[frame="11 70"]قراءة في قاموس ق.ق.ج[/frame]
النصّ مقتبس من مساهمتين للأديبين "طلعت سقيرق" و "سعيد أبو نعسة"
القصة القصيرة جداً .. والتعريف :
يقول القاص حسين المناصرة معرفاً : " يمكن تعريف القصة القصيرة جداً على أساس أنها بضعة أسطر تشكل نصاً سردياً مكثفاً.
قد تكون القصة القصيرة جداً في سطر أو سطرين ، وتمتدّ لتكون في صفحة أو لنقل في مئتي كلمة على الأكثر .. وهذا لا يعني على الإطلاق أن نقيس أو نعدّ الكلمات . كما لا يعني القبول ، بتحويل التكثيف والاختصار ، إلى لعبة فنية ، لا تمتّ إلى القص بصلة ، فمهما اختصرنا، علينا أن نبقي على القص . إذ لا توجد قصة قصيرة جداً دون فن القص والحكاية . وإذا زادت الكلمات عن مئتي كلمة ، فهذا لا يعني أنّ القيامة قامت ، إذ بضع كلمات تغني الفن وتبنيه لن تخرج بالنص عن كينونة القصة القصيرة جداً .. لكن لا يجوز أن نتجاوز الصفحة الواحدة، لنقول بصفحتين أو صفحات .. ومن جهتي ، وتبقى المسألة شخصية ، أميل إلى أن تكون القصة القصيرة جداً في سطور قليلة قدر المستطاع ، مع المحافظة على روح القص ..
و إذا تناوشتها سهام النقد لأنها تُكثّف الصور و المشاهد و الرؤى إلى درجة تقرّبها من الغموض فهذا فخر لها و قد قرّر الإمام النفّري رحمه الله :" كلما ضاقت العبارة اتّسع المعنى." لأن خيال القارئ يسرح في تصوّر المشهد كما يحلو له فيغدو مشاركا في كتابة النص غير مكتفٍ بلعب دور المتلقّي السلبي ؛ولا بأس بمثل يدعم هذا الرأي:
( لو وصفنا الحديقة بأنها قِبلة المتنزهين و أمل الراغبين في السعادة و الجمال ؛ تتطاول أشجارها معانقة كبد السماء وتتلاون أزهارها معلنة أنها السحر بعينه .
ووصفناها بأنها : جنّة .
و إذا جوبهت بأنها تدور حول حدث واحد و حبكة واحدة لا غير فهذا يقدّمها للقارئ على طبق من البساطة و الوضوح بعيدا عن تداخل الأحداث و تشابك العُقد .
و إذا اتّهمت بأنها أباحت نفسها لكلّ من هبّ و دبّ من حملة الأقلام فهذا جُرم هي منه براء و الجاني هو من يستسهلها و ينتهك حرمتها .
و لعل الرمح الذي يكاد يصيب منها مقتلاً هو ضبابيتها التي تقلّص الرؤية حولها فتجعلها عصيّة على التمظهر بقوام فريد يميّزها عمّا يشبهها من أنواع القصّ الأخرى كالطرفة و النادرة رغم أنّ الفرق بينها شاسع.
فالطرفة ( النكتة و الملحة ) هي نص سرديّ قصير يهدف إلى الإضحاك تحديدا ،يختلقها الراوي ساخراً من الفكرة التي تختزنها معتمدا على مبدأ الإدهاش و عدم التوقّع ما يجعلها شبيهة بالأحجية. و البعض لا يفرّق بينها و بين النادرة .
بينما القصة القصيرة جدا لا تهدف إلى الإضحاك إطلاقا و إن لبست ثوب الطرافة أحيانا راسمة البسمة على وجه القارئ ؛ و لعل ما يميّزها هو سخريّتها السوداء التي تفضح الواقع المرير والتي تستمطر الحزن بدل الفرح كقصّة الأستاذ سعيد نعسة هذه:
(وعلى وقع الاستغاثات الصاخبة بُعث المعتصم من مرقده؛ كانت النداءات حادة و حارّة في لهفتها .
أصمّ أذنيه للوهلة الأولى ثم تلفّت حوله يمنة و يسرة فلم يجد نساء عربيات يستغثن بل ملوكا و رؤساء و أمراء ، فأصيب بسكتة دماغية).
كما أنّ القصة القصيرة جدا تتميز عن النادرة في كونها تسرح في عالم (الفانتازيا) الخيالي الرائع بينما النادرة تسجيل حرفي لحدث اجتماعي أو تاريخي غير مألوف يتّصف بالغرابة و الإدهاش لذا فالأَولى تصنيفها في خانة القصص التاريخي كما أن النادرة قد تترهل على مدى صفحات و قد تنكمش في سطور قليلة بحسب عدد الشخصيات و الأحداث فيها، بعكس القصة القصيرة جدا .
أما تشبيهها بالفكرة فخطأ فادح لأن الفكرة قد لا تروي حدثا ولا تتلبس شخصية ولا تتأطّر في زمان أو مكان .
و الخاطرة أيضا تختلف عن القصة القصيرة جدا لأنها أشبه بالمناجاة و البوح الحكيم و هي بعيدة عن السرد المتضمن حكاية كقولنا مثلا :
(لماذا أيها الحُبّ كلّما اقتربنا منك ازددت بُعدا و كلما توددنا إليك ازداد صدّك ؟)
بعد هذا التعريف أو التوصيف ، لابدّ أن يبرز سؤال عن سمات القصة القصيرة جداً .. والسؤال هنا يحاول أن يداخل الصفات العامة التي تمسّ البنية الفنية لهذه القصة .. فماذا نقول في هذا ؟؟
العناصر الأساسية التي يجب أن تتوافر في ق.ق.ج و هي :
1- الحكاية : عليها أن تحكي حكاية تماما كالرواية و القصة القصيرة و المسرحية و المقامة و النادرة و...
2- الشخصية : فلا قصة بدون شخصيات تُنجِز الحدث و تشكّل جوهر السرد الأساس و لا يُشترط في الشخصية أن تكون إنسانا فالحيوان و النبات والجماد كلها تصلح للعب الدور.
3- الوحدة : أي الإضاءة على حدث واحد بعينه مصوغ في حبكة واحدة تُبدي وضوحها للعيان لأن تنوّع الأحداث يستدعي تشابكها و يؤدي إلى تعدد الحبكات و العقد التي تقود إلى أكثر من احتمال و إلى تكرار الأفكار في معظم الأحيان ما يرمي بالقصة إلى هاوية الترهل و الذبول .
4- التكثيف المقصود : قد أجد أنّ التركيز والتكثيف والإيجاز والصور السريعة والإيحاء والإدهاش ، والاختيار الذكي الثر للمقدمة والنهاية ، من أهم صفات القصة القصيرة جداً . وظني أنّ الوصف يجب أن يكون مختصراً أشدّ الاختصار ، وأنّ الشخصيات يجب أن تحضر بكثافة وقوة ، وأنّ الحدث يجب أن يكون متحركا غنيا نابضاً على الأغلب . وفي كلّ الأحوال ، على القصة القصيرة جداً أن تترك أثراً ودهشة ومغزى ورعشة إعجاب.
فكاتب القصة القصيرة جداً يجب أن يلتزم بشرطها الأساس ، وهو التكثيف والإيجاز والتركيز . ويمكن أن أورد هنا قصة للقاص مروان المصري من مجموعته ((أحلام عامل المطبعة )) بعنوان (( تجربة )) تقول : (( فتح باب القفص ، فارتعش العصفور ، وخرج للتحري .. بعد بضع جولات ، جاع، فبحث عن قفصه )) ..
وقصة من مجموعة الأستاذ طلعت سقيرق (( الخيمة)) بعنوان (( الفاعل )) تقول
: (( اصطفّ الطلاب .. دخلوا بنظام .. جلسوا على مقاعدهم بهدوء .. قال المعلم : درسنا اليوم عن الفاعل .. من منكم يعرف الفاعل .. ؟ رفع أحد الطلاب إصبعه .. وقف .. تثاءب .. قال : الفاعل هو ذلك الذي لم يعد موجوداً بيننا .. ضحك الطلاب وبكى المعلم .. )) ..
فالقصتان تحافظان على مشروعية كون هذا الفن مختصراً مختزلاً . إلى جانب ذلك ، يعبر كلّ نصّ عن معنى التطابق مع كون هذا الفن فناً حديثاً يبتعد عن أي مرجعية تراثية . وقد اخترت النصين ، رغم الاختلاف بينهما ، من حيث البناء والرمز والتكثيف وما إلى ذلك . لأرى إلى قدرة كاتب القصة القصيرة جداً على الحركة والتحرك في مساحة واسعة لا تلزمه بأي قيد ، كما يظن عند التوقف عند حرفية التعريف أو التوصيف .
