النموذج الإبداعي في نص العزف على الماء
العزف على الماء
قصة الأستاذ المبدع مصطفى الصالح
كانت أمنيتي أن اقرأ هذه القراءة في الغرفة الصوتية ، لأن النص كان من النوع الذي يمتلك مقومات نجاحه وهو بحث في تفسير السلوك البشري اتجاه الفشل والنجاح ، فحقيقة أن عنصر التشويق والشد والنهاية المفاجئة والتي شحذت الكثير من اللهفة لمعرفة ما يخفيه الكاتب من عنصر مفاجئة كان حاضرا ، حتى إني بت أتسلق الكلمات كي أصل إلى ما يخفيه النص ولست بمدع إني فهمت النص من أول قراءة لي لأن فيه الكثير من التداخلات والنقلات غير المسبوقة التي تجعل من النص عصي الفهم إلا بعد التدقيق والتمحيص ، وهذا دليل على قدرة القاص في أن يقدم لنا أدبا يمكن أن يكون أنموذجا لدراسة قصصية
((فالكاتب الجيد ليس بالبائع الذي يعرض مصوغات جميلة للبيع إنما هو الصائغ الذي يصوغها بإتقان أنه صاحب الحرفة الحاذق والذي يرضي نتاجه ذائقة الغير ))
قدم لنا الكاتب مقدمة مثالية في استهلال بسيط طرح جوهر العقدة مما جنبه مقدمة طويلة غير مبررة ، في البدء يخبرنا القاص أن ثمة نظرتين تجاه محور النص (البطل الغائب ) أحداهما تعبيرا عن الإعجاب بما ابتدعته يد ه ( يد فنان مبدع )وتعبر كذلك عن نظرة حسد الغير اتجاه هذا الإبداع وهي نزعة نفسية تكاد ألا تخلو منها أي نفس بشرية ، والثانية نظرة مبهمة تخبرنا عن سر يختفي ورائها و سبب غير معلن وشفقة تغلف نفوس الحاضرين ،
ذلك المبدع الذي يختفي وراء جدار من القلق والتردد ، ما يمنعه من الحضور ربما حالة من عدم الثقة ، أو إن ثمة عائق يحول دون وجوده ، نشعر به خلف الكواليس في مكان ما يحاور نفسه ولكنه قريب من الحدث يراقب بشغف انفعالات الحضور والدهشة التي تبدو عليهم ((أرى انبهار العيون مرتين: مرة وهي تتجول في تعبي بإعجاب، متناغمة مع دهشة الشفاه لهذا العمل، ومرة أخرى بسحر الإشفاق.. ما قيمة فنان لا ينتصب بجانب حلمه في معرضه!.. )
ويكتب القاص الحدث بقلمه وزاوية رؤياه هو ليبعدنا عن هواجس البطل (( كان يفكر وقد اكتنز القلق في ساحته، بينما تضغط قبضتاه بقوة على سبب تعاسته..
( يود لو يهمس.. يرسل طرقات خفيفة بهدوء.)
وهي إشارة إلى أنه كان يشبه البطل بالممثل وقاعة العرض بالمسرح ، فالطرقات الخفيفة هي الحافز للجمهور والممثل ببدء العرض وهي محاولة تشجيع ذاتي لرغبة يريد تخريجها للواقع ولكن جدار الصد هو المانع لهذا التخريج
وبذات التقنية ينقلنا القاص إلى الشخصية الثالثة بعد البطل والقاص هي السارد للحدث في النص
(( تحضر وضحكات عينيها لا تغادر وجوه الحضور.. تنثر ابتسامات فرح مغلفة بنشوة سابحة فوق السحب..))
