شارك(ي) في كتابة هذا النص بتصويبه

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد لاعبي
    أديب وكاتب
    • 14-11-2011
    • 45

    شارك(ي) في كتابة هذا النص بتصويبه

    يسرى تريد التقاعد

    ألحت هي كثيرا في أن تشتغل. لم يستطع هو أن يتقبل الأمر بسهولة؛ أراد لها أن تكون ربة بيت فقط. لكنها أقنعته بأن المرأة إذا لم تعمل، لا تستحق معاشا تقاعديا؛ وقد تصير بعد ثلاثين سنة عرضة للفقر والتشرد، إذا مات الزوج ولم تجد من يعيلها. فكر كثيرا في الأمر. اقتنع في آخر المطاف أن المجتمع الغربي مجتمع مادي لا يرحم، ومن الأفضل أن يكون الإنسان مستقلا بذاته.
    اعتاد حسن في الصباح تهيئ وجبة الافطار لزوجته، قبل أن يذهب إلى عمله. أما يسرى فبمجرد ما تقوم من نومها، تقضي ساعة من الوقت أمام المرآة تتزين. ثم تخرج لتجد زميلها الهولندي ينتظرها بسيارته أمام المنزل، يأخذها معه إلى الشركة حيث تقوم بأعمال التنظيف. في البداية كانت تؤدي له "واجب التنقل". لكن سمح لها فيما بعد أن ترافقه مجانا. مع مرور الأيام، أخذت تظهرعلى يسرى علامات الصحة والمعافاة. غيرت ملابسها الطويلة بأخرى قصيرة شيئا ما، تظهر زينة لاقت محل اهتمام من طرف الزملاء، كانت تخفيها بغير وعي منها... ثم ما لبثت أن عرفت من خلال العمل، أن ثقافة الرجل الهولندي أفضل بكثير من ثقافة الرجل المغربي. زميلها يستقبلها كل صباح بابتسامة عريضة، ويفتح لها آذانه فتحدثه عن أنواع المأكولات المغربية التي تتقن طهيها، وتشكو له الألم الذي أصاب ركبتها فلا يقاطعها. تتغير قسمات وجهه من التوتر إلى الانقباض، بحسب أعراض الألم التي لا يقوى حسه على تقبلها، فيشفق لحالها؛ وأحيانا تكاد الدموع تنزلق من مقلتيه، فيشعل سيجارة ويسلمها أخرى، إمعانا منه في تفهم وتبرير ألمها. نصحها بأن تفكر جيدا في نفسها، فلا تقف كثيرا في المطبخ عندما تعود إلى بيتها حتى لا يتفاقم الألم، فتضطر لأجراء عملية جراحية على ركبتها؛ ومن ثم قد تفقد عملها.. أما في الشركة، فقد نصحها أن لاتجهد نفسها. وحتى يساعدها أكثر، كان يأخذها معه إلى بيته لأخذ قيلولة طويلة بعد الظهيرة، فتستريح أكثر وتنسى متاعب العمل، وآلام المرض. ثم تطورت العلاقة بينهما، فأصبحت يسرى تحصل من زميلها على مقدمات الحب ومؤخراته، وفتحت لها أبواب السعادة مشرعة؛ خصوصا عندما تأكد لها، أنها فعلا اندمجت في الثقافة الهولندية.
    أصبح حسن لا يقتصر عمله في البيت على إعداد الإفطار، بل تجاوز ذلك إلى تنظيف المطبخ وإعداد طعام العشاء.. لكن ثقافته لم تكن بالمستوى الحضاري، إذ لم يكن يعطيها الوقت الكافي للحديث عن آلامها وأحلامها. جاءته ذات يوم متجهمة، قالت إنها سئمت العيش مع رجل لا يملك حسا إنسانيا، ولا يحترم حقوق المرأة، فطلبت منه الطلاق. لم يفاجئ ولم يستغرب الأمر. حاول أن يقنعها بالعدول عن رأيها، لكن بدون جدوى.