يلاحظ أنّ قصة تجربة توجز وتختصر إلى أبعد حد .. بينما تبني قصة (( الفاعل )) حدثاً وتطيل أكثر من الأولى .. لكن في القصتين ، هناك التزام بفنية القصة القصيرة جداً ، وقدرة على البناء المؤثر الذي يقول الكثير في كلمات قليلة . فالالتزام لم يحرم أياً من القصتين من قدرتهما على الوصول والإدهاش والمحافظة على البعد الجمالي .
5- المفارقة : و هي عنصر جوهري لأنها تتمحور حول تقنية تفريغ الذروة و صدم القارئ بما لا يتوقّع و هنا يلمع وجه الشبه بينها و بين الطرفة و النادرة لأن المفارقة تشكّل عنصر التشويق اللذيذ الذي يميزالقصة الناجحة و يسكب المتعة و الارتياح في نفس القارئ .
6- انتشار الجمل الفعلية بشكل لافت ؛لأنها في إيحاءاتها الدلالية تشير إلى الحركة و الحالة و هما شرطان لازمان من شروط السرد و هذا لا يعني الاستغناء عن الجمل الاسمية لضرورتها في الوصف الذي لا تحتفي به القصة القصيرة جدا في أغلب الأحيان ؛لأنه إن طغى على السرد هدم الحدود التي تفصلها عن الخاطرة وعن المقالة الوصفية .
7- العنوان : وهو رغم أهميته في النصوص على اختلاف أنواعها فإنه في القصة القصيرة جدا يجب أن يختار بدقة لأنه يلعب دورا حاسما مضيئا على المضمون شاحنا للرؤى و الدلالات .
وحين تزدان القصة القصيرة جدا بعناصرها تأتلق فيها الفكرة ماسةً تتعاكس عليها المرامي البعيدة و الدلالات المبطّنة ،يستوحيها القارئ الفطِن متّكئا على المفردات الدالّة و المختارة بدقّة و دراية فإذا هو في دقائق معدودات يقرأ قصّة ماتعة غنية بالرموز و الأبعاد و المعاني التضمينية في جوّ ساحر و ساخر يُشكّله الخيال الخصب المنطلق من أرضية الواقع المرير الذي تعبث به قوى الشرّ و الظلام لتجد القصة القصيرة جدا نفسها الأقدر على ملامسة المواضيع الحساسة كالعولمة و صراع الحضارات و الديمقراطية و الدكتاتورية و قضايا الإنسان العادلة و الإرهاب في أسلوب يتوخّى التلميح مستغنيا به عن التصريح .
8- النص .. والبناء المحكم :
وللتوغل أكثر في مفهوم القصة القصيرة جداً ، أذكر قصة (( السكين )) من مجموعة الأستاذ طلعت سقيرق التي حملت عنوان هذه القصة (( السكين ))
والتي تقول : (( على صاحب هذه السكين أن يتقدم خطوتين . وتقدّم الجميع خطوتين .. صرخ الضابط خائفاً : قلت صاحب السكين فقط،ارجعوا إلى الخلف . ورجعوا إلى الخلف خطوتين . حاول أن يكون هادئاً بارداً كلوح ثلج. قال وهو يحرك يديه وقدمه ورأسه: ( من كانت معه هذه السكين البارحة فعليه أن يتقدم خطوتين ). تقدم الجميع خطوتين . صاح حتى كاد حلقه يخرج من بين أسنانه : ( قلت صاحب السكين .. صاحب السكين يا أولاد الـ .. ) ثم عاد لوحاً من ثلج وقال :
( على صاحب هذه السكين أن يرفع يده) وارتفعت من كلّ واحد يد .. صاح بغضب : (هل من المعقول أن تكونوا كلكم أصحاب هذه السكين .. هل من المعقول ) ؟.. ارتسمت على الشفاه ابتسامة عريضة . زعق كمن يعاني سكرات الموت : ( أنا لا أدغدغكم .. سأقتل صاحب السكين حتى وإن قتلتكم جميعاً .. والآن على صاحب السكين أن يتقدم خطوتين ) .. وتقدّموا خطوتين .. ثلاث خطوات .. أربع .. ولم يتوقفوا .. ظلوا يتقدمون .. صاح .. لم يتوقفوا .. أمر الجنود بإطلاق الرصاص وتراجع وهم يتقدمون .. ارتسمت تحت خطواتهم بقع من دم ، وهم يتقدمون .. زعق الضابط .. زعق الجنود .. زعق الرصاص .. وما زالوا يتقدمون .. ويتقدمون .. )) ..
هذا النص هو الأطول في مجموعة (( السكين )) التي صدرت في العام 1987م وقد كتب الدكتور سمر روحي الفيصل عنها / صوت فلسطين ـ العدد 284 ـ أيلول 1991ـ / محللاً : (( هذه القصة قصة " موقف " يتسم بتناقض طرفيه . وقد بنى طلعت سقيرق قصته بناء درامياً استناداً إلى هذين الطرفين المتناقضين . وليس التناقض بين الطرفين جديداً في القصة العربية، وإنما هو قديم فيها وفي الرواية والمسرح وإن لم يوجه النقاد عناية كافية له أثناء تحليلهم النصوص القصصية والروائية والمسرحية .. وأعتقد أن طلعت سقيرق عدل تعديلاً جذرياً في هذا البناء بحيث يتمكن من توظيفه في قصته القصيرة جداً . ولولا هذا التعديل لما كان قادراً على تقديم هذا النص الجميل الممتع . لنقل إذن إن هناك طرفين متناقضين في القصة ، الأول هو مجموعة رجال مقاومين قبض عليهم لأنّ أحدهم حمل سكيناً أو استعملها ، والثاني هو ضابط يمثل الحاكم الخائف من أن يحمل الناس سكاكين ، وقد أراد معرفة الشخص الذي كان يحمل السكين البارحة من بين الرجال الذين مثلوا أمامه .
أما التعديل الذي أدخله طلعت سقيرق على البناء المعتمد على طرفين متناقضين ، فهو جعل الطرف الأول صامتاً لا يتكلم ، والطرف الثاني يتكلم وحده . وبذلك حجب عن النص الحوار الخارجي بين الطرفين المتناقضين ، لأن القصة القصيرة جداً لا تستطيع استيعاب الحوار الخارجي ، وهو عادة وسيلة القاص أو الروائي أو المسرحي إلى توضيح التناقض بين الطرفين ، ولم يكتف طلعت بذلك ، وإنما راح يجعل رد الفريق الأول إشارة وحركة فحسب ، مع ملاحظة شيء مهم جداً هو أن الإشارة ، كالحركة جماعية وليست فردية . فإذا طلب الضابط من صاحب السكين رفع يده رفع الرجال كلهم أيديهم ، وإذا طلب منه أن يتقدم خطوة تقدموا جميعاً .
نتج عن هذا التعديل أمران هما أساس البناء الدرامي لقصة السكين . الأول هو تدرج الضابط من الانفعال بموقف الرجال إلى الغضب منه ، ثم إلى فقدان السيطرة على أعصابه وأمره الجنود بإطلاق الرصاص . والثاني تدرج موقف الرجال من الانصياع الجماعي إلى أوامر الضابط إلى الفعل الجماعي الذي يخرق حدود الأمر . ففي بداية النص ووسطه طلب الضابط من الرجل الذي حمل السكين البارحة أن يرفع يده أو يرجع خطوة إلى الوراء أو يتقدم خطوة إلى الأمام ، وكان الرجال يتقيدون بالأمر بشكل جماعي فيرفعون أيديهم أو يتقدمون أو يتراجعون خطوة ، لكنهم في نهاية النص خرقوا التقيد بالأمر واستمروا يتقدمون دون توقف . ويبدو بناء القصة هنا واضحاً، فكلما تدرج موقف الضابط سلباً تدرج موقف الرجال إيجاباً . هو يغضب وهم يزدادون تضامناً وجرأة ، حتى انتهى ((الموقف )) بانتصارهم على الرغم من أن الجنود أطلقوا عليهم الرصاص وسالت دماؤهم .. ذلك أن الضابط تراجع أمام تقدمهم ، وهذا هو الإيحاء الفني الكبير في النص .. إنه التضامن ، أو قل: الوحدة ، وحدة الموقف ليتحقق الهدف الواحد . ولو تذكرنا الآن ترميز القصة : الضابط = إسرائيل .. الرجال = الانتفاضة ، لاتسع الإيحاء وبدا النص أكثر عمقاً تبعاً لبنائه المتين المحكم .
