لا ترحل ياولدي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد الفاضل
    أديب وكاتب
    • 21-12-2011
    • 208

    لا ترحل ياولدي

    لا ترحل ياولدي – محمد الفاضل

    حاولت جاهداً أن أستجمع شجاعتي ورباطة جأشي وأتمالك نفسي أمام ذلك المشهد المشحون بالعواطف والذي يدمي القلب ويرسل الدمع السخي على الوجنات مدراراً .فعلت مابوسعي كي أكبح جماح شوقي والعبرة تخنقني. حاول إخوتي أن يضفوا جواً من المرح على المشهد ولكن ذهبت جهودهم أدراج الرياح فالشجن كان سيد الموقف .
    جلست والدتي على الأريكة وقد بلغ منها الإعياء مبلغه وهي تتنهد بحرقة وألم وتسيل دموعها أنهاراً ولسانها يلهج بالدعاء فقد أزفت ساعة الرحيل وماأصعبها. طبعت قبلة حارة على جبينها ولثمت يدها الطاهرة وكانت تقبض على أصابعي بشدة مخافة أن أتركها.تعانقت أرواحنا عناق الأحبة مثل الحمائم التي تلوذ بأفراخها وتحنو عليهم.
    بدأ صوتها يتهدج وشعرت بأنفاسها الحارة على صدري. هديل صوتها الحزين كان فوق احتمالي ، ترك جروحاً غائرة في النفس لم تندمل. تملكني إحساس بالعجز والغضب العارم من أولئك الحكام الذين يتشدقون بإنجازاتهم الوهمية ليل نهار ويقمعون الفكر! بدأ الصراع يتفاعل في خبايا نفسي الحائرة . تسارعت دقات قلبي وكأن جبلاً من الهموم يجثم على صدري.
    كان والدي يجلس بجانب والداتي محاولاً استيعاب مايحدث ولم ينبس ببنت شفة . بدا لي متماسكاً كعادته ، صلباً وراسخاً رسوخ الجبال ولكن عاطفته الجياشة كانت أقوى . ران صمت مطبق على أرجاء المكان ولم يكسره سوى زفراته ودموعه الحارة التي بدأت تتدفق مثل شلال يغسل جدب سنوات الغربة التي أمضيناها خارج الوطن. رمقني بنظرة حانية تسللت إلى أعماق روحي التي كانت على موعد مع الغربة مجدداً .
    لم يستطع أن يعبر عن مكنونات روحه المحطمة فمنذ أن أصيب بجلطة دماغية فقد على أثرها النطق وأصيبت يده اليمنى بالشلل . إنها إرادة الله ومشيئته وماأجمل الرضا والتسليم بقضاء الله. حاولت أن أتفرس في تلك العيون التي أنهكتها سنوات الغربة وتزاحمت فيها الدموع !
    ياإلهي ! لم أعد أحتمل !
    ماأصعب وأقسى دموع الرجال عندما تنهمر لأول مرة . لطالما كان ينهرنا عندما كنا صغاراً ، وياليتنا لم نكبر !
    كان يقول أن الرجال لاتبك أبداً مهما جار عليها الزمن. ولكنه كسر القاعدة في ذلك اليوم الذي لم يمح من ذاكرتي المتعبة.
    تبلدت مشاعري وأصبت بصدمة وعقدت الدهشة لساني . أصابني إعياء شديد وبدأت الأرض تدور بي وكأنني في عالم اَخر.
    رفع يده اليسرى إلى السماء وأومأ برأسه مطرقاً ثم حانت منه التفاتة فإذا به يعد بأصابعه مشيراً باتجاهي كوني ولده الثالث الذي يسافر . وتحلق حوله باقي إخوتي وأخواتي في محاولة للتخفيف عنه .
    حملت وطني في حقيبتي وبعض الصور والذكريات الأثيرة على قلبي ولشدة غرابتي أحسست بثقلها على غير العادة ووجدت صعوبة بالغة في حملها !
    تبرع أحد إخوتي بالمساعدة وركبنا السيارة سوية في طريقنا إلى المحطة . وفي الطريق أطلقت العنان لمشاعري وبدأت أسترجع شريط الذكريات وسرحت بخيالي الحزين إلى ذلك اليوم الذي هجرنا الوطن !
    قضينا شطراً من العمر على أرصفة الأحزان ودروب الغربة ومطارات الشتات ونحن نبحث عن وطن ولم نحصد سوى الشجن !
    لا ترحل ياولدي – محمد الفاضل
    sigpic

