        وكانه تل من النيران تركض فى الوهاد
        مستصرخا تاجوج ياقمريتى فتردد الاصداء
        تاج .. جوج !
        والارض كانت فى هدير الجدب تسهد بالمروج
        وسيوفهم كالصخر غطته الثلوج

        انا هاهنا فى عودتى الظمأى على غبش المساء
        بيتى سرير فارغ قنديله زيت يضاء
        عريان هانذا بلا سيف يطيش ولا حراب
        لاشى فى دارى سوى قلب وقافية كتاب
        حمى النهار وحلم معتوهين فى الارض الخراب
        ماتوا , وعشنا عبر اسوار النهار
        نجتر اوهاما بلا جدوى .. سقطنا فى الدمار
        وانا اعود كفارس يجتاز عتمات المضيق
        لاكسرة فى الدار , لا قلب يحن ولا صديق !
        احبيبتى عيناك سيفى حين تنشب مخلبيها
        فى الدماء
        هذى الحياة تصب اقداح الكآبة فى المساء
        وتصير لا معنى ولا افقاً يثير
        اقبيلتى كانوا هنا احباب كوكبنا الصغير
        درعى وقوسى فالشوارع واجمات كالقبور
        حتى ابى طحنته اضراس المدينة
        فى عامه السبعين يشقى للقيمات المهينة
        عريان هاانذا بلا سيف يطيش ولا فخار
        وقبيلتى عيناك مرج فيهما يبكى الكنار

        ان كان ينصب كل يوم فى شوارعنا قتيل
        فى عينه الخضراء ياعينى تناوحت الحقول
        ونحيب ( دوبيت ) يغنى الهجر والايام غول
        تاجوج ايامى فتانا الشوق يصحو فى الاصيل
        فنهارنا زيت , واْزميل , تعاسات ذهول !
        من اين للحب المرجى ان يجىْء
        وعلى العيون غمامة تبكى واشواق تضىْء
        وجوادنا المسكين يكبو فوق اشلاء النهار
        عريان ها انذا بلا سيف يطيش ولا فخار
        وقبيلتى عيناك مرج فيهما يبكى الكنار

        المصدر:
        http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...msg=1222747949



        تعليق

        • ابراهيم خالد احمد شوك
          أديب وكاتب
          • 09-01-2012
          • 534

          #5
          خمس اغنيات الى لوممبا / شعر جيلى عبدالرحمن

          1- وحيد الغابة
          وردة حمرا.. كقلبك
          ارعشتها الريح فى موحل دربك
          مثل خد الشمس ذابت فيك انفاس المروج
          فتفاءلت وغنيت لشعبك
          ياعيون الطير , ياارض الزنوج
          كل شىء يتلون
          كل روح تتكون
          لحظة الميلاد ما اروع ان نشقى ونحزن
          شعبى المغروس فى الكونغو المغضّن
          دفء ايامى , عذاباتى ونبضى
          واستفاق الغاب ظل يتلوى , فانتفضنا ؟
          ثم فى الادغال خضنا
          عدت للشعب تغنى غنوة الشوق الممضّ
          ( ياعيون الطير ارضى ... انت ارضى )
          واستدار القارب اللهفان فى حضن الثلوج

          2- دعاء الطفل
          فى ستانلى
          كان طفل ازغب القلب يصلى
          ( يحرس الله لوممبا
          ويحيل النهر اضواء ودربا
          مثل موسى حين اربى
          لك يارباه قربى )
          وهتافات رصاصات تدوى
          همهمات مزقتها الريح , جندى من الاوغاد يعوى
          طعم هذا الدم فى حلقى
          ضراعات وقتلى
          ( اه قد ارديت طفلا )
          اى عار لطخ اليوم مبوتو
          قالها .. وانهار صوت
          قلبه ابكم , لا يصرخ , لا يدميه موت
          وهتافات , رصاصات , وقتلى
          امك الكونغو - حقول الطير - بالثورة حبلى