وربما استطعنا ، هنا ، تذكر التكثيف ، لكننا مضطرون قبل ذلك إلى ملاحظة شيء يؤدي إليه ، هو أن طلعت ذكر الضابط والجنود مرتين في النص . والمرتان متشابهتان : ذكر في الأولى الضابط وحده ثم الجنود وحدهم ، وفي الثاني جمع بين الضابط والجنود . وليس ذلك شيئاً عابراً ، وإنما هو شيء لغوي خدم النص . ذلك أنّ ذكر الضابط تم ، أول مرة ، في بداية النص ، ثم راحت الإشارة إليه تتم بضمير الغائب ، وقبل نهاية النص تم ذكر الجنود حين أمرهم الضابط بإطلاق الرصاص . أما جمع الضابط والجنود في جملتين متواليتين فقد تم في نهاية النص بشكل واحد ينم عن رعب هذين الطرفين ، هذا الشكل هو : ( زعق الضابط.. زعق الجنود ) . لقد تساويا في الرعب فما عاد بينهما سيد ومسود . وإذا ذكرنا التكثيف هنا سألنا أنفسنا عن إمكانية حذف كلمة الضابط أو كلمة الجنود مرة من النص اكتفاء بورودها مرة أخرى . من الواضح أننا لا نستطيع ذلك إذا رغبنا في المحافظة على تماسك النص وإيحائه ، مما يشير إلى أن التكثيف في النموذج الذي قدمه طلعت ليس شكلياً تابعاً لعدد الكلمات فحسب ، وإنما هو مضموني قبل ذلك ، نابع من الموقف الذي تريد القصة التعبير عنه ، وفي ذلك فليتنافس القاصون ..
ترى القاصة أميمة الناصر في النظر للقصة القصيرة جداً أنّ اللغة تجيء (( لتكونني ، لم تعد جامحة بغباء ، أو عنيفة بحمق ، أضحت هادئة ، تطرق أسئلتها الإنسانية والوجودية بهدوء ، هدوء من يعرف الجواب )) و (( بات السؤال خاطفاً ، وكذلك الجواب . اختزلت اللغة نفسها ، تساقط الكثير من الفائض وما بقي في النص تشبع بفضاءاته وألوانه ، هكذا أضحت قصصي
.. وترى الأديبة كوليت خوري أنّ نصوص القصة القصيرة جداً ما هي إلا (( مقطوعات صغيرة .. قد نعتبرها شعراً .. وقد نظنها عبراً .. وفي أيامنا هذه .. قد نسميها قصصاً قصيرة .. قصيرة قصيرة .. ))
بينما تقول الشاعرة والقاصة أنيسة عبود : ((القصة القصيرة جداً نتيجة حتمية لتطور القصة القصيرة ولتحول الحياة اليومية للفرد ، إنها كقصيدة النثر ، وليدة حالة ملحة تعبر عن زمن آت ، سريع مكثف ، لماح وجارح. إنها تشبه القصيدة الومضة . ولكن هذه القصة لم تؤكد وجودها كحالة مستقلة ..))..
وتقول القاصة حنان درويش : (( القصة القصيرة جداً تكثيف لأحداث ومواقف وأفعال .. إنها مرآة الومضة، وفيها يستطيع القاص أن يقول الكثير في كلمات قليلة ))
وتقول القاصة ندى الدانا : (( القصة القصيرة جداً هي لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي . وتتميز بالتكثيف والتركيز واختزال معانٍ كثيرة في أسطر قليلة .. أحياناً تقترب من الحكمة ولا تكونها .. وأحياناً تقترب من الطلقة المصوبة ببراعة .. وبإمكانها التقاط تفاصيل كثيرة من الحياة هامة جداً ، رغم أنها تبدو هامشية .. )) ..
وتقول القاصة حكيمة الحربي أن هذا الفن (( يحتاج إلى تركيز من الكاتب وتكثيف الصور والرموز الموحية والحدث )) وأنها تناولت في قصصها (( عمق الألم الإنساني والهم المجتمعي . وعالجتها بموضوعية بأسلوبي الذي عرف عني وهو المزاوجة بين الشعر والسرد بإطار لغوي وصور بيانية ناطقة ذات مدلول على المعنى المراد وبعبارات تنم عن خيال خصب )).
في متابعة الآراء نجد أنّ القاص حسن حميد يقول )) القصة القصيرة جداً حال إبداعية شبيهة بحال قصيدة النثر من حيث القبول بها أو عدم القبول كجنس أدبي له استقلاليته ونكهته، يضيف للقصة القصيرة كإبداع ، ولا يأخذ منها باعتباره عالة عليها أو متسلقاً على نجاحاتها))..
ويرى القاص اسكندر نعمة ((أنّ القصة القصيرة جداً ، إما أن تظل قصة قصيرة عادية مكثفة ، أو أن تجنح نحو الخاطرة القصصية . وهي في كلتا الحالتين تبقى شكلاً من أشكال المحاولات التجريبية في إطار القصة القصيرة ))
بينما يرى القاص حسين المناصرة أنه (( ما بين مصطلحي القصة القصيرة و ـ النص ـ ولدت القصة القصيرة جداً ، لتكثف ، وتوتر ، وتؤسطر .. وتبهر .. وتحاول أن تعلن أنها النص الأكثر اقتراباً من المتلقي في عالمه الممتلئ بالتقطيعات والتشوهات والتناقضات .. وقد قيل : خير الكلام ما قل ودل((..
وفي هذا المجال يرى القاص عوض سعود عوض أن (( القصة القصيرة جداً هي ابنة القصة القصيرة أو هي أختها ، وهي شكل جديد لكتابة الحدث يعتمد على التكثيف الفني والدهشة ))
ويقول القاص فهد العتيق : (( النص القصصي القصير جداً ، ليس نصاً قصصياً غير مكتمل ، إنه حالة جديدة فرضت نفسها وقدمت لوحات فنية جميلة تقدم نفسها بلغة شاعرية بسيطة ومكثفة وبطرائق تعبير جديدة ومختلفة ذات مضامين وافكار متشظية داخل هذا النص القصصي القصير جداً والموحي باحتمالات دلالات عديدة )) ..
أما القاص جبير المليحان فيرى أنها (( كنفس عميق جداً ، ليست حكمة ، ولا لغزاً ، إنها شفافة وعميقة كالشعر وفاجعة مثله ، وبها لوعة وبكاء وحزن ، إنها ألم في القلب : أكبر من الوخز ، وأصغر من عملية جراحية .. ))
ويقول القاص عارف العضيله : (( في الغالب لا يمكن أن تتجاوز القصة القصيرة جداً خمسة سطور .. هذا بالكثير .. ويمكن أن تكون سطراً واحداً فقط ..)) ..
نلاحظ أنّ خارطة التعريف واسعة ، وإن كان هناك ما يشبه الاتفاق على القص والتكثيف ، دون الدخول في مفهوم الرمز والإيحاء والإشارة ، وما إلى ذلك . فالقصة القصيرة جداً تبقى في المفهوم الأعم ، قصة تلجأ إلى الاختصار والضغط والتركيز قدر المستطاع .
القصة القصيرة جداً .. وكلمة أخيرة
..
لا شيء يعطي القصة القصيرة جداً مشروعيتها ومصداقيتها قدر إخلاص كتابها لها ، وابتعادهم في كتابتها عن أي حشو أو تفصيل أو إسهاب في الكلام . فالقصة القصيرة جداً ، يجب أن تبدأ وتستمر نبضاً وتركيزاً ولمعاناً من العنوان حتى آخر كلمة . وإذا كان الإيجاز مطلباً لا يستغنى عنه ، فإنّ مناقضته في إعطاء القصة القصيرة جداً مشروعية الامتداد في أكثر من صفحة ، يعني مقتلاً لهذا النوع من الفن . إذ يفترض أن تكون القصة القصيرة جداً ، قصيرة جداً حقيقة ، كي تصل إلى التوافق مع التسمية والمصطلح على أقل تقدير ..
