الأمازيغية والحرب الباردة [1]

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    عضو أساسي
    • 15-12-2008
    • 2228

    الأمازيغية والحرب الباردة [1]

    قد يستفز العنوان القارئ ويعتبره مبالغة والأمازيغية اليوم تعيش زمنا فريدا يعود بنا إلى عصر ماسينيسا وهو يحاول إثبات وجود الأهالي في فضاء قرطاج ويوغرطة وهو يناطح الرومان وميسرة يأتي بدين جديد ليواجه سياسة الميز العرقي الأموي. كلها محطات ثورية للحفاظ على الخصوصية والوجود الجماعي، تأتي خلال مرحلة التهديد الخارجي المرتبط أساسا بالوضعية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وليس كرد على تواجد أجنبي. إذ لم ينتفض الأمازيغ ضد قرطاج إلا بعد تدهور وضع الأمازيغ في مناطق نفوذ قرطاج، ولم ينتفضوا ضد الأغريق إلا بعد تهديد أراضيهم الزراعية والرعوية. نفس الشيء ينطبق على الرومان والوندال والأمويين.
    يمكن القول أن كل الانتفاضات المذكورة استبقها تعايش إلى درجة ما. فقد طُبعت المرحلة القرطاجية بالرغبة في التجارة والمرحلة الرومانية بالتعاون العسكري ضد قرطاج، ومع الوندال ضد الرومان ومع العرب ضد البيزنطيين. وبما أنه تعايش جزئي استفادت منه طبقة دون الأخرى فقد رضخ ذلك التعايش لضغوط فئة متضررة وضعيفة إلى حين اختلال موازين القوى التي ستتوج بثورة مجتمعية أخرى ستخضع لنفس قوانين المراحل السابقة.

    إذا كان هذا تاريخ التفاعل المحلي-الأجنبي إلى العصر الوسيط، فكيف يمكن أن نقرأ تنامي نفوذ التوجه الأمازيغي في هذا الزمن؟ نلاحظ أن هذه المرحلة تختلف بشكل كبير عن المراحل التاريخية السابقة ويتجلى ذلك الاختلاف في التحول الديموغرافي بحيث لم يعد الأمازيغ أغلبية إثنية بعد استعراب الجزء الأكبر تحت إكراهات مجتمعية ورغبات سياسية أو دينية، وبما أن الاستعراب لم يؤدي لتناقضات طبقية تذكر، فإن التوجه الأمازيغي لن يأخذ طابع الصراع الطبقي كما حدث خلال مراحل تاريخية إلى العصر الوسيط.

    في بداية نشأة الحراك الأمازيغي المسيس كان التركيز على البعد المخزني، لأن الأخير كان قد احتكر بفعالية ترويض المطالب الأمازيغية وكان ينظر للمناهظين لتلك الحقوق على أنهم أبواق مخزنية، إذ لم يكن على تلك الفئة سوى ترديد ما سبق أن سطره الفكر المخزني في خطوط عريضة هي: -البربر هم السكان الأولون للمغرب [بما يشي بأن البلد أصبح من نصيب ساكنة ثانية أو ثالثة..]. - البربر جاؤوا من اليمن [بما يجعل الحديث عن تمييز ثقافي بين العرب والأمازيغ أمرا غير ممكن]. - لم تفلح فرنسا في تجريد البربر من هويتهم العربية الأسلامية [ما يعني أن أي توجه غير عربي هو توجه مشبوه وخيانة للوطن وحنين للاستعمار]. - اللغة العربية هي لغة الدستور والأمازيغية عبارة عن لهجات والمطالبة باستخدامها غير جائز لأنه يجب أن نحترم القانون كوطنيين حقيقيين. - الأسلام هو ديننا ولايمكن السماح بالأسماء الوثنية التي حررنا منها الأسلام [وهو أمر مقبول مجتمعيا بحيث يكون قمر إسما غير وثنيا وأيور إسما جاهليا].

