بابَ السماءِ الثامنة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمدالحارون
    أديب وكاتب
    • 22-09-2009
    • 180

    بابَ السماءِ الثامنة

    بابَ السماءِ الثامنةِ
    ...............
    جاءَ ليلُ الشتاءِ قبل موعده، يغرسُ أنيابه فى وحدةِ أشجان التى تُهدهدُ طفلتها لتنام، تُطبقُ الصغيرةُعلى ثدى أمها، ترشفُ قطراتِ الأمان، وتداعبُ بيدها الثدى الآخرَى متوسدةً ذراعها، ثقلتْ أجفانُ الصغيرةِ وراحت فى نومٍ عميقٍ، أحكمتْ أشجانُ غطاء صغيرتها وانسلت برفقٍ، تبحثُ عن شئ ٍيخرسُ النبحَ المكتومَ فى أعماقها، لا ظلٌّ يأويها، ولا ملجأ إلا الله يعزيها، ولا أنيس لوحدتها يعينها على قهر ليلٍ منقطعٌ تياره، أمسكت بدميتها، جلست على أريكتها المقابلة لمرآتها، ذكرها صوتُ المطرالعابث بزجاج النافذة الحنين إلى الماضى، وتذكرت بيتَ الطينِ ورائحة الطين عقب زخات المطر، حين كانت تستمتع بمشاهدة حباته تصافح وتحيى وتلسع وجنتيها، وكيف كانت تعانق الأرضُ أقدامَها برفقٍ عقبَ الهطول؟. كان الشوقُ فى عينيها يسابق اللحظة، وتعيش فى غدها المأمول، فتفتح اليد لتمسك بقطراتٍ وتقبِضُ عليها، وكأنها تمسك بخيط سعادتها، أو تقبضُ على فارسٍ ملثمٍ لم تتضح ملامحه بعد، لكنها كانت ترسمه بدقةٍ متناهيةٍ، وكأنها تعرفه فى عالم الذرِّ، وكانت تناجيه فى دميتها التى لم تفارقها مناجاة الحبيب، وتبثه شوقاً ينتظر التجسيد والتنفيذ فى واقع مأمولٍ، تتذكر أشجان حين تحاول إحياء الرجولة فى دميتها بحركاتٍ لا تخلو من براءةٍ وحياءٍ، تكلمه، تنادى عليه، يُخيلُ إليها أنه يردُّ عليها بما تهوى، فيرقص قلبها طرباً، وتفيضُ عيونها بشوق مُكبلٍ بدلال الأنثى، وكانت تُغضبُ شاطرها الحسن أحياناً لتنتزع قُبلةً من جبينه تعرفُ أنها فى غير حِلتها وحلالها علها ترضيه، وتذكرت حين جاء يخطبها إنه قريبٌ قريبٌ من هذا الذى رسمته فى خيالها، وكانت تناجيه فى خلوتها، بمجرد أن التقيا صار كلاهما كمن نشأ وتربى مع قرينه، يا لطف القدربقلبينا! ويارحمة السماء وشفقتها علينا! كانت تهمس إليه فيكملُ لها ما أرادت، وكانت عينُهُ تناجيها فتلبى طلبه، كأنها إلى أعماق أعماقه ولجتْ، ذكرتها الدميةُ التى تتمنى فكاكاً من عبث أصابعها بحديثٍ همست به قائلة: حين أصيرُ سجينةَ قلبك الحسن، وتصفدنى أوردتك، وتخلخلنى شراينك، وتجلدنى سياط شفتيك، تريد مناجاة قرينتها، ويلسعنى رضابك يفضح شوقك وتيهك، وأشتم غدراً من ذراعيك يطوينى.
    وقبل زفافها قالت له: سأصيرُ جاريتك التى لا تعصى لك أمراً، وأبيتُ على صدرك أحصى أنفاسك، وإياك إياك أن تسرق نفساً أوتضيعَ آخراً، لن أُخطأَ فيك ولن أملُّكَ، وسأظلُّ ألثم فاكَ لأرتوى، وكلما ارتويتُ منك أظمأُ من جديد، كان شاطرها الحسنُ يستمعُ إليها، تعزفُ على أوتارِ قلبه قيثارةَ عشق يظنها لا تنتهى، ثم يردُّعليها قائلاً: لا أدرى من سيسرقُ من حنان الآخر أكثر؟ فالعشق سيدتى أنانىُّ النزعة ولا سقف له، ثم يردف - يا أنا- كلانا سينهلُ من معينِ ورحيقِ الآخر إلى أن يأتى يومٌ تقتصُّ الحياةُ منا، فمن يشبعُ أولاً يودع الحياة تاركاً قرينه يعانى الظمأ بقية عمره.