هذا الحضور إسعاف للموقف فهو
لا يريد المواجهة ‘لأنها أصعب شيئا يراه ، لذا ترى محاوراته اللاحقة هي الصراع الداخلي العميق والذي يشكل كل هواجس البطل
(( نعم أيها المبدع؟
أريد أن أذهب إلى أي مكان إلا هنا!.. أيامي لا تصعد السلم.. مع كل يوم يمضي أتقدم أكثر في نفق غامض.. أسير القهقرى على عجلات نكبة بينما يتجاوزني الصغار قبل الكبار.. )) حوار يائس يدور في خلد البطل يخلف وراءه رمادا من اللوعة والأسى ،
يتمنى أن يعيش في البراري أو تكون له أ‘قدام عصفور ، وهي مقدمة للاحقة سيفاجئ القارئ بها ، فلم يتركنا القاص أن نسبر النص دون أن تكون لدينا مقدمات مسبقة لما سيحدث وقوعه ، وبذا هو خلق عنصر التشويق للنص ولم يترك القارئ يتخبط في مدارات المجهول العقيمة
السارد هنا هو المحرك لميكانيكية النص فهو الصوت المعبر عن هواجس البطل والرغبات الدافعة له ، ومحرك الحدث ، والذي يقوم بوظيفة الإخبار ,
توقف.. قالت بحزم لطيف واضعة يدها على فمها.. أنت لست أقل من غيرك.. ألا ترى أن نعم الله عليك أكثر من نعمه على معظم تلك الطبول المتجولة على أقدام الضجر تعزف التفاهة.. لو لم تكن مميزا لما حضر كل هؤلاء الذين جلهم من طبقة المثقفين الراقية.. لن أقبل أن تهدر تعب السنين في أول معرض لك.. هذه فرصتك
وخطوة خطوة بدأنا نسير مع الزوجة حيث توضح لنا بلغة المخاطبة للفنان الغائب وبلهجة فيها لوم وعتاب وتحفيز وإستثارة للهمم ، كي يخلص البطل من تردده وحالة النكوص ، التي تمر به ،
اللوم والعتاب على تجاهله لمقدرا ته الإبداعية والفنية ،
والتحفيز باتجاه المواجهة الصعبة ،
، هو يهيئ للنص عنصر المفاجئة ثم يباغته ، وهي تقنية رائعة ، قد لا يمتلكها إلا من يمسك لجام قلمه بحرفنة ، خلصته من التتابع السردي الزمني أو السببي ، النص هو الذي يتبرعم تبرعما داخليا ، فيقدم لنا نموذجا بشريا تحركه دوافع نفسية ليحقق من خلالها أما حالات من النجاح او الفشل ،
أقحم السارد في خاصية
أخرى تفسيرية ، إذ كانت تتدخل دون انقطاع لتحليل الأحداث ، والأخبار عما يجري على الساحة ، وكأنها معلقا ، ومهمة أخرى مضافة إليها فهي الأمل والعين الأخرى التي يرى بها نجاحه ، أذن هناك ترابط لا أنفكاك منه بين العناصر الثلاثة ، السارد ، البطل ، والقاص ، فكل منهم يحرك النص بالقدر المرسوم إليه ،
استمرت محاولة السارد في محاولة إلغاء هذه الحالة السلبية وتفتيتها ودفع البطل نحو إثبات الذات ، ولكن مانعا آخر يطفو على سطح النص ندرك من خلاله أن أحد تلك السباب التي تجعله خائفا من خوض هذه التجربة هو سلوك نفسي حيث أنه عاش تجربة قاسية بسب إندافعه وحبه لهوايته كانت سببا في فقدانه لوالده في لحظة غير محسوبة ، أو هكذا ظن..
