كان يجلس وحيداً,شريداً, تحت شجرة التوت...شجرة لطالما حكى لها كلّ قصص الصِبا,وشكا
الآهات ورواها بالدموع.كانت بمثابة الأم ... الوطن ...وكلّ الأهل والأصحاب.
لقد فتحَ عينيه ليجد نفسه لقيطاً في دنيا لمْ يطلُب أن يجىء إليها,ولكنه أتى رغماً عنه.
ولكن كان القَدَر به رحيماً حتى أرسل إليه يداً حانية تلتقفه من تحت شجرة التوت,وتُغدِق عليه
من الحُب والحنان والرعاية.وكانتْ بمثابة الأم الرؤوم.
كانتْ وحيدة بعد أن سافر ابنها الوحيد ولفَّتْه الغربة , وتزوّج من إحدى فتياتها وانقطعتْ أخباره,
فوجدَتْ العزاء في ربيع...نعمْ...أسمتْه ربيع ,ربما ليُعيد إليها زهرة أيامها الخوالي,
وضحِكات ابنها التي ارتسَمَتْ فوق الجدران , وفي حناياها.نعم ابنها الذي أخذتْه الغربة
فاتّخذها وطناً وحتّى أمّاً. ولم تعُد تعرف أخباره وهي التي عكفتْ على تربيته بعد أن فرّق
الموت بينها وبين زوجها أبي أيمن,وهي في زهرة الصِبا,وكرّستْ كل شبابها ورهنتْ حياتها
لأيمن الذي ما أن غادر قريته وأدار ظهره لكل ذكرياته عليها وفوق ترابها , حتى أمّه,التي
ضحّت لأجله .تركَ كلّ ماضيه خلفه ,واخذ يصنع له تاريخاً بعيدا عن جذوره.
كانت أم ايمن في الخمسين من عمرها حين وجدتْ ربيعاً ففرحتْ به وكان لها نِعم العوَض
عن ابنها الذي رحل بلا عودة ,ولم تعد تعرف اخباره إلا من بعض أصدقائه الذين كانوا
يعودون للقرية لزيارة أقربائهم.وكانتْ تزورهم وتسألهم عن أخباره ودمع العين يُغطّي وجهها.
كم كانت تسعد باخباره الطيّبة,وتسأل: هل تزوّج؟وكم عنده من أولاد؟وتُسر كثيراً حين تعلم
أن عنده من الابناء اربعاً, وهو يعيش حياة رغيدة .وتدعو له وترضى عليه .نعم..إنها أم
عظيمة,ذات قلب من ألماس ,لا يعرف الكراهية ولا الحقد.لا يعرف إلا لغة السماح.
كانت تزرع قطعة الأرض الصغيرة التي تلفُّ منزلها الصغير الريفيّ,وتبيع محصوله
المتواضع,وتربي بعض الدجاجات ,وتبيع إنتاجها من البيض ,فتكسب ما يسدُّ حاجاتها
وحاجات ربيع.
كبُر ربيع وهو يناديها بأمي.وكم كانتْ سعيدة حين اخذَتْ يده وذهبت به إلى المدرسة,حيث
قد اتمّ السادسة من عمره,وكان فتى نجيباً وحادّ الذكاء.
وكان ربيع يحبّها أكثر من روحه,ويساعدها في الزراعة,ويذهب معها إلى السوق لبيع
المحصول,ويعتني بالدجاج.حتى انه كان كلّما غلَبَها الإعياء والمرض,يذهب بمفرده إلى
السوق,فقد عرفَه الباعةويعود لها بالدواء والمال.لقد ربّتهُ على الأمانه وحُسن الخصال.
ومرّت السنون,وأتم ربيع المدرسة وتفوّق في امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة,حيث
كان الاول في قريته والقرى المجاورة.واستحق بهذا بعثة على نفقة وزارة التربية والتعليم.
وابتدأت رحلته مع الحياة بعيداً عن صدر أمه الحنون,وقريته التي أحبها.وكمْ كان فراق أمّ
أيمن لربيع صعباً وقاسياً,حيث أحسّ كلّ منهما أنه يفارق روحه.
وسافر ربيع إلى روسيا,ودرس فيها الطّب وتفوّق هناك ولمع نجمه.وبعد تخرّجه تخصص
في جراحة الأعصاب,وتخرّج بإمتياز.
