قراءة في تجربة القاص محمود عادل بادنجكي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمود عادل بادنجكي.
    أديب وكاتب
    • 22-02-2008
    • 1021

    قراءة في تجربة القاص محمود عادل بادنجكي

    قراءة في تجربة القاص محمود عادل بادنجكي
    بقلم الأستاذ : طلعت سقيرق

    القاص محمود عادل بادنجكي يكتب القصة القصيرة جدا باقتصاد باد ٍ وجمالية ظاهرة ، ومن صفات قصته مراوغة المفردة أو محاولة تطويعها لتكون مفردة ذات نشوء خاص أو لنقل ذات حساسية تمتص أجواء محيطها وتفرزها بسرعة لتكون ملاصقة لمشاعر القارئ .. ولمحمود ولع قصدي بالخاتمة ، وهذا شيء مفيد تماما لعالم القصة القصيرة جدا ، لكنه يصبح ضارا حين يتحول إلى منطق اللعب والحدية ، وهو أمر قد انتبه له محمود فتلافاه في قصصه ..
    قد يكون التكثيف ، وهو ميزة القصة القصيرة جدا ، من أهم سمات القص عند محمود عادل بادنجكي .. سأورد هنا نصا لمحمود بعنوان " إدمان القصة القصيرة جدا " يقول فيه:" استغرق وقتاً طويلاً على الشبكة.. مشاركاً في منتدى القصة القصيرة جداً.. بين قراءة و مساهمة جديدة وتعليق.لم يكن يأبه لملاحظات زوجته المتكررة.. وأسئلتها عن حلوى العيد..وألبسة الأولاد.. ولم يعر انتباهاً لتوسلاتها.. ليترك الكومبيوتر.. ولو لحظات.. ليقررا نوعية مأكولات مائدة العيد التي دعي إليها أفراد الأسرة الكبيرة .. ولكن دون جدوى.ثارت ثائرتها.. وأسرعت إلى غرفتها تلملم أغراضها.. لتقضي العيد في منزل أهلها.
    ركض الأولاد حولها يتشبثون بها لتشاركهم أفراح العيد.. أما هو فشرع مبتهجاً بكتابة قصة قصيرة جداً.. يصف فيها ما جرى معه.
    ".. حيث نلاحظ استدعاء فعل الكتابة وفعل الهوس بمتابعة موضوعة القصة القصيرة جدا ، ليصيرا الحامل الحقيقي للموضوع والشخصيات والمغزى وتقدم الأحداث .. التجريد هنا يضعنا أمام موضوع أقل من عادي ، وحدث أقل من عادي ، وشخصيات موجودة بكثرة في الأمكنة المسكونة خاصة بالكتابة .. لكن مهارة محمود عادل بادنجكي تتبدى في تحول كل ما هو عادي إلى استثنائي يستطيع أن يبني قصة قصيرة جدا مؤثرة وجميلة وفاعلة وقادرة على الجذب والشد ولفت الانتباه .. قد يؤخذ على العنوان " إدمان القصة القصيرة جدا " طوله إذ كانت تكفي مفردة " إدمان" لتدل على المؤدى وبشكل أكثر جذبا من ذكر العنوان الذي وضعه .. هذه الملاحظة نجدها في عدد من قصص محمود عادل بادنجكي الذي لا يكتفي أحيانا بمفردة واحدة لتدلّ على ما يريد فيضع عدة مفردات مع أنّ مفردة واحدة قد تغني " عصفور مبلل الجناح " و" شعاع من كبد السماء ".. وهكذا ..
    كما أسلفت تأتي قصة " إدمان " لتكون نموذجا جيدا بل متميزا للقدرة رفع الموضوع العادي ليكون موضوعا هاما لافتا .. هذه الظاهرة ، أو لنقل الميزة تتكرر عند الكاتب في أكثر من قصة .. ويبرع كتاب القصة القصيرة جدا في هذا النوع من تأهيل العادي ليكون استثنائيا وكما أشرت فقصة " إدمان " نموذج مزدوج للحالة حيث يكتب قصة قصيرة جدا عن الولع بهذا الفن ، ويوجد من العادي وشخصياته حدثا يكون مناسبا لسجل القص ..
    أورد هنا نصا للكاتب محمود عادل بادنجكي بعنوان " مؤهلات " يقول فيه :