(( قالها وغصة في حلقه، ابتلع ريقه ثم أردف.. ولكني كلما نظرت إلى تلك الرسومات أتذكر والدي- رحمه الله- .. أنا سببه، وسببي؛))
فكان يظن أنه السبب من وراء هذا الموت وكانت حالة من تأنيب الضمير تجتاحه كلما حاول أن يفرح بهذا الإعجاب المنقطع النظير ولو من خلف الكواليس ، أذن هناك عائقين أحداهما يحمل غبار الماضي والآخر هو واقع حال معاش
وبين حالة التردد هذه والنكوص تقف شخصية مبدعة ارتبطت بالفن كحالة من السلوك البديل الذي أبعده من السلوك المرضي الذي كان سيقع فيه لولا سلوكه طريق الفن فهو تعويض لحالة الفشل والخوف والإحباط التي بقت ملازمة له ،
هنا برع الكاتب في تكثيف الإنفعالات وحالة التردد والخوف التي كانت تغلف نفس البطل ، وبحالة انتصار على الذات ، والتمزق الذي كان يعانيه ، زوجته تمسح عرقه تحاول ان تخفي مشاعر القلق والخوف التي لم يتخلص منها بعد ، تزرع الابتسام التصفيق يتعالى وتضج القاعة به ، الذروة تبلغ إلى أعلى مستواها ، بعدها
الوجه الثاني للمحنة
يكشف لنا الكاتب عن السر الذي قدم له في أكثر من موضع ما يوحي به فمراجعة للنص نكتشف إن الحوارات التي كانت تدور في داخل البطل لم تكن عابرة ، بل كانت مدروسة ومتقنه ومن هنا جاء كلامه ..
(( .. ما قيمة فنان لا ينتصب بجانب حلمه في معرضه ))
(( أتمنى أن أحلق في البراري.. أستعير من العصافير سيقانها!.. ))
أذن هو كان بلا سيقان أو سيقان عاجزة فتمنى أقل الأماني ، لم يتمنى سيقان عداء أو بطل تمنى أن تلتصق به سيقان العصافير
ويا لها من أمنية تعبر عن اليأس الذي كان يعيشه البطل
لكنه رغم ذلك أنتصر ، بعد أن أسدل ستار الخوف والعجز ، وتمطى حصان الجرأة والأمل
ليقول لنا الكاتب حكمة بلسانه هو
فسوق أفكاره دون تكلف أو إخلال بالنص أوخروج عما هو مألوف ، دون شعورا منا بأن خطابه هذا موجه
للجميع ، بتلقائية راح ينحت الكلمات
إن العجز لا يعيق الإبداع
وأن الخوف والتردد من المواجهة قد يؤدي بنا إلى الموت
ليس موتا إكلينيكيا بل هو موت الإبداع والفن
تركته زوجته بعد تأكدها أن الخوف من الماضي قد زال منه ‘ وما علق به من غبار الأمس قد غادره ، فكان فرحا طاغيا أرتسم على محياها ، وكأن ولادة جديدة ، وكأن ذلك المخاض العسير قد أنجب مولودا جديدا بلا ماض ، أن هذا التغير في شعور البطل لم يكن تبدلا لحظيا بل هو ناتج من صراع داخلي عاش معه سنوات ، ولكنها لحظة واحدة بإمكانها أن تنتشله من هذا الضياع ، لحظة شجاعة يتخذ فيها القرار، فيحطم كل الجدران التي نصبها والتي كانت تحول دون إبداعه ، ولم تكن أرادة ذاتية بل شاركته بذلك زوجته
أمل زرعته في أرض بور لكن زرعها أعطى ثمره جاءت لتؤكد مقولة طالما سمعناها
(( وراء كل عظيم امرأة )) وما أعظمها من امرأة حيث تقود خطى زوجها المعاق نحو النجاح
القاص برع في نقل القصة من أجواءها النفسية والانفعالية دون تشتت أو تسلق على النص أدرك مواضع الجمل وانسيابيتها
وجعل من المادة القصصية وكأنها واقع نراه ونحسه نتلمس الفرح والحزن والخوف في العيون واختلاجات النفوس
ومن ثم ليعلن عن انتصار بطله فينهي نصه بهذه الخاتمة السعيدة
(( وما أن تصالحت شفتاه مع الكلام حتى ظَهَرَتْ بوجهها المتلأليء بشرا وسعادة، وعينيها الواسعتين البراقتين.. اللتين كانتا تختلسان النظرات إليه من شرفة الانتظار أثناء انهماكه بتوديع لوحة عليها طفولته
واستقبال ألوان على عيون لا تعرف التأتأة!..
