أتهم والدي
فجأة توقفت عن مشاهدة الفلم ( الفيلم ) الذي أتابعه مساء يوم سبت هادئ؛ ثم ما لبثت أن عدت أفكر عشر سنوات إلى الوراء، أنبش في الفترة التي عشتها مع والدي عندما كان عمري خمسة عشرة سنة ( خمس عشرة سنة أو خمسة عشر عاما ) . هي مرحلة ملأت عقلي ونفسي بمشاعر مختلطة من الخوف والتهديد اليومي. كان والدي يتفل في وجهي ويشتمني بقسوة.
الحياة الجامعية تنسي الإنسان كثيرا من الأحداث المؤلمة التي مرت به؛ أو بالأحرى تدفن في عمق ذاكرته.. ربما كنت أهرب من الواقع المخيف! ربما لم يكن عندي الوقت الكافي لمعرفة نفسي. إذ أن مطالعة الكتب، والإعداد للامتحانات، كان كل ذلك يحجب عني هويتي، وينسيني ما حولي.
في هذا المساء كأن شيئا ما حدث، قد تكون الأحداث التي شاهدتها في الفلم ( الفيلم ) ، أثرت في نفسي، ربما عشت بعضها في طفولتي!.
كنت دائما أشعر بخوف رهيب، عندما يدق الجرس معلنا انتهاء الدرس، يأخذ قلبي يدق بسرعة، كنت أخاف العودة إلى المنزل. إذ كلما دخلت من الباب أجد أمي تبكي وتتألم. كان والدي يعاملها بعنف، يضربها بلا رحمة، تستنجد فلا تجد من يهب إلى نجدتها، وتستغيث فلا أحد يغيثها، كنت مع إخوتي الصغار نلتف حولها. نحاول حمايتها، فكانت ضربات والدي الموجعة، تنهال علينا بلا رحمة ولا شفقة.
لا زال والدي ( والداي ) يعيشان معا تحت سقف واحد إلى اليوم، لست أدري ما الذي يجمعهما؟ عندما صار عمري اثنتا عشرة سنة، صرت أعي ما حولي. اكتشفت أن والدتي تعيش حزنا دائما. كنت أشفق عليها. أقبل يديها، وألاعبها. لكن لم تكن لها رغبة في أي شيء من هذا؛ حتى الابتسامة كانت تتصنعها؛ لقد حرمت مما كان يتمتع به الأطفال في سني.
عندما صار عمري أربعة عشرة سنة ( أربع عشرة سنة ) ، أخذت ملامح المراهقة وأتعابها ترهقني. صارت عندي رغبة كبيرة للحديث مع الآخرين، وبالخصوص مع من أثق بهم. إلا مع أمي، فقد كان جدار سميك من الصمت والألم، يفصل بيني وبينها.
في هذه الفترة من العمر، صرت أنظر إلى الرجل نظرة عداء. كل الرجال يشبهون والدي؛ فما الرجل إلا وحش ضاري. يئن أنينا موجعا في ظلام الليل، كلما اقترب من جسد الأنثى. ويضربها في ضوء النهار ضربا موجعا؛ إذا تأخرت عن تلبية طلباته. كانت زميلاتي في الجامعة، يحكين قصص الحب. كنت أنظرإليهن باحتقار. أقول في نفسي: كم هي المرأة غبية، تتقبل كل هذه المصائب من الرجل، وتسمي ذلك حبا وعشقا!.
ذات يوم، بعدما انتهينا من محاضرة في مادة قانون الأسرة. سألت زميلتي ليلى: «هل يمكن للمرأة أن تكره أبويها؟»
أجابتني بدود تردد: «لا، يا سلمى. إن بر الوالدين من أهم الواجبات، ومن أعظم الفرائض..»
قاطعتها مستفسرة بعصبية: «ولكن ماذا لو كان الأب مدمنا على الخمر، أو كانت الأم تأكل من ثدييها؟»
ردت علي ببراءة الأطفال: «لا يا سلمى، هذه التهم لا تليق بمجتمعنا المحافظ، والشاذ لا حكم عليه كما تعلمين!».. هذا الجواب لم يرضين ( يرضِني ) ، لكنني مع ذلك استسلمت للواقع الغريب، الذي أصبح يضيق علي من يوم لآخر حتى يكاد يخنقني..
هنا في غرفتي، في الحي الجامعي، صرت أشعر بالحرية، لم أعد أشاهد المعانات( المعاناة ) اليومية التي تعيشها عائلتي. لم تعد لي أمنية في زواج سعيد، العلاقة بالرجل في هذه المرحة ( المرحلة ) من عمري، كانت قضية انتهت.
عندما كنت أنظر إلى نفسي وأقارنها مع زميلاتي لم أكن راضية عن وضعي. كنت أشك أحيانا، أن أكون تلك الفتاة الجميلة التي يمكن أن يتنافس على حبها الشباب. كانت سحابة سوداء تلفني كلما اقتربت من عالم الذكور.. وأحيانا أخرى أقول لنفسي، لماذا الخوف من الرجل؟ لماذا أحرم نفسي من هذه العواطف الجياشة التي تتحدث عنها النساء؟ كانت هذه الأسئلة كثيرا ما تنهال علي، كلما خرجت إلى المدينة، وشاهدت زوجين يمشيان يدا في يد، أو شاب ( شابا ) يداعب فتاته، وهما يجلسان في محطة الحافلة. إنه عالم رائع جدا! يختلف تماما عن العالم الذي نشأت فيه. هذه الفرحة في عيون المرأة عندما تكون بجانب الرجل، كانت تضايقني.. كنت أهرب من هذا الواقع الذي تسميه زميلاتي الحياة الحقيقية، فأنغمس في قراءة الكتب بنهم غير عادي.. لكن إلى متى سيستمر هذا الهروب؟ أين هو بصيص الأمل، الآن، الذي يخرجني من هذا الوحل؟.
===============
مع تحيات رابطة محبي اللغة العربية

تعليق