المطرود

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    المطرود

    المطرود

    عاد فادي الأدهم من المدرسة، قبل انتهاء الدوام المدرسي، يسبّ المعلمين والتعليم والمدارس، دفع الباب بقوة ودخل كأن عشّا من الدبابير يطارده، ارتمى على أول كرسي صادفه، بعد أن رمى حقيبته بعيدا في وجه هواء الغرفة المشتركة مع المطبخ، بينما ظلّ طلاب صفه يجرون مراجعات أخيرة قبل امتحان نهاية المرحلة الثانوية.
    كانت أمّه في البيت تعد طعاما يفتح شهية المتخم بعد مجاعة مزمنة، برائحته المتدفقة من الباب، استعدادا لمجيء أبيه الذي يعمل خارج القرية.
    سألته أمُّهُ، دون أن ترفع رأسها عمّا بين يديها:
    - لماذا عدت مبكرا؟
    - طردني معلم الرياضيات ذو الوجه الكاشح واليد الثقيلة!
    - طبعا عملت ما يوجب الطرد.
    - لست انا، إنما هي.
    - هي ! من هي؟؟
    - سلوى، كل ما فيها يحرض على الخطأ!
    - ألم تحاول الاعتذار منه؟؟
    - حاولت، لكنه لا يلين، ولا يتراجع، ليس عنده أنصاف حلول.
    غاصت الأم ثانية في إعداد الطعام، ولم تلتفت إلى ابنها، لأنها لم تقتنع بأيّ كلمة مما قال أو سيقول، وإدراكا منها أن الحوار معه كحوار الطرشان، لا يطرح نتيجة، وتعرف عن تجربة، أنها لن تستطيع إقناعه أن يحترم معلميه والجو الدراسي والعلم والنظام، ولأنه أيضا لديها ما هو أهمّ.
    عندما انتهت من إعداد الطعام انصرفت إلى الجلوس أمام المرآة تتهيأ لاستقبال زوجها حين يعود بعد غياب أسبوع طويل، يهيمن عليه جوع شرس.
    دخل فادي الأدهم غرفته، أغلق الباب بقوة، جلس على كرسي أمام طاولة كتبه، يتسكع بنظره بين تلك الكتب البائسة، الكاشحة المملة المهملة، فتراءت أمامه كأنها تبتسم له، وتهلل بقدومه، وتراءى له وجه معلم الرياضيات يطلّ من بين أوراق الكتاب بنظرته الصارمة، ذات المعنى التي جلده بها وهو يهاتف سلوى خلال الدرس!
    انطلقت منه تنهيدة طويلة، وقال كأنه يدافع عن نفسه من قفص اتهام:
    - هي التي بدأت...
    فأجابه كتاب الرياضيات :
    - المهاتِفُ مع المهاتَف مثل المهاتَف مع المهاتِفِ، قانون تبادل في غاية البساطة والوضوح والدقّة.
    ضحك كتاب التاريخ من القانون، متشفيا بكتاب الرياضيات.
    قال فادي الأدهم لكتاب الرياضيات
    لماذا لا تكون مرنا ككتاب التاريخ، تأخذ وتعطي بالكلام!؟؟
    رد كتاب الرياضيات مغتاظا من مقارنته بكتاب التاريخ ومن ضحكه وتشفيه
    - ليس عندي مساومات أو تناقضات ككتاب التاريخ ، لأن الحقائق لا تتجزأ، ولا مكان عندي لأنصاف الحلول!
    غضب كتاب التاريخ واعتبر ذلك إهانة جارحة، وانبرى ليردّ الصاع صاعين:
    - منذ فجر التاريخ وأنت كالصخرة الصمّاء، لا تلين ولا تتغيّر، ليس لديك أصدقاء، حتى طلابك يفرّون منك ويتساقطون على دروب الامتحانات...
    - منذ فجر التاريخ وأنت تتلوّن، تلبس لكل زمان عباءته، ترفع عَلَمَه، تدين بدينه، إذا اندحر انقلبت عليه، وإن انتصر أقنعت الدنيا بعدالة جرائمه وإنسانية مجازره وأفعاله، وصحة مغالطاته لكل المواثيق الدولية، إن قتل طفلا تكافؤه، إن قتل الناس جماعات تبرؤه، إن قتل مدرسة أو قرية تنصبه وزيرا، و رئيس وزارة، تحارب من أجله حتى تظهر قوّة غيره فتنقلب عليه، كالماء أنت ليس لك شكل ثابت!
    تعبت أعصاب فادي الأدهم، من كل ما مرّ عليه في يوم واحد، معلم الرياضيات وكلامه الجارح، وابتعاد سلوى وعدم ردّها على مكالماته، وجدال أمّه العقيم الذي لا يطرح نتيجة، وحوار كتابي التاريخ والرياضيات، فصرخ فيهما :
    - كفى! تنقصكما حلبة مصارعة، حقا إنكما مملاّن ثرثاران كالمعلمين، هربت من حصار المدرسة، ومن بلادة معلميها.... وانتصب واقفا....
    لم يدر كم مرّ عليه من الوقت وهو واقف.. وحين تقدّم نحو الباب، تخيّل أن وراء الباب يقف المدير والمعلمون، والعاملة الاجتماعية التي اتخذته شغلها الشاغل، كأنه الوحيد في المدرسة الذي يعمل مشاكل، وكأن طلاب المدرسة ملائكة تحيط بهم هالات من نور، لهم أجنحة، هبطوا بها من السماء، وتخيّل أن الجميع يقفون في صفّ واحد، ليعتذروا منه عمّا بدا من معلم الرياضيات، ويرجونه العودة معهم إلى المدرسة معززا مكرّما، وإلاّ سيقفلون المدرسة، ويذهب المعلمون إلى بيوتهم، يفتشون عن عمل آخر في مكان آخر، ويخرج الطلاب إلى الشوارع، يتسكعون حيثما يشاءون، لتفتح أمامهم أبواب الحرية ..
    وحين فتح الباب، صفعه هدوء ثقيل، وشبه ظلام، وحقيبة أبيه ومعطفه مرميّان على الأرض تلقائيا، وأبواب الغرف مغلقة، وليس هناك غير صفير ريح، تئنّ كالموجوعة،
    صفق الباب، وانطلق يبحث عن انفلات أكثر رحابة، ليس فيه كبت أو كتب، ولا أقلام أو دفاتر، ولا معلمين أو عاملين اجتماعيين....