    إذن، نحن هنا أمام حرب باردة مشرعنة قانونيا وسياسيا تتكئ على دستور شرعي، وعلم أو معرفة مدرسية وأكاديمية. وهذا ما يفسر ولادة حرب باردة بين توجه مخزني وتوجه أمازيغي دون إقحام الطابع الأثني في ذلك الصراع، وهو أمر طبيعي لأن خيوط ذلك الصراع كانت بالكاد تقتصر على النخبة المثقفة والتي غالبا ماتكون طبقة أليفة في حدائق المخزن.
    لكن تنامي الحركة وثورة التواصل الأعلامي والرقمي سيدشن مرحلة أخرى ستتمحور بين قناعات متنافرة تكون أطرافها فاعلين مجتمعيين، ويتم فيه تحييد المخزن بشكل مضطرد. لقد أصبحت حربا باردة بين تركة المخزن المتمثلة في تلاميذه النجباء الذين أدركوا أن مسايرة المخزن يعود بنفع أكثر، بعكس الحراك الأمازيغي ذي الطبيعة النظالية. بالأضافة إلى تيار اقتنع بتفاهة المطالب الأمازيغية، وهو تيار ديني على العموم، يرى في اللغة العربية لغة الوحي، والأمازيغية ذكرى لحقبة وثنية. كما تربت على تمجيد الشخصيات العربية والأسلامية حتى أصبحت مقتنعة بتميز العرب.
    أمام هذا الانتقال القطبي من حراك أمازيغي مقابل تناول مخزني متحكم إلى قطب أمازيغي-عربي. فأن الأدوات سوف تحتاج للمراجعة. والمقصود بالقطب الأمازيغي التوجه للجذور الأمازيغية، أما القطب العربي فهو القطب الذي يرى تارة أن جذوره عربية [في حالة من يعتقد بأصوله العربية]، وتارة بين من يرى في القومية العربية مكاسب يحسد عليها [حالة من لم يستعرب لغويا بعد].
    أما الأدوات في هذه المرحلة ستأخذ منحا مغايرا، فالتوجه الأمازيغي سيستند على الشرعية التاريخية والهوياتية ونبذ التطرف الأسلامي، ويذهب البعض لانتقاد ما يسمونه الغزو العربي. في حين سيستند التوجه العربي على مايرونه تناولا نفعيا مثل عدم أهلية الأمازيغية لمواكبة التطور واحتياجها لمبالغ مالية ستثقل كاهن الشعب ودافعي الضرائب لتأدية أتعاب غرفة الإنعاش. كما رأت فيه مساهمة أخرى في تخلف التعليم وتدعوا لتعلم اللغات الهامة كالفرنسية والأنجليزية. ورأت في التوجه الأمازيغي خروجا عن الوحدة في وقت التكتلات الدولية، وإضعافا لشوكة المسلمين. وبين هذا وذاك تكثر أنصاف الحقائق التي لا يراها إلا الطرف الآخر، وتأخذ هذه الحرب الباردة بعدا مصلحيا تبرر فيه الغاية الوسيلة ويغيب في جوهر الخلاف، لأن ذلك الجوهر ليس بالجمالية التي يشتهونها.



    أكثر...
  • غالية ابو ستة
    أديب وكاتب
    • 09-02-2012
    • 5625

    #2
    شكراً لمن تناول هذا الموضوع بالبحث
    كنت أتوق لمزيد من المعرفة عن الامازيغية
    استفدت جداً من هذا البحث، او المقال-
    شكراً جزيلاً---وجزاكم الله خيراً
    يا ســــائد الطيـــف والألوان تعشــقهُ
    تُلطّف الواقـــــع الموبوء بالسّـــــقمِ

    في روضــــــة الطيف والألوان أيكتهــا
    لـــه اعزفي يا ترانيــــم المنى نـــغمي