    مرت سنة واحدة فقط على الطلاق التعسفي. نسي فيها حسن يسرى ومشاكلها.. وانهمك في الشغل كسائق سيارة أجرة، يجمع المال ليبني به منزلا في المغرب. طلب منه رئيسه يوما أن يأخذ سيارة الأجرة الخاصة بالكراسي المتحركة، لينقل مريضا من منزله إلى المستشفى الرئيسي. لما وصل إلى عنوان المنزل، ضغط على الزر، فخرجت إليه امرأة في كرسي متحرك. استدار الكرسي بسرعة، نحو باب المنزل. انتظر حسن، قال في نفسه: ربما نسيت المريضة شيئا تريد تذكره، لكنها لم تفعل.. أخيرا بادرته قائلة: لم أكن أنتظر أن تأتي أنت!
    قال بعفوية: أنا السائق حسن.. لم يستطع أن يكمل الجملة، نظر إليها من جديد، تمعن في وجهها، هذا وجه يسرى، لكن أين قدميها؟ أين ساقيها؟ شعر وكأنه في حلم، بل كأنه جن..
    -أنا، أنا... كما ترى، أصبحت كما ترى.. مقعدة..لا أستطيع التنقل بدون كرسي متحرك،
    - ماكنت أتصور أن أراك على هذه الهيأة، لا أصدق ما أرى، أرجو المعذرة، فأنا سائق سيارة أجرة فقط، لا أختار الزبناء.. المفروض أن أنقلك إلى المستشفى الرئيسي..
    دفع حسن الكرسي المتحرك داخل السيارة، ربط يسرى بأحزمة الأمان، وانطلق باتجاه المستشفى. كان ينظر كثيرا في المرآة الداخلية الوسطى. فكانت تلتقي عيناه بعينيها، فيحول بصره بسرعة نحو الأمام.. لكنها بادرته بالقول:
    -هل تسافر هذه السنة إلى البلاد؟
    - إنشاء الله، لقد اشتريت قطعة أرضية، وأريد أن أبدأ في البناء.
    - كنتُ في الماضي لا أستطيع تحمل سفر ستة آلاف كيلومتر ذهابا وإيابا..
    -هل تتذكرين يا يسرى، عندما كنا نسافر كل صيف إلى المغرب، كنتُ أقضي ثلاثة أيام خلف المقود، وكنتِ تجلسين في الخلف تغالبين النعاس، خشية أن أنام فنتعرض لحادثة سير؟!
    -كانت تلك الأيام أسعد لحظات في حياتي، رغم مشقة السفر!
    - إنها ثقافة الهجرة يا يسرى: عرق ودموع ودماء.. ولكنها الحرية! كما يراها المهاجرون!.
    -.. اخترتُ ثقافة الأغلبية، لكن الأيام غدرت بي. كنتُ في سفر مع الهولندي، كان يسوق السيارة بسرعة مفرطة، فتعرضنا لحادثة سير، نجا هو بأعجوبة، أما أنا.. فكما ترى، فقدت ساقي معا. لا أستطيع العودة إلى العمل. منذ ثلاثة أشهر لم أره، لم يتصل بي ليسأل عني، هل مت أم لازلت على قيد الحياة!.
    لم يدم الحديث طويلا؛ إذ شاءت الأقدار هذه المرة أيضا، أن لا يستمع إلى آلامها وأحلامها؛ لم يكن ذلك بمحض إرادته، فقد وصلوا إلى المستشفى الرئيسي.
    صعد حسن خلف السيارة، فك الأحزمة ثم دفع بالكرسي المتحرك، حتى دخل به جناح الإعاقة الدائمة. سلم يسرى فاتورة الحساب. ثم خاطبها قائلا:
    - تفضلي يسرى، يمكنك تسديد المبلغ خلال مدة لا تتعدى ثلاثين يوما. أتمنى لك الشفاء. مع السلامة.
    في طريق عودته إلى مقر عمله، تذكر كيف اعتقلته حبائلها فأحبها وتزوجها. يضع كل شهر راتبه في يدها لتدخره. كانت تصول وتجول في عناد، حيثما تهب الريح تتبعها. اكتوى بجمار فراقها عن اكراه. ما كان يظن أن يأتي يوم يطالبها فيه بتسديد فاتورة الحساب! ويربطها بالأحزمة حتى لا تسقط.. تمنى صادقا أن يسكن القفار والجبال، لا يألف ولا يؤلف، على أن يدخل جنة فوق الأرض، يخرج منها على كرسي متحرك.

    10-2009
يعمل...
X