وظني أنه لا داعي للأخذ والرد في إعطاء المشروعية أو سحبها لهذا أو ذاك من الكتاب في مجال القصة القصيرة جداً . فالأمزجة لا تكون حكماً في مشروعية الفن ، ولا تعطي جواز سفر . إنّ الحكم على القصة القصيرة جداً ، يجب أن يخضع لمعايير نقدية واضحة ومفهومة ، لا لمعايير مزاجية غائمة وغائبة تحت ستار من الغايات الشخصية. فالفن فن في كلّ الحالات . والقصة القصيرة جداً ، يمكن أن تعطي المشروعية لمن يفهمها ، وأن تحرم من لا يفهمها هذه المشروعية .. والزمن في النهاية ، هو الحكم .. فلماذا لا نبني هذا الفن الجميل ونعمل على دعمه ورفده ، بدل أن نتصارع عاملين على هدمه دون أن نشعر ؟؟..
القصة القصيرة جدا إذ تقدّم نفسها نوعا أدبيا جديدا له أنصاره و مؤيدوه المدافعون عنه تضع نفسها تحت المجهر مهيبة بالنقاد أن يفسحوا لها في الطريق كي تأخذ مكانها اللائق بها طالبة منهم الحذر و الدقّة في التعاطي معها لأنها طرية العود تتوق إلى من يحتضنها و يرعاها.
[frame="8 70"]ق.ق.ج جنس أدبيّ سهلٌ ممتنعٌ[/frame]
يستسهل البعض معتمدين على المجاملات المجّانيّة، اللجوء إلى كتابة نصّ قصير جدّاً، إيثاراً للسلامة، من إعمال الفكر بنصوص طويلة مركّبة، ظنّاً منهم بأنّ إخباراً ما، أو خاطرة، أو طرفة، تصلح للولوج إلى هذا الفنّ، الذي يجد كتّاب محترفون أنفسهم غير قادرين على الإمساك بنصّ ذو قيمة، كلّ حين!
في وقت نجد قريحة من يعتقدون أنّهم يكتبون قصّة قصيرة جدّاً، تجود في السباق لملء المنتديات بنصوصٍ من قصص جرت معهم في الماضي، أو يعايشونها يوميّاً!! فيسكبونها كما الخبر في الجريدة اليوميّة، دون حبكة تمسك بالنصّ لتسلّمه بيسر إلى القارئ، أو تكثيف يدلّ على المعنى بما قلّ، ومتجاوزين لجمال اللغة، ومحسّناتها البديعيّة، التي تسبغ على النصّ أناقته المطلوبة. يطرقون الموضوع بشكل مباشر، دون أن يتركوا مجالاً لإعمال العقل فيه، فيتعاملون مع القارئ كما القاصر، يأخذون بيده في جميع مفاصل القصّة. ثمّ يغفلون السرّ الأساس لق.ق.ج وهو المفارقة المدهشة، التي تأخذ بتلابيب القارئ، وتهزّه، فتوصله إلى مايروم الكاتب، على غير ما يتوقّع القارئ.
النصّ الذي يفترض أن يحمل المواصفات المومى إليها، يشدّ إلى قراءته مرّات عديدة باستمتاع وإعجاب، ويلتصق بالذاكرة إلى أمد بعيد.
لذا فالنصيحة لمن يريد الدخول إلى هذا العالم الواسع على قصره، أن يقرأ مئات النصوص لفرسان الكتابة الأدبيّة بشكل عام، بغية امتلاك أداة التعبير، ومن ثمّ الاختصاص بقراءة ق.ق.ج لأربابها، بهدف تنمية الذائقة في هذا الجنس الأدبيّ السهل الممتنع، والوصول إلى مرحلة الكتابة، التي تعتمد على المخزون الأدبيّ، وتجارب السنين.
[frame="3 70"]أثـــر ق.ق.ج في أثـــر الفراشة لمحمود درويش[/frame]
أدرج أدناه تموذجاً من نصوص للكبير محمود درويش، تصلح مثالاً للقصّة القصيرة جدّاً، واللغة الشاعريّة التي تخدم هذا الجنس الأدبيّ.
النصّ مقتبس من مساهمتين للأديبين "طلعت سقيرق" و "سعيد أبو نعسة"
القصة القصيرة جداً .. والتعريف :
يقول القاص حسين المناصرة معرفاً : " يمكن تعريف القصة القصيرة جداً على أساس أنها بضعة أسطر تشكل نصاً سردياً مكثفاً.
قد تكون القصة القصيرة جداً في سطر أو سطرين ، وتمتدّ لتكون في صفحة أو لنقل في مئتي كلمة على الأكثر .. وهذا لا يعني على الإطلاق أن نقيس أو نعدّ الكلمات . كما لا يعني القبول ، بتحويل التكثيف والاختصار ، إلى لعبة فنية ، لا تمتّ إلى القص بصلة ، فمهما اختصرنا، علينا أن نبقي على القص . إذ لا توجد قصة قصيرة جداً دون فن القص والحكاية . وإذا زادت الكلمات عن مئتي كلمة ، فهذا لا يعني أنّ القيامة قامت ، إذ بضع كلمات تغني الفن وتبنيه لن تخرج بالنص عن كينونة القصة القصيرة جداً .. لكن لا يجوز أن نتجاوز الصفحة الواحدة، لنقول بصفحتين أو صفحات .. ومن جهتي ، وتبقى المسألة شخصية ، أميل إلى أن تكون القصة القصيرة جداً في سطور قليلة قدر المستطاع ، مع المحافظة على روح القص ..
و إذا تناوشتها سهام النقد لأنها تُكثّف الصور و المشاهد و الرؤى إلى درجة تقرّبها من الغموض فهذا فخر لها و قد قرّر الإمام النفّري رحمه الله :" كلما ضاقت العبارة اتّسع المعنى." لأن خيال القارئ يسرح في تصوّر المشهد كما يحلو له فيغدو مشاركا في كتابة النص غير مكتفٍ بلعب دور المتلقّي السلبي ؛ولا بأس بمثل يدعم هذا الرأي:
( لو وصفنا الحديقة بأنها قِبلة المتنزهين و أمل الراغبين في السعادة و الجمال ؛ تتطاول أشجارها معانقة كبد السماء وتتلاون أزهارها معلنة أنها السحر بعينه .
ووصفناها بأنها : جنّة .
و إذا جوبهت بأنها تدور حول حدث واحد و حبكة واحدة لا غير فهذا يقدّمها للقارئ على طبق من البساطة و الوضوح بعيدا عن تداخل الأحداث و تشابك العُقد .
و إذا اتّهمت بأنها أباحت نفسها لكلّ من هبّ و دبّ من حملة الأقلام فهذا جُرم هي منه براء و الجاني هو من يستسهلها و ينتهك حرمتها .
و لعل الرمح الذي يكاد يصيب منها مقتلاً هو ضبابيتها التي تقلّص الرؤية حولها فتجعلها عصيّة على التمظهر بقوام فريد يميّزها عمّا يشبهها من أنواع القصّ الأخرى كالطرفة و النادرة رغم أنّ الفرق بينها شاسع.
فالطرفة ( النكتة و الملحة ) هي نص سرديّ قصير يهدف إلى الإضحاك تحديدا ،يختلقها الراوي ساخراً من الفكرة التي تختزنها معتمدا على مبدأ الإدهاش و عدم التوقّع ما يجعلها شبيهة بالأحجية. و البعض لا يفرّق بينها و بين النادرة .
بينما القصة القصيرة جدا لا تهدف إلى الإضحاك إطلاقا و إن لبست ثوب الطرافة أحيانا راسمة البسمة على وجه القارئ ؛ و لعل ما يميّزها هو سخريّتها السوداء التي تفضح الواقع المرير والتي تستمطر الحزن بدل الفرح كقصّة الأستاذ سعيد نعسة هذه:
(وعلى وقع الاستغاثات الصاخبة بُعث المعتصم من مرقده؛ كانت النداءات حادة و حارّة في لهفتها .
أصمّ أذنيه للوهلة الأولى ثم تلفّت حوله يمنة و يسرة فلم يجد نساء عربيات يستغثن بل ملوكا و رؤساء و أمراء ، فأصيب بسكتة دماغية).
كما أنّ القصة القصيرة جدا تتميز عن النادرة في كونها تسرح في عالم (الفانتازيا) الخيالي الرائع بينما النادرة تسجيل حرفي لحدث اجتماعي أو تاريخي غير مألوف يتّصف بالغرابة و الإدهاش لذا فالأَولى تصنيفها في خانة القصص التاريخي كما أن النادرة قد تترهل على مدى صفحات و قد تنكمش في سطور قليلة بحسب عدد الشخصيات و الأحداث فيها، بعكس القصة القصيرة جدا .
أما تشبيهها بالفكرة فخطأ فادح لأن الفكرة قد لا تروي حدثا ولا تتلبس شخصية ولا تتأطّر في زمان أو مكان .