    أعياه البحث عن وظيفة..
    .رُفضت معظم ترشيحاته رغم تحصيله العلميّ العالي..
    وشهادات الخبرة..واللغات.. وعلوم الكومبيوتر.
    استيقظ يوماً.. حرّك رأسه في كلّ الاتجاهات..
    فوجد نفسه أصمّاً لا يسمع!!!حمد الله كثيراً..
    استيقظ في اليوم التالي.. فلم يستطع النُطق بحرفٍ!!!
    رفع يديه إلى السّماء.. وحمد ربّه .. وشكره .. مئة مرّة..
    في اليوم الثالث.. استيقظ وهو يهُزّ رأسه يمنة ويسرة
    وإلى الأعلى.. وعيناه شاخصتان.. مبتسماً.. حامداً ربّه..
    شاكراً.. مسبّحاً...ألف مرّة....بعد أن فقد بصره!!.
    في التاسعة والنصف.. كان لديه موعد مهم.. للالتحاق بأحد مراكز القرار الحسّاسة جدّاً..
    لاستلام وظيفته كمساعد.. بعد اكتمال مؤهّلاته!!!
    "...
    هكذا أورد القاص محمود عادل بادنجكي قصته التي سأتحدث عنها بشيء من التفصيل ، لكن قبل ذلك أحب أن أشير إلى هذه الطريقة التي تتكرر كثيرا في التقطيع غير المبرر .. إذ لماذا نقطع القصة القصيرة جدا على هذا الشكل وما معنى ذلك وما هو المراد منه؟؟..والإشارة واجبة إلى أنّ هذا التقطيع الذي يشبه التقطيع الشعري يشتت الانتباه في القصة القصيرة جدا ويجعل الذهن مرهونا بوطأة بداية السطر ونهايته وكأنّ هناك قصدا ما ، مع أنّ التقطيع لا يقول ذلك ، والقصة أيضا لا تقول ذلك .. بل أرى أنّ الفعل ، أي فعل تقوم عليه القصة ، أكثر تأثيرا في توالي الأسطر بشكل طبيعي .. وينطبق هذا على الوصف ، وحركة الشخصية أو سيرها .. وهكذا ..
    أعود هنا على هذه القصة " مؤهلات" لأرى ابتداء من العنوان أنها قصة متكاملة معبأة مؤثرة مبنية بشكل جيد بل متميز ن وهي تضع أمامنا كاتبا مجيدا في فن القصة القصيرة جدا .. مفردة " مؤهلات " كعنوان احتمالية ، أي أنها لا تكشف ما يبطن القص وما يريد الوصول إليه ، وهي هنا مرتبطة بنصها لأنها تخطر على البال مع كل خطوة تخطوها القصة ..
    هذه القصة تأتي في 84 مفردة تقريبا ، أي أنها شديدة الاختزال والتكثيف مما يعني التزاما من الكاتب بمقومات القصة القصيرة جدا .. أما التدرج في اكتساب " المؤهلات " فهو يدل على قاص يجيد بناء الفكرة ويحسن رفع وتيرتها .. كان باستطاعة محمود عادل بادنجكي أن يورد لنا هذه المؤهلات / العاهات دفعة واحدة ، لكنه كان سيفقد القصة هذه الخاصية التي ميزتها وأعطتها قوتها .. إنّ اكتساب المؤهل هنا يترافق مع حركة وفعل الشخصية ليترسخ أكثر في الذهن وليوضح لنا الطريق التي كان على البطل أن يمشيها كي ينال الوظيفة.. وهنا تبرز خاصية السخرية بشكل لا لبس فيه لتكون خاصية إيجابية تفيد في بناء القصة .. ولا ننسى أنّ السخرية مغلفة بالمرارة الحادة ..
    قصة " مؤهلات " للكاتب محمود عادل بادنجكي نموذج لقصة قصيرة جدا يحتذى ويؤخذ كمثال جيد لقدرة المفردات القليلة ، أو الاختزال والتكثيف ،على بناء نص ممتع وشيق ومؤد لغرضه بكل نجاح ..
    أختم هنا بنص جميل للقاص محمود عادل بادنجكي بعنوان :" شعاع من كبد السماء" يقول فيه :
    غيوم متلبّدة في كبد السّماء.. تحجب الشّمس..
    ينتثر شعاع نور حولها.. ومن ثقوبها..

