ظواهرمقلقة في ثقافتنا
بقلم :نبيل عودة
النقد هوالغائب الكبير من أدبنا العربي في اسرائيل. توجد كتابات نقدية، أو تقع عموما فيباب النقد. أو تسمى نقدا لأنها أقرب شيء الى أشكال الكتابة النقدية.
وسأبدأ بنفسي:اقول بلا تردد ان ما أكتبه من نقد يقع في باب الكتابة الثقافية المتأثرة برؤيةفلسفية عامة، بدءا من مراجعة كتب، أو طرح فكرة ثقافية أو قضية فكرية عامة وصولاًالى الفكر السياسي والاجتماعي. وكثيراً ما قيل لي من زملاء أدباء ان مراجعاتيوطروحاتي الفكرية، هي من نوع النقد الثقافي الأقرب للمراجعات الثقافية أو الفكريالصحفي، السهل والممتع وسهل الهضم. وقد اعتبرت هذا التقييم أقصى ما أطمح اليه منكتاباتي الثقافية (النقدية كما تسمى).
لا أدّعي انالنقد غائب تماماً، حقاً لدينا نقاد ونقد أدبي، غير انه لم يشكل تياراً ثقافياًمؤثراً وحاسماً في صيرورة ثقافتنا وتطورها. بل لم يشكل حتى تحدياً أدبياً أماممبدعينا، أسوة بما يشكله النقد من موقف حاسم في كل ثقافة ذات جذور واجندة ثقافية.وأبرز الدراسات النقدية لا علاقة لها بثقافتنا المحلية رغم أهميتها.
هل في مسيرةثقافتنا أجندة ثقافية؟
هل ثقافة بلاأجندة يمكن ان تسمو الى ثقافة قادرة على اختراق مجتمعها والتأثير فيه؟
أمامنا تجربةثقافية نادرة في تجارب الشعوب، تجربتنا الذاتية. في سنوات الستين والسبعين منالقرن الماضي (العشرين) نجحنا بخلق تيار ثقافي مؤثر لدرجة بات الأدب (الشعرأساساً) نجماً في مهرجاناتنا السياسية. وكانت كل ندوة أدبية تعقد تتحول الى مهرجانثقافي.. كنا نبحث عن الإصدار الجديد لنقرأه قبل الندوة ونشارك في طرح انطباعاتنا.كنا جزءا من حركة ثقافية نشطة. كان للتيار الثقافي بعده الاجتماعي والسياسيالمؤثر. أجل شكلت السياسة بسبب واقعنا الخاص مضمونا هاما لتقييم العمل الأدبي،الأخلاقي والتربوي، بل وأكثر، كانت الثقافة سلاحنا السياسي الروحي. لذا ليسبالصدفة ان أبرز حزب في وقته (الشيوعي) تبنّى سياسياً الثقافة والهوية الوطنيةالفلسطينية (تحت صيغة طبقية أعتقد انها كانت شكلية.. وما زالت كذلك) وربط حاضرالأقلية الفلسطينية المعزولة والمحاصرة بقوانين عسكرية قمعية، بماضيها الثقافيوالتراثي. كان تفكيراً سياسياً خدم التنظيم بقدر أكبر مما خدم الثقافة. ولكنه ساهمبخلق تيار أدبي شيوعي شكلاً وقومي بجذوره الأساسية، احتل الساحة الأدبية خلال فترةطويلة وليس سراً ان كل الذين يُعرفون بـ"شعراء المقاومة" هم أبناء هذاالتيار السياسي.
ومع ذلك لا بدمن الإشارة الى مميِّزين.
المميز الأوللهذا التيار إيجابي بما شكله من تيار ثقافي تبوأ مكانته الهامة محلياً وعربياً.
والمميزالثاني سلبي ربما بنفس القدر اذ استبعد أسماء هامة لم تستطيع الانخراط في صفوفالشيوعيين لأسباب عديدة، وهذا استثناها من الواجهة الثقافية التي سيطر عليهاوسوّقها محلياً وعربياً التنظيم الشيوعي، بإعلامه القوي وشبه الوحيد القائم وقتها،وربما لا أخطئ بالقول انه قمعها شعبياً أيضا بحدِّه من انتشارها عبر تجاهل إعلامهالمسيطر لسائر الأسماء التي لا تنتمي سياسياً لتنظيمه..
التنظيماستفاد بتحوله الى قوة ثقافية سائدة ومقررة، وهدفاً أمام كل مثقف اذا أرادالانتشار. ولكني اليوم أرى بالمسألة جانباً مهيناً: الخضوع للتنظيم وقبول رؤيتهالسياسية او التجاهل والإقصاء. لذلك تطورت ظواهر سلبية مدمّرة لم يكن بقدرة أحدصدّها.