التحليل النفسي للنص
القاص مثلما أوضحنا ، أوجد حالة نمطية لسلوك بشري ، تعصف به حالات من الخوف والتردد وعدم الثقة والعجز الذي أصابه ، إضافة إلى شعور بالذنب كان قد سيطر عليه مذ طفولته
وقد عاشت كل هذه الصراعات في عقله الباطن
فكانت معرقلة له وكانت محبطة لتقدمه
لذا بات عليه وبشكل لاشعوري أن يجد البديل التعويضي لحالة التداعي والأحباط ولما كانت لديه الرغبة في الرسم وموهبة لم تمت في داخله بعد وبوجود المحفز الخارجي زوجته والتي كانت بمثابة الطبيب النفساني الذي استطاع من خلال دراسة سلوكية مريضه وتحليل كوامن الخلل فيها وتخريج كوامن ضغوطاته النفسية وبفعل هذا الـتأثير أخذ البطل يخرج مصاعب إستثنائية ، وبذا أستطاع أن يلغي كل صراعاته الباطنية ، ليتحول الصراع من الذات للذات إلى صراع ذاتي خارجي وهو محاولة إثبات الوجود
بين السلوك المرضي والإبداعي
فارق سلامة الجهازالعصبي من العطب وعضوه الرئيسي الدماغ ، علما أن الأمراض النفسية هي ليست أمراضا عقليه
ولما كانت صعوبات جمة وعراقيل تحول دون أن يقوم البطل بسلوك عادي وسوي مع المجموع لذا تراه يسلك سلوكا إنعزاليا وأنطوائيا وحذر ، لذا فأن الكاتب تمكن أن يقتحم علم النفس ويهيء لنا بطله للتحليل والعرض والموازنة والتقييم ، وليعطي للنص خيار المواجهة مع الأشكالية وجها لوجه ، إذ يرصد لنا وبدقة انفعالات وحيرة البطل وتداعياته النفسية ويوظفها في النص
ويجعل من عقده النفسية شيئا منطقيا ومقبولا بحيث أنه ادرك أن العجز وحده لايمكن أن يكون عائقا أمام الإبداع إلا أذا كان هناك دافعا آخرا مضافا ، مما أ عطى النص مصداقية أكثر
و مضمونا أعمق ....!!
العزف على الماء
قصة الأستاذ المبدع مصطفى الصالح
كانت أمنيتي أن اقرأ هذه القراءة في الغرفة الصوتية ، لأن النص كان من النوع الذي يمتلك مقومات نجاحه وهو بحث في تفسير السلوك البشري اتجاه الفشل والنجاح ، فحقيقة أن عنصر التشويق والشد والنهاية المفاجئة والتي شحذت الكثير من اللهفة لمعرفة ما يخفيه الكاتب من عنصر مفاجئة كان حاضرا ، حتى إني بت أتسلق الكلمات كي أصل إلى ما يخفيه النص ولست بمدع إني فهمت النص من أول قراءة لي لأن فيه الكثير من التداخلات والنقلات غير المسبوقة التي تجعل من النص عصي الفهم إلا بعد التدقيق والتمحيص ، وهذا دليل على قدرة القاص في أن يقدم لنا أدبا يمكن أن يكون أنموذجا لدراسة قصصية
((فالكاتب الجيد ليس بالبائع الذي يعرض مصوغات جميلة للبيع إنما هو الصائغ الذي يصوغها بإتقان أنه صاحب الحرفة الحاذق والذي يرضي نتاجه ذائقة الغير ))
قدم لنا الكاتب مقدمة مثالية في استهلال بسيط طرح جوهر العقدة مما جنبه مقدمة طويلة غير مبررة ، في البدء يخبرنا القاص أن ثمة نظرتين تجاه محور النص (البطل الغائب ) أحداهما تعبيرا عن الإعجاب بما ابتدعته يد ه ( يد فنان مبدع )وتعبر كذلك عن نظرة حسد الغير اتجاه هذا الإبداع وهي نزعة نفسية تكاد ألا تخلو منها أي نفس بشرية ، والثانية نظرة مبهمة تخبرنا عن سر يختفي ورائها و سبب غير معلن وشفقة تغلف نفوس الحاضرين ،
ذلك المبدع الذي يختفي وراء جدار من القلق والتردد ، ما يمنعه من الحضور ربما حالة من عدم الثقة ، أو إن ثمة عائق يحول دون وجوده ، نشعر به خلف الكواليس في مكان ما يحاور نفسه ولكنه قريب من الحدث يراقب بشغف انفعالات الحضور والدهشة التي تبدو عليهم ((أرى انبهار العيون مرتين: مرة وهي تتجول في تعبي بإعجاب، متناغمة مع دهشة الشفاه لهذا العمل، ومرة أخرى بسحر الإشفاق.. ما قيمة فنان لا ينتصب بجانب حلمه في معرضه!.. )
ويكتب القاص الحدث بقلمه وزاوية رؤياه هو ليبعدنا عن هواجس البطل (( كان يفكر وقد اكتنز القلق في ساحته، بينما تضغط قبضتاه بقوة على سبب تعاسته..
