تمتمة ثكلى
في صفوة الأيام ، و نشوة الأحلام ، بينما كنت جاهدا في البستان ، أزرع بذرات لإماني واعدة المنال ،أنصت
متشنفاً هديل الحمام ، أرتشف من نهر الآمال
تداعبني نسائم ربيع حان ، متلذذا بأيحاءات رغد الجنان
على نمرقة السكينة أهجع ، ملاءةُ الهدوء تغشيني .
إذا بسود الحمائم يوقظني نوحها الهائج ،سكنت لحظة ، وارتعشت بتلوها ،أنى كنت مضطربا .
قد شج سامعتي هاتفا مناديا إياي : "في ربيعك تتساقط الأوراق ...في ربيعك تتساقط الأوراق "
تملكني حينها فزع كبير ، وهاجمتني خواطر مشؤمة ، منذرة بحدوث أدهى الخطوب .
لم يمضِ على ذلك إلا وقت قصير جدا ؛ وإذا بأجراس (الجزى) تدق دقتها الأولى ، معلنة
عن قدوم سيل ، من تلك الدقات المروعة .
أجبتها صارخاً ، والقلب مني هارباً : إلى من تبغين مسرعة ،نطقت زجرة : أب لك المقصود.
اندرس الحِسُّ قبل أن أتفوه بكلماتي
" أبي.. أبي ..
مالي لا أراك منتصبا ، ما هذا الانحناء ، لم أر الجبال تنحني إلا في محراب عبادتها ، ما الذي أعياك هكذا ..
أي عوق دهاكَ ،أتنوي بدء الخط في صفحة ذكراكَ
لا يا أبتي ...لا يا أبتي ".
فأجاب متيقناً : "هذا أمر لا بد من نفاذه ".
إلاأنني لم أكترث لما قال ، وقبعتُ تحت نسيج وهن ، صنعته آمالي البالية .عملتجاهدا ، ومجدا في مراعاته نهاراً ، وكان يسهب في تكريمي؛فبرمقة من عينيه يسقط الغبار عن جسدي المنهك ، وبسمة من ثغره تخمد جمرات فؤادي . لن يشبعني ذلك النهار القصير .
كنت تواقا لقدوم ليل ، ساهرا على رؤية جبينه المقدسة ، ووجهه الكريم متعبدا في ليل الوالهين .
أنظرإليه بعيون ولهى ، والشوق يحدوني . تضمني الطمأنينة بأحضان تمتمته القدسية، ذاكراً داعياً ،مرتلاً مستغفراً. متابعا لسير أنفاسي على خطى شهقاته وزفراته والتي كانت الأهم فيما يشتمل عليه ذهني،
كان لتعاشق أصابع كفينا حصتها الكبرى ؛ من ذلك الوقت الثمين ، وهي ترفل مبتهجة متأهبة في معانقة أرواح في ذروة الصفاء ،
مبدعة في خط كلماته التي يودعها على بطون قلبي المؤمل متخذاً منها صحيفة يودع فيها أسطر وصاياه.
دارت الحال على ما حل .. سبعة أيام بلياليها ، وبصيص من النور قد لاح في الأفق لنا ، نستبشر ونبشر من يهمه أمرنا ..
وبينما كنت على ما أنا عليه ، من سرور تبثه خلجات قلبي ، وأمان تلوح به طلعة كلفجرُ. وجدت فجر ثامن الأيام عليلا يئن أنينا مريرا ، يندب بصوت شجيٍّ النبرات ؛ فبالرغم من ذلك الفجر البائس ،كنت أرتقب ظهور الشمس ، على موعدهامن حيث بزوغها ، ولكن دجى الليل ، مازال ناشرا ثوبه العتيم .
في برهة عقيمة رأيتها ، شدت أحازيمها ، ممتطية ركباً للأفول ، فهرعت مهرولا خلفه ، سابقاً للبرق بخطاي،
راجياً شروقا من غروب ، لكنني آيست من تتبع آثار مخفية ، فأيقنت بفشل اللحاق بركبها الآفل ، توقفت وقد أرهقني بعد الطريق وعكره .
في تلك الوهنات الجشعة ،تؤكأت على عصا الأوهام ، محدثا نفسي : "سوف يحلق القمر ، يصفق بأجنحته في سمائي ، إذا حان موعد ليله المعتاد".
حان وقت السطوع ، ولم يسطع قمري الموعود !
:" أين أنت .؟ أين أنت ..متى تنير دياجي الليل الرهيب ، ترسم بسمة على شفاه الليل الكئيب ؟ ".
أشفق هامساً بمسمعي : "لم أسكن من الحين سماكَ ؛ ففي أوج العلا شيدت دارا ، لن أعود إلى ليلك المكروب ، وضيق فضاكَ ".
بعد هذا العناء ، من ظلم الجفاء ، سرت والأقدام راحلتي،أطرق الأبواب بابا بابا نادباً : أنا ..أنا من هجره الأحباب ،
أنا ...أنا من بدره غاب ، ومازلت قارعاً ناعياً ، بهذه الكلمات " . ولكن لم تفتح الأبواب ، ولم يرد الجواب ؛ سوى باب يتيمة ، أرملة ثكلى خرجت تطأطئ رأسها مرة ، وأخرى تهزه يمنة ويسرة . في الأولى عندما يروق لها شجوي ، وفي الأخرى لا توافقني ؛ عندما أسهب طالباً منهم العودة .
ومن بعد الانتهاء من دق الأبواب ؛
هممت على آثار المجيء، راجعاً موبخاً فيهم صارخاً : لم َ لمَ ...لم تفتحوا الأبواب، أتخشون شؤم النادبين يحفكم ؟
فلا بد لكل دار أن تستضيف ضيفاً في يوم ما ،
إذا شاء ذلك الضيف حل بساحتكم ، لا يسأل الإذن ، ولا يطرق الأبواب ، فمن زارني حتما يزوركم .
إلى موطني المفجوع رحت متضوعا ،دخلته سائلا
معاتبا ، قابع بالظلام ألفيته ،فعمدت على فرش الأحبة هاويا ، دبت أعواد كفي بلهفة للعناق فلم تجد ذلك الكف
وأرخيت الوثاق عن أُذني علني همس من تلك الشفاه أسمع ، فلا لمسة تضمد الجرح ولا همسة تهدئ الروع.
في وجدي بت ساهرا ، وأدمعي تأبى الهطول ، إلا على
وجنة الأقدام.
تعليق