أفرزت هذهالسلبيات قيماً مشوًهةً، ونقداً مشوّهاً وثقافةً مشوّهة، ودخلاءَ على الأدب والنقدوالسياسة، وعلى النشر المشوه في الصحافة خاصة، والترويج الكاذب ذي الصبغة القبلية.وأكاد أقول ان غياب أقلام واعدة هو نتيجة الفوضى الثقافية، التي بات مروّجوها مننقّاد لا علاقة لهم بالأدب، او بعض من صمتوا دهراً ونطقوا كفراً أدبياً، أو كتّابِنثرٍ وشعرٍ لا شيء من الجمالية الأدبية في نصوصهم، يصرّون ان يقتحموا عالم الإبداعظانّين ان الموضوع لغوي إنشائي فقط، ويجدون مع الأسف من يستجيب لنزواتهم.. خاصة معتلاشي سيطرة تيار سياسي محدد على النشر، وهو بحدّ ذاته أمر إيجابي ولكنه انعكسبشكل سلبي مطلق على ثقافتنا.
هذا أوصلناالى حالتنا المضحكة المبكية اليوم. فذاك يلوح بعشرين كتاباً وصلوه وانه يجمع عدتهليكتب "مراجعات نقدية" لكل ما وصله. من النقد الأول سيقرر (أجل نحفظالدرس وأستطيع ان أكتب مقدمة نقده قبل ان ينشره وربما ان أشير الى ما هو أكثر منالمقدمة) اننا أمام شاعر او كاتب قلَّ مثيلُه في الشعر أو النثر.. ولن يتردّد فياستعمال اصطلاحات مثل "حداثي" و "مجدّد" و"عالمي"... وآخر يخرج من مفكرته اصطلاحات نقدية أكاديمية تطورت في ظلثقافة وحضارة مختلفة، وفي إطار فلسفات اجتماعية أحدثت انقلابات اجتماعية وفكريةراديكالية في مجتمعاتها أرى استحالة وعبثية نسخها وتطبيقها على ثقافتنا.
تصفحتُ العديدمن الإصدارات الجديدة، لم أجد ما يشجّعني على قراءة كاملة لأكثريتها. وبعضها لمأفهم علاقته بالإبداع الأدبي.. الا بالتسمية التي تحملها الأغلفة. حقاً هناك مواهبجيدة، وهناك كتابات جيدة، ولكنها تغرق في بحر من الكتابات غير الناضجة.
لا أكتب لأقللمن أهمية المراجعات، حتى للإصدارات التي لم ترق الى مستوى الشعر او القصة. ولكنيأتوجه برجاء، لنقّاد هذا الأدب (أو دعاة الترويج)، لا تبيعوا أوهاماً، اذا كنتمحقاً تعتبرون أن نقدكم يقع في باب الثقافة.. احترموا صاحب العمل الذي يريد توجيهاًصحيحاً وصريحاً، حتى لو كان مؤلماً، لأنه قد يكون موهوباً حقاً، ونقدكم، اذا لميلتزم منطق الصدق، يجعل البعض على قناعة انهم أصبحوا أصحاب مدارس أدبية، وان مايخرج من مداد أقلامهم، بصالحه وطالحه، هو الإبداع بجوهره.
يبدو لي انمبدعينا المبشرين بالخير كما أرجو، يطلبون العلالي من اللحظة الأولى، ووقعوا علىممارسي نقد فاقدين لأية رؤية نقدية او ثقافية او جمالية بديهية.
هذه كانترغبتي أيضا مع أول قصة نشرتها وانا في جيل الخامسة عشر، وظلت هذه الرغبة ترافقنيحتى جيل أستطيع ان أسميه جيل الاكتمال النسبي للوعي الثقافي. وأقول النسبي لأنالوعي لا يكتمل ابدا انما يزداد إثراؤه بالتجارب الإبداعية واكتساب المعارفالجديدة وتوسع عالم الأديب الثقافي والفكري وتجاربه الحياتية.
