
تنويه : المقامة من رحم قصة "حديث الكلب" للكاتب والمبدع التونسي، الأخ والصديق صالح سعيد، طلبت منه أن أصوغها في شكل مقامة فوافق مشكورا.
[frame="1 98"]
مقامة : بطاقة جلب في قصة "حديث الكلب"
أقرأنا "صالح سعيد" كاتب عتيد، ذو مراس شديد قال :
في ليلة مقمرة قد مخرها الضياء، كنت مع صحبي في رحلة امتلاء، نفترش الأرض رغبة ونلتحف تنعُّمًا بالسماء ... وكان بيننا فتى غريب الأطوار، لفظه قومه بعد أن عُدَّ من الأشرار .. إذا تمدّد في الكلام أمتع وأطرب، وإذا تحدث أطنب، وإذا آب إلى صمته كان بيانه أعذب .. فرُغم ما يبثُّ من الأنين في ثنايا الحروف، كان ذا مُلـح تُذهِبُ التجهم ولا تروف ... وحين أذاب ما بنا من الكدر، قال : "أقصّ عليكم قصّة رواها أبي عن جدّه الأكبر"، قلنا : "هات وأمتعنا طيّب اللّه ثراك حين تُقْبَر .." فأطرق هنيهة وما أطال، ثم تنهد بعمق وقال : "حدّثني أبي عن جدّي أنّ جدّه الأوّل قال : كنت وعشيرتي نسكن بعضَ الدّحال، في أرض كثيرة الخيرات كأنّها الجنّة في من حيث الجمال ... وكانت خيامنا تتراءى للرُّحَّل كسقط النّجوم في اللّيل البهيم، وكان كل من يحطُّ بين ظهرانينا يصيب منّا كرما يجدّد نشاط الرّاحل والمقيم ... على هذا عشنا زمنا طويلا يصبغ عيشنا الودّ والوئام، لا تفاجئنا سطوة الساطي ولا تعوزنا هبــة الكرام ..
وذات ليلة باذخة السّواد، سمعنا جلبة منبعها وقع سنابك جياد، وفي الحين امتشق كل منا سلاحه كما هو معتاد، وخرجنا زلفى نستفهم الموقف وقد زالت بيننا الأحقاد ... فقد حلّ في ربْعنا بعض الهوامّ، على رأسهم رجل شرس الطّباع وعديم فهم وغير منعام .. في قطعان كثيرة العدد والعدّة، تحرسها كلاب ضارية مدرَّبَة لأوقات الشدة .. فبادرنا بالواجب وباتوا ليلتهم تلك ملأى البطون، حتى سالت على لحاهم الدهون، وحسب ما يجيزه عرفنا المعلوم، لم نسأل الوافدين عن سبب القدوم .. لكن، ومع بزوغ فجر الغد، أرسل الزّعيم إلى جمعنا يطلبنا للحضور، فتداعينا إليه زلفى بين الحليم والجسور .. متسلّحين بمكارم الأخلاق وحسن القِرى، وألقينا تحيّة السّلام مجددا ثم جلسنا لنسمع منه ونرى ..
فانتفخت أوداجه وذهب في الكلام كلّ مذهب، سقط عنّي أكثره لفرط ما أسهب .. ثمّ أبى واستكبر وقال : " إنّكم وربي إلى فناء، ما لم تدينوا لي بالولاء، فإن أبيتم فدونكم الكرب ثم البلاء .. من الآن أمْرُكم إليّ مردود، فلا ترون إلاّ ما أرى وإياكم والصدود ... وأنا كما ترون ذو عدَّةٍ وعدد، وأنتم بلا حول ولا قوة ولا سند .. فإن جمحتم لأسوقنكم كما تساق الأنعام، وسأطلق كلابي تنهش منكم اللحم كما العظام " ..
