الأيديولوجيا ومناخ التواطؤ الجمعي فــي «ليل المدن القديمة» و«حلم كائن بسيط»
ربيع عقب الباب في مجموعتيه القصصيتين «ليل المدن القديمة»
الصادرة عن دارالغد بالقاهرة 1990
و«حلم كائن بسيط» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992
يعي أنه ابن المحلة الكبرى،تلك المدينة التي امتزجت -
تحت سطحها الساخن قيم الريف وعاداته، وليست كلها تخلفاً ـ
كما يحلو للبعض أن يردد ـ بقيم المدينة ذات الأبعاد الحضرية التي تفرد لها مكانا ً متميزاً على خارطة الوطن. ويعي ذلك الواقع المر الطاحن،
ترزح تحت وطأته كل شخوص قصصه: قتل علني،
واعتداءات وحشية، ومتكررة على البدن الإنساني،
وإجهاضات مستمرة لأحلام بسيطة وساخنة بأشكال مختلفة،
في ظل مناخ قد يبدو أنه يشارك ـ عن عمد ووعي معاً ـ
في تواطؤ ما، لسحق هذه الشخصيات الضائعة
في ليل المدن القديمة، وهذه الكائنات البسيطة وأحلامها
الأبسط التي قد لا تتجاوز لقمة تسد الرمق،
أو حائطاً تستند إليه الأجساد المنهكةويستر العورات.
الصادرة عن دارالغد بالقاهرة 1990
و«حلم كائن بسيط» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 1992
يعي أنه ابن المحلة الكبرى،تلك المدينة التي امتزجت -
تحت سطحها الساخن قيم الريف وعاداته، وليست كلها تخلفاً ـ
كما يحلو للبعض أن يردد ـ بقيم المدينة ذات الأبعاد الحضرية التي تفرد لها مكانا ً متميزاً على خارطة الوطن. ويعي ذلك الواقع المر الطاحن،
ترزح تحت وطأته كل شخوص قصصه: قتل علني،
واعتداءات وحشية، ومتكررة على البدن الإنساني،
وإجهاضات مستمرة لأحلام بسيطة وساخنة بأشكال مختلفة،
في ظل مناخ قد يبدو أنه يشارك ـ عن عمد ووعي معاً ـ
في تواطؤ ما، لسحق هذه الشخصيات الضائعة
في ليل المدن القديمة، وهذه الكائنات البسيطة وأحلامها
الأبسط التي قد لا تتجاوز لقمة تسد الرمق،
أو حائطاً تستند إليه الأجساد المنهكةويستر العورات.
يحاول «ربيع» بمهارة تمتزج بصدق مشاعره،
وانحيازه الواضح لتلك الشخصيات النابضة بالحياة ـ
على الرغم مما يبدو على السطح الأعلى للنص، ولأول وهلة،
من رفض الكاتب لها ولقيمها، - يحاول «ربيع»
الانتصار بها لقيم العدل والحرية، وحقها الأصيل في تحقيق أحلامها البسيطة.
صراع مستمر
في المجموعتين يمكن ـ وبغير أن نتهم بالتعجل-
أن نلحظ ذلك التناقض الحاد والصراع المستمر
المتبدي في أشكال مختلفة ظاهرية أو باطنية،
أصلية أو بديلةبين شخص الكاتب المطلّ غالباً
في صورة الراوي من خلال صوت الأنا أو الآخر )
الغائب أو الحاضر المخاطب( وبشكل راصد لكل ما يختلج
داخل روح الشخصيةوبين شخوص القصص على وجه التقريب.
وقد يتبادر للذهن العجول أن الكاتب يتنصَّل من انتمائه،
ويغادر ناسه ويهجر عشه، لكن هذا التناقض
لا يعدو إلا أن يكون تعبيراً عن تعاطف حاد مع هذه الشخصيات
وحلم معها بالخلاص من واقع ساهمت فيه بكل هذه القسوة
والبشاعة يدٌ ماكرة لم تغب إطلاقاً عن ذهن الكاتب،
رابطة بين مفردات هذا الواقع الفج، عاملةً ـ في الوقت ذاته-
على إشعال جذوة المأساة... في البيت والشارع..
مع الأب والابن والحماة والزوج،وصاحب العمل والعامل،
الشرطي والقواد، البقال وعامل النسيج. هذه الشخصيات...
لا يمكنك، وإن أجهدت نفسك في المحاولة أن تتنكر لها،
أو تنكر ملامحها. شخصيات «ربيع» وفي معظم قصص المجموعتين،
تحسُّ أنك تعرفها؛ يوماً ما صادفتها، عشت معها ولا أقول قرأت عنها؛
فربيع لايكتب عنها بقلم سائح ولا ينظر إليها من وراء زجاج نافذة
في عربة قطار، أو طائرةإنه لا يكتب عن الواقع المحكي ـ
إذا جاز التعبير ـ لكنه يغوص فيه حتى النخاع، وهو جزءٌ من
هذا الواقع، مسؤول عنه، مشاركٌ في تشكيله،
ومن ثم تأتي شخوصه إليك في أحوالها المتباينة لتدرك
ـ على الفور ـ أنها ربما كانت أباك أو أخاك، أمك أو إحدى قريباتك،
جارك القديم أو الجديد سيان، تحس أنك تعرفها،
ولربما كانت هي شخصيتك أنت، فهي ليست غريبة عنك بأية حال،
حتى لتكاد تستغني في أثناء القراءة عن فضول الترقب
لما ستكون عليه الأحداث، ربما أنت تعرف تماماً؛
لأنه ينقل الواقع بحيادية شديدة برغم هذا الغوص
وهذه المشاركة في المسؤولية تتبدى في الاهتمام
بالتفصيلات المهمة وغير المهمة، تعرف تماماً
أنك قادر على كتابة الجملة التالية وتعرف ما
سيقوله الكاتب. لكنه ـ وفي كثير من المواقف ـ
يفاجئك بما يكسر توقعك ويضعك ـ دون أن تدري ـ
على حد سكين أرهفته جمل تشبث فيها بكل ما في اللغة من حدة ورفاهة.
