المطرود
عاد فادي الأدهم من المدرسة، قبل انتهاء الدوام المدرسي، يسبّ المعلمين والتعليم والمدارس، دفع الباب بقوة ودخل كأن عشّا من الدبابير يطارده، ارتمى على أول كرسي صادفه، بعد أن رمى حقيبته بعيدا في وجه هواء الغرفة المشتركة مع المطبخ، بينما ظلّ طلاب صفه يجرون مراجعات أخيرة قبل امتحان نهاية المرحلة الثانوية.
كانت أمّه في البيت تعد طعاما يفتح شهية المتخم بعد مجاعة مزمنة، برائحته المتدفقة من الباب، استعدادا لمجيء أبيه الذي يعمل خارج القرية.
سألته أمُّهُ، دون أن ترفع رأسها عمّا بين يديها:
- لماذا عدت مبكرا؟
- طردني معلم الرياضيات ذو الوجه الكاشح واليد الثقيلة!
- طبعا عملت ما يوجب الطرد.
- لست انا، إنما هي.
- هي ! من هي؟؟
- سلوى، كل ما فيها يحرض على الخطأ!
- ألم تحاول الاعتذار منه؟؟
- حاولت، لكنه لا يلين، ولا يتراجع، ليس عنده أنصاف حلول.
غاصت الأم ثانية في إعداد الطعام، ولم تلتفت إلى ابنها، لأنها لم تقتنع بأيّ كلمة مما قال أو سيقول، وإدراكا منها أن الحوار معه كحوار الطرشان، لا يطرح نتيجة، وتعرف عن تجربة، أنها لن تستطيع إقناعه أن يحترم معلميه والجو الدراسي والعلم والنظام، ولأنه أيضا لديها ما هو أهمّ.
عندما انتهت من إعداد الطعام انصرفت إلى الجلوس أمام المرآة تتهيأ لاستقبال زوجها حين يعود بعد غياب أسبوع طويل، يهيمن عليه جوع شرس.
دخل فادي الأدهم غرفته، أغلق الباب بقوة، جلس على كرسي أمام طاولة كتبه، يتسكع بنظره بين تلك الكتب البائسة، الكاشحة المملة المهملة، فتراءت أمامه كأنها تبتسم له، وتهلل بقدومه، وتراءى له وجه معلم الرياضيات يطلّ من بين أوراق الكتاب بنظرته الصارمة، ذات المعنى التي جلده بها وهو يهاتف سلوى خلال الدرس!
انطلقت منه تنهيدة طويلة، وقال كأنه يدافع عن نفسه من قفص اتهام:
- هي التي بدأت...
فأجابه كتاب الرياضيات :
- المهاتِفُ مع المهاتَف مثل المهاتَف مع المهاتِفِ، قانون تبادل في غاية البساطة والوضوح والدقّة.
ضحك كتاب التاريخ من القانون، متشفيا بكتاب الرياضيات.
قال فادي الأدهم لكتاب الرياضيات
لماذا لا تكون مرنا ككتاب التاريخ، تأخذ وتعطي بالكلام!؟؟
رد كتاب الرياضيات مغتاظا من مقارنته بكتاب التاريخ ومن ضحكه وتشفيه
- ليس عندي مساومات أو تناقضات ككتاب التاريخ ، لأن الحقائق لا تتجزأ، ولا مكان عندي لأنصاف الحلول!
غضب كتاب التاريخ واعتبر ذلك إهانة جارحة، وانبرى ليردّ الصاع صاعين:
- منذ فجر التاريخ وأنت كالصخرة الصمّاء، لا تلين ولا تتغيّر، ليس لديك أصدقاء، حتى طلابك يفرّون منك ويتساقطون على دروب الامتحانات...
- منذ فجر التاريخ وأنت تتلوّن، تلبس لكل زمان عباءته، ترفع عَلَمَه، تدين بدينه، إذا اندحر انقلبت عليه، وإن انتصر أقنعت الدنيا بعدالة جرائمه وإنسانية مجازره وأفعاله، وصحة مغالطاته لكل المواثيق الدولية، إن قتل طفلا تكافؤه، إن قتل الناس جماعات تبرؤه، إن قتل مدرسة أو قرية تنصبه وزيرا، و رئيس وزارة، تحارب من أجله حتى تظهر قوّة غيره فتنقلب عليه، كالماء أنت ليس لك شكل ثابت!