فأوجس بعضنا خيفة، ولكنّ الحكمة لم تغبْ عن ظريفنا "الضّاوي" المكنى "تحيفة" .. إذ بادر إلى ظالمنا حين أطنب في السباب، ونطق بما ثقف أهلونا من سدرة الآداب : "بداية، حللت سهلا بين أهلك وإخوانك، وسنظل فعلا خدما لك ولأقرانك، طالما كنت بين ظهرانينا لن يجوع لك كلب ولن يظمأ حصانك .." فأرعد الوغد وأزبد وقال : "ما أريد أن أسمع هذا يا نزق وما ذه مهمَّتي، بل أريدكم تُبَّعًا لي وبذمّتي" .. ثمّ قطب واستطرد : "وصلتكم رسالتي فمالكم والتعاويذ ؟ أمهلكم لياليَ ثلاثًا ثم يبدأ التّنفيذ ... انتهى الكلام ورفعت الجلسة، ولا تظنوا أن لي في الصبر قيْدَ درْسَة ."
فخرجنا من عنده وكلٌّ في حيرة من أمره، وبقينا يومنا نتدبّر جلل المصيبة تفطِرُنا الحمرة، خجلا حينا وخوفا من عظائم مطمَّرَة، فقال الضّاوي : "يا قوم، ما لكم والوجوم ؟، أنا أتكفّل بالأمر ولأكفينكم الحيرة والهموم ... فما عهدتكم إلا اهل رأي وحصافة، لذا قوموا فجهّزوا ما يلزم الرّجل وقومه من مآصر الضيافة .. ثم لا تنسوا نصيب الأنعام والكلاب، أجزلوا لهم الأكل والشراب .. فإذا حضرت الوليمة زفّوني الخبر، ولن تصبحوا – وربيِّ - إلا على ما يسُر ... ثمّ خرج ردها وما فتئ أن عاد، ليجد الوليمة جاهزة وقد تفشغت الأعداد، فأمر بإقامة حفل الاستسلام كما أوصى الضيف وأراد .. فهبَّ الجمع على موائدنا هبة اللئام، وتجشأوا من شبع حتى باتوا كالجَفْر القُذَام، أما الكلاب فقد نالت منابها من خلوف الطعام ... تكفل بها "الضّاوي" وكان كمن يستشيط من نقمة، يُرْدفها حثيثا باللقمة تلو اللقمة، فتزدردها تباعا غير عابئة بالتخمة ... حتى إذا ما أنهى كل الأطباق، تمددت الكلاب أرضا وقد عُلِمَ أنه الفراق ... فقد دس لها في ما التقمته سما زعافا، أحضر منه ما فتك بالكلاب بل أضعافا ...
ولما بلغ خبر نفوق الكلاب إلى سيدها، تسمر الأخير مشدوها فعمد "الضاوي" إلى أطرافه فقيدها .. وكذا فعل أهل الرَّبْع بالبقيَّة، درْءًا لكلِّ صدٍّ قد يبدر منهم أو عُنجهية ... ولما سارت الأمور كما أراد لها "الضاوي"، جمعنا أسلحة الغزاة فضُمَّتِ المطاوي، وظللنا ننتظر حتى تهِلَّ من كُبرَائنا الفتاوى .. فانبرى "الضاوي" قائلا : " أقول لضيفنا الكريم مرة أخرى، مرحَّبٌ بك وبصحبك وها ما زالت البُشْرَى ... فإما حلول بأدب، فتلقى منا السلوى وما تُحب .. وإما القهقرى ومغادرة المكان، فنضمن لك ولصحبك الأمان ... لذا، أنصحك بلفظ قيئك بعيدا، فهذه أرض لا تنبت صلفا ولا تلد عبيدا .. أمر الود قائم فيها ولو كره الكارهون، والناس هنا خبروا الفخار فمنه يتناسلون، وأنت حر أن تكون أولا تكون."
دمعت عينا الرجل واحمر خجلا، ثم تأتأ بكلام خلناه زجلا :
"افعلوا بنا ما ترون، فقد ضاق من حولنا الكون، وكنا أجلافا لا نستحق العون .. التوبة ثم التوبة، باسمي وباسم من رام الأوبة."
قال الفتى عن أبيه عن جدّه عن جدّه الأوّل : " ما إن خلص عن الرجل كل الكلام، حتى أخلي سبيل الضيوف فغابوا في الظلام، وعدنا إلى مراتعنا في سلام"
[/frame]
تعليق