اسطورة النحت في قصة (في أثر لمحة) لـ محمد فطومي
من يقرأ قصة محمد فطومي القصيرة (في أثر لمحة) لا بد أن يقف طويلا عند هذا العنوان ودلالاته، فهو ليس لمحة ولا هو أثر، بل هو التماع سرابي غير ثابت يحيل إلى "أثر" أحدثته "لمحة"، واسْتُُرجِعت هذه "اللمحة" في "أثر" ذات لحظة. فمن يدقق في العنوان يجد أن لمحة الأثر في هذه اللحظة غير المستقرة إنما "تنحت" حركية أثر اللمحة التي اجتمع فيها البعد البصري غير الثابت وانحفار الأثر غير الواضح؛ وكيفما قرأت العنوان سيكون هذا الترائي غير المستقر وغير الواضح هو السمة السائدة لصيغة ودلالات العنوان. بل سواء كان الأثر بمعنى "بعد لمحة" أو كان المسار الذي تتركه "اللمحة"، يظل الأمر نفسه والمعنى ذاته.
فهل اختاره القاص بعناية أم جاء صدفة؟ وسواء اختاره فطومي بعناية فائقة (وهذا ما أميل إليه) أو جاء "رب صدفة" مباركة، فإن القصة في تفاصيلها وأحداثها وأزمنتها ليست سوى تجسيد (حفرا كان أو نحتا) لخصائص عنوانها. لا شك أنها مفارقة حادة أن "تحفر أثرا" انحفر سابقا دون أن يحدث حفرك فيه عمقا أو أن يجعله أكثر وضوحا. نستطيع أن نقول إن القصة سطح مستمر التذبذب والتموج، ويشف من خلال اهتزازاته عن آثار كلما تجسدت تلاشت وتبددت، وكلما شخصت اختفت في حركة متموجة دائمة لسطح القصة. ثمة زيغ بصري (وربما ذهني) ينتاب القارئ وهو يقرأ القصة محاولا الإمساك بخيوطها التي ما أن تتبعها حتى تتفلت منك وتختفي لتسلمك لخيط جديد تعاني معه الأمر نفسه حتى تنتهي القصة لتنسى معها التفاصيل التي ابتنت القصة، وتبقى لك صورة غائمة، ويكون حال القارئ هي حال الراوي تماما عند النهاية (كدت أنسى أن اليوم هو دورها في النزهة). بل إن الكثير من المشاركين في التعليق اشتكوا من عدم تسلسل القصة.
وليس هذه هي اللحظة الوحيدة التي يكاد الراوي أن ينسى أمرا له أهميته. بل يكاد النسيان أن ينتظم اللحظات الحاسمة والمحطات التحولية التي تـُقنن تموج سطح الأحداث. لن أقف طويلا عند هذا العامل وتحولاته، لكني أشير سريعا إلى السر الذي يسكن الراوي ويسعى إلى اخفائه، ذلك السر الذي ينساه أحيانا ويتناساه أخرى، وتصر فتاة النحت على استرجاعه والوصول إليه ليكون عاملا حاسما ليس في بناء القصة وحسب، بل في نهايتها المؤلمة أيضا.