    انتبهت أشجانُ على وقع الذكريات، فهى المغبونة فى صفقة الحبِّ، نهل وشبع وتركها تُمسكُ بنفس دميتها التى كانا يتقاذفانها سوياً، وكانت شاهدةً على لحظاتِ السعادة التى لم تكمل شهرها السابع، قبل أن تبتلعه إطاراتُ سيارةٍ هوجاءَ، فقد قائدها الصبى سيطرته على مقودها لتُقتلُ الأحلام فى لحظة، وتُغتالُ لفظة بابا من مفرادات جنينها، واعجبا..! هى نفس الدمية ستشهد أيام حزنى وشجنى وأمسح بها دمعى، منك العون يا ربى، ألهمنى القوة، امنحنى الإرادة على أن أحيا دون عون من أحدٍ سواك، صرخت بملء الأعماق، أعنى يا رب، ويضيقُ رحم العين عن احتواء الأحزان، تنسابُ العبراتُ لتهرب من حشرٍ فى مُقَلٍّ كَلْمَى، تسيلُ فى دعةٍ على خدٍّ أصابه ترملٌّ قبل أوانه، تصنع الدمعاتُ جُدداً وأخاديدَ سودٍ على وجناتٍ بيض، فتفصحُ وتفضحُ، تفصحُ عن لوعاتٍ وآهاتٍ مكبوتة، وابتلاء لا تقوى عليه، وتفضحُ أمةً غابتْ عن رجالها النخوةُ والشهامة. قالت: إنَّ كلَّ عانسٍ وأرملةٍ شرفٌ مبتذلٌ ضائعٌ فى جسد هذه الأمة، وجرح ٌسيظلُّ ينخر وينخر حتى يصيبَ صديده وقيحه الجميع، وسيحاسبُ ربى كل من يستطيعُ أن يمسحَ دمعةَ أرملةٍ وتوانى، أو كل قادر على أن يدخل بسمةً على قلبٍ عانس فبخل أومن يملك أن يجبر كسر مطلقة فجبن، نحن بعضُ سيئاتِ الآخرين وربما كبائرهم، فلنا الله وكفى، وما بين ميلاد الدمعةِ فى الأحداق ِوترقرقها على الوجناتِ، تُمسكُ أهدابُ العين ببعضِ العبراتِ تتدلى كقلائدَ، وكأن الكلَّ يعلنُ الحدادَ على وأد أُنوثةِ هذا الحى فى ريعانه، ويصيرُ لوقع الدمعة على الخدودِ صوت النعى لباقى الجسد، ليرددَ طقوس الحزن فى صمتٍ من رهب الفقد، وغياب المعزين ولسعاتهم وعقابهم، آهٍ من دمعة أرملةٍ فى ليلٍ أبكم مصحوباً بجدران غُرفةٍ وغُربةٍ وقضبانٍ تُشرعُ، أهٍ من نبح القلوبِ وحسرتها وانصهارمادة الحياةِ فى أعماق الأنثى بفعل قيظِ مجتمعٍ لا يرحم، أهٍ حين تغيبُ شمسُ رجلٍ بأمانه فجأة، فينسلُّ من بين أصابع أنثاه وربيعها على غير وعدٍ ودون سابق موعدٍ، أهٍ حين يشدُّ الأنثى خيطُ الليلِ البهيم ليلفظها فى هُوةِ الوحدةِ السحيقة، أو يرمى بها فى آتون الحرمان وأنين الدمع، أهٍ من لسعةٍ دمعة محرومٍ يبكى على حرمانه تارةً، وعلى فقد من يعوضه أُخرى وهم كُثرٌ، أه حين يكون فى مقدور الأيدى المساعدة وتبخل! أهٍ من وقع الثمارِ قريبة قريبة من الأرض البور، لها سياطٌ تلسع ودمعات ترتعش....بل ترتجف كارتجافِ الأنف واهتزازها متخلية عن بعض كبريائها لتعلنَ استسلاماً، وترفعَ رايةَ موت النخوة فى أمة النخوة، أهٍ حين تبتلُّ الوسادةُ كل ليلة بعبرات تُنزفُ من جرحٍ يتسع ولا يبرأُ، أه حين تلتحفُ الأنثى وطفلتها بالليلِ لتُدقُّ الضلوع وتُقهرُالوسائدُ، أهٍ حين يثقلُّ الجفنَ النومُ مصحوباً بعقابٍ لعوانس وأرامل وأيتام، هنا تصرخُ النفسُ فى أعماقها، فيصيرللنفس فضاءات بحجم الكون، ويزيد الصراخ ويتردد فتسمع الصدى فى جنبات النفس بعدد أهل الأرض، تحمرُّ العين تورماُ وألماً من فرط أحزانها، تشعر المسكينةُ أشجان أن الحزن والدموع يجعلا لها تضاريس وتعاريج جديدة على خريطة وجهها، فهكذا الحرمان ــ كالحفرة ــ مهما تأخذ منه يزيد، بل يتضاعفُ ويكبر كمتواليةٍ ليس لها حدٌّ أخير، أثقل الحزنُ مقلها، جفت مآقيها، أطبقت العيونَ مرددة : يا رب - يا رب- يا رب، راحت فى غفوة على أريكتها، ورأت فيما يرى النائمُ دموعها التى ذرفتها تكبرُ - تزيد ُ- تثقلُّ، فصار لها لونُ اللؤلؤ وحجمُ الصخور، ثم عرجت لأعلى، لأعلى، تردد بصوت يملأُ الكون، يا رب - يا رب - حتى طرقتْ....؟
    .......
    ( أحمدالحارون)
    المنصورة
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمدالحارون; الساعة 24-05-2012, 18:08.
    قد ينعم الله بالبلوى وإنْ عظمت
    ويبتلى الله بعضَ القوم بالنِّــــعمِ
  • أحمدخيرى
    الكوستر
    • 24-05-2012
    • 794

