الظِلّ الغائب
مزرعة الوطاويط . ويقال لها أيضا حارة الوطاويط . هي أقرب موقع
يقطنه بشر لقصر الجن الذي قام بتشييده ابن الحارة المنبوذ
شملول الواوي .
جلب له المهندسون والخبراء من أقاصي الدنيا . فتفننوا في
تصميمه حسب المواصفات التي وضعها الشملول لهم .
فبات هذا الصرح ببنائه وتصاميمه الداخلية , لغزا يضاف إلى
صاحبه المتخم بالغموض والأسرار .
والملفت للشك والداعم له , هو اختفاء المهندسين والخبراء
الأجانب الذين قاموا بتصميمه , في ظروف غامضة بعد أن تمَّ
تشييده .
أما العمال الذين قاموا ببنائه لبنة فوق لبنة , فهم من أبناء حارته
حارة الوطاويط . وكان مصيرهم كمصير الآخرين وكمصير من يحاول
معرفة اسرار القصر أو من يجرؤ حتى بالدخول إليه .
فبات القصر لعنة للقاطنين حوله , وللمتعطشين بطلب المعرفة .
ما فتئت والدتي تكرار تحذيرها لي كلما هممت بالخروج قائلة :
ــ ابتعد عن القصر يا ولدي , الدنو منه هلاك , إنه لعنة وحطّت علينا .
أمّا والدي فأسلوبه بتحذيري يختلف عن أسلوب أمي المباشر .
فبذهابه وإيابه من وإلى الحقل يَسْلُكُ طريقاً وعرا , كي يتحاشى
الاقتراب من أسوار ذلك القصر .
يوماً سألته ببراءة:
ــ أبي , تلك الطريق القريبة من القصر مُمهدَّة وأقرب لنا لبيتنا ,
فلمَ لا نسلكها ؟
انتفض كَمَنّ به حُمَّى , وكاد أن يسترسل في انفعاله لولا ادراكه
صِغر سنّي .
تحولتُ عنه اشفاقا عليه . ورُمتُ أمي آملا أن تكون كباقي النسوة
اللواتي يثرثرن . لكَنَّها خيَّبت ظني .
أصبح القصر وهالة الغموض التي تكتنفه هاجسا أصاب عقلي
الواعي والمُستَتِر منه .
زرت المقاهي متعللا ببيع السجائر وأوراق اليانصيب علني أسمع
من روادها ما يشفي غليلي .
ما رشح كاد لمس سرد الأساطير . فعشت بينهم وكأني في عالم
غريب تحكمه قوانين غير مألوفة .
استوقفتني سيرة الشملول ساكن القصر . كان واحدا منهم , فرَّ
بعد أن إتُّهِم بالسرقة .
غاب عن الحي سنوات وعاد بعد أن جمع ثروة يشكك الكثيرون في
مصدرها .
سرعان ما سرت إشاعات أنه قد آخى الجان في غيابه فأدرك درجة
من الخلود تضعه في مصاف الأولياء .
كما سرت إشاعات أيضا أن الجان يقيمون معه في القصر .
لهذا وذاك , تجد بعضاً من أهلنا يكبرون ذكراه بالرغم من جبروته
وبغيه .
لكن , والحق يُقال أن نفراً آخر من اهلنا . أكثر واقعية وأقل خوضا في
الغيبيات , يجزمون أنه بدأ مغامراته بتمويل حملات لترويج المخدرات
وتهريب السلاح من أموالهم التي سرقها قبل فراره .
كما ويجزمون أيضا أنه يدير عملياته المشبوهة من داخل القصر .
وتمضي الأيام . فتكاد أن تشم من خلالها رائحة القبور في أصص
الأزهار التي زرعها أجدادي داخل حديقة القصر .
وكأن هذا الجبار يتحرك بإلهام القوة ويدير أعماله بغرور وبجبروت
الفتونة . حتى ظن بنفسه الخلود.
فها هم رواد المقهى ورواد المقاهي المجاورة يُهمهمون وبنبرة
واحدة :
ــ انطوي على أحزانكِ يا بلد , لأجلك ضاع الجد وتاه الولد .
لم يستكن الأهالي لغياب أبنائهم . فتبرع نفر منهم لمقابلة
الشملول , والاستفسار منه عن مصير أولادهم .
لكن الموت كان بالمرصاد لكل مَن تجرَّأ وخطا خطوة نحو سور القصر
وبوابته . حتى ضاق كثيرون بحياتهم متحملين البغي في جلد ,
ولاذوا بالصبر كارهين .