وبالعودة إلى التموج والاهتزاز، نستطيع أن نراه فاعلا باسمترار. فعند أعلى لحظات القصة يتناسخ الراوي وفتاة الأحلام إلى ظلال، ليتحول الوجود الحقيقي إلى تلاش تام، إلى شكل شبحي، إلى صورة أو فن من نوع ما. تلك كانت لحظة بصرية أو لمحة تسعتيد العنوان! وهي أيضا أثر لا يترك أثرا، فيظهر الشكل واضحا وتصعب رؤيته في آن:
((كنّا قد اتّخذنا مقعدا تحت شجرة توت هرمة، حين لامست ركبتي ركبتها استهنتُ بكل الذين غيّبهم الموت عن حديقتنا، و طاف بي شعور ممتع بأنّ الموت احتمال بعيد لا يعنيني. قلتُ: هلاّ تمشّينا قليلا؟ ابتعدنا عن المقعد خطوات ثمّ طلبت منها أن تتأبّط ذراعي و تلتفت خلفها: " ماذا ترين هنا بالتّحديد فوق الثّرى"؟))
((ردّت باستنكار غلب عليه الذّهول : لا أرى شيئا))
في هذه اللحظة أو اللمحة الماضية (كنا)، ثمة وجود حقيقي نابض؛ والموت الذي يتهدد كل لحظة حية، رغم بعد احتماله، يظل جزءا ماثلا في اللحظة ذاتها، بل هو وجود حقيقي فعل أفاعيله بمن غيبهم، وظل باقيا أيضا في صيغة نفيه، ناهيك عن حال حياة شجرة التوت (بما لها من دلالة لا يمكن نسيانها). فعلا شعور ممتع أن يُسْتَبْعَد الموت. وعلى الحياة أن تثبت نفسها: (قلت هلا تمشينا قليلا؟ وابتعدنا عن المقعد خطوات... إلى آخر ما يراه هو وما لا تراه هي). هنا لا بد أن نرى صورة مفعمة بالحياة والحركة والاتحاد، لحظة طويلة نوعا ما، أطول من لمحة على أية حال. وبما أن للمحة قانونها الحتمي، لا بد من جزئية صغيرة تلوح (ربما فجاءة) تعيد اللمحة إلى ما هو متحرك وطال امتداده؛ لا بد من ومضة عابرة تكاد أن تشبه الصدفة. الموت احتمال بعيد والشعور ممتع، والطلب مجاب؛ مشهد مكتمل، ولابد أن تخلّدة صورة (تظهر وتختفي) في لحظة التفاتة إلى الخلف:
((طلبت منها أن تتأبّط ذراعي و تلتفت خلفها: " ماذا ترين هنا بالتّحديد فوق الثّرى؟ "ردّت باستنكار غلب عليه الذّهول : لا أرى شيئا))
لمحة بصر تنظر إلى الخلف، إلى الوراء وتعود إليه أو تستعيده، وكل خلف أو وراء إنما هو أثر سواء انحفر في الذاكرة أو على التراب. وكل ما يحتاجه المرؤ هو موقع محدد وعين ترى. لكنها لم تستطع أن ترى شيئا (هنا بالتحديد فوق الثرى): خانها البصر فلم تر الصورة لأنها ليست صوره، بل ذهلت واستنكرت! فما رآه ليس هو ما فشلت هي في رؤيته رغم الموقع المحدد هنا فوق التراب؛ فهو بالنسبة لها ليس أثرا ولا هو مادة. ولا بد أن تستغرق مدة طويلة لكي تتخلل مدتها لمحة تدرك بها الأثر. بل كان على الفنان أن يؤطر الصورة ويرسمها، فالمشهد حقيق بالتخليد إن رسما أو نحتا:
((قلت: لمَ لا تُحاكين هذه التّحفة الرّائعة بمجسّم حجريّ ممدّد ، لونه بلون التّراب مثلا، عليه نتوءات وحفر وحجارة متناثرة كما اتّفق، يكون ظلّنا فوقه عبارة عن طبقة رماديّة داكنة من الاسمنتِ ؟ ظلا لامرأة تتأبّط ذراع رجل يرى أنّها الحقيقة الوحيدةَ في كوكب فاقد للوعي.))