( يود لو يهمس.. يرسل طرقات خفيفة بهدوء.)
وهي إشارة إلى أنه كان يشبه البطل بالممثل وقاعة العرض بالمسرح ، فالطرقات الخفيفة هي الحافز للجمهور والممثل ببدء العرض وهي محاولة تشجيع ذاتي لرغبة يريد تخريجها للواقع ولكن جدار الصد هو المانع لهذا التخريج
وبذات التقنية ينقلنا القاص إلى الشخصية الثالثة بعد البطل والقاص هي السارد للحدث في النص
(( تحضر وضحكات عينيها لا تغادر وجوه الحضور.. تنثر ابتسامات فرح مغلفة بنشوة سابحة فوق السحب..))
هذا الحضور إسعاف للموقف فهو
لا يريد المواجهة ‘لأنها أصعب شيئا يراه ، لذا ترى محاوراته اللاحقة هي الصراع الداخلي العميق والذي يشكل كل هواجس البطل
(( نعم أيها المبدع؟
أريد أن أذهب إلى أي مكان إلا هنا!.. أيامي لا تصعد السلم.. مع كل يوم يمضي أتقدم أكثر في نفق غامض.. أسير القهقرى على عجلات نكبة بينما يتجاوزني الصغار قبل الكبار.. )) حوار يائس يدور في خلد البطل يخلف وراءه رمادا من اللوعة والأسى ،
يتمنى أن يعيش في البراري أو تكون له أ‘قدام عصفور ، وهي مقدمة للاحقة سيفاجئ القارئ بها ، فلم يتركنا القاص أن نسبر النص دون أن تكون لدينا مقدمات مسبقة لما سيحدث وقوعه ، وبذا هو خلق عنصر التشويق للنص ولم يترك القارئ يتخبط في مدارات المجهول العقيمة
السارد هنا هو المحرك لميكانيكية النص فهو الصوت المعبر عن هواجس البطل والرغبات الدافعة له ، ومحرك الحدث ، والذي يقوم بوظيفة الإخبار ,
توقف.. قالت بحزم لطيف واضعة يدها على فمها.. أنت لست أقل من غيرك.. ألا ترى أن نعم الله عليك أكثر من نعمه على معظم تلك الطبول المتجولة على أقدام الضجر تعزف التفاهة.. لو لم تكن مميزا لما حضر كل هؤلاء الذين جلهم من طبقة المثقفين الراقية.. لن أقبل أن تهدر تعب السنين في أول معرض لك.. هذه فرصتك
وخطوة خطوة بدأنا نسير مع الزوجة حيث توضح لنا بلغة المخاطبة للفنان الغائب وبلهجة فيها لوم وعتاب وتحفيز وإستثارة للهمم ، كي يخلص البطل من تردده وحالة النكوص ، التي تمر به ،
اللوم والعتاب على تجاهله لمقدرا ته الإبداعية والفنية ،
والتحفيز باتجاه المواجهة الصعبة ،
، هو يهيئ للنص عنصر المفاجئة ثم يباغته ، وهي تقنية رائعة ، قد لا يمتلكها إلا من يمسك لجام قلمه بحرفنة ، خلصته من التتابع السردي الزمني أو السببي ، النص هو الذي يتبرعم تبرعما داخليا ، فيقدم لنا نموذجا بشريا تحركه دوافع نفسية ليحقق من خلالها أما حالات من النجاح او الفشل ،
أقحم السارد في خاصية
أخرى تفسيرية ، إذ كانت تتدخل دون انقطاع لتحليل الأحداث ، والأخبار عما يجري على الساحة ، وكأنها معلقا ، ومهمة أخرى مضافة إليها فهي الأمل والعين الأخرى التي يرى بها نجاحه ، أذن هناك ترابط لا أنفكاك منه بين العناصر الثلاثة ، السارد ، البطل ، والقاص ، فكل منهم يحرك النص بالقدر المرسوم إليه ،
استمرت محاولة السارد في محاولة إلغاء هذه الحالة السلبية وتفتيتها ودفع البطل نحو إثبات الذات ، ولكن مانعا آخر يطفو على سطح النص ندرك من خلاله أن أحد تلك السباب التي تجعله خائفا من خوض هذه التجربة هو سلوك نفسي حيث أنه عاش تجربة قاسية بسب إندافعه وحبه لهوايته كانت سببا في فقدانه لوالده في لحظة غير محسوبة ، أو هكذا ظن..
