رقـصـة حـب مـذبــــوح
ها أنت يا منية وهذا يومك الوهاج قد شعشع بأنواره كي يسقي لحظات من عمرك خمرة المحبة في قوارير من ذهب ..اشتقتِ لزيارة الأحبة هناك في تلك البلدة النائية ؛ الوديعة التي ترفل في سبات بريء ....هذا يومكِ ينثر بذور الإخاء في روحكِ الطاهر ..تذكرتِ والذكرى لا تسدل الستار عن الأيادي المبطشة التي كادت ترديكِ لولا عزمكِ وإرادتكِ على فك العقد وتكسير الطوق ...عن العيون الكليلة التي كانت ترقبك بنظرات السوء عندما سافرت مع خطيبكِ ذات يوم قبل إعلان الزواج ...ها أنت مسحتِ عن جبينِ لياليكِ بصمة العار التي أزكمت أنوف القرويين؛ لكن يظل الماضي سيفا مسلطا على رقبتكِ توصدين الباب في وجهه فيستحيل كابوسا خارج الإرادة ..لم يطوِ الزمان حكايتكِ الأليمة ..بركان فياض يتدفق بحمم الانكسار من الأعماق ..تذكرت القرية ..الأقارب ..الأحبة ..المكان موشوم في ذاكرتك بوخز الإبر ...من يوقف هذا السيل الجارف من المشاعر والأفكار ....... !؟
منية في عقدها الثالث صيدلانية تخرجت من كليتها بتفوق ؛ تعرف كيف تسكن الجروح التي لا تندمل ؛ وجرحها الغائر لا يفتأ يصرخ من أعماقها كلما تذكرت حكايتها الأليمة هناك ...
فتاة جميلة المحيا خجولة مستسلمة لمعانقة حيائها طوال الوقت؛ ذات بشرة بيضاء ؛ تبرق مقلتاها بين أهداب عينين واسعتين؛ ممشوقة القد ؛ مهفهفة ؛بجيدها المصقول - جيد ريم - أنفس القلائد ، ولذا فتن كمال بظلها .
حملت حقيبتها ثم دستها في صندوق سيارتها ؛ و انطلقت في اتجاه الأطلس ؛ لم تدرك أنها تطوي المسافات على أديم الأرض ؛ تجوب بخاطرها كل الأشياء المعلقة هناك..المرسومة في ذاكرتها بلون الرماد . عندما لاحت لها القرية في الأفق البعيد كادت أن تفقد صوابها ؛ لأنها لم تعرف كيف تسلقت الجبل كذباب الصحراء . كان تفكيرها مغموسا في وحل الذكرى.
لاحت لها القرية بوجهها الشاحب ؛ البيوت من طين يعانق بعضها بعضا في التحام فريد ؛ نوافذها الضيقة المطلية بالجبس كعيون ذابلة مطبقة تئن من أوجاع رمدها ؛ وشجر (الصفصاف) الذي ضرب في عنان السماء بكل امتداده . ثم تداعت أغصانه في كل الأطراف؛ يحتضنها بين ذراعيه ، يهدهدها إشفاقا عليها من صفع الزمان الذي طالها .