حين يدخل ربيع بنا باطن الشخصيات نكتشف أنه يعرفها أكثر
مما نعرف؛ إنه يستنطق ذلك )المكبوت الغرائزي
( ويحفر في قوقع الذات؛ فيمتزج بشخصياته حتى التوحد،
فلاتجد ـ حينئذ ـ على السطح، وبرغم هذهً الحيادية
إلا الرفض المطلق لهذا الانسحاق والتمرد على الواقع المر،
والحلم البسيط بحق هذه الكائنات فيالحياة.
صراع الشكل :
الجمال x الأيديولوجيا
وفوق ذلك الصراع بين واقع الكاتب وشخوصه من ناحية،
وبين حلمه الخاص وشخوصه من ناحية أخرى،
فإننا نقف على صراع آخر على مستوى الشكل، يتبدى في ذلك
التراوح بين الجمالي والأيديولوجي ولا يعني هذا،
أني أنفي عن الأيديولوجيةجماليتها الخاصة، أو عن الجمال فلسفته
وإطاره الفكري المميز، لكن «ربيع» يقع بين شقي رحي طاحنة
: واقع فج، حاد الملامح يعيشه، وشخصيات رسمت التجاعيد
خرائطها على صفحة ذاكرتها الهشة، ورفاهة تتملكها لغته التي
تكاد تميز من الغيظ كلما واجهتها وعورة أرض التجربة، أو خشونة جلد الشخصية.
وحتى لا يكون كلامنا خبط عشواء، أو رمية قصيرة الذراع
والنظر، فإننا سوف نتوقف عند مجموعة من النقاط
في تجربة هذا الكاتب، بحيث نستطيع الوقوف على خلاصة
هذه الأشياء جميعها دون أن نتبين حدود كل منها داخل
جسد التجربة بشكل قاطع التحديد.
«ربيع» كاتب ملتزم، لكن ليس بالمفهوم التقليدي للالتزام
يدرك تمام الإدراك أن الفن رسالة ربما لا تكون اجتماعية خالصة،
لكنها - على أية حال - لابد أن تقول شيئا وبين هذا القول المنتظر،
والكيفية المتاحة ،يحدث أن تعلو الفكرة
ويغلب التحديد والنمطية في علاقات الشخصية بما جاورها،
وينطق الكاتب - في غير مواراة أو تخف وراء تصوير أو إيحاء لفظ - بالأيديولجيا.
هنا تقفز الفكرة إلى سطح النص ولا تحتاج إلى عظيم انتظار
أو كثير تأمل حتى تدرك - أنت القارئ - ما يرمي إليه.
هل يمكن القول -عندئذ - إن ربيع )الفنان( يتوارى خلف ربيع )
المثقف( المنتمي إلي فكر ما، المعبر عن رؤية خاصة
للواقع الإجتماعي السياسي بكل مفرداته؟
وهل نظل أسرى تلك النظرة التي ترفض -
تحت دعاوى مختلفة،وبمسميات وأشكال شتى -
وضوح وجهة نظر الكاتب صراحة داخل العمل؟ وهل من الضروري
التسليم بأهمية غياب الموقف السياسي والأيديولوجي؛
إذن فمن الضروري فيما أرى- التسليم بأهمية أن تطرح
النصوص أفكارها ورؤاها لكن من خلال ذات الفنان الهاضمة
لكل ما يدور حولها بما يتطلبه ذلك من استخدام تكنيكات فنيه
وأدوات خاصة تميز كل كاتب عن غيره، وفي الوقت ذاته
لا يمكن الفصل - تعسفا - بين روح النص وروح الكاتب،
ومهما تباينت الشخوص وتعددت داخل النص الواحد،
فإننا سندرك وجود الكاتب في شخصية من هذه الشخصيات
- على الأقل - إذ يمكنه أن يكونها جميعها في آن،
وإن كان يراها جميعها بعين الفنان الحاذفة المضيفة.
المهم هو نجاح الكاتب في جعل القارئ - بصورة أو بأخرى -
قادرا على اتخاذ الموقف الصحيح، في معية الشخصية،
أو ضدها، أن يحب أو يكره، يقبل أو يرفض،
إذ ليس مطلوبا، رغم تحبيذنا أحيانا لحيادية المؤلف،
أن تتلبس القارئ هذه الحيادية الصخرية فيقف موقف
المتفرج خاصة إذا كانت التجربة لاتغري بالفرجة
ولا تشجع على متابعتها من وراء )نظارة سائح
( فالشخصيات كما سلف القول، ليست تنتمي إلى عالم
غير عالمه، وليست ناطقة لغة غير لغته، بل هي بنت بيئته
وشارعه، وربيبة لغته وألفاظه، ومن ثم فليس له - للمتلقي -
إلا أن يشارك بالدخول إلى قلب التجربة، وهذا ما يجعل«ربيع»
- فيما أحس - يعمد أحيانا إلى النقل المضموني للأيديولوجيا؛
بل والشرح والتفسير، وكأنما يخشى من عدم وصول الفكرة
للمتلقي فتصرخ الأيديولوجيا، لكن سرعان ما يغلفها همس الفنان المبدع.
وإن كنا نرى مع «أبو ديب» أنه لا يمكن للفنان أن ينقل
الأيديولوجيا نقلا مباشرا «فالنقل المضموني للأيديولوجيا
لن يولد سواها، بل إن النقل يتم فنيا - لغويا -
وتبعا للشكل والأداة تتشكل أيديولوجيا موسطةمن نمط أو آخر».
على حد تعبيرد.كمال أبو ديب في مقال له نشرته مجلة فصول القاهرية.
يقول «ربيع» في مقطع مميز من قصة ) تفر الطيور من الفخاخ أحيانا
( في مجموعة )حلم كائن بسيط ) :
«نمت حيث أنا، لأرى مالم أنسه عمري: رأيت أبي دركيا
يحمل شمروخا، يطير أعلى من كل الطيور في السماء
وكلما صادف طائرا يصدح ضربه بشمروخه على رأسه
فيهوى الطائر من حالق، حتى امتلأت دارنا بالطيور
المحطمة الرؤوس وحين لم يعد يفرق بيني وبين الطيور..
