حكى لي جَدّي
ورَوى التاريخْ
قصّةَ طفلٍ رَضيعٍ
ما لَهُ غيرُ الصّريخْ
كان قُربَ الجِدارِ
والريحُ تعصِفُ بالجِوارِ
وهو لا ماءٌ
ولا حضنٌ عليهِ يستَريحْ
ولا أمٌ تُرضِعُهُ
وكفُّهُ جَريحْ
وقُربُهُ شجَرَةٌ
وخَلفُهُ طريقْ
ولِلّّيْلِ عيونٌ وبَريقْ
ويمُرُّ شيخٌ
نظَرُهُ شحيحْ
والطفلَ تدوسُ قدمُهُ
وفَوقَ كفّهِ الجَريحْ
ويَعلو صُراخُ الطفلِ
ومن الألمِ يصيحْ
ويقِفُ الشيخُ وسَطَ الطريقْ
ويَجثو على رُكبَتَيْهِ
ويشهَق كالغريقْ
طفلٌ رضيعْ !
مَن قذفَهُ في الطريقْ ؟
وبدَأَ ينتَحِبُ
ويُنادي بصَوتِهِ الضعيفْ
ولا أحَدَ يسمعُهُ
ولا مِن مُجيبْ
وخَلَع عباءتَهُ
وحمَل الطفلَ ودثَّرَهُ
ومضى يجُرُّ الخُطى
وقلبُهُ دامٍ جَريحْ
ومضَتْ نحوَ ساعةٍ
وهو يُصارِعُ الطريقْ
وما برَزَ لهُ ظِلُّ بشَرٍ
من بعيدٍ أو قريبْ
ووَصَلَ بيتَهُ
والمشوارُ أنهَكَهُ
وطولُ الطريقْ
ودَقَّ البابَ
وكفُّهُ المُتعَبُ
بالبابِ يَضيقْ
وعادَ ودَقَّ البابَ
والطفلُ بين يدَيهِ
كما الملاكِ البريءْ
بِدَهشَةٍ ينظُرْ إلَيهِ
ويُراقِبْ حرَكةَ يَدَيهِ
ونَفَسَهُ الضّعيفْ
وغفا الشَّيخُ
وغفا الطفلُ بينَ يدَيهِ
والفَرَجُ قريبْ
وعلى مِصرَعَيْهِ
فُتِحَ البابُ
والطفلُ في النَّومِ غَريقْ
وصَوتُ البابِ أفزَعَهُ
وأخَذَ يصيحْ
وصَحا الشّيْخُ
والذي جَرى أذهَلَهُ
فنَهَرَ زَوجَتَهُ
وأخبرَها قصَّتَهُ
وعهدُها بهِ صَريحْ
وقال : خُذيهِ عَنّي
فذِراعي ما عادَ يُطيقْ
ومرَّتْ السُّنونُ
كما يمُرُّ البَرقُ
وبارَكَ اللهُ لهما
وتَضاعَفَ الرِّزْقُ
وكَبرَ الطفلُ الصَّغيرْ
وتَعَلَّمَ القِراءَةَ والفِلاحَه
وكانَ لهما خَيرَ رَفيقْ
وأَحَبَّهُ الجيرانُ ومَنْ عَرَفَهُ
وأَسمَوْهُ الغَريبْ
وحَضَنَهُ العجوزُ وامرأَتُهُ
كما لو كان طِفلَهُما الوَليدْ
وماتَ الشَّيْخُ
والعَجوزُ تَلَتْهُ
وبِحُرقَةٍ بكاهُما الغَريبْ
ودَمعُ العَيْنِ أسعَفَهُ
والوَفاءُ العَظيمْ
وعَمِلَ في التّجارَه
وازدَهَرَتْ تجارَتُهُ
وعرِفَهُ الناسُ
ذا نَهجٍ مُستُقيمْ
وذاتَ يَومٍ وَقَفَتْ في البابِ
امرأّةٌ ثَوبُها عَتيقْ
وفَوْقَ قدَمَيْها عَجاجُ الطريقْ
وسكَنَ الحُزنُ جَبهَتَها
وسؤالٌ حائرٌ كبيرْ
حدَّقَتْ في عَيْنَيْهِ
ووجهِهِ البَريءْ
ووَقعَتْ مَغشِيّاً علَيها
وانتظَرَ حتى تَفيقْ
أكرَمَها وأَحسنَ إلَيْها
والدَّمعُ فَوقَ الخَدِّ
يَجري رَقيقْ
اقترَبَ منها يُلاطِفُها
يُخَفِّفُ عنها الضِّيقْ
وسألَها ما خَبَرُها
فأخبَرَتْهُ بِجَرحِها العظيمْ
والحَنينُ في قَلبَيْهما حائرٌ
وسِرٌّ غائِرٌ
وروحاهُما كيفَ تَستَريحْ ؟
كانَ لها ابنٌ وبَيْتٌ
وأرضٌ زحَفَ عليها الجَرادُ
أَنساها العيدْ
وتَرَكَتْ قبْرَ زَوجها وَحيدْ
وحَمَلَتْ ابنَها
وأَتَتْ حَيّاً قَريبْ
وسَقَطَتْ مَغشِيّاً علَيها
وسقَطَ طِفلُها الرّضيعْ
وحَمَلَها المارَّةُ
وما التَفَتوا لِلرضيعْ
وكانَ قد حَلَّ الظّلامُ
والنُّورُ ضَعيفْ
وغابَتْ عن الوَعيِ
وقَلبُها ضَعيفْ
وما دَرَتْ ما اسمُها
ومَنْ أهلُها
وعلى الحالِ مَرَّتْ سِنينْ
ورِوايَتُها تَقولُ هي أُمُّهُ
وتَتَسارَعُ دَقَّاتُ قلبِهِ المِسكينْ
وشَوقُهُ يَدْفَعُهُ
ولَهيبُ السِرِّ الدَّفينْ
ورَوى لها قِصَّتَهُ
وكالطَّبْلِ يدُقُّ قلبُها المِسكينْ
وصَرَخَتْ : " ولَدي ! " ولِقاؤكَ حُلمٌ بَعيدْ
وهَرَعَتْ إلَيهِ تَضُمُّهُ
والدَّمعُ مِن عُيونِهما يَفيضْ
ولَمْ تَحتَمِلْ الأُمُّ فَرحَتَها
وسَكَتَ قلبُها الضَّعيفْ
وهو بَينَ أحضانِها طَيْرٌ جَريحْ
وتساءَلَ وسؤالُهُ صَريحْ
كيفَ يَوْمَ أنْ ألقاها
تُفارِقُني والمَدى الفَسيحْ ؟
كأنَّها حُلمٌ داعَبَ أجفانَهُ
وتَمَنَّى مِنهُ ألا يَفيقْ
لبنى
لبنى
تعليق