[align=justify]طلعت الشَّمس
[/align]تُصافحُه على " الماسنجر " بغمزِهَا ودلالِها . أُنوثةٌ مائسةٌ ، الودُّ دُمُّها ، يداعبُها التغنجُ ، الطيبُ في حروفِها يَسبَحُ ، يَلمعُ الجمالُ مع تقلباتِ اللسانِ في قراءةِ كلماتِها ، وتغرقُ الروحُ في أَوديةِ عزفِهَا . رسالةٌ من صديقةٍ جديدةٍ ، لم تَمضِ عروقُ التعرّفِ في أَعماقِ الروحِ .
تتلمظُ عيناهُ ، يهزُّ أَعطافَ رأسِه ، ببطئٍ يغمضُ تفكيرَه ، ثُم يُطرقُ مُستدعياً خبرةَ الأَيامِ ، يحيكُ حبائلَ توقع الشيطانَ ، الإِغراءُ والأيمانُ والعهودُ تتسيدُ الرسالةَ ، ومن تحتهم يقبعُ خُبثٌ متهدمُ الأَسنانِ ، مُعتم تأكسدها ، اختنقتْ حجرته بلفائفِ دخانٍ متدفقٍ ، يقلبُ لسانُ الكذبِ شباكَه ، من كلماتِ السالفينَ يُغازلُها ، ينتظرُ متّى تطأُ الفخَّ ؟ ... ومن هي ؟ ... أيضاً لا يدري ، لكن لا يهمُّ ... يرمي ببقايا سيجارته أسفل الكرسي ، ويطلي شفتيه السوداويتين بلعابٍ يقطرُ لَهفةً لِمجيئِهَا .. يستغربُ قليلاً ، ثم يقلبُ " الكيبورد " يخترقُ نظرُه .. ، ماذا أَختارُ ؟ ما الأَكثرُ نفعاً الآنَ ؟ .
تتقافزُ على أصابعِه حروفٌ يضغطُها ، مُنَاجِياً .. للقلبِ هذا نداءُ . يبادلُه الاسمُ الغريبُ العاطفةَ ، والتحيةَ ، بعدما تعارفا على أَنَّهما من البلدةِ نفسِها ، اتفقا بِأَنَّه قريبٌ سيكونُ اللقاءُ في الحفلِ الشعريِّ السنويِّ الذي تقيمُه المدينةُ .
مع زوجتِه على سطحِ الدارِ يتغامزانِ ويضحكانِ ، ضحكتَه زائفةٌ تخفي حكايا وحكايا . غداً عليَّ الذهاب إلى المهرجان ، لأنّني من المدعوين .. سألتقي بأحبابِ القلب ، أَنتِ اعتني بولدِنا فَإِنَّه قُرَّةُ آمالِنا ، يخاطبُها وهو يرطنُ مع نفسِه : سأشمُّ عطرَها سأقبلُ يمناها ، رُبَّما تسنحُ لي الفرصةُ أحتضنُها ، وأضمُّها ، و ...
زوجته تتمايلُ وتلقي بشعرِهَا على كتفِه ، " ما بكَ أراكَ تتحدثُ مع نفسِكِ ؟! " ، تُضاحكُه قائلةً : " عرفتُ مع الشيبِ ينمو عشقٌ ومُراهقةٌ ترجعُ ، لكن هيهات لكَ " ، يرفعُ شعرَهَا بضحكتِه ، وَأَسنانِه الصفراءِ تجتاحُ براءتَها .
" كم ثقيل هو الليل وأنتَ تنتظرُ لقاء حبيبٍ !! ، طال انتظاري يا حبيبتي ، متَّى تشرقُ الشمسُ ، وتفصحُ عن غرّة جمالكِ ، وتغمرُ القلبَ رعشة لقاءٍ جديدٍ " . يراجعُ قاموسَ خُططِه ، يَرشُ أفضل العطورِ ، ويلتهم علكةً علَّها تُذهبُ شيئاً من عفنِ أَسنانِه المُتأكسدةِ ، يلبسُ ما فَخُرَ لديه ، ثم يغمزُ زوجته ، يخبرُها بأنّه لا يعرفُ كم سيبقى ، ينظرُ إلى مرآةِ القلبِ ، يَعومُ في تأملاتِه عن تلك : صاحبة الرسالة ، ذات الحرفِ الرقيقِ ، واللفظ العاطفيّ الجميل ، يَا تُرى كم طولُها ؟ ، خصرها آهٍ ... من دلالِها الذائب مع الكلماتِ .