فزعت صارخا، وبكيت».
لا أعتقد أن الفكرة التي أراد الكاتب توصيلها قد غابت،
فالخطاب ليس مستعصيا على التفسير،مادامت هذه اللغة الجميلة
قد حملته بل إن الألفاظ - برغم ما فيها من جفاف )دركي- شمروخ-
محطمة( قد شفت عما تحتها، وهتكت ستر الفكرة برقة متناهية.
في الوقت ذاته فإن «ربيع» لا يجد بدا من التصريح بعدائه
للواقع الفج، وهاهو ذا في قصة )العودة من وردية الليل
( من المجموعة ذاتها، يقول على لسان الفتاة المحاصرة
بالخوف والفجيعة: «لا أحد يهمه الأمر، لم تعد مؤسسات الكهرباء
تهتم إلا بالعدادات.. والحكومة نفسها لا يهمها أن ينام الناس
في العتمة، أوفي النور، الأمر سيان لديها».
وفي قصته )مدفوعا بسر ما كان يعيد حساباته
( نجد هذا التصريح في حديث داخلي من أطول أحاديثه
الداخليةوالتداعيات الذهنية لشخصياته، وبين سطور
يحاول فيها «ربيع» أن يمزج الواقع بالأسطورة
: «ذعر الخلق يا رجب، وما جرؤ أحد.. حتى الحكومة
التي استطعنا أخيرا استمالتها لم تجرؤ.. فكيف يضحون
بجندي أو اثنين هم في أشد الحاجة إليهما لقمع محاولات
العمال المتكررة ومطاردة المسلحين المعادين للصلح الإسرائيلي،
وكنت أنتظرك سبع ليال يا رجب بالتمام والكمال خرجت بعدها من باب السر»..
من النماذج السابقة يمكن التأكد من ذلك التأرجح بين اللغتين
ونستطيع أن نرى بوضوح كيف أن «العنصر المختزن
للايديولوجيا في الفن هو الشكل - اللغة، والتطور الفعلي
أيديولوجيا لا يمكن أن يتم إلا شكليا فنيا ولغويا» ـ
على حد تعبير أبو ديب
مناخ التواطؤ الجمعي
المجتمع في قصص المجموعتين خليط عجيب من البشر
حادي الملامح، متنافري الأهواء وبرغم هذه الحدة وهذا التنافر
فإن هذا الخليط يجمعه مناخ أشبه بمناخ التواطؤ،
الكل متآمر، مشارك في المؤامرة بدرجة أو بأخرى،
أو مكتف - على الأقل - بالفرجة على ما يحدث.
في (ظهرا تركض الثيران عارية ) وهي إحدى قصص مجموعة
«ليل المدن القديمة» وبصرف النظر عن عرى الثيران
غير المفهوم، نجد الكل، المتفرج، يعرف بالكارثة قبل وقوعها،
جميعهم يدركون ما سوف يصير إليه البقال البسيط الذي تجرأ
واجتاز خط الحلم ليتقرب إلى إحدى فتيات الحي، الكل يعرف إلا هو.
«وكانوا قد أحاطوا بي.. لسعتني أكفهم فركضت دائرا كفراشة
ضّلت طريقها ثم وجدتني على الأرض، مجرد لوحة لكائن متعفن،
أمروني برفع الثياب بكيت مستعطفا، بحثت في عيونهم يا سيدي
عن شفقة أو رحمة، لكنني خدعت مزقوا عني الثياب،..
قطعة.. قطعة،، رجوتهم. وبكيت زاعقا في الجموع المحتشدة
لتشهد فضيحتي الكبرى، نفس الوجوه يا سيدي - التي أراها كل يوم،
نفس وجوه زبائني كانت تتحلقني - بإصرار - ولم أطالع فيها
إلا حبها المعهود للمشاهدة، لطمني صاحب السيف بأحد وجهيه
بحذق فانفجر الدم من حلقي وسقطت حبتان وهنا أحسست
أنها النهاية، صرخت فاقتلعوني بعدما خيبت الأرض رجائي
ولم تستجب لتوسلاتي أن تغور بي إلى مكان سحيق».
هاهم أولاء زبائنه، أهل حيه، مكتفون بالمشاهدة
ولعلنا نتذكر في هذا السياق "سانتياجو نصار" بطل
"وقائع موت معلن" عنه لكاتب كولومبيا الأشهر
«جابرييل جارثيا ماركيز» مع اختلاف في الرؤية والأداة.
وفي قصة )واقعة مقهى البيلي( يكتفي الكاتب - هو الآخر-
بالرصد وتسجيل مفردات الواقعة، فبينما كان محفوظ
يتوسط المجلس في المقهى،يحكي وهم يصغون لغزواته ونزواته
في الأسواق والقرى منبهرين باعتداءاته على البسطاء
و السذج من أهلنا، فوجئ الجمع بالمارد المنتصب )
صفوان العرباوي( الذي جمد - فور رؤيتهم له- حركةالمقهى،
الطاولات، الدمينو، الأيدي، وانزوى النادل ممتقع الوجه
وانتابت المكان حالة رعب وبله قاس-على حد تعبير الكاتب -
تطلق الرصاصات لتخترق صدره وتثقب معدته فتغطي الرائحة
الكريهة لسيل الدم الناشع وتصعد به الرصاصة الثالثة كفراشة
ليحط بقسوة فوق المقاعد والطاولات ويتكوم بعيدا.