تناهى إلى أذني يوما قول أحدهم لآخر :
ــ لا تُكبِرْ مخلوقاً سرعان ما يَنهزِمْ .
فأجابه الآخر في قرف :
ــ نقِّطني بسكوتك يا رجل . المهزومون لا يكتبون التاريخ , فدعهُ
يُسّطِّر أمجادهُ . نحن المهزومون .
رنا الأول الى الآخرً ثم قال :
ــ عندما نُدرك القوة ويدركنا سحر المعرفة , سوف ننتصر .
فتسائل الآخر
ـ كيف ؟ ومتى ؟
أجابه الأول بثقة :
ـ ندخل القصر خلسة . نستكشف ونكشف أسراره .
دخلتُ فراشي وكل خلية من خلايا جسدي ترتجف قهراً مما
سمعت .
وضعت الوسادة فوق رأسي وحلَّقتُ في ثنايا الّلامعقول .
شعرتُ بيدٍ حانية تلمس جبيني , فشَرَّعتُ لها جفوني , رأيتُ أمامي
رجلاً وقوراً بثيابٍ بيضاء , وكأنه شيخ الملائكة . سألني :
ــ هل ما زلت تريد معرفة الحقيقة , وترغب بدخول ذلك القصر
وتكشف أسرارهُ ؟
ــ نعم يا سيدي , أريدُ ذلك .
ــ سوف تنتابك أعراض غريبة تعرفها في حينها , فهل انت ممن
يحفظون السر ؟
ــ أنا منهم .إذا أردتَ ؟
ــ حسناً , اتبعني .
سرتُ خلفهُ , وظِلِّي يسبقني . لم أرى للشيخ ظلّ , ربما هو ظلٌ
بعينه ؟
توقف على بعد أمتار من القصر وأشار إلى بوَّابته , قائلاً :
ــ قبل أن تهِمّ بالدخول, اسمع ما سأقوله لك جيداً . هذه ثلاثة
قوارير , بداخل كل منها مشروبٌ سحري , وكما ترى فإن الثلاث
قوارير متشابهة , ولا يُمَيِّز الواحدة عن ألأخرى شيء إلاّ فيما تحتوي
إذا شربت الأولى سوف تُنعشك كالسكران وتجعلك تعتقد أنك اقوى
مخلوقات الأرض , عندها حطم البوابة وادخل . أما إذا شربت الثانية
فسوف تنتابك نوبات من الهلوسة تتوهم فيها أنك أصغر مخلوقات
الأرض عندها انزلق تحت البوابة وادخل . أما الثالثة , فسوف تقذف
بك إلى درب المساطيل كمدمني الحشيش , أنصحك بهذه الحالة
أن لا تغادر المكان ريثما تُفتح البوابة لأنها ستُفتح بيوم من الأيام ,
عندها ادخل .
شرطي الوحيد هو أن تُخَمِّن مفعول القارورة قبل أن تدلق محتواها
في جوفك . فإذا صدق التخمين ستكون من الفائزين , وإذا خاب
تخمينك . ستفقد ظلك . هل توافق ؟
ــ نعم , أوافق .
غاب الظل , وبقيتُ وحدي , وبجعبتي الثلاث قوارير .
(طرقع) صوت الفللينة وأنا أسحبها من فم القارورة , توجست إن كان
غيري قد سمع هذا الصوت فيُنصت ويسمع خفقان قلبي وينكشف
أمري , فشربتها على عجل كمن يشرب دواء وبذهني أن أصبح
أقوى رجل بالعالم .
لم تصدق النبوءة . وبقي الحال هو نفس الحال .
فتحت القارورة الثانية بحذر , وأخذت أرشف منها مُتمنياً أن تكون
كحبوب الهلوسة التي يتعاطاها علية القوم .
ما زال الحال كما هو عليه . لم يتغير شيء .
أملي في القارورة الأخيرة , إن كان لي نصيب في هذه الدنيا ؟
لم تقوى أصابع يدي على نزع الفللينة من مكانها , لا أدري من قام
بنزعها عوضاً عني . ثم بدأ يُسقيني منها . توهمت نفسي أني
داخل القصر .
فتحت عيني , فرأيتُ والدتي تبتسم مخاطبة أبي :
ــ الحمد لله , لقد زالت الحمى وانخفضت حرارة جسمه , وها هو
يصحو .
شبَّ الولد . وأدرك الرجال . في حين , لم يلحظ أحد , أنه بلا ظل .