(( قالها وغصة في حلقه، ابتلع ريقه ثم أردف.. ولكني كلما نظرت إلى تلك الرسومات أتذكر والدي- رحمه الله- .. أنا سببه، وسببي؛))
فكان يظن أنه السبب من وراء هذا الموت وكانت حالة من تأنيب الضمير تجتاحه كلما حاول أن يفرح بهذا الإعجاب المنقطع النظير ولو من خلف الكواليس ، أذن هناك عائقين أحداهما يحمل غبار الماضي والآخر هو واقع حال معاش
وبين حالة التردد هذه والنكوص تقف شخصية مبدعة ارتبطت بالفن كحالة من السلوك البديل الذي أبعده من السلوك المرضي الذي كان سيقع فيه لولا سلوكه طريق الفن فهو تعويض لحالة الفشل والخوف والإحباط التي بقت ملازمة له ،
هنا برع الكاتب في تكثيف الإنفعالات وحالة التردد والخوف التي كانت تغلف نفس البطل ، وبحالة انتصار على الذات ، والتمزق الذي كان يعانيه ، زوجته تمسح عرقه تحاول ان تخفي مشاعر القلق والخوف التي لم يتخلص منها بعد ، تزرع الابتسام التصفيق يتعالى وتضج القاعة به ، الذروة تبلغ إلى أعلى مستواها ، بعدها
الوجه الثاني للمحنة
يكشف لنا الكاتب عن السر الذي قدم له في أكثر من موضع ما يوحي به فمراجعة للنص نكتشف إن الحوارات التي كانت تدور في داخل البطل لم تكن عابرة ، بل كانت مدروسة ومتقنه ومن هنا جاء كلامه ..