    تعليق

    • نعمان عابد
      أديب وكاتب
      • 21-04-2011
      • 28

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة الجمعية الدولية لمترجمي العربية مشاهدة المشاركة
      قد يستفز العنوان القارئ ويعتبره مبالغة والأمازيغية اليوم تعيش زمنا فريدا يعود بنا إلى عصر ماسينيسا وهو يحاول إثبات وجود الأهالي في فضاء قرطاج ويوغرطة وهو يناطح الرومان وميسرة يأتي بدين جديد ليواجه سياسة الميز العرقي الأموي. كلها محطات ثورية للحفاظ على الخصوصية والوجود الجماعي، تأتي خلال مرحلة التهديد الخارجي المرتبط أساسا بالوضعية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وليس كرد على تواجد أجنبي. إذ لم ينتفض الأمازيغ ضد قرطاج إلا بعد تدهور وضع الأمازيغ في مناطق نفوذ قرطاج، ولم ينتفضوا ضد الأغريق إلا بعد تهديد أراضيهم الزراعية والرعوية. نفس الشيء ينطبق على الرومان والوندال والأمويين.
      يمكن القول أن كل الانتفاضات المذكورة استبقها تعايش إلى درجة ما. فقد طُبعت المرحلة القرطاجية بالرغبة في التجارة والمرحلة الرومانية بالتعاون العسكري ضد قرطاج، ومع الوندال ضد الرومان ومع العرب ضد البيزنطيين. وبما أنه تعايش جزئي استفادت منه طبقة دون الأخرى فقد رضخ ذلك التعايش لضغوط فئة متضررة وضعيفة إلى حين اختلال موازين القوى التي ستتوج بثورة مجتمعية أخرى ستخضع لنفس قوانين المراحل السابقة.

      إذا كان هذا تاريخ التفاعل المحلي-الأجنبي إلى العصر الوسيط، فكيف يمكن أن نقرأ تنامي نفوذ التوجه الأمازيغي في هذا الزمن؟ نلاحظ أن هذه المرحلة تختلف بشكل كبير عن المراحل التاريخية السابقة ويتجلى ذلك الاختلاف في التحول الديموغرافي بحيث لم يعد الأمازيغ أغلبية إثنية بعد استعراب الجزء الأكبر تحت إكراهات مجتمعية ورغبات سياسية أو دينية، وبما أن الاستعراب لم يؤدي لتناقضات طبقية تذكر، فإن التوجه الأمازيغي لن يأخذ طابع الصراع الطبقي كما حدث خلال مراحل تاريخية إلى العصر الوسيط.

      في بداية نشأة الحراك الأمازيغي المسيس كان التركيز على البعد المخزني، لأن الأخير كان قد احتكر بفعالية ترويض المطالب الأمازيغية وكان ينظر للمناهظين لتلك الحقوق على أنهم أبواق مخزنية، إذ لم يكن على تلك الفئة سوى ترديد ما سبق أن سطره الفكر المخزني في خطوط عريضة هي: -البربر هم السكان الأولون للمغرب [بما يشي بأن البلد أصبح من نصيب ساكنة ثانية أو ثالثة..]. - البربر جاؤوا من اليمن [بما يجعل الحديث عن تمييز ثقافي بين العرب والأمازيغ أمرا غير ممكن]. - لم تفلح فرنسا في تجريد البربر من هويتهم العربية الأسلامية [ما يعني أن أي توجه غير عربي هو توجه مشبوه وخيانة للوطن وحنين للاستعمار]. - اللغة العربية هي لغة الدستور والأمازيغية عبارة عن لهجات والمطالبة باستخدامها غير جائز لأنه يجب أن نحترم القانون كوطنيين حقيقيين. - الأسلام هو ديننا ولايمكن السماح بالأسماء الوثنية التي حررنا منها الأسلام [وهو أمر مقبول مجتمعيا بحيث يكون قمر إسما غير وثنيا وأيور إسما جاهليا].