تعبت أعصاب فادي الأدهم، من كل ما مرّ عليه في يوم واحد، معلم الرياضيات وكلامه الجارح، وابتعاد سلوى وعدم ردّها على مكالماته، وجدال أمّه العقيم الذي لا يطرح نتيجة، وحوار كتابي التاريخ والرياضيات، فصرخ فيهما :
- كفى! تنقصكما حلبة مصارعة، حقا إنكما مملاّن ثرثاران كالمعلمين، هربت من حصار المدرسة، ومن بلادة معلميها.... وانتصب واقفا....
لم يدر كم مرّ عليه من الوقت وهو واقف.. وحين تقدّم نحو الباب، تخيّل أن وراء الباب يقف المدير والمعلمون، والعاملة الاجتماعية التي اتخذته شغلها الشاغل، كأنه الوحيد في المدرسة الذي يعمل مشاكل، وكأن طلاب المدرسة ملائكة تحيط بهم هالات من نور، لهم أجنحة، هبطوا بها من السماء، وتخيّل أن الجميع يقفون في صفّ واحد، ليعتذروا منه عمّا بدا من معلم الرياضيات، ويرجونه العودة معهم إلى المدرسة معززا مكرّما، وإلاّ سيقفلون المدرسة، ويذهب المعلمون إلى بيوتهم، يفتشون عن عمل آخر في مكان آخر، ويخرج الطلاب إلى الشوارع، يتسكعون حيثما يشاءون، لتفتح أمامهم أبواب الحرية ..
وحين فتح الباب، صفعه هدوء ثقيل، وشبه ظلام، وحقيبة أبيه ومعطفه مرميّان على الأرض تلقائيا، وأبواب الغرف مغلقة، وليس هناك غير صفير ريح، تئنّ كالموجوعة،
صفق الباب، وانطلق يبحث عن انفلات أكثر رحابة، ليس فيه كبت أو كتب، ولا أقلام أو دفاتر، ولا معلمين أو عاملين اجتماعيين....
عاد فادي الأدهم من المدرسة، قبل انتهاء الدوام المدرسي، يسبّ المعلمين والتعليم والمدارس، دفع الباب بقوة ودخل كأن عشّا من الدبابير يطارده، ارتمى على أول كرسي صادفه، بعد أن رمى حقيبته بعيدا في وجه هواء الغرفة المشتركة مع المطبخ، بينما ظلّ طلاب صفه يجرون مراجعات أخيرة قبل امتحان نهاية المرحلة الثانوية.
كانت أمّه في البيت تعد طعاما يفتح شهية المتخم بعد مجاعة مزمنة، برائحته المتدفقة من الباب، استعدادا لمجيء أبيه الذي يعمل خارج القرية.
سألته أمُّهُ، دون أن ترفع رأسها عمّا بين يديها:
- لماذا عدت مبكرا؟
- طردني معلم الرياضيات ذو الوجه الكاشح واليد الثقيلة!
- طبعا عملت ما يوجب الطرد.
- لست انا، إنما هي.
- هي ! من هي؟؟
- سلوى، كل ما فيها يحرض على الخطأ!
- ألم تحاول الاعتذار منه؟؟
- حاولت، لكنه لا يلين، ولا يتراجع، ليس عنده أنصاف حلول.
غاصت الأم ثانية في إعداد الطعام، ولم تلتفت إلى ابنها، لأنها لم تقتنع بأيّ كلمة مما قال أو سيقول، وإدراكا منها أن الحوار معه كحوار الطرشان، لا يطرح نتيجة، وتعرف عن تجربة، أنها لن تستطيع إقناعه أن يحترم معلميه والجو الدراسي والعلم والنظام، ولأنه أيضا لديها ما هو أهمّ.
عندما انتهت من إعداد الطعام انصرفت إلى الجلوس أمام المرآة تتهيأ لاستقبال زوجها حين يعود بعد غياب أسبوع طويل، يهيمن عليه جوع شرس.
