
الابــن البــار
كظمت ألامها وقبرتها في عمق أروقة فؤادها المحطم، تدحرجت من عينها دمعة حارة على حين غرة من شدة ألام مزقت أوصالها، مسحتها بسرعة ضوء البرق قبل أن يرى خدودها مبللة فيطبق السماء على الأرض.. فقد تعودت أن يمد يده عليها.. واعتاد جسمها أن تنقش بصمات يديه الغليظتين خطوط أطياف السماء على صفحات جلد تنفجر من تحته قطرات دمها.. وكذلك كان يفعل كلما رأى والدته الحبيبة غضبى ..
جلست والدته مقطبة الجبين، و وجهها العابس بين يديها المرتجفتين ،شد عليهما برفق، قبّـل جبينها ،قرأ الاستياء والضيق على محياها الذي حفره الزمن أخاديد.. بينما كانت زوجته في المطبخ تحضر المائدة، وضعت داخل الفرن طبقا أعدته البارحة، وأخرجت من الثلاجة شيئا من الزيتون والجبن تضيفها إلى وجبة العشاء.
- تعالي نتناول العشاء، أحب أن نأكل معا.
- يا بني، أنا أعاني من كسل في الأمعاء، أفضل ألا آكل الطعام الليلة، تعـشَّ أنت مع زوجتك...
- يا بني، أنا أعاني من كسل في الأمعاء، أفضل ألا آكل الطعام الليلة، تعـشَّ أنت مع زوجتك...
- تعلمين أن أمي لاتحب الطعام البائت لماذا لم تطبخي اليوم طبقا جديدا؟
- (شحب وجهها)عدت متعبة من العمل اليوم.. حسنا سأعد لها بعض المقليّات.
- لكنها لا تحب المقليّات، فهل ترضين أن تبيت أمعاءها خاوية دون طعام ؟
- (شحب وجهها)عدت متعبة من العمل اليوم.. حسنا سأعد لها بعض المقليّات.
- لكنها لا تحب المقليّات، فهل ترضين أن تبيت أمعاءها خاوية دون طعام ؟
تعالى بينهما صوت الشجار وملأ صداه أرجاء البيت، فلم يتمالك نفسه وهو يتذكر زوجة ابن الجيران التي نجحت في إبعاد حماتها. جن جنونه فطوق عنقها بعنف وانهال عليها ضربا باليمين، لوى يدها بشدة حتى كادت أن تتقفع..
- إذا كنت ترغبين أن أرمي والدتي في دار العجزة، فأنت واهمة!
- إذا كنت ترغبين أن أرمي والدتي في دار العجزة، فأنت واهمة!
ضاقت الحماة ذرعا من خروج كنتها كل يوم إلى العمل.. تأخذ طفلها الصغير صباحا في الجو البارد والنعاس يثقل جفنيه الذابلين في الشتاء، تعرض جسمه الغض لأشعة الشمس الحارقة صيفا، تتركه ساعات طويلة بين يدي حاضنة..تراقب البيت فتحملق في مرافقه تتمتم بنبرة متهكمة، وتقول بصوت منخفض لكنه مسموع:آه من بنات هذه الأيام يفضلن العمل خارج البيت بدلا من العناية بالأولاد والزوج..الملابس في عمق سلة الحمام تنتظر من يغسلها، غبار هنا وهناك، نوافذ لا تكاد ترى عبرها عين أو ينفذ منها شعاع لضبابية زجاجها، خيوط العناكب تزين أركان الغرف، تنطلق من المطبخ روائح تسد جيوب الأنف..
- ( يرسم قبلة على جبينها )لا تقلقي يا أمي، اهتمي بصحتك ولا تشغلي بالك بشؤون البيت.
- لقد أهملتك وأهملت ولدها المسكين..أهملتنا جميعا. إنها لا تناسبك ولاتفهم فن الحياة
- ( يرسم قبلة على جبينها )لا تقلقي يا أمي، اهتمي بصحتك ولا تشغلي بالك بشؤون البيت.
- لقد أهملتك وأهملت ولدها المسكين..أهملتنا جميعا. إنها لا تناسبك ولاتفهم فن الحياة
لم يتردد في طلاقها إرضاء لأمه بعدما تحول البيت الهادئ إلى حلبة صراع بين الاثنتين، التهمت نيرانها كل أسباب الراحة والهدوء.. لا بأس أن يعيد حياته مع ابنة جار لم يطرق بابها زواج، تعيش مع أخ لا يهمه إلا المال، تعطيه القسط الأكبر من راتبها آخر كل شهر..كم كانت ترغب في التخلص من زوجته الرافعة أنفها إلى السماء و تكن لها عداوة كل أعداء العالم، وتتمنى أن تغور بها عاصفة هوجاء إلى مكان مجهول! تراقب حركاتها وتعيرها بالعانس، تتذكر قولها المستفز باستمرار:"ستبقين هكذا دون أنيس أو جليس "..تريد أن تتقي يوما ما عيون الذين يترصدونها، تلوك ألسنتهم النارية سيرتها..