      إذن، نحن هنا أمام حرب باردة مشرعنة قانونيا وسياسيا تتكئ على دستور شرعي، وعلم أو معرفة مدرسية وأكاديمية. وهذا ما يفسر ولادة حرب باردة بين توجه مخزني وتوجه أمازيغي دون إقحام الطابع الأثني في ذلك الصراع، وهو أمر طبيعي لأن خيوط ذلك الصراع كانت بالكاد تقتصر على النخبة المثقفة والتي غالبا ماتكون طبقة أليفة في حدائق المخزن.
      لكن تنامي الحركة وثورة التواصل الأعلامي والرقمي سيدشن مرحلة أخرى ستتمحور بين قناعات متنافرة تكون أطرافها فاعلين مجتمعيين، ويتم فيه تحييد المخزن بشكل مضطرد. لقد أصبحت حربا باردة بين تركة المخزن المتمثلة في تلاميذه النجباء الذين أدركوا أن مسايرة المخزن يعود بنفع أكثر، بعكس الحراك الأمازيغي ذي الطبيعة النظالية. بالأضافة إلى تيار اقتنع بتفاهة المطالب الأمازيغية، وهو تيار ديني على العموم، يرى في اللغة العربية لغة الوحي، والأمازيغية ذكرى لحقبة وثنية. كما تربت على تمجيد الشخصيات العربية والأسلامية حتى أصبحت مقتنعة بتميز العرب.
      أمام هذا الانتقال القطبي من حراك أمازيغي مقابل تناول مخزني متحكم إلى قطب أمازيغي-عربي. فأن الأدوات سوف تحتاج للمراجعة. والمقصود بالقطب الأمازيغي التوجه للجذور الأمازيغية، أما القطب العربي فهو القطب الذي يرى تارة أن جذوره عربية [في حالة من يعتقد بأصوله العربية]، وتارة بين من يرى في القومية العربية مكاسب يحسد عليها [حالة من لم يستعرب لغويا بعد].
      أما الأدوات في هذه المرحلة ستأخذ منحا مغايرا، فالتوجه الأمازيغي سيستند على الشرعية التاريخية والهوياتية ونبذ التطرف الأسلامي، ويذهب البعض لانتقاد ما يسمونه الغزو العربي. في حين سيستند التوجه العربي على مايرونه تناولا نفعيا مثل عدم أهلية الأمازيغية لمواكبة التطور واحتياجها لمبالغ مالية ستثقل كاهن الشعب ودافعي الضرائب لتأدية أتعاب غرفة الإنعاش. كما رأت فيه مساهمة أخرى في تخلف التعليم وتدعوا لتعلم اللغات الهامة كالفرنسية والأنجليزية. ورأت في التوجه الأمازيغي خروجا عن الوحدة في وقت التكتلات الدولية، وإضعافا لشوكة المسلمين. وبين هذا وذاك تكثر أنصاف الحقائق التي لا يراها إلا الطرف الآخر، وتأخذ هذه الحرب الباردة بعدا مصلحيا تبرر فيه الغاية الوسيلة ويغيب في جوهر الخلاف، لأن ذلك الجوهر ليس بالجمالية التي يشتهونها.



      أكثر...
      على كل حال وعلى غير العادة الموضوع عرض بشكل رائع وبأسلوب منسجم وممتنع فإنه من جهة اخرى عبارة عن وتر جد حساس إن لم نقل من الطابوهات التي نتحاشى الخوض فيها لاسباب إجتماعية منها وسياسي آخر
      بحيث ان النسيج الإجتماعي في المنطقة المغاربية حاليا جد هش وسريع التمزق لاتفه الاسباب ولقد لاحظت تفاقم الجريمة باسم العروشية وباسم الدين ناهيك عن اللغة اي ونحن امام جمرة حمراء تنتظر هبوب طفيف من الرياح للتتقد نارا
      ومن جهة ثانية الفكر السياسي تم تغذيته على اساس الولاء وكانت القناعة ان الولاء لا يكون إلا للسكان الاصلين وهذه للأسف الشديد وجدت صداها في المنطقة المغاربية مما اكسب الاقلية قوة معارضة معنوية شديدة ضد اي نظام قائم حتى وإن كان عادل
      خاصة إذا علمنا ان فكر الأقليات التي في حقيقة الامر وجدت للحماية الخصوصية كتراث اصبحت الان كسلاح فتاك لتبرير المركز كضحية لتغطية مايريد وهذا هو الاخطر