    -
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    أجدت أستاذي
    و إن كنت أرنو إلي قفلة أكثر استجابة لروح القص

    اشتقنا لك و لأعمالك الجميلة

    كن قريب أخي أمين

    محبتي
    sigpic

    تعليق

    • إيمان الدرع
      نائب ملتقى القصة
      • 09-02-2010
      • 3576

      #3
      تعبت أعصاب فادي الأدهم، من كل ما مرّ عليه في يوم واحد، معلم الرياضيات وكلامه الجارح، وابتعاد سلوى وعدم ردّها على مكالماته، وجدال أمّه العقيم الذي لا يطرح نتيجة، وحوار كتابي التاريخ والرياضيات، فصرخ فيهما :
      - كفى! تنقصكما حلبة مصارعة، حقا إنكما مملاّن ثرثاران كالمعلمين، هربت من حصار المدرسة، ومن بلادة معلميها....
      أخي وزميلي أمين:
      نصّ من الواقع الذي نعيشه
      تتكاثف الضغوط على الإنسان
      إلى حدّ تصطرخ فيه أعماقه
      وتتجاذبه مشاعر الصبر والاحتمال..أوالرفض والاستنكار، والتمرّد على الوضع المعاش..
      شكراً لقلمٍ ينبض بالصدق، والواقعيّة.
      سلمتْ يداك.
      احترامي، وتقديري.
      حيّاااااااااااكَ.