مزرعة الوطاويط . ويقال لها أيضا حارة الوطاويط . هي أقرب موقع
يقطنه بشر لقصر الجن الذي قام بتشييده ابن الحارة المنبوذ
شملول الواوي .
جلب له المهندسون والخبراء من أقاصي الدنيا . فتفننوا في
تصميمه حسب المواصفات التي وضعها الشملول لهم .
فبات هذا الصرح ببنائه وتصاميمه الداخلية , لغزا يضاف إلى
صاحبه المتخم بالغموض والأسرار .
والملفت للشك والداعم له , هو اختفاء المهندسين والخبراء
الأجانب الذين قاموا بتصميمه , في ظروف غامضة بعد أن تمَّ
تشييده .
أما العمال الذين قاموا ببنائه لبنة فوق لبنة , فهم من أبناء حارته
حارة الوطاويط . وكان مصيرهم كمصير الآخرين وكمصير من يحاول
معرفة اسرار القصر أو من يجرؤ حتى بالدخول إليه .
فبات القصر لعنة للقاطنين حوله , وللمتعطشين بطلب المعرفة .
ما فتئت والدتي تكرار تحذيرها لي كلما هممت بالخروج قائلة :
ــ ابتعد عن القصر يا ولدي , الدنو منه هلاك , إنه لعنة وحطّت علينا .
أمّا والدي فأسلوبه بتحذيري يختلف عن أسلوب أمي المباشر .
فبذهابه وإيابه من وإلى الحقل يَسْلُكُ طريقاً وعرا , كي يتحاشى
الاقتراب من أسوار ذلك القصر .
يوماً سألته ببراءة:
ــ أبي , تلك الطريق القريبة من القصر مُمهدَّة وأقرب لنا لبيتنا ,
فلمَ لا نسلكها ؟
انتفض كَمَنّ به حُمَّى , وكاد أن يسترسل في انفعاله لولا ادراكه
صِغر سنّي .
تحولتُ عنه اشفاقا عليه . ورُمتُ أمي آملا أن تكون كباقي النسوة
اللواتي يثرثرن . لكَنَّها خيَّبت ظني .
أصبح القصر وهالة الغموض التي تكتنفه هاجسا أصاب عقلي
الواعي والمُستَتِر منه .
زرت المقاهي متعللا ببيع السجائر وأوراق اليانصيب علني أسمع
من روادها ما يشفي غليلي .
ما رشح كاد لمس سرد الأساطير . فعشت بينهم وكأني في عالم
غريب تحكمه قوانين غير مألوفة .
استوقفتني سيرة الشملول ساكن القصر . كان واحدا منهم , فرَّ
بعد أن إتُّهِم بالسرقة .
غاب عن الحي سنوات وعاد بعد أن جمع ثروة يشكك الكثيرون في
مصدرها .
سرعان ما سرت إشاعات أنه قد آخى الجان في غيابه فأدرك درجة
من الخلود تضعه في مصاف الأولياء .
كما سرت إشاعات أيضا أن الجان يقيمون معه في القصر .
لهذا وذاك , تجد بعضاً من أهلنا يكبرون ذكراه بالرغم من جبروته
وبغيه .
لكن , والحق يُقال أن نفراً آخر من اهلنا . أكثر واقعية وأقل خوضا في
الغيبيات , يجزمون أنه بدأ مغامراته بتمويل حملات لترويج المخدرات
وتهريب السلاح من أموالهم التي سرقها قبل فراره .
كما ويجزمون أيضا أنه يدير عملياته المشبوهة من داخل القصر .
وتمضي الأيام . فتكاد أن تشم من خلالها رائحة القبور في أصص
الأزهار التي زرعها أجدادي داخل حديقة القصر .
وكأن هذا الجبار يتحرك بإلهام القوة ويدير أعماله بغرور وبجبروت
الفتونة . حتى ظن بنفسه الخلود.
فها هم رواد المقهى ورواد المقاهي المجاورة يُهمهمون وبنبرة
واحدة :
ــ انطوي على أحزانكِ يا بلد , لأجلك ضاع الجد وتاه الولد .
لم يستكن الأهالي لغياب أبنائهم . فتبرع نفر منهم لمقابلة
الشملول , والاستفسار منه عن مصير أولادهم .
لكن الموت كان بالمرصاد لكل مَن تجرَّأ وخطا خطوة نحو سور القصر
وبوابته . حتى ضاق كثيرون بحياتهم متحملين البغي في جلد ,
ولاذوا بالصبر كارهين .