      تعليق

      • نعمان عابد
        أديب وكاتب
        • 21-04-2011
        • 28

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة الجمعية الدولية لمترجمي العربية مشاهدة المشاركة
        قد يستفز العنوان القارئ ويعتبره مبالغة والأمازيغية اليوم تعيش زمنا فريدا يعود بنا إلى عصر ماسينيسا وهو يحاول إثبات وجود الأهالي في فضاء قرطاج ويوغرطة وهو يناطح الرومان وميسرة يأتي بدين جديد ليواجه سياسة الميز العرقي الأموي. كلها محطات ثورية للحفاظ على الخصوصية والوجود الجماعي، تأتي خلال مرحلة التهديد الخارجي المرتبط أساسا بالوضعية السياسية والعسكرية والاقتصادية، وليس كرد على تواجد أجنبي. إذ لم ينتفض الأمازيغ ضد قرطاج إلا بعد تدهور وضع الأمازيغ في مناطق نفوذ قرطاج، ولم ينتفضوا ضد الأغريق إلا بعد تهديد أراضيهم الزراعية والرعوية. نفس الشيء ينطبق على الرومان والوندال والأمويين.
        يمكن القول أن كل الانتفاضات المذكورة استبقها تعايش إلى درجة ما. فقد طُبعت المرحلة القرطاجية بالرغبة في التجارة والمرحلة الرومانية بالتعاون العسكري ضد قرطاج، ومع الوندال ضد الرومان ومع العرب ضد البيزنطيين. وبما أنه تعايش جزئي استفادت منه طبقة دون الأخرى فقد رضخ ذلك التعايش لضغوط فئة متضررة وضعيفة إلى حين اختلال موازين القوى التي ستتوج بثورة مجتمعية أخرى ستخضع لنفس قوانين المراحل السابقة.

        إذا كان هذا تاريخ التفاعل المحلي-الأجنبي إلى العصر الوسيط، فكيف يمكن أن نقرأ تنامي نفوذ التوجه الأمازيغي في هذا الزمن؟ نلاحظ أن هذه المرحلة تختلف بشكل كبير عن المراحل التاريخية السابقة ويتجلى ذلك الاختلاف في التحول الديموغرافي بحيث لم يعد الأمازيغ أغلبية إثنية بعد استعراب الجزء الأكبر تحت إكراهات مجتمعية ورغبات سياسية أو دينية، وبما أن الاستعراب لم يؤدي لتناقضات طبقية تذكر، فإن التوجه الأمازيغي لن يأخذ طابع الصراع الطبقي كما حدث خلال مراحل تاريخية إلى العصر الوسيط.

        في بداية نشأة الحراك الأمازيغي المسيس كان التركيز على البعد المخزني، لأن الأخير كان قد احتكر بفعالية ترويض المطالب الأمازيغية وكان ينظر للمناهظين لتلك الحقوق على أنهم أبواق مخزنية، إذ لم يكن على تلك الفئة سوى ترديد ما سبق أن سطره الفكر المخزني في خطوط عريضة هي: -البربر هم السكان الأولون للمغرب [بما يشي بأن البلد أصبح من نصيب ساكنة ثانية أو ثالثة..]. - البربر جاؤوا من اليمن [بما يجعل الحديث عن تمييز ثقافي بين العرب والأمازيغ أمرا غير ممكن]. - لم تفلح فرنسا في تجريد البربر من هويتهم العربية الأسلامية [ما يعني أن أي توجه غير عربي هو توجه مشبوه وخيانة للوطن وحنين للاستعمار]. - اللغة العربية هي لغة الدستور والأمازيغية عبارة عن لهجات والمطالبة باستخدامها غير جائز لأنه يجب أن نحترم القانون كوطنيين حقيقيين. - الأسلام هو ديننا ولايمكن السماح بالأسماء الوثنية التي حررنا منها الأسلام [وهو أمر مقبول مجتمعيا بحيث يكون قمر إسما غير وثنيا وأيور إسما جاهليا].