لقد كان دوماً يبعث لأمه الرسائل والصُور وبعض النقود,إذ كان يعمل ويدرُس.ثمّ سرعان ما
تهافَتتْ عليه عقود العمل في أكبر مستشفيات روسيا.ولكن جامعته اغرتْه بعقد لم يستطع أن
يرفضه,فأصبح جرّاحاً في المدينة الطبيّة الجامعية وذاع صيته.
ومرّت السنونْ...ولم ينتبه إلى أنها خمسة عشر عاماً مرّت ولم يزُر خلالها أمه وقريته.ولكن
كان على اتصالٍ معها بالرسائل,ويودُّها بالهدايا والمال كلّما سافر أحد اصدقائه إلى قرية
مجاورة لقريته.
ولكن في ليلة شتاء باردة جداً لم يستطعْ أن ينسى حدّة برودتها ولسعتِها,دقّ جرس الهاتف
عنده,وكان صديقه قد عاد من زيارة للقرية المجاورة لقريته,وأخبره بأن والدته قد أقعدَها
مرضٌ خفيّ عجزَ الأطباء عن شفائها منه,وقد استقرّتْ الآن في بيت للمُسنّين.
وقع الخبر عليه كالصّاعقة.وما كان منه إلا أن أخذ سمّاعة الهاتف وحجزَ له مِقعداً في أوّل
طائرةٍ عائدة إلى وطنه.ورغمَ مواعيده الكثيرة إلا انه ألغى كل شيء وعاد والدّمع يملأ
عينيه يبحث عن أمه.
وأما عن لقائه بها فقد كان لقاءً تقشَعِرُّ له الأبدان.لقد هوى تحت قدميْها باكياً مُستعطِفاً سنين
البِعاد عنها.وهي بدورها بكلّ لهفة الأمومة والدّموع حضَنتْه ,ومسحتْ بيديها على شعره,
وعانقتْه وقبّلتْه .وعاد الدم يتدفّق إلى عروقها.وعادت الحُمرةُ إلى خدّيْها.وضحِكتْ الفرحة في
عينيْها الحزينتيْن.
لقدْ اطّلعَ على ملفِّها في دار المسنّين,وأجرى اتصالاتِه مع المستشفى الذي يعمل فيه,ورتّبَ
لها كلّ إجراءات السّفر,وأخذها يُسابِق الزمن ويُقدّم لها كلّ خبرته في مجال جراحة
الأعصاب.
وفعلاً أجرى لها عمليّة معقدة,ولكن كان مِبْضعه يقطُرُ حُبّا ورجاء ودعاء.وكانت المُعجزة
ونجحتْ العمليّة,وعادتْ أم أيمنْ تقف على قدميْها وتمشي.
وعاشتْ معه خمس سنوات وكانتْ تُلحُّ عليه دائماً أن يتزوّج,وحتّى يُطيِّب خاطرها تزوّج
بفتاةٍ روسية هي زميلة في المستشفى تعمل معه جنباً إلى جنْب.
وكمْ كانتْ فرحتُها عظيمة حين رُزِق ربيع بتوأم جميل,ابن وابنة.وكانا مزيجاً رائعاً من الدم
الشرقيّ والروسيّ.وطلبَ منها ربيع أن تختار اسماً لكلّ منهما.فاختارتْ سماح اسماً للبنت,
وبهاء اسماً للولد.وكانتْ تُداعبهما وتُغني لهنا الأهازيج الشعبيّة التي اعتادوا أن يُغنّوها
للأطفال في قريتها.
ومرّتْ خمس سنوات وبيت ربيع تفوح منه رائحة الفرح والسعادة والطّيب.ولكن وفي إحدى
الليالي الباردة القارصة البرودة,وتُشبه تلك الليلة التي علِمَ فيها ربيع بمرض أمه,جاءتْه أمه
راجيةً إياه أن يُعيدها إلى بيتها,فقدْ اشتاقتْ نفسُها له ولقريتها وجاراتها .وكمْ ألّحتْ وبكتْ
كثيراً.وكان لا بُد من أن يُلبي رغبتها وخاصة بعد أن أصرّتْ وتوسّلتْ.
وبقلبٍ يفعمه الأسى والحزن حجز لها ربيع وله مقعديْن في الطّائرة العائدة إلى الوطن.