مشهد دام فيه من العنف والقسوة قدر، يستفز الجبناء
ويحرك الجماد لمواجهته. الصديق يصرع أمام الجميع،
ولكن لا مواجهة، فقد سدد الفارس المقتحم نظرة متعالية
فانهارت الأصابع الرخوة، ولم ير الكاتب الراصد الذي
تخفى وراء قناع الراوي قدرة على تحريك أي عضو من
أعضائه ولم يجد غيرأنفاس المحيطين به ومصمصات شفاههم
واستحضارات راحوا يفيضون في استدعائها:
تصدق طول النهار مع بعض...، «يا خلق الله؛
افتكرت أنهم اتصالحوا».. وغير ذلك من الاستدعاءات.
والكاتب يدرك ذلك تماما فيقول في نهاية الواقعة
: «ونفس الشجرة التي عاينتها تقتلع وتأخذ منها نواة،
وتحرق فتطير شظية من لهيبها مخترقة فم المرأة،
فينتفخ بطنها في الحال، وتضع مولودا شائها قبيحا»
ويكمل: حين مرور الجنازة أمام قسم الشرطة علا الهدير
مروعا؛ إذ كان معظم المشيعين من اللصوص، والهجامين
وأرباب السوابق والفتوات. تمت مراسيم الدفن قاهرة قاسية،
وما تحرك أحد خارج المقابر كالعادة».
وقد يبدو أن القرار الجمعي هنا قرار بالانتقام،
أوهو حركة فاعلة، اتخذت شكل السلب تعبيرا عن الفرح
للخلاص من وطأة ظلم وقسوة ظالم أو دفاعا عن عرف
وذودا عن كرامة،أوردا للكيل كما في واقعة البقال،
إذ يمثل ناهبا مستمرا لجيوبهم فيما هويعتدي على أعراضهم.
لكن على أية حال فإننا نجد هذا التواطؤ القصدي أوالعفوي )
بالفرجة أو الاكتفاء بموقف المشاهد السلبي الذي لا يعنيه الأمر
( مناخا يشكل سماء القصة وأفقها الأعلى بحيث تخشى أن تكون
أنت مفردة من مفردات هذا المناخ، تحس أنك مشارك في هذا التواطؤ،
هنا تتجلى قدرة «ربيع» في اجتذابك إلى هذه المنطقة
من المشاعر، فهذه بعض سطور رسالته الفنية فيمايبدو
لتكتشف -عندئذ - أنك واحد من هؤلاء الذين تحلقوا الضحية
يؤدون طقسا بدائيا، يرقصون رقصا متوتر الإيقاع
قبل الانقضاض على جسد الفجيعة، فالكل منصلب على جذع
السؤال، الكل في قلب الشرك!!
الطفولة
كسر الحواجز وعبور الأسوار
تمثل الطفولة دائرة عظيمة القطر. يتحرك الكاتب في فضائها
الرحب بحرية تامة مرخيا العنان لأفراس حلمه تركض
فوق حشائش الذكريات التي لا تخلو من أسى فيما تمثل عالم الحلم والبراءة.
وفي المجموعتين نرى هذا العالم سافرا جليا لا تغلفه بلاغات
المتخثرين، ولا تحول بيننا وبينه أسوار التكنيك والحرفية
الممقوته، ونستطيع الإشارة دون أن نخشى اتهاما بالمبالغة،
أونواجه قلق المترددين إلى عدد من القصص تمثل الطفولة
في بكارتها وبراءتها وأمنياتها في تحقيق الحلم،
وكسر الحواجز، وعبور الأسوارفها هو ذا ربيع يرصد
واقعة بعين لم يكدرها دخان المدينة الصناعية الكبيرة،
عين لم تصدأ عدستها وتستبدل بها عدسة بلاستيكية مستوردة،
مازالت عين الطفل الصافية وعدسته اللامعة - برغم الشيب
الذي وخط كل ركن في مساحة الحلم عند الكاتب،إذا جاز التعبير -
مازالت هناك هذه الشفافية وهذا اللمعان يحكمان قصص «ربيع»
في تلك الدائرة. إنه يحاول أن ينتقل بنا من خلال الارتداد
الفني إلى هذه البكارة عبر تقنيات، وتكنيكات مختلفة،
وهذا عكس ما يلوح في أفق الارتدادت المماثلة لكتاب
آخرين، إحباطات شخوصه عندما تحملها السنون إلى أعمارها
الحقيقية؛ فالكائن البسيط الذي يحلم بجدار- مجرد جدار
يستره هو وبناته من هجمات الخارجين، ويتيح له فرصة
ممارسة إنسانية ولو للحظات مسروقة هو هو الطفل
الذي يتوقف حلمه عند إصبع موز من الفاكهة التي يحملها
خطيب عمته عند زيارته لمنزل الأسرة، أو عبور سور صغير
في دار السينما صاعدا إلى طبقة أو شريحة أخرى من شرائح
طبقته الاجتماعية، وفي كل هو يصطدم بالواقع الصلد،
والحقيقة الجافة التي تعيده إلى حيث الشعور بالعجز والدونية والإحباط.
الملاحظ أن طفل «ربيع» أو«ربيع» عندما يرتد طفلا
يرى بعين واعية خبرت الحياة، واختزنت في ذاكرتها تفاصيلها،
عين )مثقفة(- إن صحت التسمية - طفل «ربيع»
طفل محاصر بمجموعة من الهواجس تحدد حركتها،
وترسم مسارات مشاعرها تجاه الأشياء والأشخاص،
كهاجس العفاريت المستمر الذي يتناوب الظهور بأشكال
مختلفة معظمها يرتكن إلى متكأ ذكروي في لاوعي الطفل،
وأحيانا تتجسد أمامه في أشكال خارج اللاوعي متلبسة مجموعة
الكائنات ومسؤولةعن مجموعة من الظواهر التي قد
لا يجد الطفل تبريرا لها، وهاجس )البوكس
( والبوكس هو عربة الشرطة ذات الصندوق الخلفي المغطى
بقماش سميك كالخيمة،ولها في ذاكرة الكاتب حيز ليس
باليسير، وتحتل مساحات شاسعة في رقعة القصة سواء أكانت
قصة للأطفال أم عن الأطفال وشخصياتهم وحوادثهم،
أو كان الكبارهم مفرداتها
ونرى أيضا أن هذا الطفل طفل واع، فربيع لا يكتب بلسان الطفل،
حتى عندما نكون وجها لوجه،أمام راو طفل فالمتحدث غالبا
هو الكاتب الناضج الواعي الذي يخط بقلمه هو على ورق استعاره
من دفتر ذاكرة لونتها الطفولة بأحداثها وشخصياتها المتباينة.