بعض هذا النقدالذي أحذر من مخاطره، يذكّرني بحكاية سمعتها أثناء دراستي في الاتحاد السوفييتيالسابق. ويقال ان ستالين نفسه هو أول من رواها، تهكّماً على بيريا الرهيب، قائدالمخابرات السوفييتية في وقته. تقول الحكاية:
كان ستالينمولعا بتدخين البايب. فقد ستالين البايب المفضل لديه.. كان ستالين على ثقة انالبايب سُرق منه في الكرملين. وعليه، اللص لا بد ان يكون من الحاشية المقربة. أعطىعلماً بالأمر لقائد المخابرات المشهور وقتها بيريا الرهيب، وطلب غاضباً العثور علىالبايب بأي ثمن. بيريا الرهيب بدأ بالتحقيق والاعتقالات والتعذيب... في هذا الوقتوجدت المساعِدة بايب ستالين تحت سريره، وأعلمت الرفيق ستالين انها وجدت البايبالضائع.. ستالين سارع بالاتصال بالرفيق الرهيب بيريا ليعلمه ان مسألة البايب حلّتفقد وجده.. بيريا لم يصدق، قال: كيف يمكن ان تجده يا رفيق ستالين ولدي ستة معتقلينمن قيادة الحزب اعترفوا انهم سرقوا البايب المفضل لديك؟!
ايها الرفيقالناقد بيريا، رحمة بأدبنا لا تستعمل أساليب إقناع حتى لو كانت بأسلوب رقيق وقمّةفي اللطافة والتبجيل والتشجيع وحسن النية!!
بالطبع أتمنىللأدباء العرب الفلسطينيين في إسرائيل المزيد من الإبداع والرقي الثقافي. ولكنالامنيات لوحدها لا تصنع أدبا.
تعالوا نفحصجوانب أخرى لها صلة رحم بالنقد.
هل يملك نقدناالمحلي السائد، وعياً جمالياً (استيطيقا – علم الجمال)؟ وهل هو قادر على ايصالهللمتلقي؟!
ما يقلقني انوعينا الجمالي الأدبي لم يتبلور بعد بصفته ركناً ثقافياً وفكرياً مقرراً وحاسماًفي تقييم الإبداع الأدبي.
في مرحلةسنوات الستين والسبعين من القرن الماضي كنا متعطشين للثقافة، اولاً كضرورة لمجتمعبشري معاصر، وثانياً كرد فعل مضاد (كما في الفيزياء) على الحصار الثقافي الصهيوني.
الثقافةأعطتنا أجنحة لنتواصل مع تاريخنا وهويتنا القومية والحضارية. أعطتنا دفقاً منالمعنويات لنتحدّى الواقع السياسي الرهيب الذي انكشف أمامنا عقب نكبتنا وبقائنا فيوطننا، جزءاً ممزّقاً من شعب. بعضنا بلا هويات يهددهم خطر القذف وراء الحدود،بعضنا حاضر غائب حسب قوانين قراقوشية تحكمت بمصيرنا، الأرض تصادر، قرى تهجر وتهدمحتى بعد إقامة الدولة (اقرث وبرعم، خرجوا باتفاق مع الجيش ورغم قرار المحكمةالعليا بحقهم بالعودة الا ان الحكومة تحايلت على القرار بقوانين مختلفة وجرى هدمالقريتين بالقصف من الجو)... ولاجئون على بعد مسافة قصيرة من قراهم واراضيهمويمنعون من الاقتراب منها (لاجئو صفورية يسكنون حياً في الناصرة يطل على أراضيهمالمصادرة وبيوتهم المهدمة وبنيت على أراضيهم بلدة يهودية). ذاكرة شعب كامل تهدم.بقايا شعب ممزق ومهزوم ويتلمس الطريق في واقع غريب عنه بكل ابعاده السياسيةوالاجتماعية والاقتصادية والثقافية. لم تكن فترة لالتقاط الأنفاس. كل شيء يسيربسرعة غير معتادة. خطط للتجهيل بلغتنا وهويتنا، أسماء بلداتنا وملاعب صبانا تعبرن(تستبدل بأسماء عبرية)، من أكثرية في وطننا تحولنا الى أقلية ممزقة ومضطهدة، نفتقدللمثقفين، المتعلمون قلة، نفتقد للبنى التحتية التعليمية والاقتصادية والاجتماعيةوالمدنية. من مزارعين تحولنا بفقدان الأرض الى عمال أجرة في المشاريع اليهودية،قرانا ومدننا تحولت الى فنادق تأوينا بعد يوم العمل. المعلمون يلاحَقون ويفصَلونإرهاباً وقمعاً لجعلهم خصياناً ينفذون أوامر الحكم العسكري في تجهيل الأجيالالشابة بلغتهم وتاريخهم. شعب بلا مؤسسات، القيادات التقليدية هربت، المخاتيربأكثريتهم الساحقة تحولوا الى زلم للحكم العسكري الاسرائيلي، وبعضهم كانوا من"جيش الظلال" الصهيوني قبل نكبة شعبنا، الذين سمسروا لبيع الأرض للحركةالصهيونية، وباعوا شعبهم لقمة سائغة لمصير رهيب ما زال يدفع بالدم ثمن مأساته حتىاليوم.