          3- صمت الحزن
          اجهش المذياع لوممبا اسير
          فمشى الحزن على حاراتنا قلبا , فقلبا
          والجحيم المر فى الاوصال شبا


          ( اه ياعينى لوممبا )
          دمعة من غور صياد فقير
          اطرق الراس صديق
          ذاك حزن غائر العينين مشبوب القرار
          جامد الوجه كجيش يلعق الموت الغرار
          وتماسكت ... وخلفت المضيق
          ربما كان عيل الفولجا يغنى
          باسم لوممبا على لحن مرن
          مثلما انحت من عرقى , وايامى , وسجنى
          وجهك القديس , ياباسل , يامشعل فنى
          غير ان اللحن قد اضحى صراخا فى الضمير
          الجمته ظلمة الليل , فلا يسعى , يطير

          4- عجز الكلمات
          حين رفّت كلماتى
          تلمس الانجم فى هام الذرى
          كنت قد افنيت ذاتى
          للملايين التى تنضج خبزى فى القرى
          تغزل النور ولكن لاترى
          غير انى يالوممبا منهك
          وقوافى من الحيرة تعبى
          كيف تغدو اغنياتى
          عبر قمّاتك لما ان غدوت اليوم شعبا
          تملا الاعداء رعبا
          رافع الجبهة كالراية يحدوها الورى
          نظرة ملتاعة الغور وحيدة
          يوم ساقوك الى السجن مهيبا كالجبل
          تنثر الزهو على الصخر واحزان الظلال
          دونها الف قصيدة
          وشهيد وشهيدة
          صاحبى اغمض عينيه , وارغى , وبصق
          قال اما اقسى الليال
          ذاك شعر فوق طاقات الورق
          فوق صمتى وانينى المحترق
          وشبابى , وجراحات مزق

          كانت العين تعض القيد تطوى اسرها
          قمرية غنت تناجى وكرها
          ياترانتا
          الخنازير تغزى بالبطاطا
          وانا بين قيود , جائع , عار وانتا
          بينما القهوة للاسماك تعطى
          اشرقت عيناك كل الشعب ياناظم
          لن تقوى القيود


          5- البطل
          العذابات على قلب المسيح
          فى صلاة , وصليب , وضريح
          صيحة من فجر وهران الفسيح
          من فدائى مليح الوجه
          تسخو عينيه صفوا وحبا
          باسمك الغالى لوممبا
          فجر المدفع فارتاعت على البيداء ريح
          صخرة فى غاب ( كاتنجا ) يوشيها الربيع
          بالتلال البيض من رمل وازهار تضوع
          خطّ زنجى بحبات الدموع
          اسم لوممبا الوديع
          حينما سالت على الليل مزاريب المطر
          والضباب الجهم غطى كل اوراق الشجر
          شق طفل رجفة السيل واحزان الشتاء
          منذ عامين ابى ياام لم يرجع بقمح
          او كساء
          فى الضفاف الخضر ياروحى يذر الافق شهبا
          بيته جيش لوممبا
          وغدا تاتى الينا حاملا سمنا وثوبا
          غرد الطل ونام سعيدا بالغناء
          فى ظلام المعتقل
          وغراس الصمت كالقضبان تغتال المقل
          هب ( جومو ) يرقب النجم توارى فى الجبل
          فرت الدمعة والحزن هطل
          ثم اقبلت لوممبا كعناقيد الامل
          كفكف الحزن ونادى
          ابن افريقيا البطل
          اه لوممبا البطل

          المصدر:
          http://www.sudaneseonline.com/cgi-bi...msg=1222747949



          تعليق

          • ابراهيم خالد احمد شوك
            أديب وكاتب
            • 09-01-2012
            • 534

            #6


            بوابات المدن الصفراء / شعر جيلى عبدالرحمن


            أعشاب الذكري
            جفت فيها الأنداء
            وتعالوا في أمسية أخري
            والليل ضباب وثلوج سوداء
            ولأدفئكم ..يا أصحابي شعرا

