ليلى لن تعود
وقفت في ساحة المدرسة، تنتظر ابنتها حتى تخرج من الفصل الدراسي، لكي تعود بها إلى المنزل، لكن ليلى لم ولن تخرج.
كانت سلمى أما مثالية، تحرص على أن تكون ابنتها الوحيدة أنيقة في ملبسها، نظيفة في جسمها. لم تكن تتوانى عن دخول الفصل أحيانا، فتراقب أدواتها، وتسأل عن نقط الامتحانات. وإذا حدث شيء غير عادي، تدخل مكتب المدير من دون موعد، وتسأله عن كل جديد طرأ على البرنامج التعليمي في المدرسة.أما خالد، فقد كان مطمئنا إلى أن ابنته الجميلة لا ينقصها شيء. صحيح إنه لم يكن يصحبها إلى المدرسة، لكنه كان يخصص لها حيزا من الوقت في البيت، يلاعبها، ويساعدها في ترتيب فروضها المنزلية. ويحكي لها كل مساء حكاية، ويستمر في السرد إلى أن تغمض عينيها وتنام.
قبل مجيء العطلة الصيفية، قررت ليلى أن تجمع أشياءها بنفسها، فهي تحب السباحة، وأبوها تربطه بالبحرعلاقة قديمة. أما أمها فهواء البحر يملئ صدرها بإحساس غريب لا تعرف سببه.. جلس الأبوان على الشاطئ يتمتعان بدفء الشمس. كانت ليلى أمامهما تلعب. تبني بالرمل قصرا، سرعان ما تهدمه مياه البحر، فتعيد بناءه. سبحت ليلى بجانب الصخور، أرادت أن تعبث بزبد البحر. فجأة ،كما يفعل البحر دائما عندما يغضب، ويريد أن يقتل إنسانا، هبت موجة عارمة، فحملت معها ليلى، لترتطم بالصخور الصلبة.. لم تختفي، لم يأكلها البحر، إنما لفظتها الأمواج الغاضبة جثة هامدة فوق الرمال.
كان خالد يخشى هذا الأمر؛ فقد تربى وترعرع بجوار البحر، و يعرف يقينا أن البحر لا يرحم. كان يقول دائما: اثنان لا ثقة فيهما، البحر والدنيا، فالبحر يغدر بالصديق والعدو؛ والدنيا تفعل ذلك تماما..لا ينفع معهما الحذر!.
لم تتقبل سلمى أن ابنتها الوحيدة غرقت. عرفت منذ صغرها أن الموت يأخذ المسنين فقط، ويترك الصغار حتى يكبروا. . كانت إذا جلست إلى طاولت الأكل، تعد لليلى كوبها المفضل. وتقوم في الليل فتذهب إلى غرفتها، معتقدة أن الغطاء قد يكون سقط عن جسمها النحيل. تضع المنبه، فتقوم في الصباح تعد الإفطارلليلى.. ها هي الآن تذهب إلى المدرسة، وتقف في الساحة تنتظر مع باقي الأمهات. كل أم تأخذ طفلها من معصمه وتعود به إلى البيت.. ماعدا سلمى. تبقى وحيدة واقفة تنتظر. تنظر بشغف نحو باب المدرسة؛ متى تلتقي عينيها بعيني ليلى، فتلوح لها بكلتى يديها في السماء، ثم تضمها إلى صدرها وتقبلها، وتسألها: « حبيبتي، ماذا قالت لك المعلمة هذااليوم؟ طبعا لقد قالت إن ليلى أذكى واحدة في القسم!»
بقيت هذا اليوم واقفة تحت زخات المطر، لوحدها تنتظر. اقترب منها مدير المدرسة. دعاها إلى مكتبه، ثم قال لها:
«السيدة سلمى! إنه يؤسفني أن أقول لك الحقيقة، ليلى لن تعود،والورود التي وضعتُها على قبرها هي الأخرى ماتت واندثرت. ماتت ليلى.. أرجو أن تعودين إلى الواقع، إلى نفسك، إلى ذلك الرجل الطيب، الذي ينتظر في البيت عودتك ».
لم تجبه، بل انغمست في ذهول وشرود.
لما تأخرت كثيرا، جاء خالد يبحث عنها، أخذها من معصمها، قاد سيارته نحو الشاطئ. هناك مشت سلمى نحو الصخور. كانت أمواج البحر تتكسر عليها بقوة. في السماء كانت طيور البحر تحوم، تصدر أصواتا تشبه البكاء. بكت سلمى بحرقة. نظرت نحوخالد، أخذت من يديه الدمية التي كانت تضعها ليلى بجانبها عندما تنام. ألقت بها نحوالموج العارم. حتى إذا اختفت، نظرت في عيني خالد بعمق، وكأنها اكتشفت شيئا ما، ثم قالت بصوت خفيض: خالد، ليلى حبيبتي لن تعود!