فالطفل الراصد العين )الكاميراوية( والرؤية البانورامية
لا يترك جزءا ولو يسيرا من المشهد، ودون تحليل أيضا،
هو الطفل مفكر إذن عميق الوعي كما يبدو، وقد نرى أيضا
ارتفاع «ربيع» بالأسلوب حتى لنظن أنه لم يعد ثمة اتساق
بينه وبين الشخصية، فتأتي العبارات على لسان الطفل
محملة ببلاغات لا تحتملها مفردات اللغة الطفلية،وسياقات
ليست تنتمي إلى عالمه بأية حال، ولا أرى سببا لذلك سوى
أن الكاتب الذي ينجح في ارتداء ثوب الحياد غالبا،
يجد أن الثوب أضيق ما يكون؛ فتكون التدخلات والتزيدات
البلاغية التي تتسبب في هذا الانقطاع بين عالم الطفل
والسياقات اللغوية التي تنقل إلينا هذا العالم.
يقول ربيع في واحدة من أمتع قصصه على الرغم
من هذه الملاحظات، «كنا قتلى، نسير بلا رؤوس،
بعد أن طحنت الشمس رؤوسنا طول اليوم، ومع ذلك
هلل أخي الذي يصغرني بأربعة أعوام»
والراوي هنا.. طفل، والسؤال هل تكفي هذه السنوات الأربع
لتعلل لنا ازدياد وعي الشخصية، شخصية الراوي، وارتفاع مستوى
تعبيره «قتلى نسير بلا رؤوس، بعد أن طحنت الشمس رؤوسنا
طول اليوم» تعبير مفارق تماما لقدرات الطفل -أي طفل،
أقصد قدراته التعبيريه.
وفي موضع آخر ينجح «ربيع» في التعبير عنها نجاحا عظيما.
فها هو الطفل الذي يعاصر واقعة سرقة مهر وشبكة عمته،
ويحار في تفسير مواقف الجميع، يطرح أسئلة لا يجد إجابات
حاضرة عنها، وهنا يكون نجاح الكاتب - فيما أرى -
في التعبير عن الطفولة، فالطفل في هذه القصة -)
لم تعدلي رغبة فيه( يقدم الأسئلة بينما هو في القصص الأخرى
صاحب الإجابات والتفسيرات والتحليلات الواعية لمفردات الموقف،
الطفل الذي يقدم الفهم في مقابل اللا فهم الذي
هو سمة الأطفال عندما يصطدمون بواقع الكبار وتصرفاتهم.
إنه هنا وعي الطفل الذي تشده رائحة الموز بعيدا عن أزمة
العائلة، هو لايبحث عن حل لهذه الأزمة إلا من أجل إشباع
رغبة حقيقية: التمتع بالموز الذي يحضره خطيب عمته،
إذ إنه يدرك في علاقات منطقية بسيطة الصلة بين ضياع
المهر والشبكة وانقطاع الخطيب واختفاء الموز.
والطفل في قصص ربيع كما سلف القول -فيما عدا هذه القصة
وواحدة أخرى - هي آخر الشياطين- طفل مؤدلج. يدرك
حتى وإن تبدى إدراكه في شكل رغبة طفلية -
أهمية الحراك الاجتماعي حين يسعى للعبور من درجة
إلى أخرى في السينما مدركا الفارق بين الدرجتين،
مما يعكس تطلعا طبقيا لدى الطفل،وإن لم يتأكد في لغة مباشرة.
وحين يدرك الفارق بين حاله كخاضع للسلطة، وحال السلطة ذاتها -
الدكة الخشبية في مواجهة العرش النيكل ذي الداير المشغول في قصة
«ابنة عم أبي»، حتى الحلم، عندما يختفي النسق،
ولا موانع تعوق اللغة من الخروج على روابطها المنطقية،
لا يخلو من أدلجة ؛ فالطفل يرى أباه دركيا -
هاجس الشرطة المستمر- يطير أعلى من كل الطيور في السماء،
وكلما صادف طائرا يحلق ضربه بشمروخه على رأسه فيهوى الطائر من حالق.
ويقف الطفل - من خلال تكنيك الحلم أيضا - على أبعاد الأزمة
حين تفقد السلطة وعيها، ولا تفرق بين من عليها مواجهته،
وبين من تجب رعايته وصونه، وتضرب الطيور،
المعادل الموضوعي للطفل، بل وتتجاوزه لضرب الطفل ذاته -
يكون الفزع، وتكون نهاية الحلم )الكابوس(.
طفل «ربيع» واع بالسلطة، بجبروتها، وهي تأخذ أشكالا مختلفة -
شأنها شأن العفاريت - فهي أب -عم - قسم بوليس - عربة بوكس..
واع بقسوتها التي لا ترحم حتى طفولته.
«انهال على أبي كزلزال» «وتحت التهديد أكل أخي ووجهه ينزف -
أحسست بطعم دمائه في فمي. وفي موضع آخر «كانت الدكة في
مواجهة العرش العالي، وكان من عادتي دفن وجهي في الحائط اتقاء
لهذه النظرات الغضبى التي يسددها إلى أبي كلما كانت عيناي
مفتوحة الأجفان. انتابتني وخزة قلق، سبقتني فيها عيناي
إلى العرش لتصطدم بأبي العاري الجسد.
وفي قصة «لم تعد لي رغبة فيه»:
اندفع عمي الأوسط من «الزريبة» نحوي بأقصى سرعة
فقابلته بوجه ضاحك مقهقها أنا بأضحك.. ولا أدري لماذا؟
الكلام لايزال على لسان الطفل - لماذا ولم كان تصرفي على
هذا النحو. كل ما أذكره أنه جرى خلفي مغيظا ولما طالتني
رجله دفعني بركلة قوية زحفا على الأرض» ويكمل
«شاتما واجهني عمي. التقط عصا مطاردا إياي
وهو يردد، «إحنا في إيه وإلا في إيه يابن الكلب».
