لن أكون كما تريد
وصلني صوت عراكهما اليومي من الشقة المقابلة، وحرصا مني على نقاء صورة أبيهم في الذاكرة صرفت انتباههم لتجهيز أنفسهم لنزهة إلى مدينة الملاهي،انطلقت بسيارتي، راضية عمّا حققته لذاتي بعد انفصالي عنه.
مازال صدى عباراته يرن في أذني"أنا السيد المطلق هنا" "من يستمع إلى رأي امرأة فهو امرأة" " شاوروهن وخالفوهن" " ليس لك إلا أن تأكلي وتخدمي الأولاد" أنت زوجة مؤقتة وسأجد التي تناسب مزاجي" وتمتد يده بالضرب لأي اعتراض وبين موقف وآخر يهدد بالطلاق رافضا شراكة الرأيّ، ويحدق بنساء التلفاز ثمّ ينظر إليّ ساخرا"هذه نسوان، ولا أعتقد أنك امرأة" كنت جميلة وأنيقة لكن ينقصني خاصيّة المرأة اللّعوب، كثيرا ما التزمت الصمت خوفا منه ولتوفير جوّ أسريّ هادئ نسبيّا للأولاد ولحمايتهم من غضباته.
في فترة الخطوبة بهرني بثرائه وتزمته العصبي إزاء أي قرار وأوهمت نفسي أن هذه رجولة وسياج أمان لحياتي، لكني غرقت في بحر جبروته، وبرق أمل الخلاص حين زارتني جارة عرّفت بنفسها:أنا جارتك دعوت نفسي لشرب القهوة، لم تعجبني ملابسها الفاضحة وحركاتها المغناج، واستفسرتْْْْْْ عن الصورة الجدارية أجبتها باستغراب" زوجي وأولادي" ثمّ أردفت بغواية: يعجبني الرجل طويل القامة مفتول العضلات،إنه مثير جدا! تحسست كدمات رأسي، وسرحت لأُبعد صدى كلماته التي تؤلم روحي، وتذكرتُ وصيّة أمي" الزوجة المثالية مطيعة ولا تفشي أسرار بيتها لأحد" وأجبت بوهن: مثير حقا،محب وحنون ولطيف وو..
سددت إليّ نظرة ماكرة:هل هذا واقع أم ما تتمنينه؟ ثمّ أردفت أنا طُلقت مرتان، لم أعد احتمل تحكم أهلي فأعيش وحيدة بعد أن كسبت من طلاقي مالا وفيرا، ساد بيننا صمت حائر،ثمّ بادرت: ما برجك؟ رددت بغرابة:الحمل!رجت باهتمام: خصائص برجك تؤكد أنك صبورة ولديك طاقة احتمال عالية، أمّا أنا برجي العقرب وخصائصه تؤكد أني مثيرة تعشق وتغار وتكره بحدة وتنتقم، ما برج زوجك؟أجبت مندهشة: الأسد، لكن لمَ تبدين اهتماما بزوجي؟: مجرد فضول، لكن خصائص برجه تدلّ على أنّه يحبّ السيطرة والطاعة المطلقة،ادعيت الصدق: يعاملني كسيدة وأنا لا أصدّق الأبراج.
كانت لعوب وجمالها وقحا لأنّ كلّ سمة فيه تدعو إلى الإغواء، سمعتني أحادث زوجي تلفونيا وبدوتُ مثل فأر يلاعبه قط شرس، رجوته أن يهدأ وسأطيعه بما يريد، إذ بها تفرقع بضحكة ساخرة: ما هذا الرعب، لو أنّ زوجي يفكر أن يسترجل عليّ لعاقبته أقسى عقاب.