        إذن، نحن هنا أمام حرب باردة مشرعنة قانونيا وسياسيا تتكئ على دستور شرعي، وعلم أو معرفة مدرسية وأكاديمية. وهذا ما يفسر ولادة حرب باردة بين توجه مخزني وتوجه أمازيغي دون إقحام الطابع الأثني في ذلك الصراع، وهو أمر طبيعي لأن خيوط ذلك الصراع كانت بالكاد تقتصر على النخبة المثقفة والتي غالبا ماتكون طبقة أليفة في حدائق المخزن.
        لكن تنامي الحركة وثورة التواصل الأعلامي والرقمي سيدشن مرحلة أخرى ستتمحور بين قناعات متنافرة تكون أطرافها فاعلين مجتمعيين، ويتم فيه تحييد المخزن بشكل مضطرد. لقد أصبحت حربا باردة بين تركة المخزن المتمثلة في تلاميذه النجباء الذين أدركوا أن مسايرة المخزن يعود بنفع أكثر، بعكس الحراك الأمازيغي ذي الطبيعة النظالية. بالأضافة إلى تيار اقتنع بتفاهة المطالب الأمازيغية، وهو تيار ديني على العموم، يرى في اللغة العربية لغة الوحي، والأمازيغية ذكرى لحقبة وثنية. كما تربت على تمجيد الشخصيات العربية والأسلامية حتى أصبحت مقتنعة بتميز العرب.
        أمام هذا الانتقال القطبي من حراك أمازيغي مقابل تناول مخزني متحكم إلى قطب أمازيغي-عربي. فأن الأدوات سوف تحتاج للمراجعة. والمقصود بالقطب الأمازيغي التوجه للجذور الأمازيغية، أما القطب العربي فهو القطب الذي يرى تارة أن جذوره عربية [في حالة من يعتقد بأصوله العربية]، وتارة بين من يرى في القومية العربية مكاسب يحسد عليها [حالة من لم يستعرب لغويا بعد].
        أما الأدوات في هذه المرحلة ستأخذ منحا مغايرا، فالتوجه الأمازيغي سيستند على الشرعية التاريخية والهوياتية ونبذ التطرف الأسلامي، ويذهب البعض لانتقاد ما يسمونه الغزو العربي. في حين سيستند التوجه العربي على مايرونه تناولا نفعيا مثل عدم أهلية الأمازيغية لمواكبة التطور واحتياجها لمبالغ مالية ستثقل كاهن الشعب ودافعي الضرائب لتأدية أتعاب غرفة الإنعاش. كما رأت فيه مساهمة أخرى في تخلف التعليم وتدعوا لتعلم اللغات الهامة كالفرنسية والأنجليزية. ورأت في التوجه الأمازيغي خروجا عن الوحدة في وقت التكتلات الدولية، وإضعافا لشوكة المسلمين. وبين هذا وذاك تكثر أنصاف الحقائق التي لا يراها إلا الطرف الآخر، وتأخذ هذه الحرب الباردة بعدا مصلحيا تبرر فيه الغاية الوسيلة ويغيب في جوهر الخلاف، لأن ذلك الجوهر ليس بالجمالية التي يشتهونها.



        أكثر...
        على كل حال وعلى غير العادة الموضوع عرض بشكل رائع وبأسلوب منسجم وممتنع فإنه من جهة اخرى عبارة عن وتر جد حساس إن لم نقل من الطابوهات التي نتحاشى الخوض فيها لاسباب إجتماعية منها وسياسي آخر
        بحيث ان النسيج الإجتماعي في المنطقة المغاربية حاليا جد هش وسريع التمزق لاتفه الاسباب ولقد لاحظت تفاقم الجريمة باسم العروشية وباسم الدين ناهيك عن اللغة اي ونحن امام جمرة حمراء تنتظر هبوب طفيف من الرياح للتتقد نارا
        ومن جهة ثانية الفكر السياسي تم تغذيته على اساس الولاء وكانت القناعة ان الولاء لا يكون إلا للسكان الاصلين وهذه للأسف الشديد وجدت صداها في المنطقة المغاربية مما اكسب الاقلية قوة معارضة معنوية شديدة ضد اي نظام قائم حتى وإن كان عادل
        خاصة إذا علمنا ان فكر الأقليات التي في حقيقة الامر وجدت للحماية الخصوصية كتراث اصبحت الان كسلاح فتاك لتبرير المركز كضحية لتغطية مايريد وهذا هو الاخطر

        تعليق

        يعمل...
        X