أوقفت سيارتها و ربضت في أقصى اليمين ثم نزلت وترجلت قليلا؛ أبصرت السيول التي طرّزتِ المكان ؛ فجف حلقها لاحتراقها بنار الذكرى .هنا مرتع صباها ..هنا طالت يد الجهل لتصفع حلمها الوردي ..غمست وجهها في الماء بين كفيها لتطفئ جمرات الأسى ؛ لكن هيهات .. الماضي عنيد متصلب ...الأفكار التي تزلزل الكيان لا تقاوم . دحت يديها الناعمتين في الماء وعبثت بأصابعها لعلها تتسلى فتخمد بركان حيرتها ، حدقت في القاع فأبصرت خاتما ذهبيا يبرق ثم سحبته بحذر شديد ووضعته في كف يدها الأيسر فصاحت بملء صوتها خاتمي ....خاتمي .... انتثر الدمع من عينيها كالشرارة الملتهبة ، وانهارت قواها أمام شريط أحداثها التي ودعتها منذ عشر سنوات ...منذ ذلك الحين طلب يدها كمال فودعت الدراسة ووزعت الحيرة بالتساوي بين جموع المدرسين والمدرسات ..كانوا جميعا يرون علامة مجدها في التحصيل الدراسي لنباهتها ..فطافت بخلدهم الظنون معتقدين أنها طعنت هذا المجد في المهد بقرارها المتسرع . من يدر لعلها تصبح كالقابض على الماء . تأكدوا جميعا أنها استسلمت لإغراءات كمال وكلامه المعسول عن المرأة و حقوقها وواجباتها ...الكل صدق أنها وقعت في شركه ؛ وهو نفسه أسير الأفكار التي يكتوي بنارها ويسير في درب الحياة مغمض العينين كليل البصر والبصيرة..ينتظر من شريكة الحياة السمع والطاعة والحس المقطوع .
تذكرت كل ذلك ولم تبتعد عن فاجعتها قيد أنملة ، شعرت أن المكان الذي يحتضنها الآن يبوح لها بتفاصيل الحكاية ...الصورة مرسومة بدقة متناهية كان الاحتفال البهيج بحفل زفافها يوم الخميس ..كل نساء القرية اجتمعن في هذا المكان منتشيات بحللهن الزاهية بألوانها ، يزغردن و ينشدن مواويل عاطفية تعكس بهاء اللحظة السعيدة .. تذكرت أنها خرجت عليهن يدها في يده بجلبابه الصيفي الخفيف ؛ طويل القامة مسبل اللحية يلبس نظارة شمسية تخفي حول إحدى عينيه ؛ وهي ترفل في كسوة طويلة تمرح بأذيالها إلى القدمين؛ وعند الخصر حزام ذهبي ينعقد في شكل وردة ؛ وفوق الرأس تاج مرصع بالجواهر زادها تلألؤا ونافس ضياءا ساحرا من عينيها ...اتجها معا نحو الجموع بكل انتشاء وغبطة ؛ رفعت النساء أعلاما في رأسها أغصان الرمان على عادة سكان القرية في كل الأعراس ؛ أبصرها كمال وضاق صدره كأنه يصعد في السماء ..تصبب العرق من جبينه ..مسح على لحيته بيده و طافت بخلده الظنون فجحظت عيناه ..الأفكار القاتلة تحثه على الانتفاضة و تدعوه إلى تسفيه القوم واحتقارهم ...ثم انتفض صارخا كالمذعور..." يا للمهزلة...هذه شعوذتكم ..أنا بريء منها ومنكم جميعا أوقفوا هذه المهزلة .. "وهو يلوح بيديه المتصلبتين ويضرب أخماس بأسداس كمن يتجرع وبال أمره في مأتم غير متوقع . انهارت منية بين يديه وجثم الهلع على قلوب الناس كالنسر الكاسر فتفجرت عيونهم بالدمع ؛ وأغرقوا في صمت أبله ينصتون إلى رعود المشاعر ؛ وإلى العتاب الذي يدق مساميره في نعش الحدث عند إعلان العريس بصوته المبحوح عن فسخ عقد الزواج ..اندفع وسط الجموع كثور هائج ولوى أعناق الأعلام ورفسها برجليه ..نزعت منية الخاتم من إصبعها وألقت به في الماء ...
انتبهت من غفوتها وحدقت في خاتمها الذي وضعته في كفها فشع ضياؤه كثغر باسم ؛ رمقته بنظرات دامعة وداعبته بين أناملها كأنها تودعه للمرة الأخيرة ثم ألقت به في الماء فجرفه ؛ وصار يركض ويجري ؛وهي تعلم أن سعادتها تكمن في اختفائه عن أنظارها إلى الأبد . ثم امتطت سيارتها وتابعت السير .