وفي موضع آخر - «تناوب عمي وأبي طحن جسدي الصغير
ساعة تأخر بي الوقت في الحارة إلى ما بعد العشاء».
حاولت أن أحصل على لقطة أو مشهد صغير أو كبير يعكس
ارتياحا من جانب الطفل الراوي لسلطة الأب - العم
فأعيتني المحاولة، فالطفولة التي يعبر عنها «ربيع»
طفولة بائسة شقية محاصرة بأشكال القهر المختلفة،
ويمتد بؤسها وإحباطاتها لتدرك الصلة بينها وبين إحباطات
الكبار وبؤسهم في مواجهةأحلامهم البسيطة.
فالعالم لديه ليس عالمين، إنما هو عالم واحد ممتد ف
لاانبتات بين الطفل والرجل في مواجهة عالم الدمامة
والوعـــــورة وإجهاض الأحلام .
وانحيازه الواضح لتلك الشخصيات النابضة بالحياة ـ
على الرغم مما يبدو على السطح الأعلى للنص، ولأول وهلة،
من رفض الكاتب لها ولقيمها، - يحاول «ربيع»
الانتصار بها لقيم العدل والحرية، وحقها الأصيل في تحقيق أحلامها البسيطة.
صراع مستمر
في المجموعتين يمكن ـ وبغير أن نتهم بالتعجل-
أن نلحظ ذلك التناقض الحاد والصراع المستمر
المتبدي في أشكال مختلفة ظاهرية أو باطنية،
أصلية أو بديلةبين شخص الكاتب المطلّ غالباً
في صورة الراوي من خلال صوت الأنا أو الآخر )
الغائب أو الحاضر المخاطب( وبشكل راصد لكل ما يختلج
داخل روح الشخصيةوبين شخوص القصص على وجه التقريب.
وقد يتبادر للذهن العجول أن الكاتب يتنصَّل من انتمائه،
ويغادر ناسه ويهجر عشه، لكن هذا التناقض
لا يعدو إلا أن يكون تعبيراً عن تعاطف حاد مع هذه الشخصيات
وحلم معها بالخلاص من واقع ساهمت فيه بكل هذه القسوة
والبشاعة يدٌ ماكرة لم تغب إطلاقاً عن ذهن الكاتب،
رابطة بين مفردات هذا الواقع الفج، عاملةً ـ في الوقت ذاته-
على إشعال جذوة المأساة... في البيت والشارع..
مع الأب والابن والحماة والزوج،وصاحب العمل والعامل،
الشرطي والقواد، البقال وعامل النسيج. هذه الشخصيات...
لا يمكنك، وإن أجهدت نفسك في المحاولة أن تتنكر لها،
أو تنكر ملامحها. شخصيات «ربيع» وفي معظم قصص المجموعتين،
تحسُّ أنك تعرفها؛ يوماً ما صادفتها، عشت معها ولا أقول قرأت عنها؛
فربيع لايكتب عنها بقلم سائح ولا ينظر إليها من وراء زجاج نافذة
في عربة قطار، أو طائرةإنه لا يكتب عن الواقع المحكي ـ
إذا جاز التعبير ـ لكنه يغوص فيه حتى النخاع، وهو جزءٌ من
هذا الواقع، مسؤول عنه، مشاركٌ في تشكيله،
ومن ثم تأتي شخوصه إليك في أحوالها المتباينة لتدرك
ـ على الفور ـ أنها ربما كانت أباك أو أخاك، أمك أو إحدى قريباتك،
جارك القديم أو الجديد سيان، تحس أنك تعرفها،
ولربما كانت هي شخصيتك أنت، فهي ليست غريبة عنك بأية حال،
حتى لتكاد تستغني في أثناء القراءة عن فضول الترقب
لما ستكون عليه الأحداث، ربما أنت تعرف تماماً؛
لأنه ينقل الواقع بحيادية شديدة برغم هذا الغوص
وهذه المشاركة في المسؤولية تتبدى في الاهتمام
بالتفصيلات المهمة وغير المهمة، تعرف تماماً
أنك قادر على كتابة الجملة التالية وتعرف ما
سيقوله الكاتب. لكنه ـ وفي كثير من المواقف ـ
يفاجئك بما يكسر توقعك ويضعك ـ دون أن تدري ـ
على حد سكين أرهفته جمل تشبث فيها بكل ما في اللغة من حدة ورفاهة.
حين يدخل ربيع بنا باطن الشخصيات نكتشف أنه يعرفها أكثر
مما نعرف؛ إنه يستنطق ذلك )المكبوت الغرائزي
( ويحفر في قوقع الذات؛ فيمتزج بشخصياته حتى التوحد،
فلاتجد ـ حينئذ ـ على السطح، وبرغم هذهً الحيادية
إلا الرفض المطلق لهذا الانسحاق والتمرد على الواقع المر،
والحلم البسيط بحق هذه الكائنات فيالحياة.
صراع الشكل :
الجمال x الأيديولوجيا
وفوق ذلك الصراع بين واقع الكاتب وشخوصه من ناحية،
وبين حلمه الخاص وشخوصه من ناحية أخرى،
فإننا نقف على صراع آخر على مستوى الشكل، يتبدى في ذلك
التراوح بين الجمالي والأيديولوجي ولا يعني هذا،
أني أنفي عن الأيديولوجيةجماليتها الخاصة، أو عن الجمال فلسفته
وإطاره الفكري المميز، لكن «ربيع» يقع بين شقي رحي طاحنة
: واقع فج، حاد الملامح يعيشه، وشخصيات رسمت التجاعيد
خرائطها على صفحة ذاكرتها الهشة، ورفاهة تتملكها لغته التي
تكاد تميز من الغيظ كلما واجهتها وعورة أرض التجربة، أو خشونة جلد الشخصية.
