أقفاصٌ للحلم
قبل أن ينام يحتضنُ طيفها، غيوم الحلم تمطر شهداً في سماواته، يداعبُ شعرها الليلي بيديه النحيلتين، يعبُّ من عسلِ عينيها، ينسجُ لها أشكالاً من نرجس، يطوّق خصرهابذراعيه يدنيها من قلبه، يهدهده الوسنُ، يطبقُ جفنيه وينام حالماً بولادة جديدة كلّ ليلة...
ولطالما تقبّّل تعليقاتِ رفاقه الذينَ يسكنونَ معه في الملحق على سطح أحد الأبنية...
ـ ياحسن أنتَ تبتسمُ في نومك ـ تحرّكُ ذراعيكَ، تحتضنُ الفراغَ، فيجيبهم ـ لو دخلْتم سُدرة أحلامي لوجدتم مفتاح السر...
في يقظتهِ بحثَ عنها.. وجدها.. قرنفلةً حمراءَ تنعش يباسَ وقته، غردتْ أساريرُ قلبه،رآها قنديلاً يضيءُ بقية عمره المتناثر فوق إسفلت الشوارع، طار عصفورُ قلبه طرباًصفّق فرحاً، شاركه رفاقه في الملحقِ متعة فرحته، غنّوا معه، ضحكواً لأتفهِ نُكاته..
بينماهي رأتْ فيه منقذها ومخلّصها من عذاباتها، ومن إلحاح ابن عمّها في طلب يدها وهيالجامعية وابن عمها الذي لا يزنُ الأشياءَ إلا بمقدارِ ما تساويه من ذهبٍ وفضة.. قالتْ له :
ياحسنْ وجدت فيك الذي كنت أنتظره وأنتَ الوحيدُ القادرُ على تخليصي مما أنا فيه... لايهمّني شيء في الدنيا إلاَّ أنت...
زرعَتْ في قلبهِ بذرة حياة جديدة فزرعَ في إصبعها خاتم الخطبةبانتظار جني مواسم فرح منتظرٍ.. كانت تقول بتواضعٍ...
ـ ياحسن... لا أريد سوى بيتٍ صغيرٍ يأوينا ليكن عشاً.. كوخاً نملؤه شعراً وأطفالاً..
صارَيغرس دروبها ياسميناً وسنابل يحيطُ عنقها بجدائل المواعيد الرخيّة والأمنيات العِذاب.. أصبحت ساحاتُ المدينة تعرفهُ أدمن البحث المحموم عن عملٍ إضافيٍّ فما إن ينتهي دوام المدرسة حتى تراه يفترشُ الرصيف أو عشبَ الحديقة الصغيرة وسط الساحات يتراكضُ مع أمثاله إلى أول سيارة تقفُ في طرفِ الساحة مردداً أستاذ هل تحتاج... عتال... بلاط... معمار!؟... صار بحثه تسكّعاً لا حدود له ولا وجهة.. يعودُمتأخراً... منهكاً إلى ملحقه، يقتات خيبته يتهالك على فراشه يغفو وسرعان ما لاحظَ أنّ رفاقه يتهامسون، يحسبون عليه تصرفاته تنهداته العميقة.. أقلقُهم استيقاظهُ ليلاًجَفِلاً يقرأ المعوذتين.. تكاثر أعقاب السجائر في منفضته سُعاله راحوا يتساءلون فيما بينهم ما باله تحولت ابتسامته عبوساً؟... مابه ينامُ مكشّراً؟.. وهل من أرادالزواج يعبس في نومه؟.. ألا يكفيه تجهّم النهار..؟...
"حتى تلاميذهُ في المدرسة تأقلموا مع تغير مزاجه"...
تحوَلَتْ عبوستهُ إلى أسئلة تهاجمه وكوابيس تزعجه صار يراها في نومه تناشده تناديه:
خلصني يا حسن.. ابن عمي يا حسن...
أصبحالنوم مزعجاً في حدّ ذاته... ما إن يضعْ رأسَه على الوسادة حتى تبدأ ذئابُ الأسئلة تعوي فوق رأسه... يغزوه العرقُ، فينتفضُ فزعاً يطردها يزفر دخاناً رماداً فيوجهها...
أصبحت كل شوارع المدينة تفضي لذاتِ الاتجاه لها لونٌ واحدٌ ورائحةٌ واحدةٌ... صار لقاؤهمامشحوناً بأسئلة باردة معدّة مسبقاً لها نفسُ الإيقاع والجواب المعلّب كل حساباته كانت تفشل أمام واقعه... أجرةُ البيت نصف الراتب... الماء والكهرباء... و... و...
في غفلةٍ منه طارَتْ غدت سراباً يركضُ خلفه يلهثُ وراءه دون جدوى في آخر لقاء بينهماانتزعَتْ خاتم الخطبة من إصبعها قذفته في وجهه قائلة: ـ وهي تضع يدها على خصرها :
ـ اسمعْ ..يا... أستاذ حسن.. أنتَ لا شيء.. إذا كان لك من فضلٍ عليّ هو أنكَ نبهت ابن عمي إلى أني جوهرةٌ يجب أن لا يقتنيها أحدٌ غيره وهو يحسنُ تقدير قيمة الأشياءليس مثلك!...
عادت الأسئلة سكيناً تقطّع أوراق الورد, وتكررت الخواتم والكوابيس ورفاقٌ جدد يسكنون معه وعاد يأوي إلى ملحقه الذي اكتظّ بشظايا آمالهِ وأحلامهِ التي طالما تكسّرت.. وعادَمن جديدٍ كل ليلة يبتسم في نومه رغمَ وضوح الخطوط والتجاعيد في وجهه واتساع مساحةالبياض في رأسه.. وحين يسأله رفاقه الجدد في الملحق عن سرّ ابتسامته في نومه:
يجيبهم: إنّ المرأة العاشرة ذات الشعر الكستنائي والعينين السوداوين تأتيه كلّ ليلةٍ تناشده كي يفتح لها باب القفص.
*******
من مجموعتي القصصية ( الأساس )
موسى الزعيم
تعليق