    #2
    والله حرام عليك يا اخى

    قصتين ومقال وفيض من الخواطر وأكثر من إسقاط داخل عمل واحد ..
    سؤال قبل اى شىء ؟
    هل انت احد انصار جمعيات حقوق المرأة او ماذا ؟!
    عندما قرأتها فى البداية تخيلت انها إعادة لـ قصتك الاولى التى رددت عليها اول امس .. فـ نفس المصطلحات فى مفتتح القصىة " الشتاء ، الليل ، الانثى ، الوحدة والحرمان " وقلت بينى وبين نفسى انك غيرت الاسم من " عبير" بطلة القصة الاولى على ما اذكر إلى " آشجان "
    ثم مع الاسترسال وجدتنى اتوه .. فـ هناك الارملة التى تبحث عن ظل .. وخاطرها يسأل إين الرجل .. وانت تدخل فى نفس نفس السياق " لغة مقالية مختلطة بما يحتويه قاموسك من بذخ ادبى ومطلحات شعرية " ... ظهر ذلك فى تساؤلك المتكرر عن النخوة " حتى ظننت انها إسقاط اقرب إلى السياسى " وانك تتحدث عن مآساة " دولة " ثم عدت إلى اللغة المقالية ثانية " فى حديثك عمن ينصف " العوانس والمطلقات ، والارامل "
    عامل السرد كان ثريا وجذاب ولكنه كان استعراضى فى نفس الوقت
    استخدمت جمل جمالية لمن لهم ذائقة شعرية ، ولكنها قد تكوت معقدة لـ قارىء عادى
    الابتهال والدعاء لـ هذه الارملة الشابة فيما بين مراقبة المطر وما قبل الحلم " كان اجمل ما فى القصة "
    ، اما ورحلة معراجعها الاخيرة قبل ان تطرق باب السماء " كما تقول الخاتمة التى وضعتها نقط " ولا ادرى سبب النقط .." لانك وضعتها فى العنوان كـ مفتاح استهلالى كتنوير اولى "
    كـ ذلك وقفت امام عرجت " لفترة " ، ولم افهمها فى البداية .. حتى تذكرت الصعود "وجال فى ذهنى رحلة " الاسراء والمعراج النبوية " فـ ربطت الكلمتين ببعضهما " عفوا فـ لست ضليع بـ قواعد اللغة وتصريفاتها ومعانيها ، واتمنى ان يكون استنتاجى صحيح ..
    اخى الشاعر " أحمد الحارون "
    انت رائع سرديا بكل المقاييس ... وهذه اللغة التى استخدمتها " يلزمنى سنوات حتى اكتب مثلها " فـ انا الجأ إلى اللغة المبسطة ، والكلمة السهلة التى يظهر معناها ببساطة فـ ربما تجد لها اكثر من متلقى ...
    اما على مستو التناغم فـ للاسف مع روعة السرد الباذخ بشاعريتك .. كانت القصة بطيئة جدا ..
    أكثر ما اعجبنى هو نفسك الطويل فى السرد والتلاعب بالجمل " كـ الحاوى " وبـ سلاسة انيقة احسدك عليها
    اما ما ازعجنى هو رتمها البطىء ، وتكرار الفكرة إيضا .. فـ قلم نابض وقوى مثل قلمك " لا يحتاج إلى تكرار نفس الفكرة مرتين "
    اشكرك اخى " على قصتك الطيبة
    واعتذر عن الاطالة

    تحياتى
    https://www.facebook.com/TheCoster

    تعليق

    يعمل...
    X