    طائر كبير يخترق.. من وراء الغمام..
    يقترب.. فيظهر محمّلاً في رجليه..
    يدنو أكثر.. فينجلي لونه الأبيض..
    .. يتوجّه نحوي..
    يحمل في رجليه...صرّة..
    صوت ضربات قلبي.. يطغى على خفق جناحيه

    يقترب منّي.. يحجب الضوء..
    يرمي الصّرة.. في حِجري..
    يخفُق الطائر.. مبتعداً.. وينزاح الغمام.. عن وجه الشّمس..

    أفتح الصّرّة...فأجدها.. مليئة بالأمل!!
    !
    التعديل الأخير تم بواسطة محمود عادل بادنجكي.; الساعة 02-05-2008, 10:31.
    ستبقـى حروفنــــا.. ونذهـــــبُ
    مدوّنتي
    http://mahmoudadelbadinjki.ektob.com/
    تفضـّلوا بزيارة صفحتي على فيسس بوك
    www.facebook.com/badenjki1
    sigpic
    إهداء من الفنّان العالميّ "سامي برهان"
  • محمد الزروق
    تلميذكم المحب
    • 10-10-2007
    • 877

    #2
    المشاركة الأصلية بواسطة محمود عادل بادنجكي مشاهدة المشاركة
    قراءة في تجربة القاص محمود عادل بادنجكي
    بقلم الأستاذ : طلعت سقيرق


    أعياه البحث عن وظيفة..
    .رُفضت معظم ترشيحاته رغم تحصيله العلميّ العالي..
    وشهادات الخبرة..واللغات.. وعلوم الكومبيوتر.
    استيقظ يوماً.. حرّك رأسه في كلّ الاتجاهات..
    فوجد نفسه أصمّاً لا يسمع!!!حمد الله كثيراً..
    استيقظ في اليوم التالي.. فلم يستطع النُطق بحرفٍ!!!
    رفع يديه إلى السّماء.. وحمد ربّه .. وشكره .. مئة مرّة..
    في اليوم الثالث.. استيقظ وهو يهُزّ رأسه يمنة ويسرة
    وإلى الأعلى.. وعيناه شاخصتان.. مبتسماً.. حامداً ربّه..
    شاكراً.. مسبّحاً...ألف مرّة....بعد أن فقد بصره!!.
    في التاسعة والنصف.. كان لديه موعد مهم.. للالتحاق بأحد مراكز القرار الحسّاسة جدّاً..
    لاستلام وظيفته كمساعد.. بعد اكتمال مؤهّلاته!!!
    "...
    !![]!
    تجربة الأستاذ محمود عادل بادنجكي تجربة ثرية ومفيدة .. أتمنى بالفعل الحصول على المزيد من أقاصيصه الرائعة التي كان لها الفضل بعد الله في توجيهي .. أقرأ الأقاصيص التي يدرجها هنا باستمرار ولا أستطيع الرد عليها غالبا لأنها جميلة ..
    ولي استفسار بسيط عن الكلمة التي لونتها بالأحمر .. أليست صفة على وزن أفعل مؤنثها فعلاء ؟ إن كانت كذلك فالصحيح ألا تصرَّف ...
    دمت مبدعا !
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد الزروق; الساعة 20-05-2008, 13:48.

    ربما ننفق كل العمر كي ننقب ثغرة
    ليمر النور للأجيال مرة.

    تعليق

    • محمود عادل بادنجكي.
      أديب وكاتب
      • 22-02-2008
      • 1021

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة محمد الزروق مشاهدة المشاركة
      تجربة الأستاذ محمود عادل بادنجكي تجربة ثرية ومفيدة .. أتمنى بالفعل الحصول على المزيد من أقاصيصه الرائعة التي كان لها الفضل بعد الله في توجيهي .. أقرأ الأقاصيص التي يدرجها هنا باستمرار ولا أستطيع الرد عليها غالبا لأنها جميلة ..
      ولي استفسار بسيط عن الكلمة التي لونتها بالأحمر .. أليست صفة على وزن أفعل مؤنثها فعلاء ؟ إن كانت كذلك فالصحيح ألا تصرَّف ...
      دمت مبدعا !
      الشكر للإطراء
      وفعلاً هي واحدة أعترف بها، وربّما لا تكون الأخيرة، وقد قمت بإضافة موضوع عن /الاسم الممنوع من الصرف/، في مشاركتي (مراجعات نحويّة)
      على الرابط:
      http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=13199 قبل أن أقدّم اعترافي هنا على الملأ بخطأي الذي أتمنّى أن يغفروه لي مع تحيّاتي الطيّبات.
      ستبقـى حروفنــــا.. ونذهـــــبُ
      مدوّنتي
      http://mahmoudadelbadinjki.ektob.com/
      تفضـّلوا بزيارة صفحتي على فيسس بوك
      www.facebook.com/badenjki1
      sigpic
      إهداء من الفنّان العالميّ "سامي برهان"

      تعليق

      يعمل...
      X