في هذه الظلمةوالضياع برز الحزب الشيوعي بقيادته الطليعية التاريخية. مجموعة من المثقفينالوطنيين الأبطال حقا بكل المعايير. من اليوم الأول قرروا التحدي. دفعوا ثمناًرهيباً، ولكن طريقهم أثمرت.. الثمن كان ضياع حيوات أجيال، حتى لا يضيع شعبناويفولذ تمسكه بوطنه وحقوقه. وكان تطوير الأدب أحدى المهمات الاستراتيجية الهامةللطليعة الشيوعية. ولكن كما قلت كان لذلك جانبان، إيجابي وسلبي.. الإيجابي رغمأهميته العظيمة يتلاشى ونحصد اليوم سلبياته..
ما يقلقني انذوقنا الجمالي لا يتبلور من خلال الفوضى الأدبية وكتبة المدائح، وبتنا عاجزين عناستيعاب الجمالي في الإبداع والتلقي.
وربما نتساءلما هي مركبات هذا الذوق الجمالي الجديد؟!
ان جلّ مايغيب عن الناقد هو المستويات التعبيرية للإبداع.
عندما يصعبعلى الناقد ان يستوعب الوعي الجمالي، بصفته الوعي الذي يتناول الظواهر والأشياء منخلال سماتها الحسّية، وقدرتها في التأثير على المتلقي، عند ذلك يغيب تماما أهم مافي النقد وأعني: المضمون الجوهري للمقياس الجمالي في الابداع الأدبي.
آمل ان لاتكون كلماتي معقدة، لذا أسمح لنفسي ان اقول انه لا يوجد في أدبنا الا القليلالقليل من النقد الأدبي، وأكثريته لم يتناول أدبنا.
النقد يحتاجالى فكر الى فلسفة، وألاحظ ان أكثرية كتاب ما يعرف ضمنا بالنقد يفتقدون للفكرالثقافي ولوعي فلسفي، بل ويفتقدون لحسٍّ ثقافي ذوقي، وكتاباتهم بلا فكرة نقديةمحددة.
بالطبع لدينامعوقات تتعلق بتركيبة مجتمعنا، الحياة الثقافية النشطة والفعالة هي سمة للمجتمعاتالمدنية، ونحن للأسف الشديد نحقق تراجعاً في مدنية مجتمعنا. نعود الى تجزئتناالعائلية وتباعدنا الطائفي، حتى فكرنا القومي يتحول الى فكر طائفي وعائلي منغلق.ومنطقنا السياسي ينحرف نحو العائلية السياسية والطائفية السياسية. كنا نظن انها لمتعد تشكل عائقاً أمام مجتمعنا العربي في إسرائيل، الذي تحول الى اقتصاد إنتاجيحديث، وعلاقات إنتاجية حديثة، وما فرضه ذلك من أسلوب حياة مدني. حقاً التطور كانقسرياً وسطحياً، أي لم ينجح بتغيير حاسم للعلاقات الاجتماعية القديمة، علاقاتالمجتمع القروي الصغير المتماسك عائلياً، واستبدالها بعلاقات مجتمع مدني منفتحومتحرر من الروابط القروية، تحكمه قيم مدينية لا سابقة لشعبنا بها بهذه الكثافةوفرض القطيعة مع الواقع الذي تشكلت مفاهيمنا في اطاره، أي بدل قيم المجتمع الفلاحيالبسيط بدأت تسود قيمُ مجتمعٍ برجوازي اوروبي، كولونيالي في نهجه مع الأقليةالعربية الباقية في وطنها رغماً عن مشاريعه التهجيرية، الى جانب الحقيقة غيرالقابلة للجدل، بأن نكبتنا هي الوجه الآخر للواقع المتغير الذي يعصف بنا.
أدّعي اننا لمنستعب بعد هذه المتغيرات العاصفة في ثقافتنا. تعبيرنا الوطني لم يرقَ الى مستوىابسيميتولوجي، بمفهوم المعرفة الحقة العلمية لجذور التحول التي تعصف بماضينا كلهوتفرض علينا تحولات سريعة تتناقض مع مستوى تطورنا وعلاقاتنا القديمة.
يبدو ان هذاالواقع يحتاج الى دراسة الجوانب النفسية الاجتماعية وتأثيراتها الثقافية علىالمجتمع العربي داخل اسرائيل وانعكاساتها السلبية والايجابية على مسيرته الثقافيةوالسياسية لشدة الاندماج في واقعنا بينهما!!
|ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نبيل عودة – nabiloudeh@gmail.com
تعليق