ها أنت يا منية وهذا يومك الوهاج قد شعشع بأنواره كي يسقي لحظات من عمرك خمرة المحبة في قوارير من ذهب ..اشتقتِ لزيارة الأحبة هناك في تلك البلدة النائية ؛ الوديعة التي ترفل في سبات بريء ....هذا يومكِ ينثر بذور الإخاء في روحكِ الطاهر ..تذكرتِ والذكرى لا تسدل الستار عن الأيادي المبطشة التي كادت ترديكِ لولا عزمكِ وإرادتكِ على فك العقد وتكسير الطوق ...عن العيون الكليلة التي كانت ترقبك بنظرات السوء عندما سافرت مع خطيبكِ ذات يوم قبل إعلان الزواج ...ها أنت مسحتِ عن جبينِ لياليكِ بصمة العار التي أزكمت أنوف القرويين؛ لكن يظل الماضي سيفا مسلطا على رقبتكِ توصدين الباب في وجهه فيستحيل كابوسا خارج الإرادة ..لم يطوِ الزمان حكايتكِ الأليمة ..بركان فياض يتدفق بحمم الانكسار من الأعماق ..تذكرت القرية ..الأقارب ..الأحبة ..المكان موشوم في ذاكرتك بوخز الإبر ...من يوقف هذا السيل الجارف من المشاعر والأفكار ....... !؟
منية في عقدها الثالث صيدلانية تخرجت من كليتها بتفوق ؛ تعرف كيف تسكن الجروح التي لا تندمل ؛ وجرحها الغائر لا يفتأ يصرخ من أعماقها كلما تذكرت حكايتها الأليمة هناك ...
فتاة جميلة المحيا خجولة مستسلمة لمعانقة حيائها طوال الوقت؛ ذات بشرة بيضاء ؛ تبرق مقلتاها بين أهداب عينين واسعتين؛ ممشوقة القد ؛ مهفهفة ؛بجيدها المصقول - جيد ريم - أنفس القلائد ، ولذا فتن كمال بظلها .
حملت حقيبتها ثم دستها في صندوق سيارتها ؛ و انطلقت في اتجاه الأطلس ؛ لم تدرك أنها تطوي المسافات على أديم الأرض ؛ تجوب بخاطرها كل الأشياء المعلقة هناك..المرسومة في ذاكرتها بلون الرماد . عندما لاحت لها القرية في الأفق البعيد كادت أن تفقد صوابها ؛ لأنها لم تعرف كيف تسلقت الجبل كذباب الصحراء . كان تفكيرها مغموسا في وحل الذكرى.
لاحت لها القرية بوجهها الشاحب ؛ البيوت من طين يعانق بعضها بعضا في التحام فريد ؛ نوافذها الضيقة المطلية بالجبس كعيون ذابلة مطبقة تئن من أوجاع رمدها ؛ وشجر (الصفصاف) الذي ضرب في عنان السماء بكل امتداده . ثم تداعت أغصانه في كل الأطراف؛ يحتضنها بين ذراعيه ، يهدهدها إشفاقا عليها من صفع الزمان الذي طالها .