دخل فادي الأدهم غرفته، أغلق الباب بقوة، جلس على كرسي أمام طاولة كتبه، يتسكع بنظره بين تلك الكتب البائسة، الكاشحة المملة المهملة، فتراءت أمامه كأنها تبتسم له، وتهلل بقدومه، وتراءى له وجه معلم الرياضيات يطلّ من بين أوراق الكتاب بنظرته الصارمة، ذات المعنى التي جلده بها وهو يهاتف سلوى خلال الدرس!
انطلقت منه تنهيدة طويلة، وقال كأنه يدافع عن نفسه من قفص اتهام:
- هي التي بدأت...
فأجابه كتاب الرياضيات :
- المهاتِفُ مع المهاتَف مثل المهاتَف مع المهاتِفِ، قانون تبادل في غاية البساطة والوضوح والدقّة.
ضحك كتاب التاريخ من القانون، متشفيا بكتاب الرياضيات.
قال فادي الأدهم لكتاب الرياضيات
لماذا لا تكون مرنا ككتاب التاريخ، تأخذ وتعطي بالكلام!؟؟
رد كتاب الرياضيات مغتاظا من مقارنته بكتاب التاريخ ومن ضحكه وتشفيه
- ليس عندي مساومات أو تناقضات ككتاب التاريخ ، لأن الحقائق لا تتجزأ، ولا مكان عندي لأنصاف الحلول!
غضب كتاب التاريخ واعتبر ذلك إهانة جارحة، وانبرى ليردّ الصاع صاعين:
- منذ فجر التاريخ وأنت كالصخرة الصمّاء، لا تلين ولا تتغيّر، ليس لديك أصدقاء، حتى طلابك يفرّون منك ويتساقطون على دروب الامتحانات...
- منذ فجر التاريخ وأنت تتلوّن، تلبس لكل زمان عباءته، ترفع عَلَمَه، تدين بدينه، إذا اندحر انقلبت عليه، وإن انتصر أقنعت الدنيا بعدالة جرائمه وإنسانية مجازره وأفعاله، وصحة مغالطاته لكل المواثيق الدولية، إن قتل طفلا تكافؤه، إن قتل الناس جماعات تبرؤه، إن قتل مدرسة أو قرية تنصبه وزيرا، و رئيس وزارة، تحارب من أجله حتى تظهر قوّة غيره فتنقلب عليه، كالماء أنت ليس لك شكل ثابت!
تعبت أعصاب فادي الأدهم، من كل ما مرّ عليه في يوم واحد، معلم الرياضيات وكلامه الجارح، وابتعاد سلوى وعدم ردّها على مكالماته، وجدال أمّه العقيم الذي لا يطرح نتيجة، وحوار كتابي التاريخ والرياضيات، فصرخ فيهما :
- كفى! تنقصكما حلبة مصارعة، حقا إنكما مملاّن ثرثاران كالمعلمين، هربت من حصار المدرسة، ومن بلادة معلميها.... وانتصب واقفا....
لم يدر كم مرّ عليه من الوقت وهو واقف.. وحين تقدّم نحو الباب، تخيّل أن وراء الباب يقف المدير والمعلمون، والعاملة الاجتماعية التي اتخذته شغلها الشاغل، كأنه الوحيد في المدرسة الذي يعمل مشاكل، وكأن طلاب المدرسة ملائكة تحيط بهم هالات من نور، لهم أجنحة، هبطوا بها من السماء، وتخيّل أن الجميع يقفون في صفّ واحد، ليعتذروا منه عمّا بدا من معلم الرياضيات، ويرجونه العودة معهم إلى المدرسة معززا مكرّما، وإلاّ سيقفلون المدرسة، ويذهب المعلمون إلى بيوتهم، يفتشون عن عمل آخر في مكان آخر، ويخرج الطلاب إلى الشوارع، يتسكعون حيثما يشاءون، لتفتح أمامهم أبواب الحرية ..
وحين فتح الباب، صفعه هدوء ثقيل، وشبه ظلام، وحقيبة أبيه ومعطفه مرميّان على الأرض تلقائيا، وأبواب الغرف مغلقة، وليس هناك غير صفير ريح، تئنّ كالموجوعة،
صفق الباب، وانطلق يبحث عن انفلات أكثر رحابة، ليس فيه كبت أو كتب، ولا أقلام أو دفاتر، ولا معلمين أو عاملين اجتماعيين....
-
تعليق