و الخاطرة أيضا تختلف عن القصة القصيرة جدا لأنها أشبه بالمناجاة و البوح الحكيم و هي بعيدة عن السرد المتضمن حكاية كقولنا مثلا :
(لماذا أيها الحُبّ كلّما اقتربنا منك ازددت بُعدا و كلما توددنا إليك ازداد صدّك ؟)
بعد هذا التعريف أو التوصيف ، لابدّ أن يبرز سؤال عن سمات القصة القصيرة جداً .. والسؤال هنا يحاول أن يداخل الصفات العامة التي تمسّ البنية الفنية لهذه القصة .. فماذا نقول في هذا ؟؟
العناصر الأساسية التي يجب أن تتوافر في ق.ق.ج و هي :
1- الحكاية : عليها أن تحكي حكاية تماما كالرواية و القصة القصيرة و المسرحية و المقامة و النادرة و...
2- الشخصية : فلا قصة بدون شخصيات تُنجِز الحدث و تشكّل جوهر السرد الأساس و لا يُشترط في الشخصية أن تكون إنسانا فالحيوان و النبات والجماد كلها تصلح للعب الدور.
3- الوحدة : أي الإضاءة على حدث واحد بعينه مصوغ في حبكة واحدة تُبدي وضوحها للعيان لأن تنوّع الأحداث يستدعي تشابكها و يؤدي إلى تعدد الحبكات و العقد التي تقود إلى أكثر من احتمال و إلى تكرار الأفكار في معظم الأحيان ما يرمي بالقصة إلى هاوية الترهل و الذبول .
4- التكثيف المقصود : قد أجد أنّ التركيز والتكثيف والإيجاز والصور السريعة والإيحاء والإدهاش ، والاختيار الذكي الثر للمقدمة والنهاية ، من أهم صفات القصة القصيرة جداً . وظني أنّ الوصف يجب أن يكون مختصراً أشدّ الاختصار ، وأنّ الشخصيات يجب أن تحضر بكثافة وقوة ، وأنّ الحدث يجب أن يكون متحركا غنيا نابضاً على الأغلب . وفي كلّ الأحوال ، على القصة القصيرة جداً أن تترك أثراً ودهشة ومغزى ورعشة إعجاب.
فكاتب القصة القصيرة جداً يجب أن يلتزم بشرطها الأساس ، وهو التكثيف والإيجاز والتركيز . ويمكن أن أورد هنا قصة للقاص مروان المصري من مجموعته ((أحلام عامل المطبعة )) بعنوان (( تجربة )) تقول : (( فتح باب القفص ، فارتعش العصفور ، وخرج للتحري .. بعد بضع جولات ، جاع، فبحث عن قفصه )) ..
وقصة من مجموعة الأستاذ طلعت سقيرق (( الخيمة)) بعنوان (( الفاعل )) تقول
: (( اصطفّ الطلاب .. دخلوا بنظام .. جلسوا على مقاعدهم بهدوء .. قال المعلم : درسنا اليوم عن الفاعل .. من منكم يعرف الفاعل .. ؟ رفع أحد الطلاب إصبعه .. وقف .. تثاءب .. قال : الفاعل هو ذلك الذي لم يعد موجوداً بيننا .. ضحك الطلاب وبكى المعلم .. )) ..
فالقصتان تحافظان على مشروعية كون هذا الفن مختصراً مختزلاً . إلى جانب ذلك ، يعبر كلّ نصّ عن معنى التطابق مع كون هذا الفن فناً حديثاً يبتعد عن أي مرجعية تراثية . وقد اخترت النصين ، رغم الاختلاف بينهما ، من حيث البناء والرمز والتكثيف وما إلى ذلك . لأرى إلى قدرة كاتب القصة القصيرة جداً على الحركة والتحرك في مساحة واسعة لا تلزمه بأي قيد ، كما يظن عند التوقف عند حرفية التعريف أو التوصيف .
يلاحظ أنّ قصة تجربة توجز وتختصر إلى أبعد حد .. بينما تبني قصة (( الفاعل )) حدثاً وتطيل أكثر من الأولى .. لكن في القصتين ، هناك التزام بفنية القصة القصيرة جداً ، وقدرة على البناء المؤثر الذي يقول الكثير في كلمات قليلة . فالالتزام لم يحرم أياً من القصتين من قدرتهما على الوصول والإدهاش والمحافظة على البعد الجمالي .
5- المفارقة : و هي عنصر جوهري لأنها تتمحور حول تقنية تفريغ الذروة و صدم القارئ بما لا يتوقّع و هنا يلمع وجه الشبه بينها و بين الطرفة و النادرة لأن المفارقة تشكّل عنصر التشويق اللذيذ الذي يميزالقصة الناجحة و يسكب المتعة و الارتياح في نفس القارئ .
6- انتشار الجمل الفعلية بشكل لافت ؛لأنها في إيحاءاتها الدلالية تشير إلى الحركة و الحالة و هما شرطان لازمان من شروط السرد و هذا لا يعني الاستغناء عن الجمل الاسمية لضرورتها في الوصف الذي لا تحتفي به القصة القصيرة جدا في أغلب الأحيان ؛لأنه إن طغى على السرد هدم الحدود التي تفصلها عن الخاطرة وعن المقالة الوصفية .
7- العنوان : وهو رغم أهميته في النصوص على اختلاف أنواعها فإنه في القصة القصيرة جدا يجب أن يختار بدقة لأنه يلعب دورا حاسما مضيئا على المضمون شاحنا للرؤى و الدلالات .
وحين تزدان القصة القصيرة جدا بعناصرها تأتلق فيها الفكرة ماسةً تتعاكس عليها المرامي البعيدة و الدلالات المبطّنة ،يستوحيها القارئ الفطِن متّكئا على المفردات الدالّة و المختارة بدقّة و دراية فإذا هو في دقائق معدودات يقرأ قصّة ماتعة غنية بالرموز و الأبعاد و المعاني التضمينية في جوّ ساحر و ساخر يُشكّله الخيال الخصب المنطلق من أرضية الواقع المرير الذي تعبث به قوى الشرّ و الظلام لتجد القصة القصيرة جدا نفسها الأقدر على ملامسة المواضيع الحساسة كالعولمة و صراع الحضارات و الديمقراطية و الدكتاتورية و قضايا الإنسان العادلة و الإرهاب في أسلوب يتوخّى التلميح مستغنيا به عن التصريح .
8- النص .. والبناء المحكم :
وللتوغل أكثر في مفهوم القصة القصيرة جداً ، أذكر قصة (( السكين )) من مجموعة الأستاذ طلعت سقيرق التي حملت عنوان هذه القصة (( السكين ))
والتي تقول : (( على صاحب هذه السكين أن يتقدم خطوتين . وتقدّم الجميع خطوتين .. صرخ الضابط خائفاً : قلت صاحب السكين فقط،ارجعوا إلى الخلف . ورجعوا إلى الخلف خطوتين . حاول أن يكون هادئاً بارداً كلوح ثلج. قال وهو يحرك يديه وقدمه ورأسه: ( من كانت معه هذه السكين البارحة فعليه أن يتقدم خطوتين ). تقدم الجميع خطوتين . صاح حتى كاد حلقه يخرج من بين أسنانه : ( قلت صاحب السكين .. صاحب السكين يا أولاد الـ .. ) ثم عاد لوحاً من ثلج وقال :
( على صاحب هذه السكين أن يرفع يده) وارتفعت من كلّ واحد يد .. صاح بغضب : (هل من المعقول أن تكونوا كلكم أصحاب هذه السكين .. هل من المعقول ) ؟.. ارتسمت على الشفاه ابتسامة عريضة . زعق كمن يعاني سكرات الموت : ( أنا لا أدغدغكم .. سأقتل صاحب السكين حتى وإن قتلتكم جميعاً .. والآن على صاحب السكين أن يتقدم خطوتين ) .. وتقدّموا خطوتين .. ثلاث خطوات .. أربع .. ولم يتوقفوا .. ظلوا يتقدمون .. صاح .. لم يتوقفوا .. أمر الجنود بإطلاق الرصاص وتراجع وهم يتقدمون .. ارتسمت تحت خطواتهم بقع من دم ، وهم يتقدمون .. زعق الضابط .. زعق الجنود .. زعق الرصاص .. وما زالوا يتقدمون .. ويتقدمون .. )) ..