يا ترى أناملها قطنيَّة ، عبيرها مسك ، أَريجُها ... هل أُعانقُها ؟ ، ليونتها أَترنو على خدي ؟ . تخبرُه المرآةُ بنظراتٍ لامعةٍ ، تراوده وساوسٌ شتّى وتوقعاتٌ عدّة ، بدأَ ينظرُ للساعةِ ، كأنَّهَا من حجرٍ لا يتحركُ ، " هل ساعتي تلاعبَ بها ولدكَ المشاكسُ ؟" يعصفُ بوجه زوجته .
بلطفٍ تجيبُه " كم هي الآنَ ؟ " .... " لا أنتَ مستعجل ، لا يزالُ الليلُ يجرُّ بقيةَ أَذيالِه " .
آهٍ .... متّى تطلعُ الشَّمسُ ؟
تأخرت كثيراً .. يودّعُ زوجتَه مع بزوغِ الشعاعِ الأول ، ينبغي أن أصل باكراً .
غير مصدقٍ يخرج قدمه بسرعةِ شابٍ يعتريه عُنفوانُ الصِّبا ، بخفَّةِ طيرٍ يعانقُ الحريةَ ، ما إِن مشى خُطواتٍ حتَّى وخزته صيحاتٌ من خلفِه ، لم يعبأ بها ، يتجاهلُها ويجري أَسرع ، تغورُ خناجرُ الصراخِ في مسمعِه ، يلتفتُ ، ولده متسربلاً بالدماءِ ، يتراجعُ جسدُه ، وقلبُ أَحلامِه يتفطرُ .
يحتضنُ ولده بكلتا يديه ويلفُّه بروحِه المتقطعةِ ، ويأخذُه إلى أَعماقِه ، طائراً به للمشفى ، تلحقُ به زوجتُه حافيةَ الفكرِ ، ناسيةً وعيها .
الطبيبُ .. يقلبُ النظرَ في الجرحِ " ما به ؟ "
.... " سقطَ من السُّلم "
- " خيراً ، لا تقلقا ، الجرح غير عميق ، سيكون على ما يرام إِن شاء الله " .
تركَ زوجته وحديث الطبيب ، ليأخذَ أنفاساً من سيجارتِه ، نفسٌ عميقٌ يتقطعُ على آهاتٍ متكسرةٍ ، وَكَأَنَّه قد غرقتْ كُلُّ سُفُنِ تجارتِه في بحرِ التِّيه .
- " خذوه لغرفةِ التضميد ، وجددوا التضميد له أَنَّى شئتم " .
يأخذانه للصالة ، لا يجدانِ أَحداً ؛ العملُ لم يبدأ بعد ، تشيرُ زوجتُه بصوتٍ نَفَدَ مفعوله ، اسرعْ إلى الطوارئ . يزمجرُ بسببِكِ وإهمالِكِ ، عيناه الحمراوتانِ تصبانِ الغضبَ ناراً ، يزأرُ بوجهِها لا أَعرفُ تصلُ بكِ درجةُ الغباءِ والإهمالِ ، لم أَدرِ أَنَّ الرعونةَ لا تفارقكِ ، لعنةُ العمرِ أنتِ ثوبِي ، والدخانُ كَالسّياطِ يتلوى على أنفاسِها ، ويمزقُ ريقَها ، ومقلتَيهَا ، ويطبقُ على عينيها الباكيتينِ .
يسرعُ به إلى الطوارئِ ، تجرُّ خيبتَها وتبتلعُ مرارةَ تعاستِها ، تتعوذُ بالرحمنِ من نيرانِ حقدِه ، تصفعُ أشعةُ الشمسِ المُتسربةُ من بين أَفنانِ الحديقةِ خدها الأَسمرَ . في " الطوارئ " يجدانِ فتاةً غضةً ، يبتسمُ بوجهِهَا ، طابَ الصباحُ بكِ ، يا شمسَ الجمالِ ، يا طلعةَ البهاءِ ، تترنمُ بصوتِها الطفوليِّ ، وتبسمُ براءةُ شفتيها ، تتلقفُ الطفلَ منه وتلفُّه بحنانٍ ناعمٍ ، تأخذُه ، تضعُه جنبها لمعالجته ، يخرجونهما من الصالةِ ، بعد برهةٍ يُخرجُ الطفلُ معصوبَ الرأسِ .