ابتسمت لها عيون السعادة قبل أن يأتي الزمن على زهرة شبابها.. تتفانى في إضفاء مسحات الدفء في زوايا البيت السعيد.. لم يمر وقت طويل حتى أحست بشيء يتحرك في أحشائها ، ستصبح أما تتذوق حلاوة طعم الأمومة.. ستكتمل فرحتها وتقر عينها ببيت و زوج وولد..
ابتسمت لها عيون السعادة قبل أن يأتي الزمن على زهرة شبابها.. تتفانى في إضفاء مسحات الدفء في زوايا البيت السعيد.. لم يمر وقت طويل حتى أحست بشيء يتحرك في أحشائها ، ستصبح أما تتذوق حلاوة طعم الأمومة.. ستكتمل فرحتها وتقر عينها ببيت و زوج وولد..
انتفخ بطنها فتكاسلت..كبر حملها أكثر فأثقلت،لم يتغير ديكور البيت منذ مدة، السجاجيد لم تنفض عنها الحشرات المجهرية العالقة بها،لا يتصاعد عطر بخار الأطباق الشهية .. بدت على والدته ملامح القلق والضجر، فألح عليها لتفرغ المشاعر المكبوتة في موطن أسرارها، سردت بدموع غزيرة معاناتها مع زوجته التي ضربت بنظافة بيتها عرض الحائط، فعافت نفسها المطبخ والأكل والأثاث وكل شيء، وتغير طعامها إلى وجبات سريعة كأنها في محلات أكل خفيف العصرية... انتفض شعر رأسه كأنه يصعد في السماء. انطلق مسرعا كالسهم المسموم نحو زوجته، وبصدر منتفخ وقد برزت أوداجه وعروقه يعيد إلى الأذهان صورة الرجل المتسلط، طلب منها أن تنفذ طلبات أمه على حرف وهو يحرك سبابته اليمنى:
- اسمعي يا امرأة، راحة أمي فوق كل شيء، افعلي ما تريد وإياك إزعاجها مستقبلا وإلا...
-(ترتعش فرائصها) والدتك فوق رأسي لكن..
- اسمعي يا امرأة، راحة أمي فوق كل شيء، افعلي ما تريد وإياك إزعاجها مستقبلا وإلا...
-(ترتعش فرائصها) والدتك فوق رأسي لكن..
لاحظ تقاعسها وتكاسلها.. لم يفوت هذا التقصير فانتفض مزلزلا البيت بوقع قدميه، وجه لها لكمات موجعات قبل أن يرتد طرفها إليها مستعرضا عضلاته كأنه أمام عدو لدود، جرها من شعرها. سقطت من بين يديه أرضا تتخبط ألما في مستنقع دمها القاني..
بعد ساعات من ظلمات غيبوبة حالكةإ ثر عملية جراحية خطيرة، عادت من عالم الموتى الديماسي مضطجعة على سرير المستشفى، تنظر تارة إلى الطبيب بعينين مشدوهتين تحيطهما الهالات السوداء، وتارة أخرى إلى كمادات بيضاء كالثلج غطت أجزاء من جسمها.
- سيدتي الكريمة مع الأسف لم نستطع إنقاذ الجنين بعد النزيف الشديد الذي تعرضت له، عوضك الله.
بعد ساعات من ظلمات غيبوبة حالكةإ ثر عملية جراحية خطيرة، عادت من عالم الموتى الديماسي مضطجعة على سرير المستشفى، تنظر تارة إلى الطبيب بعينين مشدوهتين تحيطهما الهالات السوداء، وتارة أخرى إلى كمادات بيضاء كالثلج غطت أجزاء من جسمها.
- سيدتي الكريمة مع الأسف لم نستطع إنقاذ الجنين بعد النزيف الشديد الذي تعرضت له، عوضك الله.
حدقت طويلا في عيني الطبيب الذي بدا متأثرا لحالها وراء ستار غشاوة شفاف غطى على بصرها.. لم تتحمل هول الصدمة التي عصفت بسعادتها إلى الأبد في لمح البصر.. ذرفت دموعا بركانية غزيرة، اختارت اللحاق بعالم فلذة كبدها كي تضمه هنالك، ازدادت الغشاوة سمكا شيئا فشيئا، ثم غارت إلى الأبد تحمل شجنها معها.

تعليق