            روحي تنزلق اليوم علي وهج الصحراء
            واعجبا
            أرسلت لها أدمعي الحري
            وتسلقت الأبحر
            حتي بوابات المدن الصفراء
            ها قد خرت
            حين الجسم المغرورق خرا
            وحملت الوهم الصحراوي.. إلي أين؟
            والليل الحربائي يحط علي الكتفين
            مصفر الوجه ، ومجدور العينين
            لم يبق سواك- أيا نورستي
            مئذنتي الغرقي في الماء
            لم يبق سوي ظل..في الماء
            وعبرت سهوم المستشفي
            وجدار الدمع..وأنات الفقراء
            وجثوت – أيا نورستي – فالغربة في وطني – والمنفي –
            يغتال جذور الأعشاب الخضراء
            غرقي نحن
            نجوم وبيوت سمراء
            واعجبا..كانت تورق سمراء
            كانت تحيينا بالشوق المعطاء
            لم يبق سواك – أيا نورستي – وا ..أسفا
            الليلة في قلبي ظمأ الصحراء
            يعشوشب مثل الشوك الداء
            إن لذت بجنح الصمت
            مئذنتي..أطرقت
            وقلت...الموت؟
            غرقي أنتم مثل النخل..الأحياء
            سوف أقول لأصحابي ..شكرا
            وتعالوا في أمسية أخري
            في أيديكم عشب الذكري
            ألقيت سرادقهم في النار
            قتلت الحرباء

            تعليق

            • ابراهيم خالد احمد شوك
              أديب وكاتب
              • 09-01-2012
              • 534

              #7
              جيلي كما عرفته
              لم يخلص كما اخلص للشعر .. وكان ابنا حقيقيا لحواري القاهرة
              بقلم:عبد الرحمن الابنودي






              عبد الرحمن الأبنودي

              بعد أن انهينا دراستنا الثانوية إنا وأمل دنقل جئنا للقاهرة بدعوة من مركز الفنون الشعبية لنشارك في لقاء شعري دبره لنا الأستاذ توفيق حنا، وكان مدرساً للغة الفرنسية في قنا، وهي المحافظة التي تنتمي إليها قريتنا. ورأي توفيق في ذلك الحين ، وبذل توفيق حنا كل الجهد في لم شمل الأصدقاء والأحباب لسماعنا ، واذكر في تلك الليلة وقد تعرفت فيها إلى ثلاثة أصدقاء رحلوا عن دنيتنا جميعا وظلوا أصدقائي إلى آخر لحظة، هم عبد الفتاح الجمل وجيلي عبد الرحمن، وفاروق منيب. ومن المصادفة أن ثلاثتهم كانوا يعملون بجريدة المساء، وبعد أن انتهت تلك الأمسية الشعرية قرروا الاحتفال بنا. وتجمع حولنا جمهور من شباب الأدباء في ذلك الوقت، وأكلنا وشربنا – لنكتشف بعد ذلك أن مضيفنا كان الشاعر جيلي عبد الرحمن، والذي كان فقيراً جداً في ذلك الوقت، ولكنه اقسم أن لا يمد سعادته الخاصة، وفرحته الخاصة.

              ثم غادرنا أنا وأمل إلى قرانا مرة أخرى وعملنا بالمحاكم. ولم نعد إلا في أوائل عام 1962 م، وبحثت في كل القاهرة عن تلك الوجوه التي التقيناها عام 1958 – واكتشفت أن جميعهم في السجون والمعتقلات ، وان الكوليرا السياسية حصدتهم في أول ليلة من عام 1952 ، ولم يكن في القاهرة لحظتها سوي نفس الثلاثي جيلي والجمل ومنيب. ولما كنت قد جئت لأبقى بالقاهرة، فلم يكن لي من عائلة سواه كان يعيش كالجمل بريا لا تتنبأ بلحظات لغضبه أو لسروره، وكان مخيفا لنا جداً.. يحمل قلبه عذوبة أخيك الصغير، ولكنه يملك بطش الأب وصرامته، وهو من الأوائل الذين اعتنوا بجيل الستينيات واعتبروه ونشروا له.