هذه صورة، بل أثر، بل فن (محاكاة)، تحفة رائعة تستحق أن يخلدها مجسم حجري! لحظة إلهام فني، ومضة تُجسد الخيال، تُعيد الظل حيا والحي حجرا، لمحات متتابعة لا تستقر بين الرؤية وعدمها. هل نستطيع قياس المفارقة في الجملة الأخيرة؟ (ظلا لامرأة تتأبط ذراع رجل يرى أنها الحقيقة الوحيدة في كوكب فاقد للوعي)؟ هل ننسى أن التحفة الرائعة ظلٌ؟ أم ننسى أنها تتجسم حجرا؟ تتبدى في كل تفاصيلها (طبقة رمادية داكنة من الاسمنتِ)! فالمرأة في الصورة تتأرجح بين ظلها وحقيقتها، في رؤيته أو في عينه إثناء التفاته! ترى كم تدوم الالتفاتة قبل أن تعتدل؟
هو وحده من يرى المرأة في ظلها "الحقيقة الوحيدة"! كما أن التحفة في تجسمها تستعيد الموت في لونها (بلون التراب)، لكنها في الوقت نفسه تحيا فنا؛ والفاصل بين الموت والحياة خيط رفيع، فاصل زمني على مدى التفاتة غير مريحة بالتأكيد! لكنها لمحة على أية حال تستعيد أثرها في تجسدها: لقد ترك الموت أثره، وقد التقيناه في بداية الصورة قبل أن تتشكل فنا، قبل أن يعيدها الفن إلى الحياة، قبل أن تكون المحاكاة حياة والحياة غيبها الموت. نعم، استقر الموت وآثاره في كل ما هو واقعي وحقيقي، وابتعد عن كل ما هو خيال وفن. هكذا بدأ المشهد، وكأنه استعداد لالتقاط صوره أو جلسة أمام رسام: ((كنّا قد اتّخذنا مقعدا تحت شجرة توت هرمة، حين لامست ركبتي ركبتها استهنتُ بكلّ الذين غيّبهم الموت عن حديقتنا، و طاف بي شعور ممتع بأنّ الموت احتمال بعيد لا يعنيني)). حقا: في الفن لا بد من شعور ممتع، والمتعة لا بد أن تستبعد الموت مثلما أن الفن يتجاوز الزمان إلى الخلود.
نعم، الفن يبعث الحياة في الموات، هكذا كان الرأي منذ أن حاربه الفلاسفة، فالظل إذا تجسد يتحول إلى حقيقة وحيدة حتى لو كان في كوكب فقد الوعي (فقد الحياة). وقد قيل إن منتهى الفن يتجلى في قدرة الفنان على إخفاء فنية فنه في اكتمال منجزه الفني (بمعنى أن يصعب التمييز بين العمل الفني والواقع). وفي المقابل، كلما كان الفن أكثر واقعية كان أكثر فنية. هنا، في كل التحف الفنية يتجسم الأثر ويغيب في آن، وتدوم اللمحة في انعدامها. أليس هذا ما حققه النحات القبرصي بغماليون (في الأسطورة حسب رأي أوفيد) وما حصل لـ(بوتادس)؟ فالأول هجر الكوكب ونحت فتاة أحلامه ووقع في غرام تمثالها العاجي حين اكتمل التمثال "تحفة رائعة" فبعثت الآلهة فيها الروح لتكون الحقيقة الوحيدة في عالم أنكره بغماليون واعتزله. أما بوتادس (فتاة كورنث الأغريقية)، إذ نام حبيبها قبل صباح افتراقهما، فقد خلدته فنيا من خلال ظله. فقد رأت ظله ممتدا على الجدار فحفرت حدود الظل وتفاصيله ليبقى مخلدا. فصنع أبوها، وكان خزافا ماهرا، لحدود الظل رأسا وبقي الحبيب فنا ماثلا خالدا!
كذلك الأمر هو مع الراوي هنا، فهو قد جمع الأسطورتين في أسطورة جديدة: يريد للظل حياة أبدية، ويريد في الوقت نفسه تمثالا يقيم الظل جسدا. كما عكس الأدوار: فهو (وليس فتاة كما هي حال بوتادس) من رسم الظل على الأرض الأسمنتية وهي (وليس هو كما هي حال بيغماليون) من نحت التمثال الذي يجمع فتاة تتابط ذراع رجل. وبعد (أو إثر) شرحه وتحديده موقع الظل، ولما كانت كل طلباته مجابة، استجابت فنانته، ربما فجاءة من سكون الموت إلى نبض الحياة: ((ظلّت ساكنة برهة ثمّ انفجرت ضاحكة: - فكرة مجنونة ، سنشتغل عليه سويّا..لا تمانع.. ستكون جميع أعذارك مرفوضة..غدا نشرع في التّنفيذ.)). لم يطل العرض حتى انبعثت الحياة في الظل: ((في معمل صغير محاذ لبيت والدها اكتمل الظلّ، تماما كما شاء قلقي. أمسكتُ بيدها، ومسحتُ براحتها على وجهي، في تلك الّلحظة قالت إنّ بهجتها قد لا تكفيها حجارة العالم لو أرادت تصميمها)).