تناهى إلى أذني يوما قول أحدهم لآخر :
ــ لا تُكبِرْ مخلوقاً سرعان ما يَنهزِمْ .
فأجابه الآخر في قرف :
ــ نقِّطني بسكوتك يا رجل . المهزومون لا يكتبون التاريخ , فدعهُ
يُسّطِّر أمجادهُ . نحن المهزومون .
رنا الأول الى الآخرً ثم قال :
ــ عندما نُدرك القوة ويدركنا سحر المعرفة , سوف ننتصر .
فتسائل الآخر
ـ كيف ؟ ومتى ؟
أجابه الأول بثقة :
ـ ندخل القصر خلسة . نستكشف ونكشف أسراره .
دخلتُ فراشي وكل خلية من خلايا جسدي ترتجف قهراً مما
سمعت .
وضعت الوسادة فوق رأسي وحلَّقتُ في ثنايا الّلامعقول .
شعرتُ بيدٍ حانية تلمس جبيني , فشَرَّعتُ لها جفوني , رأيتُ أمامي
رجلاً وقوراً بثيابٍ بيضاء , وكأنه شيخ الملائكة . سألني :
ــ هل ما زلت تريد معرفة الحقيقة , وترغب بدخول ذلك القصر
وتكشف أسرارهُ ؟
ــ نعم يا سيدي , أريدُ ذلك .
ــ سوف تنتابك أعراض غريبة تعرفها في حينها , فهل انت ممن
يحفظون السر ؟
ــ أنا منهم .إذا أردتَ ؟
ــ حسناً , اتبعني .
سرتُ خلفهُ , وظِلِّي يسبقني . لم أرى للشيخ ظلّ , ربما هو ظلٌ
بعينه ؟
توقف على بعد أمتار من القصر وأشار إلى بوَّابته , قائلاً :
ــ قبل أن تهِمّ بالدخول, اسمع ما سأقوله لك جيداً . هذه ثلاثة
قوارير , بداخل كل منها مشروبٌ سحري , وكما ترى فإن الثلاث
قوارير متشابهة , ولا يُمَيِّز الواحدة عن ألأخرى شيء إلاّ فيما تحتوي
إذا شربت الأولى سوف تُنعشك كالسكران وتجعلك تعتقد أنك اقوى
مخلوقات الأرض , عندها حطم البوابة وادخل . أما إذا شربت الثانية
فسوف تنتابك نوبات من الهلوسة تتوهم فيها أنك أصغر مخلوقات
الأرض عندها انزلق تحت البوابة وادخل . أما الثالثة , فسوف تقذف
بك إلى درب المساطيل كمدمني الحشيش , أنصحك بهذه الحالة
أن لا تغادر المكان ريثما تُفتح البوابة لأنها ستُفتح بيوم من الأيام ,
عندها ادخل .
شرطي الوحيد هو أن تُخَمِّن مفعول القارورة قبل أن تدلق محتواها
في جوفك . فإذا صدق التخمين ستكون من الفائزين , وإذا خاب
تخمينك . ستفقد ظلك . هل توافق ؟
ــ نعم , أوافق .
غاب الظل , وبقيتُ وحدي , وبجعبتي الثلاث قوارير .
(طرقع) صوت الفللينة وأنا أسحبها من فم القارورة , توجست إن كان
غيري قد سمع هذا الصوت فيُنصت ويسمع خفقان قلبي وينكشف
أمري , فشربتها على عجل كمن يشرب دواء وبذهني أن أصبح
أقوى رجل بالعالم .
لم تصدق النبوءة . وبقي الحال هو نفس الحال .
فتحت القارورة الثانية بحذر , وأخذت أرشف منها مُتمنياً أن تكون
كحبوب الهلوسة التي يتعاطاها علية القوم .
ما زال الحال كما هو عليه . لم يتغير شيء .
أملي في القارورة الأخيرة , إن كان لي نصيب في هذه الدنيا ؟
لم تقوى أصابع يدي على نزع الفللينة من مكانها , لا أدري من قام
بنزعها عوضاً عني . ثم بدأ يُسقيني منها . توهمت نفسي أني
داخل القصر .
فتحت عيني , فرأيتُ والدتي تبتسم مخاطبة أبي :
ــ الحمد لله , لقد زالت الحمى وانخفضت حرارة جسمه , وها هو
يصحو .
شبَّ الولد . وأدرك الرجال . في حين , لم يلحظ أحد , أنه بلا ظل .
تعليق