              إما منيب فقد كان وجيلي يلعبان لعبه النخلة والظل؛ فلا تعرف أيهما الأصل وأيهما الصورة، عاشا متلازمين، ولم يفرق بينهما إلا المرض والسفر والموت. كانا يحملان نفس الصفات ويغترفان عواطفهما من بئر واحد.

              كان كل منهما يعطي الأمان للآخر من خوفه وإحساسه برعب الأيام أو قسوة الحكام، فقد غيبت السجون في ذلك الوقت كل أصدقائهما، فكانا يهيمان في شوارع المدينة يستمع كل منهما للآخر ويخلقان أنسا لم يكن يغنيهما عن الإحساس العميق بالرعب والوحدة في عالم المدينة الواسع، وقد كان جيلي من اكبر (المذعورين) الذين التقيت بهم في حياتي – وكان لخوفه وذعره نبل خاص، ورغم أن الفترة تلك كانت فترة اتهامات قاسية، إلا أن أحدا لم يعتبر ذلك الذعر وذلك الخوف قيمة إنسانية رائعة، قد كان جيلي كذلك.

              إن جيلي بطعمه يحمل قدرا عاليا من (الأمومة).. عاطفته العميقة تلك تلخص عواطف الأمهات السودانيات جميعهن.. ولا تحس معه انه السوداني، أو انك مصري، بل هو ابن عمك الذي يسكن حواري عابدين، وتنتقي أشعاره التي تتناثر في ثنايا أقوال كالطيور المذبوحة.

              وفي أشعاره لم تكن القضايا الوطنية بالمعنى المتعارف عليه، وإنمأ همسا ذاتيا رقيقا عميقا يقرب لك الأشياء البعيدة ويشركك معه في تنفسها.

              لم يكن شعره شعرا بالمعني الكلاسيكي للكلمة، وإنما كان شيئا ما في سلوكه، أو خلجات بدنه، كأنه يعرق ويمسح عرقه بمنديله، الرابض دائما في جيبه مفروداً.

              وبقدر ما قرأنا في ذلك الوقت عن لوممبا وجيفارا وكاسترو، وثورات أمريكا اللاتينية، والمد الثوري في العالم في تلك الأيام، إلا أننا لم نجد من مرت عليه كل هذه الإحداث كالنسائم الطيبة البسيطة التي كانت تتنفسها أشعار جيلي عبد الرحمن.

              كان حين يغني حواري عابدين نحس نحن المصريون الغربة في المدينة؛ فقد كان ابناً حقيقيا لحواري القاهرة دون ادعاء مواطنه أو تزلف غرباء.

