مهاجرة بقلب جريح
كنت كمثلي من بنات القرية أحلم وأنا غير واثقة، من أن الحلم ما هو إلاحلما، كنت كمن يكتب بحبر من ماء، في ظلام دامس، قصائد حب ضائع، يولد ليموت قبل أن يصير وليدا.
كنت وأنا في سن الثامن عشر، حتى سن العشرين من عمري، أقف ساعات طويلة على عتبة الباب الخشبي، أنتظر في صبر أن يأتيني الحظ في صورة رجل، وينتزعني من عالم الوحدة، إلى عالم السعادة الزوجية.
أحلامي وآمالي ولدت معي في قرية عذراء، تقع خارج مدينة تاوْريرْت تحت سفح جبل. أغلب سكانها من البدو الرحل؛ جاء بهم الجفاف إلى هنا فبنوا بيوتا من طين؛ سقوفها من قصب وخشب. وعلى جانب القرية نصبت خيام من شعر المعز. في الصباح تستفيق القرية على دخان جَرَّاحْ وهو مكان يقع جهة الشمال. تحرق فيه أزبال المدينة؛ وفي الليل تغطس القرية في صمت مخيف لعين.
كنت أضع غطاء على رأسي، وألبس لباسا إلى الكعبين، حتى أخيب آمال الشباب من حولي في النيل مما نالوه من بنات الحي.
لم يكن لهؤلاء الشباب عمل. لا أرض يحرثونها، ولا معز يسرحونها.كانت المدينة تعيدهم خائبين كلما حاولوا الدخول إليها؛ فيقضون يومهم جالسين بجانب الواد الذي يعزل القرية عن المدينة؛ وبين الحين والحين يتجول أحدهم في الأزقة، يبحث ككلب جائع، عن صيد بشري يتلهى به.
كنت أكثر من متيقنة، أن هؤلاء الشباب دفنت الرجولة في ذواتهم. لكن رغم ذلك، كنت أستمتع بأحاديثهم. ربما لضرورة الاتصال مع العالم الخارجي فقط؛ أو ربما لضرورة الإحساس بأنني امرأة في أعين الرجال.
رغم حصولي على الشهادة الثانوية؛ فقد حرمت من الوظيفة، لأن والدي فقد عمله، وصار راعيا عند تجار المدينة، فكنا نتنقل من مكان إلى آخر بحثا عن الأكل للماشية.. لم أكن أملك حتى الأمل في الفرحة، أو الشعور بالسعادة. كانت الدنيا في عيني لعنة، وخيبة، ونفقا مظلما؛ كتب علي أن أسير فيه حتى النهاية.
عندما كان أخي يأتي كل صيف من فرنسا؛ كنت أنظر من بعيد إلى زوجته وهي تلاعب أطفالها. كانت الغيرة تعتصر قلبي. أحمل طفلها الرضيع؛ أضمه إلى صدري، وأنا أتخيل نفسي أما مرضعة. حتى هذا التخيل الطارئ لم يكن يدوم طويلا، إذ سرعان ما يبكي الرضيع؛ ربما كان يشعر بفعل الفطرة، أن صدري جاف لا يدر لبنا، فتأخذه أمه وتبعده عني.
كان ابن شيخ القبيلة يحدثني عن حلمه كلما حل الظلام، وانقطع المشي في القرية. كان يقول لي:« سنعيش حياة أخرى يا يسرى، قريبا سأسافر، وعندما أعود، سوف تجلسين في المقعد الأمامي بجانبي، ويجلس أطفالنا في المقعد الخلفي»، فأسأله بنوع من السخرية:« متى حصلت على رخصة السيارة؟» كان يردد باقتناع غريب أقرب إلى التصديق:« يسرى، يجب أن تفهمي، إن فرنسا هي غير المغرب، كل شيء فيها سهل التحقيق». لم أكن أصدق هذا الحلم، لكنني لم أكن أستطيع تكذيبه.
ابن خالي هو الآخر، كان يحكي نفس الحكاية. كانوا كطيور مهاجرة، ضلت في صحراء قاحلة.