لم أتمالك نفسي: أمجنونة أنت!! احترام الزوج واجب!! فكّرت بطردها، لكني تراجعت عن الفكرة ثمّ حدّثت زوجي عن وقاحتها وخلته سيمنعني من استقبالها لكنه طلب التعرف عليها، الوساوس نبشت رأسي، ماذا يريد منها؟؟ وافقته طائعة ودعوتها للسهر معنا، رقته معها أذهلتني وتبادلا نظرات الإعجاب وصعقة الدهشة جمدتني، هو الأسد الهادر يجلس أمامها كقط وديع، وأخذت الفكرة تتفاعل في عقلي والشياطين توسوس في نفسي، تركتهما وحدهما وتعمدت التأخر في الضيافة، في اليوم التالي طلبت منها أن أكلّمه من هاتفها بحجة نفاد رصيدي، وافقت فرحة، عنّفني: من هاتف من تطلبينني؟ قلت متدثرة برداء الخوف الوهمي: من هاتف جارتنا، وإذ بضحكة ارتياح ترن بأذني: لأول مرة تفكرين جيدا، قلت في نفسي: فعلا بدأت استعمل شيطاني.
دائما يرفض اصطحابنا لنزهة أو تسوّق معلنا"أنا لا أرافق امرأة وأولادا في مشوار وكل احتياجاتكم تصلكم"، طلبت التنزه ويقيني القبول،لأن الجارة سترافقنا، التمعت البسمات في وجه كأسراب طير وحطت الغربان في نفسي تنعب بكل ألم، في النزهة انفردا في الحديث والضحك، وانقطعت عن زياراتي وأدركت أنه وقع في المصيدة، هاتفهما مشغول، وأضحى ساهما سارحا في أجواء العشق السرمدية، وكلمّا أطلت سهام الغيرة من نفسي أكسرها وأقول اصمدي آن أوان العقاب وسأبيعه للكاسرة بأرخص الأثمان، وأضحت كلّ اللاءات نعم، واستمتعت بالهدوء النفسي إلا من بعض خربشات الغيرة الفطرية، ورمى بارتباك قراره المنتظر: أريد أن أتزوج! وأنت لك بيتك مكرّمة معززة، لحظتها أدعيّت الغضب والحزن، طلبت بثقة: أريد الطلاق وتنازلا موثقا في المحكمة عن الأولاد والشقة والمتجر الذي سأعمل فيه ليوفر لنا النفقة، وأن تسكن في شقتك المقابلة حتى يستطيع الأولاد رؤيتك، تردد مدعيّا وفاء العشرة وفي لحظة ضعف استجاب لشروطي، ورافقته لخطبتها وهو يمنِّي نفسه بألوان السعادة، وأمنيتي رؤية صور الذل القادم لهيبة الرجل الأسد،راقبته من بعيد، يدخل ليصدع لكلّ أوامرها ويخرج حاملا لنفايات معيشتهما، وانتهى شهر العسل والحبّ، وبدأت الأصوات تتعالى، وانقطع عن زيارة الأولاد، في يوم جاء ورحبت به والأولاد، نظرت إلى وجهه لاحظت بقعة منتفخة في جبينه، أدركت أن الحذاء أخذ يلعب دوره، ضحكت في سرِّي، رماه الشك في متاهة سلوكها، متدثرا بالحسرات جريحا بآهاته وانطفأت هيبته من نفوسنا ونتعامل معه كأنّه جار محترم، نجحت في عملي وعشت مع أولادي بسلام بعد أن انزاح نكده عنّا، رفضت رأي أمي"ارجعي إليه، ظل راجل ولا ظل حيطة"، قلت:هو بقايا إنسان وظله لم يعد يصلح للاحتماء به.
في آخر مرة جاء لزيارة الأولاد، سألته: أما زال برجك الأسد؟ صاح بملء فيه: بل الحمار، كيف استبدل المرأة الشيطان بالمرأة الصالحة؟ وأخذ يضرب رأسه بقبضة يده ويتوسل إليّ أن يعود إلينا رفضت بقوة: أردتك أسدا بقلب حمل وديع لكنك الآن كما قلت عن نفسك ولن تتغير، وعاد إلى أهله خاوي الوفاض بعد أن استولت على كلّ ما يملك بدهائها وغوايتها، ودائما أسأل نفسي هل ظلمته حين فتحت له الباب ليقع في المصيدة؟ ومن الخاسر فينا؟ هل خسرت زوجا وأبا لأطفالي بسبب ضعفي وهدوء طبعي أم بسبب جبروته وضيق رؤاه، لكنّي لن أكون كما يريد!
من المجموعة القصصية لإصدار "حكايا النافذة"

تعليق