هذا النص هو الأطول في مجموعة (( السكين )) التي صدرت في العام 1987م وقد كتب الدكتور سمر روحي الفيصل عنها / صوت فلسطين ـ العدد 284 ـ أيلول 1991ـ / محللاً : (( هذه القصة قصة " موقف " يتسم بتناقض طرفيه . وقد بنى طلعت سقيرق قصته بناء درامياً استناداً إلى هذين الطرفين المتناقضين . وليس التناقض بين الطرفين جديداً في القصة العربية، وإنما هو قديم فيها وفي الرواية والمسرح وإن لم يوجه النقاد عناية كافية له أثناء تحليلهم النصوص القصصية والروائية والمسرحية .. وأعتقد أن طلعت سقيرق عدل تعديلاً جذرياً في هذا البناء بحيث يتمكن من توظيفه في قصته القصيرة جداً . ولولا هذا التعديل لما كان قادراً على تقديم هذا النص الجميل الممتع . لنقل إذن إن هناك طرفين متناقضين في القصة ، الأول هو مجموعة رجال مقاومين قبض عليهم لأنّ أحدهم حمل سكيناً أو استعملها ، والثاني هو ضابط يمثل الحاكم الخائف من أن يحمل الناس سكاكين ، وقد أراد معرفة الشخص الذي كان يحمل السكين البارحة من بين الرجال الذين مثلوا أمامه .
أما التعديل الذي أدخله طلعت سقيرق على البناء المعتمد على طرفين متناقضين ، فهو جعل الطرف الأول صامتاً لا يتكلم ، والطرف الثاني يتكلم وحده . وبذلك حجب عن النص الحوار الخارجي بين الطرفين المتناقضين ، لأن القصة القصيرة جداً لا تستطيع استيعاب الحوار الخارجي ، وهو عادة وسيلة القاص أو الروائي أو المسرحي إلى توضيح التناقض بين الطرفين ، ولم يكتف طلعت بذلك ، وإنما راح يجعل رد الفريق الأول إشارة وحركة فحسب ، مع ملاحظة شيء مهم جداً هو أن الإشارة ، كالحركة جماعية وليست فردية . فإذا طلب الضابط من صاحب السكين رفع يده رفع الرجال كلهم أيديهم ، وإذا طلب منه أن يتقدم خطوة تقدموا جميعاً .
نتج عن هذا التعديل أمران هما أساس البناء الدرامي لقصة السكين . الأول هو تدرج الضابط من الانفعال بموقف الرجال إلى الغضب منه ، ثم إلى فقدان السيطرة على أعصابه وأمره الجنود بإطلاق الرصاص . والثاني تدرج موقف الرجال من الانصياع الجماعي إلى أوامر الضابط إلى الفعل الجماعي الذي يخرق حدود الأمر . ففي بداية النص ووسطه طلب الضابط من الرجل الذي حمل السكين البارحة أن يرفع يده أو يرجع خطوة إلى الوراء أو يتقدم خطوة إلى الأمام ، وكان الرجال يتقيدون بالأمر بشكل جماعي فيرفعون أيديهم أو يتقدمون أو يتراجعون خطوة ، لكنهم في نهاية النص خرقوا التقيد بالأمر واستمروا يتقدمون دون توقف . ويبدو بناء القصة هنا واضحاً، فكلما تدرج موقف الضابط سلباً تدرج موقف الرجال إيجاباً . هو يغضب وهم يزدادون تضامناً وجرأة ، حتى انتهى ((الموقف )) بانتصارهم على الرغم من أن الجنود أطلقوا عليهم الرصاص وسالت دماؤهم .. ذلك أن الضابط تراجع أمام تقدمهم ، وهذا هو الإيحاء الفني الكبير في النص .. إنه التضامن ، أو قل: الوحدة ، وحدة الموقف ليتحقق الهدف الواحد . ولو تذكرنا الآن ترميز القصة : الضابط = إسرائيل .. الرجال = الانتفاضة ، لاتسع الإيحاء وبدا النص أكثر عمقاً تبعاً لبنائه المتين المحكم .
وربما استطعنا ، هنا ، تذكر التكثيف ، لكننا مضطرون قبل ذلك إلى ملاحظة شيء يؤدي إليه ، هو أن طلعت ذكر الضابط والجنود مرتين في النص . والمرتان متشابهتان : ذكر في الأولى الضابط وحده ثم الجنود وحدهم ، وفي الثاني جمع بين الضابط والجنود . وليس ذلك شيئاً عابراً ، وإنما هو شيء لغوي خدم النص . ذلك أنّ ذكر الضابط تم ، أول مرة ، في بداية النص ، ثم راحت الإشارة إليه تتم بضمير الغائب ، وقبل نهاية النص تم ذكر الجنود حين أمرهم الضابط بإطلاق الرصاص . أما جمع الضابط والجنود في جملتين متواليتين فقد تم في نهاية النص بشكل واحد ينم عن رعب هذين الطرفين ، هذا الشكل هو : ( زعق الضابط.. زعق الجنود ) . لقد تساويا في الرعب فما عاد بينهما سيد ومسود . وإذا ذكرنا التكثيف هنا سألنا أنفسنا عن إمكانية حذف كلمة الضابط أو كلمة الجنود مرة من النص اكتفاء بورودها مرة أخرى . من الواضح أننا لا نستطيع ذلك إذا رغبنا في المحافظة على تماسك النص وإيحائه ، مما يشير إلى أن التكثيف في النموذج الذي قدمه طلعت ليس شكلياً تابعاً لعدد الكلمات فحسب ، وإنما هو مضموني قبل ذلك ، نابع من الموقف الذي تريد القصة التعبير عنه ، وفي ذلك فليتنافس القاصون ..
ترى القاصة أميمة الناصر في النظر للقصة القصيرة جداً أنّ اللغة تجيء (( لتكونني ، لم تعد جامحة بغباء ، أو عنيفة بحمق ، أضحت هادئة ، تطرق أسئلتها الإنسانية والوجودية بهدوء ، هدوء من يعرف الجواب )) و (( بات السؤال خاطفاً ، وكذلك الجواب . اختزلت اللغة نفسها ، تساقط الكثير من الفائض وما بقي في النص تشبع بفضاءاته وألوانه ، هكذا أضحت قصصي
.. وترى الأديبة كوليت خوري أنّ نصوص القصة القصيرة جداً ما هي إلا (( مقطوعات صغيرة .. قد نعتبرها شعراً .. وقد نظنها عبراً .. وفي أيامنا هذه .. قد نسميها قصصاً قصيرة .. قصيرة قصيرة .. ))
بينما تقول الشاعرة والقاصة أنيسة عبود : ((القصة القصيرة جداً نتيجة حتمية لتطور القصة القصيرة ولتحول الحياة اليومية للفرد ، إنها كقصيدة النثر ، وليدة حالة ملحة تعبر عن زمن آت ، سريع مكثف ، لماح وجارح. إنها تشبه القصيدة الومضة . ولكن هذه القصة لم تؤكد وجودها كحالة مستقلة ..))..
وتقول القاصة حنان درويش : (( القصة القصيرة جداً تكثيف لأحداث ومواقف وأفعال .. إنها مرآة الومضة، وفيها يستطيع القاص أن يقول الكثير في كلمات قليلة ))
وتقول القاصة ندى الدانا : (( القصة القصيرة جداً هي لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي . وتتميز بالتكثيف والتركيز واختزال معانٍ كثيرة في أسطر قليلة .. أحياناً تقترب من الحكمة ولا تكونها .. وأحياناً تقترب من الطلقة المصوبة ببراعة .. وبإمكانها التقاط تفاصيل كثيرة من الحياة هامة جداً ، رغم أنها تبدو هامشية .. )) ..
وتقول القاصة حكيمة الحربي أن هذا الفن (( يحتاج إلى تركيز من الكاتب وتكثيف الصور والرموز الموحية والحدث )) وأنها تناولت في قصصها (( عمق الألم الإنساني والهم المجتمعي . وعالجتها بموضوعية بأسلوبي الذي عرف عني وهو المزاوجة بين الشعر والسرد بإطار لغوي وصور بيانية ناطقة ذات مدلول على المعنى المراد وبعبارات تنم عن خيال خصب )).
في متابعة الآراء نجد أنّ القاص حسن حميد يقول )) القصة القصيرة جداً حال إبداعية شبيهة بحال قصيدة النثر من حيث القبول بها أو عدم القبول كجنس أدبي له استقلاليته ونكهته، يضيف للقصة القصيرة كإبداع ، ولا يأخذ منها باعتباره عالة عليها أو متسلقاً على نجاحاتها))..