عندما أراد القدر أن يبتسم لي، استقبل أخي العائد من فرنسا ضيوفا من الجالية المغربية؛ وبعد أسبوع عادوا إلينا من جديد. لكن هذه المرة من أجل خطبتي لابنهم الوحيد. وافقت على الزواج من دون تردد؛ وتم العرس بعد أسبوعين. كان عريسي شابا يكبرني بسنتين فقط. قوي البنية، لطيفا في معاملته لكل الناس. قالت لي والدته بعد أن رحلنا إلى فرنسا، إنه سقط عندما كان صغير السن في بئرمعطلة، ولما أخرجوه كان مغميا عليه..كان علي أن أقبل بالأمر الواقع. كل ما كان يعرفه زوجي عني، هو اسمي فقط. كنت في حياته عبارة عن أنثى لا غير؛ في النهار تطبخ وتنظف، وفي الليل تشد انتباهه وأحيانا تبهره. حتى إذا قضى مني وطره، أدار لي ظهره، وأخذ في شخير قوي مزعج.
في ليلة من ليالي الشتاء البارد، جاء زوجي ومعه حسن؛ شاب يسكن في نفس الحي الذي نسكن فيه. يكبر زوجي بخمس سنوات، يهتم كثيرا بمظهره. كان ينظر إلي بنهم وشهية، بدا أنه يتمعن، يغرق في أفكاره. لم تكن الإبتسامة تفارقه. ذكّرني جنونه هذا، بابن خالي الذي كان يحلم، وابن شيخ القبيلة الذي وعدني بالزواج ولم يف بوعده..لكن نظرات حسن جعلتني مستفزة مليئة بالانتظار. أصبحت أهتم به كثيرا، لم أتعود على هذه الإبتسامة الرجولية الساحرة.. كان إذا تكلم ينشرح صدري لحديثه، وإذا سكت أستأنس بحضوره. ينظر إلي طولا وعرضا، ويهمس لي مبتسما: أنت امرأة جميلة تستحق كل الحب والحنان.
فأجيبه بلا خجل: سأخبر العالم كله، بأنك لا تستحي.
فيكتفي بالقول: سيدتي! أرجوك لا تفعلي.
كانت لكلماته هذه حرارة تتسرب من دون حواجز إلى قلبي، فتجعلني أتفتح كزهرة أقحوان، وأشعر بالفتوة والشباب؛ فإذا انتهت الزيارة كنت أشعر بالفراغ. إذا نمت بجانب زوجي أضع يدي فوق صدره، فأحس بدقات قلب حسن تنبض تحت كفي.
حرمت من الحب أربعين عاما. تزوجت وخلفت أطفالا، من دون أن أشعر لحظة بما أشعر به اليوم. كانت الأيام والليالي تتشابه. أما اليوم فقد تغير طعم الحياة لدي. كنت أحيانا أغادر السرير، وأقف أنظر إلى نجوم السماء، في سكون الليل الطويل. أفكر بلهفة الأطفال: إلهي! هل الحب معناه الجنون؟ لماذا تأخر هذا العمر كله؟
صرت أهتم بالتفاصيل الدقيقة التي قد تفاجئني على صفحة المرآة. صرت أرى قمرا، ينمو شيئا فشيئا، فيضيء المروج والبساتين. أصبحت لدي مشاعر رهيفة. كلما رأيت حسن أو تذكرته، يأخذ قلبي في الخفقان.
أعد حسن عدته للسفر إلى الوطن، على أمل أن يعود بعد شهر. وقف صامتا، نظر إلي طويلا، ثم ركب سيارته. اختفت شيئا فشيئا، إلى أن غابت عن الأنظار. أغمضت جفني في محاولة للنسيان، لكن ذلك كان مستحيلا. حبست دمعا حارا في مقلة عيني. كان دمعا غزيرا.
قبل أن يسافر وعدني بهدية تناسبني. لكنه القدر! فقد عاد الناس كلهم.. ووحده حسن لم يعد! مات في حادثة سير..ترك قلبا ينبض بحبه، وروحا تتألم لرحيله.. لعله تذكرني في لحظاته الأخيرة.. بعد صدمة الحب تلك، وصدمة الموت هذه؛ كان علي أن أستفيق، وأرضى بقدري، فأعود مستسلمة إلى وكر لم أألفه، وإلى زوج لم أعرفه. أصون عرضه، كما يصون الشوك ورده.