وحتى لا يكون كلامنا خبط عشواء، أو رمية قصيرة الذراع
والنظر، فإننا سوف نتوقف عند مجموعة من النقاط
في تجربة هذا الكاتب، بحيث نستطيع الوقوف على خلاصة
هذه الأشياء جميعها دون أن نتبين حدود كل منها داخل
جسد التجربة بشكل قاطع التحديد.
«ربيع» كاتب ملتزم، لكن ليس بالمفهوم التقليدي للالتزام
يدرك تمام الإدراك أن الفن رسالة ربما لا تكون اجتماعية خالصة،
لكنها - على أية حال - لابد أن تقول شيئا وبين هذا القول المنتظر،
والكيفية المتاحة ،يحدث أن تعلو الفكرة
ويغلب التحديد والنمطية في علاقات الشخصية بما جاورها،
وينطق الكاتب - في غير مواراة أو تخف وراء تصوير أو إيحاء لفظ - بالأيديولجيا.
هنا تقفز الفكرة إلى سطح النص ولا تحتاج إلى عظيم انتظار
أو كثير تأمل حتى تدرك - أنت القارئ - ما يرمي إليه.
هل يمكن القول -عندئذ - إن ربيع )الفنان( يتوارى خلف ربيع )
المثقف( المنتمي إلي فكر ما، المعبر عن رؤية خاصة
للواقع الإجتماعي السياسي بكل مفرداته؟
وهل نظل أسرى تلك النظرة التي ترفض -
تحت دعاوى مختلفة،وبمسميات وأشكال شتى -
وضوح وجهة نظر الكاتب صراحة داخل العمل؟ وهل من الضروري
التسليم بأهمية غياب الموقف السياسي والأيديولوجي؛
إذن فمن الضروري فيما أرى- التسليم بأهمية أن تطرح
النصوص أفكارها ورؤاها لكن من خلال ذات الفنان الهاضمة
لكل ما يدور حولها بما يتطلبه ذلك من استخدام تكنيكات فنيه
وأدوات خاصة تميز كل كاتب عن غيره، وفي الوقت ذاته
لا يمكن الفصل - تعسفا - بين روح النص وروح الكاتب،
ومهما تباينت الشخوص وتعددت داخل النص الواحد،
فإننا سندرك وجود الكاتب في شخصية من هذه الشخصيات
- على الأقل - إذ يمكنه أن يكونها جميعها في آن،
وإن كان يراها جميعها بعين الفنان الحاذفة المضيفة.
المهم هو نجاح الكاتب في جعل القارئ - بصورة أو بأخرى -
قادرا على اتخاذ الموقف الصحيح، في معية الشخصية،
أو ضدها، أن يحب أو يكره، يقبل أو يرفض،
إذ ليس مطلوبا، رغم تحبيذنا أحيانا لحيادية المؤلف،
أن تتلبس القارئ هذه الحيادية الصخرية فيقف موقف
المتفرج خاصة إذا كانت التجربة لاتغري بالفرجة
ولا تشجع على متابعتها من وراء )نظارة سائح
( فالشخصيات كما سلف القول، ليست تنتمي إلى عالم
غير عالمه، وليست ناطقة لغة غير لغته، بل هي بنت بيئته
وشارعه، وربيبة لغته وألفاظه، ومن ثم فليس له - للمتلقي -
إلا أن يشارك بالدخول إلى قلب التجربة، وهذا ما يجعل«ربيع»
- فيما أحس - يعمد أحيانا إلى النقل المضموني للأيديولوجيا؛
بل والشرح والتفسير، وكأنما يخشى من عدم وصول الفكرة
للمتلقي فتصرخ الأيديولوجيا، لكن سرعان ما يغلفها همس الفنان المبدع.
وإن كنا نرى مع «أبو ديب» أنه لا يمكن للفنان أن ينقل
الأيديولوجيا نقلا مباشرا «فالنقل المضموني للأيديولوجيا
لن يولد سواها، بل إن النقل يتم فنيا - لغويا -
وتبعا للشكل والأداة تتشكل أيديولوجيا موسطةمن نمط أو آخر».
على حد تعبيرد.كمال أبو ديب في مقال له نشرته مجلة فصول القاهرية.
يقول «ربيع» في مقطع مميز من قصة ) تفر الطيور من الفخاخ أحيانا
( في مجموعة )حلم كائن بسيط ) :
«نمت حيث أنا، لأرى مالم أنسه عمري: رأيت أبي دركيا
يحمل شمروخا، يطير أعلى من كل الطيور في السماء
وكلما صادف طائرا يصدح ضربه بشمروخه على رأسه
فيهوى الطائر من حالق، حتى امتلأت دارنا بالطيور
المحطمة الرؤوس وحين لم يعد يفرق بيني وبين الطيور..
فزعت صارخا، وبكيت».
لا أعتقد أن الفكرة التي أراد الكاتب توصيلها قد غابت،
فالخطاب ليس مستعصيا على التفسير،مادامت هذه اللغة الجميلة
قد حملته بل إن الألفاظ - برغم ما فيها من جفاف )دركي- شمروخ-
محطمة( قد شفت عما تحتها، وهتكت ستر الفكرة برقة متناهية.
في الوقت ذاته فإن «ربيع» لا يجد بدا من التصريح بعدائه
للواقع الفج، وهاهو ذا في قصة )العودة من وردية الليل
( من المجموعة ذاتها، يقول على لسان الفتاة المحاصرة
بالخوف والفجيعة: «لا أحد يهمه الأمر، لم تعد مؤسسات الكهرباء
تهتم إلا بالعدادات.. والحكومة نفسها لا يهمها أن ينام الناس
في العتمة، أوفي النور، الأمر سيان لديها».