أوقفت سيارتها و ربضت في أقصى اليمين ثم نزلت وترجلت قليلا؛ أبصرت السيول التي طرّزتِ المكان ؛ فجف حلقها لاحتراقها بنار الذكرى .هنا مرتع صباها ..هنا طالت يد الجهل لتصفع حلمها الوردي ..غمست وجهها في الماء بين كفيها لتطفئ جمرات الأسى ؛ لكن هيهات .. الماضي عنيد متصلب ...الأفكار التي تزلزل الكيان لا تقاوم . دحت يديها الناعمتين في الماء وعبثت بأصابعها لعلها تتسلى فتخمد بركان حيرتها ، حدقت في القاع فأبصرت خاتما ذهبيا يبرق ثم سحبته بحذر شديد ووضعته في كف يدها الأيسر فصاحت بملء صوتها خاتمي ....خاتمي .... انتثر الدمع من عينيها كالشرارة الملتهبة ، وانهارت قواها أمام شريط أحداثها التي ودعتها منذ عشر سنوات ...منذ ذلك الحين طلب يدها كمال فودعت الدراسة ووزعت الحيرة بالتساوي بين جموع المدرسين والمدرسات ..كانوا جميعا يرون علامة مجدها في التحصيل الدراسي لنباهتها ..فطافت بخلدهم الظنون معتقدين أنها طعنت هذا المجد في المهد بقرارها المتسرع . من يدر لعلها تصبح كالقابض على الماء . تأكدوا جميعا أنها استسلمت لإغراءات كمال وكلامه المعسول عن المرأة و حقوقها وواجباتها ...الكل صدق أنها وقعت في شركه ؛ وهو نفسه أسير الأفكار التي يكتوي بنارها ويسير في درب الحياة مغمض العينين كليل البصر والبصيرة..ينتظر من شريكة الحياة السمع والطاعة والحس المقطوع .
تذكرت كل ذلك ولم تبتعد عن فاجعتها قيد أنملة ، شعرت أن المكان الذي يحتضنها الآن يبوح لها بتفاصيل الحكاية ...الصورة مرسومة بدقة متناهية كان الاحتفال البهيج بحفل زفافها يوم الخميس ..كل نساء القرية اجتمعن في هذا المكان منتشيات بحللهن الزاهية بألوانها ، يزغردن و ينشدن مواويل عاطفية تعكس بهاء اللحظة السعيدة .. تذكرت أنها خرجت عليهن يدها في يده بجلبابه الصيفي الخفيف ؛ طويل القامة مسبل اللحية يلبس نظارة شمسية تخفي حول إحدى عينيه ؛ وهي ترفل في كسوة طويلة تمرح بأذيالها إلى القدمين؛ وعند الخصر حزام ذهبي ينعقد في شكل وردة ؛ وفوق الرأس تاج مرصع بالجواهر زادها تلألؤا ونافس ضياءا ساحرا من عينيها ...اتجها معا نحو الجموع بكل انتشاء وغبطة ؛ رفعت النساء أعلاما في رأسها أغصان الرمان على عادة سكان القرية في كل الأعراس ؛ أبصرها كمال وضاق صدره كأنه يصعد في السماء ..تصبب العرق من جبينه ..مسح على لحيته بيده و طافت بخلده الظنون فجحظت عيناه ..الأفكار القاتلة تحثه على الانتفاضة و تدعوه إلى تسفيه القوم واحتقارهم ...ثم انتفض صارخا كالمذعور..." يا للمهزلة...هذه شعوذتكم ..أنا بريء منها ومنكم جميعا أوقفوا هذه المهزلة .. "وهو يلوح بيديه المتصلبتين ويضرب أخماس بأسداس كمن يتجرع وبال أمره في مأتم غير متوقع . انهارت منية بين يديه وجثم الهلع على قلوب الناس كالنسر الكاسر فتفجرت عيونهم بالدمع ؛ وأغرقوا في صمت أبله ينصتون إلى رعود المشاعر ؛ وإلى العتاب الذي يدق مساميره في نعش الحدث عند إعلان العريس بصوته المبحوح عن فسخ عقد الزواج ..اندفع وسط الجموع كثور هائج ولوى أعناق الأعلام ورفسها برجليه ..نزعت منية الخاتم من إصبعها وألقت به في الماء ...
انتبهت من غفوتها وحدقت في خاتمها الذي وضعته في كفها فشع ضياؤه كثغر باسم ؛ رمقته بنظرات دامعة وداعبته بين أناملها كأنها تودعه للمرة الأخيرة ثم ألقت به في الماء فجرفه ؛ وصار يركض ويجري ؛وهي تعلم أن سعادتها تكمن في اختفائه عن أنظارها إلى الأبد . ثم امتطت سيارتها وتابعت السير .
تعليق