"خطى" لبنى دانيال في الطريق الصحيح

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل عودة
    كاتب وناقد واعلامي
    • 03-12-2008
    • 543

    "خطى" لبنى دانيال في الطريق الصحيح

    "خطى" لبنى دانيال في الطريق الصحيح





    نبيل عودة






    "خطى" - ديوان شعر 94 صفحة من الحجم المتوسط

    شعر: لبني فريد دانيال- دار الماجد - رامالله (2012)





    ظاهرة انتشار الكتابة الشعرية في الثقافة العربيةالفلسطينية داخل اسرائيل تثير الانتباه والتحفظ.

    الملاحظة العامة لا تبعث على التفاؤل.لاحظت ان العديد منالشعراء الشباب بدأوا بدايات مقبولة. لسبب لا أفهمه، وقد تكون له تفسيرات نفسيةواجتماعية وثقافية طبعا، نلاحظ على الأغلب تراجعا عن البدايات.المنطق والتوقع انالأديب يزداد خبرة وممارسة، يتسع عالمه الثقافي والفكري، تتنوع تجربته الحياتية،تتعمق قدراته الصياغية وتنمو قدرته على نقد اعماله بنفسه.

    لا اعمم هذه الظاهرة رغم كونها واسعة جدا.

    من هنا بدأت أتردد في تناول الأعمال الأولى للأدباءالشباب ، الغريب انهم اختاروا الشعر تحديدا وليس الوانا ادبية أخرى.. القصةالقصيرة مثلا. حتى اليوم لا اعرف كتاب قصة ناشئين وآمل ان اكون مخطئا.

    لا يمكن تجاهل ما أنجزه شعرنا الفلسطيني المقاومواحتلاله الصدارة الشعرية العربية ، بصفته عاملا جاذبا بقوة لإختيار الشبابللكتابة الشعرية، بعضهم بلا موهبة اطلاقا، بعضهم يبشرون بالخير، والمهم ان لقبشاعر أصبح الهدف وليس الإبداع نفسه.

    هذه الأفكار راودتني حين اهدتني ابنة مدينتي الناصرة،الشاعرة الشابة لبنى فريد دانيال، ديوانها الشعري الأول "خطى" (تبين ليقبل نشر المقال انه ديوانها الثاني) وهي عاملة اجتماعية أيضا، وكنت قد قرأت لهاالعديد من القصائد في صحف ومواقع محلية.

    لباكورة الأعمال الإبداعية حماسة خاصة واستقبال خاص. منحق الأدباء الشباب ان يغضبوا لقصور حركتنا النقدية في التناول الجاد لأعمالهم.المؤسف أكثر ان تناول الإبداعات الأدبية بالنقد يتميز أكثر بتكريس جهد الناقدلتسجيل اعجابه وانبهاره . هل هذا حقا ما ينتظره المبدعون؟ ان يصلوا للقمة باوهاميزرعها ناقد بظن خاطئ ان التصفيق يدعم مسيرة الأديب الابداعية؟

    لست ناقدا في معالجاتي وأميل لتسمية كتاباتي مراجعاتثقافية. كتابتي انطباعية اساسا وفكرية في مضمونها.النص الذي لا يمرر لي فكرة ما أورؤية جمالية معينة لا تثيرني صياغاته وديباجاته مهما تفنن صاحب النص بنحت الكلام.

    لا يوجد ابداع كامل.صفة الإبداع الكامل للنصوص موضوعالنقد، هو ما يطرحه معظم نقدنا للأسف.لست ضد الإشادة، لكن جعلها صفة مطلقة هوتجاوز للمنطق الثقافي البسيط.

    "خطى" لبنى دانيال واستقبالنا للديوان بحماس هو منمنطلق البدايات أولا والجهد الجاد في نصوصها.بغض النظر عن مدى اقتحامها للفضاءالشعري.وقراءتي هنا مشروطة بعوامل عديدة. وككاتب يعتمد الانطباع الشخصي، ارى انلبنى تملك مقومات وأدوات وخيال له اهميته في استمرار مسيرتها الشعرية. في ديوانها تضعاللبنات الأولى لمسيرة الف ميل تبدأ ب "خطى" اولى.

    انا لا ارى بمجرد صياغة النص الأمر المقرر.ابحث عن رؤية ثقافية،فكرية، اجتماعيه، إنسانية، فنية، جمالية ولغوية. ابحث عن رؤية فلسفية لمفهوم الشعرومعرفة صقله في قصيدة تخاطب ليس المشاعر الصماء فقط، انما العقل الواعي أيضا.ابحثعن الصور الشعرية، التي بغيابها يفقد العمل الشعري الكثير من جمالياته.

    لم نولد كتابا وشعراء.خيارنا للنثر او للشعر جاء كخيارتعبيري عن الذات.هذا يتجلى بقوة في بداياتنا.لماذا الشعر وليس النثر؟ سؤال ليس منالسهل الاجابة عليه، رغم كل اجتهادات تحليل الدوافع.أحد الأدباء ذهب لتفسيراتفرويدية ، الحب للشعر يولد مع العربي من المهد (؟؟)، كان تفسيره ممتعا.ولكنه لايتجاوز المتعة السريعة.لا شك ان التراث الشعري العربي شكل جوهر الثقافة العربية فيجميع عصورها. ابداع العرب في الشعر لا منافس له. كان الشعر لسان العرب. سجل أيامهممغامراتهم، حروبهم وتعبيرا عن ذاتيتهم في الوقت نفسه.