كنت وأنا في سن الثامن عشر، حتى سن العشرين من عمري، أقف ساعات طويلة على عتبة الباب الخشبي، أنتظر في صبر أن يأتيني الحظ في صورة رجل، وينتزعني من عالم الوحدة، إلى عالم السعادة الزوجية.
أحلامي وآمالي ولدت معي في قرية عذراء، تقع خارج مدينة تاوْريرْت تحت سفح جبل. أغلب سكانها من البدو الرحل؛ جاء بهم الجفاف إلى هنا فبنوا بيوتا من طين؛ سقوفها من قصب وخشب. وعلى جانب القرية نصبت خيام من شعر المعز. في الصباح تستفيق القرية على دخان جَرَّاحْ وهو مكان يقع جهة الشمال. تحرق فيه أزبال المدينة؛ وفي الليل تغطس القرية في صمت مخيف لعين.
كنت أضع غطاء على رأسي، وألبس لباسا إلى الكعبين، حتى أخيب آمال الشباب من حولي في النيل مما نالوه من بنات الحي.
لم يكن لهؤلاء الشباب عمل. لا أرض يحرثونها، ولا معز يسرحونها.كانت المدينة تعيدهم خائبين كلما حاولوا الدخول إليها؛ فيقضون يومهم جالسين بجانب الواد الذي يعزل القرية عن المدينة؛ وبين الحين والحين يتجول أحدهم في الأزقة، يبحث ككلب جائع، عن صيد بشري يتلهى به.
كنت أكثر من متيقنة، أن هؤلاء الشباب دفنت الرجولة في ذواتهم. لكن رغم ذلك، كنت أستمتع بأحاديثهم. ربما لضرورة الاتصال مع العالم الخارجي فقط؛ أو ربما لضرورة الإحساس بأنني امرأة في أعين الرجال.
رغم حصولي على الشهادة الثانوية؛ فقد حرمت من الوظيفة، لأن والدي فقد عمله، وصار راعيا عند تجار المدينة، فكنا نتنقل من مكان إلى آخر بحثا عن الأكل للماشية.. لم أكن أملك حتى الأمل في الفرحة، أو الشعور بالسعادة. كانت الدنيا في عيني لعنة، وخيبة، ونفقا مظلما؛ كتب علي أن أسير فيه حتى النهاية.
عندما كان أخي يأتي كل صيف من فرنسا؛ كنت أنظر من بعيد إلى زوجته وهي تلاعب أطفالها. كانت الغيرة تعتصر قلبي. أحمل طفلها الرضيع؛ أضمه إلى صدري، وأنا أتخيل نفسي أما مرضعة. حتى هذا التخيل الطارئ لم يكن يدوم طويلا، إذ سرعان ما يبكي الرضيع؛ ربما كان يشعر بفعل الفطرة، أن صدري جاف لا يدر لبنا، فتأخذه أمه وتبعده عني.
كان ابن شيخ القبيلة يحدثني عن حلمه كلما حل الظلام، وانقطع المشي في القرية. كان يقول لي:« سنعيش حياة أخرى يا يسرى، قريبا سأسافر، وعندما أعود، سوف تجلسين في المقعد الأمامي بجانبي، ويجلس أطفالنا في المقعد الخلفي»، فأسأله بنوع من السخرية:« متى حصلت على رخصة السيارة؟» كان يردد باقتناع غريب أقرب إلى التصديق:« يسرى، يجب أن تفهمي، إن فرنسا هي غير المغرب، كل شيء فيها سهل التحقيق». لم أكن أصدق هذا الحلم، لكنني لم أكن أستطيع تكذيبه.
ابن خالي هو الآخر، كان يحكي نفس الحكاية. كانوا كطيور مهاجرة، ضلت في صحراء قاحلة.
