قطاع غزة يحترق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد لاعبي
    أديب وكاتب
    • 14-11-2011
    • 45

    قطاع غزة يحترق

    وجع الأمة

    أخذ الناس الذين لازالت عقولهم سليمة يتساءلون فيما بينهم: ما هذاالذي حدث لغزة؟ هل ضربها زلزال؟ أم هل مر بها إعصار؟ وهؤلاء الذين يسكنون في غزة ما هي طبيعتهم البشرية؟ لماذا لا يصابون بالفناء؟ منهم أحياء يخرجون من بين الأموات، ومنهم أموات وهم أحياء!
    بدأت الحرب على غزة، فكانت النيران ذات ألوان غريبة، لم يعتدها سكان القطاع من قبل، بل لم يشاهدوها حتى في أفلام الرعب. نيران يعقبها أحيانا دخان دامس، فيتداخل معها الليل والنهار. هذه النيران الغريبة لم تكن تحتاج إلى حطب أو خشب، ولا لأشياء أخرى تشتعل فيها؛ كانت كنار جهنم تأكل بعضها بعضا.. لم يستطع أحد إخمادها لا بماء ولا بقرارات سياسية.
    في غزة، كانت توجد أسرة حمزة، شاب في الثلاثين من عمره، يسكن في بيت متواضع مع والدته العجوز، وزوجته وطفلهما الرضيع. يشتغل في الأرض التي تركها له والده، بعدما قتلته عصابة الهاغانا الصهيونية. كان حمزة يعشق الأرض، فهي مصدر لقمة العيش لأسرته، ومصدر قوته الجسدية التي تساعده على حمل سلاح المقاومة.
    خارج غزة كان الناس مختلفين، منهم من خاف أن يصله لهيب النار، فخرج إلى الشارع يصرخ ويستغيث، ومنهم من أعجبه منظرها، فكان يستمتع بتوقدها، ومنهم من كان يقول عبر الفضائيات العربية:" الفتنة نائمة لعن الله من أيقضها".
    أنا بدوري خرجت كغيري من المشاهدين، أصرخ في شوارع غير عربية: وامعتصماه، وامعتصماه! لكن سرعان ما أوقفني أحد المتفرجين، جنسيته ألمانية. شدني من مرفقي بقوة، غرس عينيه جاحظتين في عيني، وصرخ في وجهي مستنكرا:
    -أبناء جلدتك يصرخون في كل بلدان العالم كالمجانين، أنتم شعب عنيف، يحب الدم ويعشق الموت، لا يفنيكم الرصاص، ولا ترهبكم النار.
    قلت له وفي حلقي غصة: أنت تجهل مرجعي التاريخي يا سيدي. مات أسلافي، وقتل إخوتي، فكيف أعاف موتا أصبح واحدا من أسرتي؟
    كان اللهب يشتعل وكأنه يأكل ذرات الأكسجين في الهواء ، ثم ينزل إلى الأرض، ثم يسقط في البحر على شاطئ غزة. مات أناس كثيرون. اختلط الدم الأحمر بلون اللهب الأصفر. هدمت كنائس، ومساجد، وخربت أكواخ وبنايات، رفض سكانها الأمر الإسرائيلي بإخلائها.
    وفجأة هدأت الحرب، من دون ضغط أمريكي، أو تهديد عربي، وانسحبت الألوية الثمانية التي أحاطت بغزة. وسمح للصحفيين بدخول القطاع للوقوف على معالم النصر!
    في هذه الأثناء، كان أخذ أحد الصحفيين يسير بين الأشلاء البشرية، وكأنه يبحث عن قريب عزيز بين آثار الدمار. سرعان ما توقف صوت المراسل وبقيت الصورة.. ظهر فيها الرجل يمشي اتجاه كلاب مذعورة، عاجزة عن الحركة.. أخذ يراقبها، تقدم نحوها، مر بيده على مناخرها يتحسس هل هي كلابا حقيقية أم تماثيل حجرية.. كانت أنفاسها دافئة. لم تنبح، ولم تتحرك كأنها مشلولة تماما. لكنها كانت تنظر بعيون جاحظة! استغرب الصحفي نظراتها. صوب بصره هو الأخر ليستطلع الأمر، فرأى جثثا متفحمة ملقاة على الرماد.
    ترى ما الذي حدث للكلاب؟ هل أصبحت تحس وتشعر أكثر من بعض العرب؟ هل فقدت طبيعتها الحيوانية فصدمت لهول المشهد؟
    تقدم الرجل أكثر، فأكثر، فرأى هياكل بشرية احترقت عن كاملها، غير أن الرأس بما فيه الوجه بقي سالما. رأى وجه طفل يبتسم؛ لازالت عيناه تضيئان، ثم رأى وجه سيدة عجوز، لازالت تجاعيد وجهها مبللة بالدموع. سمع خلفه بكاء رضيع في الشهور الأولى من عمره، فالتفت مذعورا. أراد أن يحمله بين يديه، لكنه أكتشف أن جسد الرضيع مثله مثل الجثث الأخرى كان مفحما... في هذه الأثناء وعلى بضع خطوات من المرأة العجوز، كان رأس رجل ملقى فوق صخرة، تبين فيما بعد أنه رأس حمزة. تحركت شفتاه ببطء شديد ونادى: أمي !
    فتحركت العينان في اتجاه الصوت بود وحنان.
    قال رأس حمزة يخاطب أمه:
    -أمي.. أنا بخير يا أمي..أنا حي أرزق.. أصبح بصري يمتد إلى أطراف الأرض كلها. إنني أنظرالآن خلف الجبال الشاهقة، وتحت مياه البحر. أصبحت أنظر في الزمن الغابر، كما أنظرفي الزمن الحاضر.. أمي ليت أهل غزة يعلمون أن القيد سينكسر، وأن الثائر سينتصر. ليتهم يعلمون أن من مات دفاعا عن أرضه وعرضه، نسي ما مرّ به من شدائد الموت وكربه.
    أمي! لولا أن أطرافي احترقت، لجففت دموعك التي أريقت. لا تحزني أمي، انظري إلى كثافة الطائرات فوق رؤوسنا، انظري إلى هذه المدرعات التي تسير فوق رمادنا. حتى الوحوش الضارية، حتى الكلاب المهملة لن تستطيع أن تؤذينا.
    تحركت شفتا الأم العجوز ببطء شديد، ثم اتجهت بكلامها نحو رأس حمزة:
    -ولدي، كبدي احترقت كما ترى، وقلبي أيضا صار فحما. لم يعد لي إحساس بأنني فقدتك، كلما بقي لدي هو أنني أنظر إليك، فأرى وجهك الوضيء. كنت قبل الحرب على غزة أتسلل في جنح الليل إلى غرفة نومك، فأضع قبلات على رأسك.. كنت أدس أنفي في شعرك، فأملأ رئتي برائحة طفولتك.. ولدي! انظر خلفك على بعد ستين سنة، هذا والدك الذي قتله اليهود ينظر إليك، يبتسم، سعيد بلقائك!.
    في هذه الأثناء سمع دوي انفجار قوي، فتلاشت جثة المراسل بين الأنقاض، ووقع رأسه فوق صخرة بجانب رأس حمزة. نظر كل منهما للأخر، وقالا بصوت واحد: ليس هناك إلا موت واحد!.
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد لاعبي; الساعة 06-06-2012, 16:19.
يعمل...
X