ولمْ يكُن يدري انه على موعد مع الموْت...مع الفراق.فما أن لامسَتْ عجلات الطائرة
مدْرج المطار حتّى أحسّتْ أم أيمن بوخْزٍ في قلبها,وأيقن ربيع أنها نوبة قلبية ,فأجرى
اتصالاته بمُساعدة كابتن الطائرة مع إحدى مستشفيات المدينة لكي ينقُل والدته إليها,ويُسابق
الزّمن.لقد أجرى لها الإسعافات الأوليّة اللازمة ريْثما تحضر سيّارة الإسعاف.
ولكن أصرّت أم أيمن أن تعود إلى بيتها وتوسّلتْ ربيعاً أن يطير بها إلى بيتِها فقدْ اشتاقتْ
نفسُها له.وتحت إلحاحِها الشديد وتوسُّلاتِها انطلقتْ الإسعاف بها إلى هناك.وهَجمَ على
السيّارة أهل القرية مُستقبلين,مُستفسرين,وقلقين ,وحائرين,لا يعلمون ما حدثْ.ولكنْ هي
طيبةُ أهل القرية وعفويّةِ أهلها.
وتهلّلَ وجه أم أيمن وهي ترى بيتَها وأهل قريتِها حولها .وفتَحَتْ بيتها بالمفتاح الذي أبداً
ما فارق جَيْبَ ثوبِها.وتَنَهَدتْ تنهيدةَ رضى وسعادة وراحة,وفارقتْ مع تلك التنهيدة روحها
البدن .ولكنها كانتْ سعيدة.وتوارى جثمانها تحت الثرى ,والحزن يقطُر كَبد ربيع فلمْ يُفلح
في منْع عيْنيْه من البُكاء.
وبعد مراسم الدّفن وأيام العزاء,هَرَع إلى شجرة التوت التي طالما اعتادَ أن يجلس تحتها,
تلك الشجرة التي عَنَتْ له الوطن والأم بل كلّ الذكريات.وأخذ يستعيدُ شريط الذّكريات
وتنهمِرُ من عيْنيْه الدموع ويتنهد ويقول:رحمكِ الله يا أمي..رحمكِ الله.
لبنى
الآهات ورواها بالدموع.كانت بمثابة الأم ... الوطن ...وكلّ الأهل والأصحاب.
لقد فتحَ عينيه ليجد نفسه لقيطاً في دنيا لمْ يطلُب أن يجىء إليها,ولكنه أتى رغماً عنه.
ولكن كان القَدَر به رحيماً حتى أرسل إليه يداً حانية تلتقفه من تحت شجرة التوت,وتُغدِق عليه
من الحُب والحنان والرعاية.وكانتْ بمثابة الأم الرؤوم.
كانتْ وحيدة بعد أن سافر ابنها الوحيد ولفَّتْه الغربة , وتزوّج من إحدى فتياتها وانقطعتْ أخباره,
فوجدَتْ العزاء في ربيع...نعمْ...أسمتْه ربيع ,ربما ليُعيد إليها زهرة أيامها الخوالي,
وضحِكات ابنها التي ارتسَمَتْ فوق الجدران , وفي حناياها.نعم ابنها الذي أخذتْه الغربة
فاتّخذها وطناً وحتّى أمّاً. ولم تعُد تعرف أخباره وهي التي عكفتْ على تربيته بعد أن فرّق
الموت بينها وبين زوجها أبي أيمن,وهي في زهرة الصِبا,وكرّستْ كل شبابها ورهنتْ حياتها
لأيمن الذي ما أن غادر قريته وأدار ظهره لكل ذكرياته عليها وفوق ترابها , حتى أمّه,التي
ضحّت لأجله .تركَ كلّ ماضيه خلفه ,واخذ يصنع له تاريخاً بعيدا عن جذوره.
كانت أم ايمن في الخمسين من عمرها حين وجدتْ ربيعاً ففرحتْ به وكان لها نِعم العوَض
عن ابنها الذي رحل بلا عودة ,ولم تعد تعرف اخباره إلا من بعض أصدقائه الذين كانوا
يعودون للقرية لزيارة أقربائهم.وكانتْ تزورهم وتسألهم عن أخباره ودمع العين يُغطّي وجهها.
