لقاء عابر
المكان هادئ، رائحة التبغ تملأ المكان، نظرات الريبة تغزوه من كل العيون التي كادت أن تخرج من محاجرها، ظل يمشي واثقا إلى الطاولة.
سيدة في العقد الخامس من العمر، لا تبدو عليها أية آثار شيخوخة أو تجاعيد تشي بزوال أنوثتها، امرأة في أوج بهائها ورزانتها، يلفها هدوء يزينه ثقة وكبرياء.
جلس يقابلها بنظرات تجوب المكان، استقر حاله وسكنت نفسه بعدما رأى الجميع غارقا بما يشغله، لا يزال محدقا في عينيها الواسعتين المتوشحتين بنظراتها الحادة حتى أطرق مفكرا، وبعد صمت طويل استجمع كل ما لديه من حكمة وذكاء... ما اسمك؟
ارتفعت أصوات كركرة النراجيل في المكان، رائحة التبغ تفيض منه وصخب الأمنيات معلق مثل نجمة في السماء.
تنفست الصعداء، وبابتسامة هادئة ونظرة غائرة قالت ... وفاء... اسمي وفاء عبد الرحمن، ابتسم عندما سمع الاسم، وفاء اسم بطلة في روايتي الأولى، وهو اسم صديقة لي أيضا كانت في ذاكرة الأيام، هذه الذاكرة التي لا تريد أن تشيخ رغم شقاوة العمر، لا تزال تعمل بشكل جيد وجميل وأنا راض عنها، حينما أشعر بخيانتها أضرب رأسي بالجدار لأستعيد شريطها الذي يحاول الهرب ولا أريده أن ينتهي.
كل هذا يجري وهو ينظر في عينيها وهي مسمرة نظراتها في وجهه الذي يشبه لون القهوة، امتلأ المكان بالدخان فأصبح ضبابيا ومن بين سحبها يأتي صوتها الرخيم ... أصر هذه المرة أن يستمر في مواجهتها وعدم زحزحة نظره عن عينيها.
هل دخلت مكانا مثل هذا من قبل، هل تشعر بالحرج؟ أنا لم أجالس أحدا قبلك في هذا المكان الذي تراه يعج بكركرة النراجيل وغشاوة الرؤيا وهمسات القلوب، أنت أول إنسان يشاركني هذه الطاولة التي حجزت لي منذ زمن، لا أعلم لماذا أنت الوحيد الذي طلبت منه أن يقاسمني إياها، لا أدري لماذا تدغدغني عواطفي وتمنيني بشيء كان غائبا عني، هل ما زلت تمارس عادتك القديمة؟ هل تكتب لهذه اللحظة؟ ما فائدة أن تتعب قلمك وروحك وفكرك ولا تجد من يهتم، هل تعتقد أن كل الذين يجلسون هنا سعداء، هل جميع الناس سعداء، وتجيب على السؤال... لا أظن، يحاولون تقمصها، تمثيلها، لعب الدور باحتراف ومهارة، وفي نهاية الأمر يسلمّون بفشلهم ويعترفون بخيبتهم، بعضهم يظن أن السعادة تكمن في المال، هم مخطئون، فها أنا أملكه ولا أشعر بطعمها، ولا أحس بحنان من هم بقربي، بجانبي، من هم جزء مني، بل أشعر بغصة ومرارة في نفسي، وفي النهاية أسلّم بخيبتي.
رباطة جأشها حيرّه وأثار العجب في نفسه، بعد لحظات ظهرت معالم قلق على وجهها، يدان ترتعشان وشفتان ترتجفان رغم الهدوء الذي يلفها، ظل محدقا في وجهها ونظراته لا تفارقها، مستمعا لما تقول، تسلح بالصمت والتأمل فرحا بشلال العطر الذي تدفق من شفتيها.
من الطبيعي جدا أن لكل فعل أثره، فالمكان جديد وملامحه غريبة، الكتابة عادة لا أستطيع هجرها، قلمي يكتب ما يريد، يعبر عن رأيي، وضعت له خطوطا لا يمكن تجاوزها، ليس لأيً كان سلطة عليه، وفي النهاية نحن شريحة مهملة ومنسية فلا تتعبي نفسك معي!، السعادة شيء ومعناها جميل، تأتي لوحدها بقليل من الحب والعطاء، هذه ليست فلسفة، سيدتي ... ليس بالخبز وحده تحيا الشعوب، وليس بالمال وحده يسعد الناس، هذه قاعدة وناموس لا يتزحزح.
الكل يعاني نقصا ما، الفقير يشكو والغني يعاني، عندما يشعر المرء بحنان من يحبه ويقدره يكون قد نال جزءا منها، وعندما تهب بدون مقابل يكون هذا قمة الوفاء، يحب أن يشعر بعطائه وحبه لمن منحهم إياه، يتلذذ بكرمه وعطفه تجاه من يحبهم.
علامات الحزن تكسو ملامحها، يحاول سبر أغوارها البعيدة، البعيدة جدا، يحاول كشفَ السر الكامن فيها، مسح الغموض والحزن المتمرد الذي استوطن صفحة وجهها، كانت كلماته تبدد القلق القابع فيها.
رنين هاتفه جاء على غير عادته، تغيرت ملامحه، ارتشف ما بقي من قهوته، دفع بالنقود للنادل، ظلت الطاولة تشكو وحدتها، خرجا يجران كآبة ارتسمت على وجهيهما وانطلقا مسرعين !
خالد يوسف أبو طماعه
تعليق