    البعض يختار الفن، الرسم، التمثيل، الموسيقى أو النحت.البعض يختار العلوم او الأبحاث . البعض لا يكتفي بخيار واحد.

    السؤال: هل الخيار للون ما هو الخيار الطبيعي الذي يتسربللوعي الشخصي مشكلا قيمة تعبيرية لا فكاك منها في مسيرة حياة المبدع؟

    هل بالصدفة ان شعراء المقاومة محمود درويش وسالم جبرانوسميح القاسم بداوا كتابة الشعر مع بداية تفتح وعيهم وقبل ان يعوا معنى ان يكونالإنسان شاعرا؟ اليست هذه حالة للتعبير عن الذات ، عن الأحلام، عن الأماني ، وحالةمن التأثر بإبداعات شعراء من التراث ومن العصر الحديث بنفس الوقت؟ نحن هنا امامظاهرة هامه من اتساع الوعي الانساني لشعراء المقاومة الطليعيين، الفردي والجماعيالى جانب الوعي الجمالي. ويمكن القول انه جيل عاش أحداثا مأساوية شكلت مضمون وعيهوشخصيته ورؤيته العامة.

    ربما أطلت في مداخلتي، اعترف ان ديوان "خطى"دفعني لهذه المداخلة لأقول أمرين اساسيين. أولا نحن نقف امام شاعرة شابة يشكلالشعر اسلوبها وادواتها في التعامل مع محيطها. ديوانها يشمل مواضيع بالغة الاتساع.عمليا كل ما يحيط بالإنسان من مواضيع وأفكار.لبنى لا تعيش بانقطاع عن واقعها،تندمج بواقعها وتعبر عنه شعرا. تفرح حين يكون للفرح وقته، تبكي حين لا يكون مفر منالبكاء، تغني حين يكون الغناء تعبيرا عن حالة لا بديل للغناء تعبيرا عنها. تثبتانها شاعرة جادة، خيارها للشعر ليس خيارا طارئا.

    ثانيا لفتت انتباهي انها لا تسترسل في قصيدتها ، بظنيسيطر على بعض المبتدئين ان الشعر هو المعلقات الطويلة، هذه متاهة بالغة الخطورة .

    التقاسيم التي تقدمها لبنى هي تعبير كامل لا يرهق القارئولا يبعده عن الفكرة.اسلوبها في التقاسيم القصيرة، ينقذها من الاسترسال والترهل،الآفة التي نلحظها في الكثير من ابداعات الشباب. تحافظ على انتباه القارى ليتواصلمعها شعريا، حتى لو كانت بعض الصور الشعرية ضعيفة. بالطبع هذه تجربة اولى نستقبلهابترحيب ، ونطمع لرؤية أعمال شعرية أكثر اكتمالا خاصة في بناء الصورة الشعرية.

    في قصيدة ابتهال تقول:

    يا وطني

    لو كان بمقدرتي

    لهدمت السور

    وعمرت الأرض البور

    رغم ان المباشرة تميز معظم قصائدها، وجميع المبتدئين لميتخلصوا في بداياتهم من المباشرة، الا اننا نلاحظ انها تحافظ على الحلم الشعري.

    الأرض تشكل في ديوانها احد المواضيع التي تتعامل معها منجوانب عديدة وهي ميزة لشعرنا الفلسطيني منذ نكبة شعبنا.وما زالت تشكل مشكلة المصيرالفلسطيني الأولى.

    الأرض في قلوبنا

    حب المكان

    حب الزمان

    تاريخ وعصور

    وفلك يدور.

    اعجبتني قصيدة أماه بما تحمله من حس وتعابير تمس شغافقلب كل انسان:

    اراك كلما أيقظت الورد ولملمت الندى

    الى ان تقول:

    اريد ان اهديك فجرا ملونا

    يمشي على امواج مهجتي ورمشي..

    اماه اعيديني طفلة تغني كالشحرور

    في حاكورة دارنا..

    وهل يمكن ان لا يتغزل الفلسطيني بالوطن؟

    لا زلت احبك بلادي

    يا أحلى من الطير الشادي

    القتل الدامي

    يضنيني

    يشرع أشرعة فؤادي

    لطفل يبكي وينادي

    أمي!

    لا بد ان تبتعد لبنى عن المباشرة بحذر شديد.المباشرةلعبت دورا كبيرا في شعرنا في سنوات بعد النكبة.المباشرة تضعف الحلم الشعري.

    لبنى تثبت أمرا اساسيا ، تملك ادوات الشعر واللغةالشعرية، تتميز بلغة سلسة بلا تعقيدات يلجأ اليها البعض بظن انها تعمق مضامينشعرهم. لبني رقيقة في معانيها، تملك وعيا سياسيا واضحا، وتملك فكرا متنورا يمكن انتعتمد عليه في احداث انطلاقة شعرية في مسيرتها.

    ننتظر جديدك دائما.



    nabiloudeh@gmail.com
يعمل...
X