يكلمُ زوجتَه ، وعيناه مغروزتانِ في تلكَ الفتاةِ ، يتفحصُ أنوثتَهَا ، وقامتَهَا ، تغورُ نظرتُه الثاقبةُ بينَ أَردافِهَا ، تخشّب ، تسمّر خيالُه ، لا حراكَ ، يلتفتُّ إلى زوجته بغتةً عابساً غاضباً ، ويلعنُ الأيام ، ويتمتمُ قلبُه بشتّى أَنواع السِّباب ، تلتفُ حول نفسها ، وتلوذُ بالدموعِ ، وتتجرعُ ما تُرِكَ من صبرِ الثكالى واليتامى .
يغادرُ منزلَه قاصداً المهرجان ، يشيرُ إلى السيارةِ ، يركبُ على عجلٍ ويُغلقُ البابَ بقوةٍ . بعد أن سكنَ به المقعدُ ، جرى بينهما حديثٌ ، ولاسيما الطفلُ وسقوطُه ، نظرَ السائقُ إليه نظرةَ ناصحٍ أمينٍ ، قائلاً : أرى حذاءك وقميصك ملطخين ، أشبه بجلدِ حيةٍ رقطاء ، بصوتٍ يبدو مهتماً بِأمرِه ، " منَ الأَفضلِ إبدالهما " .
تنزلقُ الكلماتُ عاثرةً بِأَسنانِه المُتهدمةِ " نسيتُ تغييرها ، يا لحظي العاثر !! "
يرمي جبهته براحتِه فيتطايرُ العرقُ ، لقد خسرتْ ، يأمرُ السائقَ بالعودةِ ، " هيا أدر الوجهة إلى المنزلِ بسرعةٍ نغيرُ الملابس ونعودُ " .
السائقُ يصمتُ ، ويخففُ السرعةَ ، يطرقُ برأسهِ مُفكراً ، رفعَ صوتَه الرزينَ مُقترحاً ، بالقربِ من الاستدارةِ القادمةِ ، محلٌ لبيعِ الملابسِ نشتري أو نؤجرُ ثوباً خيراً من الرجوعِ ، قد نتأخرُ كثيراً ، يحكُّ فروةَ رأسِه إِنَّه كلامٌ حكيمٌ ، يترجلانِ إلى صاحبِ المتجرِ .
تحيةٌ عجلى ، وكلامٌ شبيه بإستغاثةِ المنكوبين ، أو المجانين ، يأخذُ المقاساتِ ، يعطيه شيئاً جديداً ، يدخلُ إلى الركنِ المنزوي في الطرفِ ، يبدلُ ملابسَه ، كم هي أنيقة وهو يتأملُ نفسَه ، يدندنُ ، ثوبٌ جيدٌ يليقُ بشمسِ الجمالِ ، يُلائمُ أناملَها ، حركَ يديه ، مشى الغرورُ خطواتٍ وئيدةً في بدنِه ، خرجَ مُختالاً بلياقةِ هندامه ، الجمالُ والأناقةُ يقدمانِ له كأَسَ التهنئةِ ، يثملُ بنشوةِ الكأسِ ثُم يُعانقُ البسمةَ ، وتتغير قليلاً دماءُ آمالِه ، عادَ له طيفُ الحلمِ مجدداً ، صاحبُ المتجرِ يبتسمُ مهنئاً إياه .
يَعُدُّ الثمنَ لصاحبِ المتجرِ ، لم تكفِ النقودُ التي معه ، لحظةً من كرمِكَ ، سأجلبُ حقيبتي ، يخرجُ ، الذهولُ في الشارعِ ، زلزالٌ ينتظرُه ، لم يرَ أَحداً لا السيارةَ ولا صاحبَهَا ، تميدُ مسارحُ أَحلامِه ، تغمرُه أَمواجٌ ثقالٌ من الانكساراتِ ، يتوكأُ على خاصرتِه ، ويحاولُ جمعَ صبرِه المُتهرئ بالخيبةِ ، يعصفُ به إِعصارُ الخذلانِ ، فتتكسرُ غارقةً أَشرعةُ مُخططاتِه ، يَأخذُ جرعةً أخرى من أَسى تعثراته .