              وبالرغم من أن القاهرة كانت تعج بالشعراء السودانيين في ذلك الوقت، إلا انه لم يحترف الغناء لأفريقيا أو غابات الكاكاو ، كما كنا نري في إشعار الآخرين، وكان صديقه تاج السر الحسن قد رحل الى موسكو في ذلك الوقت. كانت هنالك أصوات أخرى من الشعراء السودانيين، الفيتوري ومحي الدين فارس وحسن صبحي – وكان جيلي يخجل أن يلقي الشعر علي الناس.. كان فقط يهمس لنا به اواخر الليل. كان يبكي كثيرا أحبابه الذين ابتلعتهم السجون وكان معدنه الإنساني من النوع النادر.. تواضعه لا حد له وأدبه لا حد له وتوقه للمعرفة لا حد له.. وغربه جيلي لم تكن غربه سودانيين في القاهرة بقدر ما كانت غربة طفل في هذا الكون المرعب، وعلي العكس كنا نحس أننا الغرباء وأننا لسنا غرباء به في هذه المدينة المعقدة. ولم يكن ذلك إحساس أحسه وحدي، بل أن جيل الستينات في بدايته من قصاصين وشعراء وفنانين وتشكيليين ومؤرخين، هم جيمعا يدينون بالكثير لذلك الحضن الدافئ القادر دائما علي المطابقة بين عواطف الإنسان وعواطف الشاعر بنفس القدر.
              وبالرغم من أن جيلي بنظره سطحية كان يبدو كائنا مذعورا، إلا انه في حقيقة الأمر كان محصناً من الداخل بذكائنا وحنكتنا الجنوبية والتي تجعله يلف قماشه علي تكوينه الخاص المحمل بملحوظته الحقيقية ووعيه الخاص، وبتكوين قد يبدو مستقلاً ومنفصلاً عن تكوين ذلك الرجل الذي كان يلقانا بوجهه في الجريدة أو الندوة أو الحانة. وكان إذا شرب قليلا ينفجر بالبكاء كطفل ضال في شوارع مدينة معقدة ولم نكن نملك إلا الصمت حتى تنتهي النوبة. ومن لم ير جيلي ينفجر بكاء في طقسه الليلي.. هذا البكاء الذي يستبعد وينفي من حوله ويرده إلى مواطنه الحقيقية في الوطن أو الوعي أو الشعر، فانه لا يكون قد عرف جيلي أو رآه وأظن إن لحظات البكاء هذه هي نفس اللحظات التي يستدعي فيها علي منابع شعره الإنساني العظيم، إذ كان سرعان ما يهدأ ويسترد قامته كنخلة أمالتها الريح ومضت عنها، فيعود له رونقه ووفاؤه وطفولته. أن ذلك الطفل الرائع بكل ما تحمله الكلمة بعيدا عن الابتذال الثقافي الذي افقدنا معناها، وهي اللحظات نفسها التي تستطيع أن تطلب منه فيها قراءة قصيدة، صيما والأداء الشعري عند جيلي نوع من النواح الممتزج بالوجود والدروشة، فهو يحكم إغلاق قبضته اليمني، ويدب علي المنضدة دبا لينا لا تكاد يده تصل إلى سطح المنضدة هادئة، بينما الشعر يكمل فعل القبضة، وان كان الصوت يحمل رقة، بل وضعفا، بقدر ما كان يضايقه، بقدر ما كان هو استكمالنا لملامح جيلي التي كان يخفي معظمها عنا.
              لا اعرف أيهما أكثر قوة في ذاكرته الإنسانية والعاطفية السودان أو حي (عابدين)؟ ففي تلك الفترة كان جيلي مصريا من عابدين، رمته المقادير للعيش في السودان أو كان مواطنا سودانيا ولد في عابدين وأحب حواريها وتمرغ قي ترابها وعشق فتيات شرفتها، وقد كانت منطقة عابدين في ذلك الوقت منطقة شبه سودانية ونوبية. وفي حالات نادرة كنا نحس بمصرية غرباء المثقفين في القاهرة، وكان علي رأس هؤلاء جيلي عبد الرحمن. وربما هو أول مثقف ومبدع سواني ألتقيه وأحبه وأعاشره وربما كان بوابتي الحقيقية للسودان الذي أحبه كثيرا.

              كان يكتب الشعر علي فترات.. أي يصمت طويلا ثم يكتب كثيرا، وكان وجهه يتعضن ويزدهر تبعا لذاك فيتألق جدا وتعود له صحته وشبابه حين تكون في جيبه قصيدة جديدة.

              وفي الفترات التي يصاب فيها بالجدب الشعري تراه مريضا كسيحا، شبه اعمي، متورما ثقيل البدن والروح، كهلا متشردا لا أهل له ولا وطن.. فهو رجل لم يخلص كما اخلص للقصيدة، ولم يعط حياته إلا للشعر.. وقد نسي الزمن ونسيه الزمن وهو يطارد قصائده حتى اكتشف في أخر العمر انه لم يتزوج، وانه لم يعتن بصحته كثيرا وانه عليه أن يختار إما الدنيا وإما الشعر.

              المصدر:
              http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=330&msg=1301591072

              تعليق

              يعمل...
              X