    روحي تحلق بعيداً في الفضاء تخترق الاَفاق ، ترنو إلى أحبة حيث الشحرور والحسون يشدو على الخمائل أعذب الألحان . لما رأى الحمام لوعتي وصبابتي رق لحالي وناح على الأيك فهيج أحزاني وأشجاني . أتسكع في أروقة المدينة وأزقتها .. أبحث عن هوية ووطن ! ولا شئ غير الشجن . أليس من الحماقة أن نترك الذئاب ترتع فوق تخوم الوادي ؟
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    نص فيه الكثير من الشجن
    وسؤال كبيرا مازال يراود ذهني ومذ كنت طفلة
    ولحد اللحظة
    لم نهاجر نحن إلى دول غريبة .. نتطبع بطباعهم
    ونحترم قوانينهم
    نصون ملكياتهم
    ولا نفعل أي فعل شائن في بلادهم.. لكننا
    نبقى بأعينهم غرباء!!
    هل لأن في بلادهم تلك الحرية أو ( شعرتها ) التي لانملكها في بلداننا؟
    أم هو حياء العربي ؟
    نص موجع يحمل بين طياته الكثير مع أنه مطروق كثيرا لكنه يتجدد دوما مع كل حكاية ورؤية من زاوية أخرى
    أتمنى أن أقرأ لك المزيد وبودي أن أقرأ رؤاك حول النصوص المنشورة للزميلات والزملاء كي تكتسب وتكسبهم خبرة
    ودي وتحياتي سيدي الكريم
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • محمد الفاضل
      أديب وكاتب
      • 21-12-2011
      • 208

      #3
      الأخت عائدة
      فاح العطر من يراعكم وتضوعت رائحة المسك من بين حرفكم الجميل وشذا كلماتكم الطيبة .. يسعدني مرورك الجميل
      أختي الأديبة ، ليس هناك أجمل وأدفء من حضن الوطن ولكنهم الطغاة الذين يضيق صدرهم بشكوانا ويمارسون أبشع أنواع القمع الجسدي والفكري ضد كل من تسول له نفسه أن يغرد خارج سربهم الذي يرفض أن يرى باقي الألوان الزاهية !
      ولطالما سألت نفسي السؤال عينه الذي تفضلت به ، لماذا تهاجر طيور الشرق إلى تلك البلاد البعيدة ؟ لماذا نعلق بين موانئ الضياع ومطارات الشتات ونترك الوطن الذي سرقه دعاة الديمقراطية والانجازات الوهمية ؟ أحرام أن تشرأب أعناق الحالمين ؟ هل كفرنا عندما بصقنا على الظالمين ؟ اَه لو كنت زهرة برية فوق روابي بلادي لخفتت جذوة الشوق وهدأت روحي التي ترنو إلى الأحبة ! أيها الحسون أمازلت تذكر شدونا ، أم تراك نسيت ؟ روحي تهفو إلى الشرق حيث الشحرور والحسون يغرد على الخمائل أعذب الألحان .أليس جنوناً أن نُهجر وندفع الثمن والأوباش يعربدون وينعمون بدفء الوطن؟
      سنرجع يوماً ياوطني الجريح الذي أثخنته الجراحات وألهبت ظهره سياط الجلادين ، وعهر المتملقين .
      تقبلي أجمل وأرق الأمنيات

      التعديل الأخير تم بواسطة محمد الفاضل; الساعة 12-07-2012, 08:07.
      sigpic

      روحي تحلق بعيداً في الفضاء تخترق الاَفاق ، ترنو إلى أحبة حيث الشحرور والحسون يشدو على الخمائل أعذب الألحان . لما رأى الحمام لوعتي وصبابتي رق لحالي وناح على الأيك فهيج أحزاني وأشجاني . أتسكع في أروقة المدينة وأزقتها .. أبحث عن هوية ووطن ! ولا شئ غير الشجن . أليس من الحماقة أن نترك الذئاب ترتع فوق تخوم الوادي ؟

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        قص جميل محمد اخي
        فيه من الشجن الكثير
        و من الوطن براكين ألم و غصص كثيرة

        استمتعت بمروري من هنا


        محبتي
        sigpic

        تعليق

        • محمد الفاضل
          أديب وكاتب
          • 21-12-2011
          • 208

          #5
          أخي ربيع
          عبقت الصفحة بعطر عباراتك الرقيقة ومشاعرك الجميلة
          يسعدني مرورك أيها الراقي
          التعديل الأخير تم بواسطة محمد الفاضل; الساعة 12-07-2012, 12:10.
          sigpic

          روحي تحلق بعيداً في الفضاء تخترق الاَفاق ، ترنو إلى أحبة حيث الشحرور والحسون يشدو على الخمائل أعذب الألحان . لما رأى الحمام لوعتي وصبابتي رق لحالي وناح على الأيك فهيج أحزاني وأشجاني . أتسكع في أروقة المدينة وأزقتها .. أبحث عن هوية ووطن ! ولا شئ غير الشجن . أليس من الحماقة أن نترك الذئاب ترتع فوق تخوم الوادي ؟

          تعليق

          يعمل...
          X