يسألُ عن السائقِ .. في الحقيبةِ كُلُّ شيءٍ ، كُلُّ وثائقِ العملِ ، الشهاداتِ ، الأَموال ، المستندات ، كُلُّ حياتي فيها . ينظرُ من حولِه إلى دموعِ روحِه ، وانفلاتِ وجهِه ، وتناثرِ رُجولتِه مع دخانِ احتراقاتِه المُتصاعدة ، فَيتألمونَ رأفةً لمأساتِه .
يدنو منه بائعٌ للشاي ، يخبرُه البائعُ المتجول ، ما بك يقصُّ له طرفاً من حكايته ، يصفُ له السائقَ وسيارته . يبتسمُ بهدوءٍ كأنَّه يهنئه ، نظرَ إِليه مستغرباً . قالَ له البائعُ : " حمداً لله ، لو عرفتَ أَنَّ هذا السائقَ من أخطرِ عصاباتِ البلادِ ، لما حزنتَ ، حمداً لله على سلامتك ونجاتك منه ، وإِياك أَن تفكرَ في عملِ أي شيءٍ " .
يتعاطفُ معه صاحبُ المتجرِ ، إذ كانَ على مقربةٍ من الحديثِ ، فيشطرُ معه المبلغَ المتبقي في جيبِه ، وأَخَذَ ساعتَه الثمينةَ رهناً ، يؤجرُ سيارةً أُخرى تقله إلى حيث المهرجان ، تعاوده نسماتُ الأَملِ وهو يقتربُ من العزفِ ، ابتلع ريقه الخشبيّ ، ومسحَ عرقه المتصبب ، وولجَ في جُبةِ الصمتِ .
يدخلُ والبهجة ترفرفُ على وجهِه كالأعلامِ والراياتِ التي على الجدرانِ ، الموسيقى صاخبة في الأرجاءِ ، يتأملُ الحشد ، يا ترى من تكون ؟ .
يمعنُ النظرَ في الفاتناتِ ، ترتدُ له خائبةً أُمنياتِه ، فكُلّما تمعنَ توقعُه بحسناءٍ ، يدعونها للمنصة بغيرِ ما نُقِشَ بينَ أضلاعِ أحلامِه ، هكذا أَمله أَخذَ يتابعُ ويتبددُ رويداً رويداً ، يدققُ الفحصَ في الأناملِ البيضاء .
أين أميرتي ؟
متى تأتي ؟
بعدما أخذ منه التفكير مأخذه ، هل خدعتني ؟
هل كذبت عليّ ؟
هل لم تكن حسناء ؟
أيستحق امرؤ كل هذه المعاناة من أجل اسم فتاة لا يعرفُ شيئاً عنها ؟
لا ، لي شرف البحث والاجتهاد ، ربما تأخرتُ ، ما كانَ عليَّ قد فعلتُه ، وهو يعضّ أنامل سعيه ، " لم تكن مقسومة ، سأنتظر القادمة ".
يؤنبه همسٌ عميقٌ ، تركت أهلك وولدك لا تدري ما به ، تحملت معاناة عصيبة وأنت غير متأكد من حضورِها ، لا بل لم تعرفها حتى لو رأيتها ، لمَ تعمل هذا ؟ ، يقرر أن يبوح للملأ ، لا سأسأل عنها مسؤول الحفل .
" أتعرف السيدة شمس الجمال ؟ "
يخبره بصوتٍ خافتٍ ممزوجٍ بالحسرة والألم : " لِلأسفِ ابنها سقطَ من السلم اليوم ولم تستطع الحضور " ، يصرخُ جنوناً ، يتعرى من ثيابِه ، ويهتزُّ منتفضاً من أَعماقِه ، يحسُّ أن حرارة شديدة تلسعه ، وخفقاناً شديداً ، وشخصاً يهدئه ، يُدعكُ عينيه ، إنّها زوجته جنبه وقد طلعتْ عليهما الشمسُ ، وتقولُ له " اسم الله عليك " .
منتظر السوادي 25 / 5 / 2012 م
[/align]
تعليق