عندما أراد القدر أن يبتسم لي، استقبل أخي العائد من فرنسا ضيوفا من الجالية المغربية؛ وبعد أسبوع عادوا إلينا من جديد. لكن هذه المرة من أجل خطبتي لابنهم الوحيد. وافقت على الزواج من دون تردد؛ وتم العرس بعد أسبوعين. كان عريسي شابا يكبرني بسنتين فقط. قوي البنية، لطيفا في معاملته لكل الناس. قالت لي والدته بعد أن رحلنا إلى فرنسا، إنه سقط عندما كان صغير السن في بئرمعطلة، ولما أخرجوه كان مغميا عليه..كان علي أن أقبل بالأمر الواقع. كل ما كان يعرفه زوجي عني، هو اسمي فقط. كنت في حياته عبارة عن أنثى لا غير؛ في النهار تطبخ وتنظف، وفي الليل تشد انتباهه وأحيانا تبهره. حتى إذا قضى مني وطره، أدار لي ظهره، وأخذ في شخير قوي مزعج.
في ليلة من ليالي الشتاء البارد، جاء زوجي ومعه حسن؛ شاب يسكن في نفس الحي الذي نسكن فيه. يكبر زوجي بخمس سنوات، يهتم كثيرا بمظهره. كان ينظر إلي بنهم وشهية، بدا أنه يتمعن، يغرق في أفكاره. لم تكن الإبتسامة تفارقه. ذكّرني جنونه هذا، بابن خالي الذي كان يحلم، وابن شيخ القبيلة الذي وعدني بالزواج ولم يف بوعده..لكن نظرات حسن جعلتني مستفزة مليئة بالانتظار. أصبحت أهتم به كثيرا، لم أتعود على هذه الإبتسامة الرجولية الساحرة.. كان إذا تكلم ينشرح صدري لحديثه، وإذا سكت أستأنس بحضوره. ينظر إلي طولا وعرضا، ويهمس لي مبتسما: أنت امرأة جميلة تستحق كل الحب والحنان.
فأجيبه بلا خجل: سأخبر العالم كله، بأنك لا تستحي.
فيكتفي بالقول: سيدتي! أرجوك لا تفعلي.
كانت لكلماته هذه حرارة تتسرب من دون حواجز إلى قلبي، فتجعلني أتفتح كزهرة أقحوان، وأشعر بالفتوة والشباب؛ فإذا انتهت الزيارة كنت أشعر بالفراغ. إذا نمت بجانب زوجي أضع يدي فوق صدره، فأحس بدقات قلب حسن تنبض تحت كفي.
حرمت من الحب أربعين عاما. تزوجت وخلفت أطفالا، من دون أن أشعر لحظة بما أشعر به اليوم. كانت الأيام والليالي تتشابه. أما اليوم فقد تغير طعم الحياة لدي. كنت أحيانا أغادر السرير، وأقف أنظر إلى نجوم السماء، في سكون الليل الطويل. أفكر بلهفة الأطفال: إلهي! هل الحب معناه الجنون؟ لماذا تأخر هذا العمر كله؟
صرت أهتم بالتفاصيل الدقيقة التي قد تفاجئني على صفحة المرآة. صرت أرى قمرا، ينمو شيئا فشيئا، فيضيء المروج والبساتين. أصبحت لدي مشاعر رهيفة. كلما رأيت حسن أو تذكرته، يأخذ قلبي في الخفقان.
أعد حسن عدته للسفر إلى الوطن، على أمل أن يعود بعد شهر. وقف صامتا، نظر إلي طويلا، ثم ركب سيارته. اختفت شيئا فشيئا، إلى أن غابت عن الأنظار. أغمضت جفني في محاولة للنسيان، لكن ذلك كان مستحيلا. حبست دمعا حارا في مقلة عيني. كان دمعا غزيرا.
قبل أن يسافر وعدني بهدية تناسبني. لكنه القدر! فقد عاد الناس كلهم.. ووحده حسن لم يعد! مات في حادثة سير..ترك قلبا ينبض بحبه، وروحا تتألم لرحيله.. لعله تذكرني في لحظاته الأخيرة.. بعد صدمة الحب تلك، وصدمة الموت هذه؛ كان علي أن أستفيق، وأرضى بقدري، فأعود مستسلمة إلى وكر لم أألفه، وإلى زوج لم أعرفه. أصون عرضه، كما يصون الشوك ورده.
تعليق