كم كانت تسعد باخباره الطيّبة,وتسأل: هل تزوّج؟وكم عنده من أولاد؟وتُسر كثيراً حين تعلم
أن عنده من الابناء اربعاً, وهو يعيش حياة رغيدة .وتدعو له وترضى عليه .نعم..إنها أم
عظيمة,ذات قلب من ألماس ,لا يعرف الكراهية ولا الحقد.لا يعرف إلا لغة السماح.
كانت تزرع قطعة الأرض الصغيرة التي تلفُّ منزلها الصغير الريفيّ,وتبيع محصوله
المتواضع,وتربي بعض الدجاجات ,وتبيع إنتاجها من البيض ,فتكسب ما يسدُّ حاجاتها
وحاجات ربيع.
كبُر ربيع وهو يناديها بأمي.وكم كانتْ سعيدة حين اخذَتْ يده وذهبت به إلى المدرسة,حيث
قد اتمّ السادسة من عمره,وكان فتى نجيباً وحادّ الذكاء.
وكان ربيع يحبّها أكثر من روحه,ويساعدها في الزراعة,ويذهب معها إلى السوق لبيع
المحصول,ويعتني بالدجاج.حتى انه كان كلّما غلَبَها الإعياء والمرض,يذهب بمفرده إلى
السوق,فقد عرفَه الباعةويعود لها بالدواء والمال.لقد ربّتهُ على الأمانه وحُسن الخصال.
ومرّت السنون,وأتم ربيع المدرسة وتفوّق في امتحان شهادة الدراسة الثانوية العامة,حيث
كان الاول في قريته والقرى المجاورة.واستحق بهذا بعثة على نفقة وزارة التربية والتعليم.
وابتدأت رحلته مع الحياة بعيداً عن صدر أمه الحنون,وقريته التي أحبها.وكمْ كان فراق أمّ
أيمن لربيع صعباً وقاسياً,حيث أحسّ كلّ منهما أنه يفارق روحه.
وسافر ربيع إلى روسيا,ودرس فيها الطّب وتفوّق هناك ولمع نجمه.وبعد تخرّجه تخصص
في جراحة الأعصاب,وتخرّج بإمتياز.
لقد كان دوماً يبعث لأمه الرسائل والصُور وبعض النقود,إذ كان يعمل ويدرُس.ثمّ سرعان ما
تهافَتتْ عليه عقود العمل في أكبر مستشفيات روسيا.ولكن جامعته اغرتْه بعقد لم يستطع أن
يرفضه,فأصبح جرّاحاً في المدينة الطبيّة الجامعية وذاع صيته.
ومرّت السنونْ...ولم ينتبه إلى أنها خمسة عشر عاماً مرّت ولم يزُر خلالها أمه وقريته.ولكن
كان على اتصالٍ معها بالرسائل,ويودُّها بالهدايا والمال كلّما سافر أحد اصدقائه إلى قرية
مجاورة لقريته.
ولكن في ليلة شتاء باردة جداً لم يستطعْ أن ينسى حدّة برودتها ولسعتِها,دقّ جرس الهاتف
عنده,وكان صديقه قد عاد من زيارة للقرية المجاورة لقريته,وأخبره بأن والدته قد أقعدَها
مرضٌ خفيّ عجزَ الأطباء عن شفائها منه,وقد استقرّتْ الآن في بيت للمُسنّين.
وقع الخبر عليه كالصّاعقة.وما كان منه إلا أن أخذ سمّاعة الهاتف وحجزَ له مِقعداً في أوّل
طائرةٍ عائدة إلى وطنه.ورغمَ مواعيده الكثيرة إلا انه ألغى كل شيء وعاد والدّمع يملأ
عينيه يبحث عن أمه.
وأما عن لقائه بها فقد كان لقاءً تقشَعِرُّ له الأبدان.لقد هوى تحت قدميْها باكياً مُستعطِفاً سنين
البِعاد عنها.وهي بدورها بكلّ لهفة الأمومة والدّموع حضَنتْه ,ومسحتْ بيديها على شعره,
وعانقتْه وقبّلتْه .وعاد الدم يتدفّق إلى عروقها.وعادت الحُمرةُ إلى خدّيْها.وضحِكتْ الفرحة في
عينيْها الحزينتيْن.