(( .. ما قيمة فنان لا ينتصب بجانب حلمه في معرضه ))
(( أتمنى أن أحلق في البراري.. أستعير من العصافير سيقانها!.. ))
أذن هو كان بلا سيقان أو سيقان عاجزة فتمنى أقل الأماني ، لم يتمنى سيقان عداء أو بطل تمنى أن تلتصق به سيقان العصافير
ويا لها من أمنية تعبر عن اليأس الذي كان يعيشه البطل
لكنه رغم ذلك أنتصر ، بعد أن أسدل ستار الخوف والعجز ، وتمطى حصان الجرأة والأمل
ليقول لنا الكاتب حكمة بلسانه هو
فسوق أفكاره دون تكلف أو إخلال بالنص أوخروج عما هو مألوف ، دون شعورا منا بأن خطابه هذا موجه
للجميع ، بتلقائية راح ينحت الكلمات
إن العجز لا يعيق الإبداع
وأن الخوف والتردد من المواجهة قد يؤدي بنا إلى الموت
ليس موتا إكلينيكيا بل هو موت الإبداع والفن
تركته زوجته بعد تأكدها أن الخوف من الماضي قد زال منه ‘ وما علق به من غبار الأمس قد غادره ، فكان فرحا طاغيا أرتسم على محياها ، وكأن ولادة جديدة ، وكأن ذلك المخاض العسير قد أنجب مولودا جديدا بلا ماض ، أن هذا التغير في شعور البطل لم يكن تبدلا لحظيا بل هو ناتج من صراع داخلي عاش معه سنوات ، ولكنها لحظة واحدة بإمكانها أن تنتشله من هذا الضياع ، لحظة شجاعة يتخذ فيها القرار، فيحطم كل الجدران التي نصبها والتي كانت تحول دون إبداعه ، ولم تكن أرادة ذاتية بل شاركته بذلك زوجته
أمل زرعته في أرض بور لكن زرعها أعطى ثمره جاءت لتؤكد مقولة طالما سمعناها
(( وراء كل عظيم امرأة )) وما أعظمها من امرأة حيث تقود خطى زوجها المعاق نحو النجاح
القاص برع في نقل القصة من أجواءها النفسية والانفعالية دون تشتت أو تسلق على النص أدرك مواضع الجمل وانسيابيتها
وجعل من المادة القصصية وكأنها واقع نراه ونحسه نتلمس الفرح والحزن والخوف في العيون واختلاجات النفوس
ومن ثم ليعلن عن انتصار بطله فينهي نصه بهذه الخاتمة السعيدة
(( وما أن تصالحت شفتاه مع الكلام حتى ظَهَرَتْ بوجهها المتلأليء بشرا وسعادة، وعينيها الواسعتين البراقتين.. اللتين كانتا تختلسان النظرات إليه من شرفة الانتظار أثناء انهماكه بتوديع لوحة عليها طفولته
واستقبال ألوان على عيون لا تعرف التأتأة!..
التحليل النفسي للنص
القاص مثلما أوضحنا ، أوجد حالة نمطية لسلوك بشري ، تعصف به حالات من الخوف والتردد وعدم الثقة والعجز الذي أصابه ، إضافة إلى شعور بالذنب كان قد سيطر عليه مذ طفولته
وقد عاشت كل هذه الصراعات في عقله الباطن
فكانت معرقلة له وكانت محبطة لتقدمه
لذا بات عليه وبشكل لاشعوري أن يجد البديل التعويضي لحالة التداعي والأحباط ولما كانت لديه الرغبة في الرسم وموهبة لم تمت في داخله بعد وبوجود المحفز الخارجي زوجته والتي كانت بمثابة الطبيب النفساني الذي استطاع من خلال دراسة سلوكية مريضه وتحليل كوامن الخلل فيها وتخريج كوامن ضغوطاته النفسية وبفعل هذا الـتأثير أخذ البطل يخرج مصاعب إستثنائية ، وبذا أستطاع أن يلغي كل صراعاته الباطنية ، ليتحول الصراع من الذات للذات إلى صراع ذاتي خارجي وهو محاولة إثبات الوجود
بين السلوك المرضي والإبداعي
فارق سلامة الجهازالعصبي من العطب وعضوه الرئيسي الدماغ ، علما أن الأمراض النفسية هي ليست أمراضا عقليه
ولما كانت صعوبات جمة وعراقيل تحول دون أن يقوم البطل بسلوك عادي وسوي مع المجموع لذا تراه يسلك سلوكا إنعزاليا وأنطوائيا وحذر ، لذا فأن الكاتب تمكن أن يقتحم علم النفس ويهيء لنا بطله للتحليل والعرض والموازنة والتقييم ، وليعطي للنص خيار المواجهة مع الأشكالية وجها لوجه ، إذ يرصد لنا وبدقة انفعالات وحيرة البطل وتداعياته النفسية ويوظفها في النص
ويجعل من عقده النفسية شيئا منطقيا ومقبولا بحيث أنه ادرك أن العجز وحده لايمكن أن يكون عائقا أمام الإبداع إلا أذا كان هناك دافعا آخرا مضافا ، مما أ عطى النص مصداقية أكثر
و مضمونا أعمق ....!!
تعليق