ويرى القاص اسكندر نعمة ((أنّ القصة القصيرة جداً ، إما أن تظل قصة قصيرة عادية مكثفة ، أو أن تجنح نحو الخاطرة القصصية . وهي في كلتا الحالتين تبقى شكلاً من أشكال المحاولات التجريبية في إطار القصة القصيرة ))
بينما يرى القاص حسين المناصرة أنه (( ما بين مصطلحي القصة القصيرة و ـ النص ـ ولدت القصة القصيرة جداً ، لتكثف ، وتوتر ، وتؤسطر .. وتبهر .. وتحاول أن تعلن أنها النص الأكثر اقتراباً من المتلقي في عالمه الممتلئ بالتقطيعات والتشوهات والتناقضات .. وقد قيل : خير الكلام ما قل ودل((..
وفي هذا المجال يرى القاص عوض سعود عوض أن (( القصة القصيرة جداً هي ابنة القصة القصيرة أو هي أختها ، وهي شكل جديد لكتابة الحدث يعتمد على التكثيف الفني والدهشة ))
ويقول القاص فهد العتيق : (( النص القصصي القصير جداً ، ليس نصاً قصصياً غير مكتمل ، إنه حالة جديدة فرضت نفسها وقدمت لوحات فنية جميلة تقدم نفسها بلغة شاعرية بسيطة ومكثفة وبطرائق تعبير جديدة ومختلفة ذات مضامين وافكار متشظية داخل هذا النص القصصي القصير جداً والموحي باحتمالات دلالات عديدة )) ..
أما القاص جبير المليحان فيرى أنها (( كنفس عميق جداً ، ليست حكمة ، ولا لغزاً ، إنها شفافة وعميقة كالشعر وفاجعة مثله ، وبها لوعة وبكاء وحزن ، إنها ألم في القلب : أكبر من الوخز ، وأصغر من عملية جراحية .. ))
ويقول القاص عارف العضيله : (( في الغالب لا يمكن أن تتجاوز القصة القصيرة جداً خمسة سطور .. هذا بالكثير .. ويمكن أن تكون سطراً واحداً فقط ..)) ..
نلاحظ أنّ خارطة التعريف واسعة ، وإن كان هناك ما يشبه الاتفاق على القص والتكثيف ، دون الدخول في مفهوم الرمز والإيحاء والإشارة ، وما إلى ذلك . فالقصة القصيرة جداً تبقى في المفهوم الأعم ، قصة تلجأ إلى الاختصار والضغط والتركيز قدر المستطاع .
القصة القصيرة جداً .. وكلمة أخيرة
..
لا شيء يعطي القصة القصيرة جداً مشروعيتها ومصداقيتها قدر إخلاص كتابها لها ، وابتعادهم في كتابتها عن أي حشو أو تفصيل أو إسهاب في الكلام . فالقصة القصيرة جداً ، يجب أن تبدأ وتستمر نبضاً وتركيزاً ولمعاناً من العنوان حتى آخر كلمة . وإذا كان الإيجاز مطلباً لا يستغنى عنه ، فإنّ مناقضته في إعطاء القصة القصيرة جداً مشروعية الامتداد في أكثر من صفحة ، يعني مقتلاً لهذا النوع من الفن . إذ يفترض أن تكون القصة القصيرة جداً ، قصيرة جداً حقيقة ، كي تصل إلى التوافق مع التسمية والمصطلح على أقل تقدير ..
وظني أنه لا داعي للأخذ والرد في إعطاء المشروعية أو سحبها لهذا أو ذاك من الكتاب في مجال القصة القصيرة جداً . فالأمزجة لا تكون حكماً في مشروعية الفن ، ولا تعطي جواز سفر . إنّ الحكم على القصة القصيرة جداً ، يجب أن يخضع لمعايير نقدية واضحة ومفهومة ، لا لمعايير مزاجية غائمة وغائبة تحت ستار من الغايات الشخصية. فالفن فن في كلّ الحالات . والقصة القصيرة جداً ، يمكن أن تعطي المشروعية لمن يفهمها ، وأن تحرم من لا يفهمها هذه المشروعية .. والزمن في النهاية ، هو الحكم .. فلماذا لا نبني هذا الفن الجميل ونعمل على دعمه ورفده ، بدل أن نتصارع عاملين على هدمه دون أن نشعر ؟؟..
القصة القصيرة جدا إذ تقدّم نفسها نوعا أدبيا جديدا له أنصاره و مؤيدوه المدافعون عنه تضع نفسها تحت المجهر مهيبة بالنقاد أن يفسحوا لها في الطريق كي تأخذ مكانها اللائق بها طالبة منهم الحذر و الدقّة في التعاطي معها لأنها طرية العود تتوق إلى من يحتضنها و يرعاها.
[frame="8 70"]ق.ق.ج جنس أدبيّ سهلٌ ممتنعٌ[/frame]
يستسهل البعض معتمدين على المجاملات المجّانيّة، اللجوء إلى كتابة نصّ قصير جدّاً، إيثاراً للسلامة، من إعمال الفكر بنصوص طويلة مركّبة، ظنّاً منهم بأنّ إخباراً ما، أو خاطرة، أو طرفة، تصلح للولوج إلى هذا الفنّ، الذي يجد كتّاب محترفون أنفسهم غير قادرين على الإمساك بنصّ ذو قيمة، كلّ حين!
في وقت نجد قريحة من يعتقدون أنّهم يكتبون قصّة قصيرة جدّاً، تجود في السباق لملء المنتديات بنصوصٍ من قصص جرت معهم في الماضي، أو يعايشونها يوميّاً!! فيسكبونها كما الخبر في الجريدة اليوميّة، دون حبكة تمسك بالنصّ لتسلّمه بيسر إلى القارئ، أو تكثيف يدلّ على المعنى بما قلّ، ومتجاوزين لجمال اللغة، ومحسّناتها البديعيّة، التي تسبغ على النصّ أناقته المطلوبة. يطرقون الموضوع بشكل مباشر، دون أن يتركوا مجالاً لإعمال العقل فيه، فيتعاملون مع القارئ كما القاصر، يأخذون بيده في جميع مفاصل القصّة. ثمّ يغفلون السرّ الأساس لق.ق.ج وهو المفارقة المدهشة، التي تأخذ بتلابيب القارئ، وتهزّه، فتوصله إلى مايروم الكاتب، على غير ما يتوقّع القارئ.
النصّ الذي يفترض أن يحمل المواصفات المومى إليها، يشدّ إلى قراءته مرّات عديدة باستمتاع وإعجاب، ويلتصق بالذاكرة إلى أمد بعيد.
لذا فالنصيحة لمن يريد الدخول إلى هذا العالم الواسع على قصره، أن يقرأ مئات النصوص لفرسان الكتابة الأدبيّة بشكل عام، بغية امتلاك أداة التعبير، ومن ثمّ الاختصاص بقراءة ق.ق.ج لأربابها، بهدف تنمية الذائقة في هذا الجنس الأدبيّ السهل الممتنع، والوصول إلى مرحلة الكتابة، التي تعتمد على المخزون الأدبيّ، وتجارب السنين.
في ما يلي دراسة قام بها الكاتب كمال دليل الصقيلي، يمكن الاعتماد عليها ك(مسطرة) قياس لنصوص القصّة القصيرة جدّاً:
برزت في الآونة الأخيرة أقلام ولجت مجال الكتابة في القصة القصيرة جدا من بابها الواسع.دون مراعاة لقواعدها وضوابطها...متناسين أن هذا الجنس الأدبي الذي استطاع أن يفرض نفسه بقوة،يعتبر من أصعب الفنون ،إذ لا يلجه إلا من له كفايات وقدرات فنية سواء على مستوى الشكل أو البناء أو اللغة...
مكونات القصة القصيرة جدا:
العنـــــــــوان : ضروري، وينبغي أن يكون مضيئا لمعنى النص وشاحنا للرؤى والدلالات.
التكثيــــــــف : باعتماد جمل قصيرة ومركزة تتسع دلالاتها مع كل قراءة...
الشخصيــات : إذ لا حكاية بدون شخوص ( إنسان ، حيوان ، نبـــات ...)
الشعريـــــــة : لتوليد الدهشة في ذهن القارئ بواسطة التلاعب بالنظام اللغوي.
المفارقــــــة : لإظهار التناقض بين طرفين كانا من الممكن أن يكونا متفقين...
الزمــــــــان : لإبراز التغيرات في المكان والشخصيات.
الوحـــــــدة : الاقتصار على حدث واحد ما أمكن...
القفلــــــــة : يستحسن أن تكون موجعة وصادمة...