      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

      تعليق

      • عبير هلال
        أميرة الرومانسية
        • 23-06-2007
        • 6758

        #4
        لي عودة للقراءة


        دخلت لاخبرك

        أديبنا القدير

        أنني سأعود
        sigpic

        تعليق

        • أمين خيرالدين
          عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
          • 04-04-2008
          • 554

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          أجدت أستاذي
          و إن كنت أرنو إلي قفلة أكثر استجابة لروح القص

          اشتقنا لك و لأعمالك الجميلة

          كن قريب أخي أمين

          محبتي
          الاستاذ ربيع عقب الباب
          كم سررت امس حين رأيتك على الشاشة الصغيرة
          تحياتي لك وشكري
          قد أُحسِن ما نقص في هذا النص في نصوص أخرى لأحظى بشرف مرورك
          تحياتي وشكري
          [frame="11 98"]
          لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

          لكني لم أستطع أن أحب ظالما
          [/frame]

          تعليق

          • أمين خيرالدين
            عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
            • 04-04-2008
            • 554

            #6
            الأخت الكريمة إيمان الدرع
            كم اشتقت لحرفك ولكلماتك ولإطلالتك
            وكم أنا قلق عليكم وعلى الوطن
            والله ما عدنا نعرف إن كنا في ربيع أوخريف عربي
            اتدرين؟؟
            سعداء هم الأموات الذين لا يرون الدرك الذي وصلت له هذه الأمة
            التي كنا نتباهى بانتمائنا لها في ستينات القرن الماضي
            أتدرين؟؟ قلتها مرة وأنا في النيل بين الأقصر واسوان أتأمل في جمال مصر المتمرد على الفقر في الريف المصري
            قلتها للمرشد المصري وهو صديقي أحسد الزعيم المخلص واشفق عليه من رؤية ما آلت إليه حال هذه الأمة وهو تحت الترابك كان الله في عونه
            اما بالنسبة للنص فهو انفجار للضغوطات التي تتفاعل من حيث لا ندري في دواخلنا فتطفو كما قال غوار "بألف لبوس ولبوس"
            تحياتي وشكري
            [frame="11 98"]
            لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

            لكني لم أستطع أن أحب ظالما
            [/frame]

            تعليق

            • أمين خيرالدين
              عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
              • 04-04-2008
              • 554

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة أميرة عبد الله مشاهدة المشاركة
              لي عودة للقراءة


              دخلت لاخبرك

              أديبنا القدير

              أنني سأعود
              اميره عبدالله
              ايتها الأميرة النبيلة
              تحياتي لك
              انا على انتظار عودتك
              [frame="11 98"]
              لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

              لكني لم أستطع أن أحب ظالما
              [/frame]

              تعليق

              • عبير هلال
                أميرة الرومانسية
                • 23-06-2007
                • 6758

                #8
                القدير أمين

                هههههه


                انا هاربة من جو المدارس باجازة آخر السنة

                لتلاحقني بها هنا...


                قصة بديعة وطريقة سردها مميزة

                خطتها أنامل فاخرة


                لا تكتب لمجرد الكتابة

                بل بكل قصة لها رسالة

                تود أيصالها لنا عبرة أو حكمة..


                مبدع وأكثر


                لك تحياتي المعطرة

                بياسمين فلسطين
                sigpic

                تعليق

                • أمين خيرالدين
                  عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
                  • 04-04-2008
                  • 554

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة أميرة عبد الله مشاهدة المشاركة
                  القدير أمين

                  هههههه


                  انا هاربة من جو المدارس باجازة آخر السنة

                  لتلاحقني بها هنا...


                  قصة بديعة وطريقة سردها مميزة

                  خطتها أنامل فاخرة


                  لا تكتب لمجرد الكتابة

                  بل بكل قصة لها رسالة

                  تود أيصالها لنا عبرة أو حكمة..


                  مبدع وأكثر


                  لك تحياتي المعطرة

                  بياسمين فلسطين

                  أميره عبدالله الأميرة النبيلة
                  أنا آسف لأني أيقظت اوجاعك وأعدتك إلى جو المدرسة التي تهربين منه
                  والله أنه عن غير قصد، وعن حسن نيّة، وطيب قلب
                  وعن سبق إصرار لأن أعود إلى ذلك الجو الخانق
                  "لأني أحب خنّاقي"
                  لقد قرأْتني بحسن ذكائك لأني فعلا أكتب عن وجع
                  فالمولود لا يرى النور قبل أن يعصف بي
                  وارحت اوجاعي بعطر فلسطين واريج ورودها
                  فألف شكر لك على ذلك
                  الف تحية
                  وباقة ورد
                  [frame="11 98"]
                  لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

                  لكني لم أستطع أن أحب ظالما
                  [/frame]

                  تعليق

                  يعمل...
                  X