بكت بكاء الثكلى. لأول مرة ذرفت دموعا مثل زخات المطر.. مد خالد يده نحوها، قبض بقوة على يدها اليمنى، ثم قال في هدوء كبير يعجز كبرياء البحر على أن يحطمه: الموت حق، أردنا أم أبينا!.
قبل مجيء العطلة الصيفية، قررت ليلى أن تجمع أشياءها بنفسها، فهي تحب السباحة، وأبوها تربطه بالبحرعلاقة قديمة. أما أمها فهواء البحر يملئ صدرها بإحساس غريب لا تعرف سببه.. جلس الأبوان على الشاطئ يتمتعان بدفء الشمس. كانت ليلى أمامهما تلعب. تبني بالرمل قصرا، سرعان ما تهدمه مياه البحر، فتعيد بناءه. سبحت ليلى بجانب الصخور، أرادت أن تعبث بزبد البحر. فجأة ،كما يفعل البحر دائما عندما يغضب، ويريد أن يقتل إنسانا، هبت موجة عارمة، فحملت معها ليلى، لترتطم بالصخور الصلبة.. لم تختفي، لم يأكلها البحر، إنما لفظتها الأمواج الغاضبة جثة هامدة فوق الرمال.
كان خالد يخشى هذا الأمر؛ فقد تربى وترعرع بجوار البحر، و يعرف يقينا أن البحر لا يرحم. كان يقول دائما: اثنان لا ثقة فيهما، البحر والدنيا، فالبحر يغدر بالصديق والعدو؛ والدنيا تفعل ذلك تماما..لا ينفع معهما الحذر!.
لم تتقبل سلمى أن ابنتها الوحيدة غرقت. عرفت منذ صغرها أن الموت يأخذ المسنين فقط، ويترك الصغار حتى يكبروا. . كانت إذا جلست إلى طاولت الأكل، تعد لليلى كوبها المفضل. وتقوم في الليل فتذهب إلى غرفتها، معتقدة أن الغطاء قد يكون سقط عن جسمها النحيل. تضع المنبه، فتقوم في الصباح تعد الإفطارلليلى.. ها هي الآن تذهب إلى المدرسة، وتقف في الساحة تنتظر مع باقي الأمهات. كل أم تأخذ طفلها من معصمه وتعود به إلى البيت.. ماعدا سلمى. تبقى وحيدة واقفة تنتظر. تنظر بشغف نحو باب المدرسة؛ متى تلتقي عينيها بعيني ليلى، فتلوح لها بكلتى يديها في السماء، ثم تضمها إلى صدرها وتقبلها، وتسألها: « حبيبتي، ماذا قالت لك المعلمة هذااليوم؟ طبعا لقد قالت إن ليلى أذكى واحدة في القسم!»
بقيت هذا اليوم واقفة تحت زخات المطر، لوحدها تنتظر. اقترب منها مدير المدرسة. دعاها إلى مكتبه، ثم قال لها:
«السيدة سلمى! إنه يؤسفني أن أقول لك الحقيقة، ليلى لن تعود،والورود التي وضعتُها على قبرها هي الأخرى ماتت واندثرت. ماتت ليلى.. أرجو أن تعودين إلى الواقع، إلى نفسك، إلى ذلك الرجل الطيب، الذي ينتظر في البيت عودتك ».
لم تجبه، بل انغمست في ذهول وشرود.
لما تأخرت كثيرا، جاء خالد يبحث عنها، أخذها من معصمها، قاد سيارته نحو الشاطئ. هناك مشت سلمى نحو الصخور. كانت أمواج البحر تتكسر عليها بقوة. في السماء كانت طيور البحر تحوم، تصدر أصواتا تشبه البكاء. بكت سلمى بحرقة. نظرت نحوخالد، أخذت من يديه الدمية التي كانت تضعها ليلى بجانبها عندما تنام. ألقت بها نحوالموج العارم. حتى إذا اختفت، نظرت في عيني خالد بعمق، وكأنها اكتشفت شيئا ما، ثم قالت بصوت خفيض: خالد، ليلى حبيبتي لن تعود!
بكت بكاء الثكلى. لأول مرة ذرفت دموعا مثل زخات المطر.. مد خالد يده نحوها، قبض بقوة على يدها اليمنى، ثم قال في هدوء كبير يعجز كبرياء البحر على أن يحطمه: الموت حق، أردنا أم أبينا!.
تعليق