لقدْ اطّلعَ على ملفِّها في دار المسنّين,وأجرى اتصالاتِه مع المستشفى الذي يعمل فيه,ورتّبَ
لها كلّ إجراءات السّفر,وأخذها يُسابِق الزمن ويُقدّم لها كلّ خبرته في مجال جراحة
الأعصاب.
وفعلاً أجرى لها عمليّة معقدة,ولكن كان مِبْضعه يقطُرُ حُبّا ورجاء ودعاء.وكانت المُعجزة
ونجحتْ العمليّة,وعادتْ أم أيمنْ تقف على قدميْها وتمشي.
وعاشتْ معه خمس سنوات وكانتْ تُلحُّ عليه دائماً أن يتزوّج,وحتّى يُطيِّب خاطرها تزوّج
بفتاةٍ روسية هي زميلة في المستشفى تعمل معه جنباً إلى جنْب.
وكمْ كانتْ فرحتُها عظيمة حين رُزِق ربيع بتوأم جميل,ابن وابنة.وكانا مزيجاً رائعاً من الدم
الشرقيّ والروسيّ.وطلبَ منها ربيع أن تختار اسماً لكلّ منهما.فاختارتْ سماح اسماً للبنت,
وبهاء اسماً للولد.وكانتْ تُداعبهما وتُغني لهنا الأهازيج الشعبيّة التي اعتادوا أن يُغنّوها
للأطفال في قريتها.
ومرّتْ خمس سنوات وبيت ربيع تفوح منه رائحة الفرح والسعادة والطّيب.ولكن وفي إحدى
الليالي الباردة القارصة البرودة,وتُشبه تلك الليلة التي علِمَ فيها ربيع بمرض أمه,جاءتْه أمه
راجيةً إياه أن يُعيدها إلى بيتها,فقدْ اشتاقتْ نفسُها له ولقريتها وجاراتها .وكمْ ألّحتْ وبكتْ
كثيراً.وكان لا بُد من أن يُلبي رغبتها وخاصة بعد أن أصرّتْ وتوسّلتْ.
وبقلبٍ يفعمه الأسى والحزن حجز لها ربيع وله مقعديْن في الطّائرة العائدة إلى الوطن.
ولمْ يكُن يدري انه على موعد مع الموْت...مع الفراق.فما أن لامسَتْ عجلات الطائرة
مدْرج المطار حتّى أحسّتْ أم أيمن بوخْزٍ في قلبها,وأيقن ربيع أنها نوبة قلبية ,فأجرى
اتصالاته بمُساعدة كابتن الطائرة مع إحدى مستشفيات المدينة لكي ينقُل والدته إليها,ويُسابق
الزّمن.لقد أجرى لها الإسعافات الأوليّة اللازمة ريْثما تحضر سيّارة الإسعاف.
ولكن أصرّت أم أيمن أن تعود إلى بيتها وتوسّلتْ ربيعاً أن يطير بها إلى بيتِها فقدْ اشتاقتْ
نفسُها له.وتحت إلحاحِها الشديد وتوسُّلاتِها انطلقتْ الإسعاف بها إلى هناك.وهَجمَ على
السيّارة أهل القرية مُستقبلين,مُستفسرين,وقلقين ,وحائرين,لا يعلمون ما حدثْ.ولكنْ هي
طيبةُ أهل القرية وعفويّةِ أهلها.
وتهلّلَ وجه أم أيمن وهي ترى بيتَها وأهل قريتِها حولها .وفتَحَتْ بيتها بالمفتاح الذي أبداً
ما فارق جَيْبَ ثوبِها.وتَنَهَدتْ تنهيدةَ رضى وسعادة وراحة,وفارقتْ مع تلك التنهيدة روحها
البدن .ولكنها كانتْ سعيدة.وتوارى جثمانها تحت الثرى ,والحزن يقطُر كَبد ربيع فلمْ يُفلح
في منْع عيْنيْه من البُكاء.
وبعد مراسم الدّفن وأيام العزاء,هَرَع إلى شجرة التوت التي طالما اعتادَ أن يجلس تحتها,
تلك الشجرة التي عَنَتْ له الوطن والأم بل كلّ الذكريات.وأخذ يستعيدُ شريط الذّكريات
وتنهمِرُ من عيْنيْه الدموع ويتنهد ويقول:رحمكِ الله يا أمي..رحمكِ الله.
لبنى
تعليق