ليس مصادفة أن تتبدى المشاعر مع الانتهاء من تجسد التمثال وللمس أهميته ليس فقط من حيث المهنة (النحت) بل هو جزء أساسي في أسطورة بيغماليون، فهو في الاسطورة بدأ باللمس بعد الانتهاء من تحفته الرائعة، كما كان الوضع نفسه في أسطورة بوتادس؛ بل كان لابد من وجود بغماليون ووجود الوالد الذي لم يبخل على الأثنين بما يستطيع، شأنه شأن والد بوتادس. وما تبدي المشاعر إلا رمزا على مستوى السطح لما يعنيه الانتهاء من تحفة فنية، من انبعاث الحياة في جماد. لهذا كان المشهد عائليا أسريا مباشرة مع الانتهاء:
((أخبرتها أنّ أمّي و أخواتي متشوّقات لرؤيتها لفرط ما حدّثتهنّ عنها. قبلت دعوتي قلتُ هذا المساء بالذّات تذهبين معي. استدعت والدها ليرى إنجازها الجديد، حضر على الفور، تأكّدتُ بعد لقاءات أخرى جمعتني به في بيته أنّه أصبح يغالي في تلبية رغباتها وإبداء إعجابه بما تفعل، بعدما أيقن أنّ ولعها بالفنّ صار يهدّد اهتمامها به)).
بعد هذا المشهد، كيف نستطيع قراءة البداية (كانت ترتدي قبعة إيطالية؛ أو هكذا استعجل قلقي استدراج التتمة))؟ عن أية تتمة استعجله القلق؟ هل من الغرابة في شيء أن يلتقيها الراوي بعد سطرين فقط ((في صالون للفنون...)) وأين تحديدا في هذا الصالون الفني؟ ((كانت منهمكة بتلميع تمثال نصفيّ من مرمر لامرأة غريبة الملامح. و أنا أتأمّل وفرة الحياة في جذعها ،تأكّد لي ظنّ يلازمني ؛ شره الحواسّ هو حجّة البقاء لإبطالنا)). يالمحاسن الصدف وغرابتها! فمنذ البداية ونحن مع الظهور والاختفاء في بيئة فنية. لم تكن العلاقة بين مرهم العيون والحذاء علاقة عبث: بل قد جاءت رغم سخريتها تحفة فنية تعالج الأثر في الحذاء والفن في العيون (شره الحواس حجة للبقاء — بقاء الفن المصطنع):
((كدتُ أبوح لها بأنّي لمّعتُ حذائي بمرهم عيون هذا الصّباح،غير أنّي و دون قصد لم أجد أمامي أخفى من العفويّة المصطنعة كي أعلن لها عن حضوري.)). إعلان الحضور أو الوجود يقتضي (عفوية مصطنعة)؟ أين نجد مثل هذه العفوية المصطنعة! الفن وحده يستطيع أن يكون عفوية مصطنعة. وأين نجد القبول أو المتعة البدائية الحميمة مرتبطة بالقمامة إلا في الفن: ((لبِستْ الصّغيرةُ السّاعة حالما أخرجتها من العلبة، وراحت تسترق النّظر إلى العقارب وهي تتحرّك، رأيتُ في عينيها سعادة كالتي ألمحها على عمّال النّظافة وهم يراقبون الرّافعة تقلب الحاوية في جوفها نيابة عنهم)). لا بد أن نقف على أعتاب عالم جديد يتموج تحت سطح عالم مألوف، فالانتقال من بعد واقعي إلى آخر فني يقتضي جَسْرَ فاصل اختلاف العالمين، وبدون هذا الالتئام بين العالمين سيظل الواقعي واقعيا والفن فنا، وما من سبيل إلى اتحادهما إلا بمعجزة أسطورية خارقة تأتي بها آلهة هي نفسها كانت نحتا فنيا.
لقراءة (في أثر لمحة): www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?103096
تعليق