من سلبيات القصة القصيرة جدا
الكتابة المستعجلـــــــــــــــــة
التفاصيل الدقيقة والحشو والتعابير
المكررة والجمل المفسرة... النص المفتـــــــــــــــــــــــوح
إعطاء المواعـــــــــــــــــــظ
اللغة الواقعيـــــــــــــــــــــة
الإكثار من الحــــــــــــــوار
من إيجابيات القصة القصيرة جدا :
ترك الفكرة تختمر وتنضج حتى تصبح معبرة ومتكاملة وفي نسق فني متماسك.
تهذيب النص لإكسابه بعدا فنيا،مع تجنب الجمل التفسيرية ما أمكن...
جعل السرد يتماهى في لغة خاصة جدا مع اعتماد الشكل البلاغي لتحقيق التأمل والتأويل.
ترك النص قابلا للقراءة والتأويل واستنطاق الأحداث...
تجنب المواعظ المباشرة يكون أفضل.
التقليل من اللغة الواقعية ما أمكن، إلا ما يفرضه النص.
اعتماد الحوار بأقل الألفاظ.
المراجع:
القصة القصيرة جدا د جميل الحمداوي
قراءات نقدية قي الق ق ج د مسلك ميمون
القصة القصيرة جدا هارني ستانبرو ترجمة محمد شريف الطرح.
برزت في الآونة الأخيرة أقلام ولجت مجال الكتابة في القصة القصيرة جدا من بابها الواسع.دون مراعاة لقواعدها وضوابطها...متناسين أن هذا الجنس الأدبي الذي استطاع أن يفرض نفسه بقوة،يعتبر من أصعب الفنون ،إذ لا يلجه إلا من له كفايات وقدرات فنية سواء على مستوى الشكل أو البناء أو اللغة...
مكونات القصة القصيرة جدا:
العنـــــــــوان : ضروري، وينبغي أن يكون مضيئا لمعنى النص وشاحنا للرؤى والدلالات.
التكثيــــــــف : باعتماد جمل قصيرة ومركزة تتسع دلالاتها مع كل قراءة...
الشخصيــات : إذ لا حكاية بدون شخوص ( إنسان ، حيوان ، نبـــات ...)
الشعريـــــــة : لتوليد الدهشة في ذهن القارئ بواسطة التلاعب بالنظام اللغوي.
المفارقــــــة : لإظهار التناقض بين طرفين كانا من الممكن أن يكونا متفقين...
الزمــــــــان : لإبراز التغيرات في المكان والشخصيات.
الوحـــــــدة : الاقتصار على حدث واحد ما أمكن...
القفلــــــــة : يستحسن أن تكون موجعة وصادمة...
من سلبيات القصة القصيرة جدا
الكتابة المستعجلـــــــــــــــــة
التفاصيل الدقيقة والحشو والتعابير
المكررة والجمل المفسرة... النص المفتـــــــــــــــــــــــوح
إعطاء المواعـــــــــــــــــــظ
اللغة الواقعيـــــــــــــــــــــة
الإكثار من الحــــــــــــــوار
من إيجابيات القصة القصيرة جدا :
ترك الفكرة تختمر وتنضج حتى تصبح معبرة ومتكاملة وفي نسق فني متماسك.
تهذيب النص لإكسابه بعدا فنيا،مع تجنب الجمل التفسيرية ما أمكن...
جعل السرد يتماهى في لغة خاصة جدا مع اعتماد الشكل البلاغي لتحقيق التأمل والتأويل.
ترك النص قابلا للقراءة والتأويل واستنطاق الأحداث...
تجنب المواعظ المباشرة يكون أفضل.
التقليل من اللغة الواقعية ما أمكن، إلا ما يفرضه النص.
اعتماد الحوار بأقل الألفاظ.
المراجع:
القصة القصيرة جدا د جميل الحمداوي
قراءات نقدية قي الق ق ج د مسلك ميمون
القصة القصيرة جدا هارني ستانبرو ترجمة محمد شريف الطرح.
[frame="3 70"]أثـــر ق.ق.ج في أثـــر الفراشة لمحمود درويش[/frame]
أدرج أدناه تموذجاً من نصوص للكبير محمود درويش، تصلح مثالاً للقصّة القصيرة جدّاً، واللغة الشاعريّة التي تخدم هذا الجنس الأدبيّ.
[align=center][align=center]أثـــر ق.ق.ج في أثـــر الفراشة لمحمود درويش
[align=right]على شاطئ البحر بِنتٌ. وللبنت أَهلٌ
وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ...
وفي البحر بارجةٌ تتسلَّى
بصيدِ المُشاة على شاطئ البحر:
أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ
يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً
لأن يداً من ضباب
يداً ما إلهيةً أسعفتها، فنادت: أَبي
يا أَبي! قُم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
لم يُجِبْها أبوها المُسجَّى على ظلهِ
في مهب الغياب
دمٌ في النخيل، دمٌ في السحابْ
يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعد من
شاطئ البحر. تصرخ في ليل برّية،
لا صدى للصدى.
فتصير هي الصرخةَ الأبديةَ في خبرٍ
عاجلٍ، لم يعد خبراً عاجلاً
عندما
عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وبابْ!
غريبان
يرنو الى أَعلى
فيبصر نجمةً
ترنو إليهْ!
يرنو إلى الوادي
فيبصر قبرَهُ
يرنو إليهْ
يرنو الى امرأةٍ،
تعذِّبُهُ وتعجبُهُ
ولا ترنو إليه
يرنو إلى مرآتِهِ
فيرى غريباً مثله
يرنو إليهْ!
جهة المنفى
يتلفت المنفيّ نحو جهاته
وتفر منه المفردات - الذكريات
ليس الأمام أمامه
ليس الوراء وراءه
وعلى اليمين إشارة ضوئية
وعلى اليسار إشارة أخرى
فيسأل نفسه :
من أين تبتديء الحياة ؟
- لابد لي من نرجس
لأكون صاحب صورتي !
ويقول: إن الحر من يختار منفاه
لأمر ما ...
أنا حرٌ إذن
أمشي ... فتتضح الجهات
مناصفة
تحيا مناصفةٌ ,
لاأنت أنت , ولا
سواك
أين " أنا " في عتمة الشبه ؟
كأني شبحٌ
يمشي الى شبحٍ
فلا أكون سوى شخص مررت به
خرجت من صورتي الأولى
لأدركه
فصاح حين اختفى :
يا ذاتيِِ انتبهي ![/align][/align][/align]
البنتُ / الصرخة
[align=right]على شاطئ البحر بِنتٌ. وللبنت أَهلٌ
وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ...
وفي البحر بارجةٌ تتسلَّى
بصيدِ المُشاة على شاطئ البحر:
أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ
يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً
لأن يداً من ضباب
يداً ما إلهيةً أسعفتها، فنادت: أَبي
يا أَبي! قُم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
لم يُجِبْها أبوها المُسجَّى على ظلهِ
في مهب الغياب
دمٌ في النخيل، دمٌ في السحابْ
يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعد من
شاطئ البحر. تصرخ في ليل برّية،
لا صدى للصدى.
فتصير هي الصرخةَ الأبديةَ في خبرٍ
عاجلٍ، لم يعد خبراً عاجلاً
عندما
عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وبابْ!
غريبان
يرنو الى أَعلى
فيبصر نجمةً
ترنو إليهْ!
يرنو إلى الوادي
فيبصر قبرَهُ
يرنو إليهْ
يرنو الى امرأةٍ،
تعذِّبُهُ وتعجبُهُ
ولا ترنو إليه
يرنو إلى مرآتِهِ
فيرى غريباً مثله
يرنو إليهْ!
جهة المنفى
يتلفت المنفيّ نحو جهاته
وتفر منه المفردات - الذكريات
ليس الأمام أمامه
ليس الوراء وراءه
وعلى اليمين إشارة ضوئية
وعلى اليسار إشارة أخرى
فيسأل نفسه :
من أين تبتديء الحياة ؟
- لابد لي من نرجس
لأكون صاحب صورتي !
ويقول: إن الحر من يختار منفاه
لأمر ما ...
أنا حرٌ إذن
أمشي ... فتتضح الجهات
مناصفة
تحيا مناصفةٌ ,
لاأنت أنت , ولا
سواك
أين " أنا " في عتمة الشبه ؟
كأني شبحٌ
يمشي الى شبحٍ
فلا أكون سوى شخص مررت به
خرجت من صورتي الأولى
لأدركه
فصاح حين اختفى :
يا ذاتيِِ انتبهي ![/align][/align][/align]
تعليق