وفي قصته )مدفوعا بسر ما كان يعيد حساباته
( نجد هذا التصريح في حديث داخلي من أطول أحاديثه
الداخليةوالتداعيات الذهنية لشخصياته، وبين سطور
يحاول فيها «ربيع» أن يمزج الواقع بالأسطورة
: «ذعر الخلق يا رجب، وما جرؤ أحد.. حتى الحكومة
التي استطعنا أخيرا استمالتها لم تجرؤ.. فكيف يضحون
بجندي أو اثنين هم في أشد الحاجة إليهما لقمع محاولات
العمال المتكررة ومطاردة المسلحين المعادين للصلح الإسرائيلي،
وكنت أنتظرك سبع ليال يا رجب بالتمام والكمال خرجت بعدها من باب السر»..
من النماذج السابقة يمكن التأكد من ذلك التأرجح بين اللغتين
ونستطيع أن نرى بوضوح كيف أن «العنصر المختزن
للايديولوجيا في الفن هو الشكل - اللغة، والتطور الفعلي
أيديولوجيا لا يمكن أن يتم إلا شكليا فنيا ولغويا» ـ
على حد تعبير أبو ديب
مناخ التواطؤ الجمعي
المجتمع في قصص المجموعتين خليط عجيب من البشر
حادي الملامح، متنافري الأهواء وبرغم هذه الحدة وهذا التنافر
فإن هذا الخليط يجمعه مناخ أشبه بمناخ التواطؤ،
الكل متآمر، مشارك في المؤامرة بدرجة أو بأخرى،
أو مكتف - على الأقل - بالفرجة على ما يحدث.
في (ظهرا تركض الثيران عارية ) وهي إحدى قصص مجموعة
«ليل المدن القديمة» وبصرف النظر عن عرى الثيران
غير المفهوم، نجد الكل، المتفرج، يعرف بالكارثة قبل وقوعها،
جميعهم يدركون ما سوف يصير إليه البقال البسيط الذي تجرأ
واجتاز خط الحلم ليتقرب إلى إحدى فتيات الحي، الكل يعرف إلا هو.
«وكانوا قد أحاطوا بي.. لسعتني أكفهم فركضت دائرا كفراشة
ضّلت طريقها ثم وجدتني على الأرض، مجرد لوحة لكائن متعفن،
أمروني برفع الثياب بكيت مستعطفا، بحثت في عيونهم يا سيدي
عن شفقة أو رحمة، لكنني خدعت مزقوا عني الثياب،..
قطعة.. قطعة،، رجوتهم. وبكيت زاعقا في الجموع المحتشدة
لتشهد فضيحتي الكبرى، نفس الوجوه يا سيدي - التي أراها كل يوم،
نفس وجوه زبائني كانت تتحلقني - بإصرار - ولم أطالع فيها
إلا حبها المعهود للمشاهدة، لطمني صاحب السيف بأحد وجهيه
بحذق فانفجر الدم من حلقي وسقطت حبتان وهنا أحسست
أنها النهاية، صرخت فاقتلعوني بعدما خيبت الأرض رجائي
ولم تستجب لتوسلاتي أن تغور بي إلى مكان سحيق».
هاهم أولاء زبائنه، أهل حيه، مكتفون بالمشاهدة
ولعلنا نتذكر في هذا السياق "سانتياجو نصار" بطل
"وقائع موت معلن" عنه لكاتب كولومبيا الأشهر
«جابرييل جارثيا ماركيز» مع اختلاف في الرؤية والأداة.
وفي قصة )واقعة مقهى البيلي( يكتفي الكاتب - هو الآخر-
بالرصد وتسجيل مفردات الواقعة، فبينما كان محفوظ
يتوسط المجلس في المقهى،يحكي وهم يصغون لغزواته ونزواته
في الأسواق والقرى منبهرين باعتداءاته على البسطاء
و السذج من أهلنا، فوجئ الجمع بالمارد المنتصب )
صفوان العرباوي( الذي جمد - فور رؤيتهم له- حركةالمقهى،
الطاولات، الدمينو، الأيدي، وانزوى النادل ممتقع الوجه
وانتابت المكان حالة رعب وبله قاس-على حد تعبير الكاتب -
تطلق الرصاصات لتخترق صدره وتثقب معدته فتغطي الرائحة
الكريهة لسيل الدم الناشع وتصعد به الرصاصة الثالثة كفراشة
ليحط بقسوة فوق المقاعد والطاولات ويتكوم بعيدا.
مشهد دام فيه من العنف والقسوة قدر، يستفز الجبناء
ويحرك الجماد لمواجهته. الصديق يصرع أمام الجميع،
ولكن لا مواجهة، فقد سدد الفارس المقتحم نظرة متعالية
فانهارت الأصابع الرخوة، ولم ير الكاتب الراصد الذي
تخفى وراء قناع الراوي قدرة على تحريك أي عضو من
أعضائه ولم يجد غيرأنفاس المحيطين به ومصمصات شفاههم
واستحضارات راحوا يفيضون في استدعائها:
تصدق طول النهار مع بعض...، «يا خلق الله؛
افتكرت أنهم اتصالحوا».. وغير ذلك من الاستدعاءات.
والكاتب يدرك ذلك تماما فيقول في نهاية الواقعة
: «ونفس الشجرة التي عاينتها تقتلع وتأخذ منها نواة،
وتحرق فتطير شظية من لهيبها مخترقة فم المرأة،
فينتفخ بطنها في الحال، وتضع مولودا شائها قبيحا»
ويكمل: حين مرور الجنازة أمام قسم الشرطة علا الهدير
مروعا؛ إذ كان معظم المشيعين من اللصوص، والهجامين
وأرباب السوابق والفتوات. تمت مراسيم الدفن قاهرة قاسية،
وما تحرك أحد خارج المقابر كالعادة».
وقد يبدو أن القرار الجمعي هنا قرار بالانتقام،
أوهو حركة فاعلة، اتخذت شكل السلب تعبيرا عن الفرح
للخلاص من وطأة ظلم وقسوة ظالم أو دفاعا عن عرف
وذودا عن كرامة،أوردا للكيل كما في واقعة البقال،
إذ يمثل ناهبا مستمرا لجيوبهم فيما هويعتدي على أعراضهم.
لكن على أية حال فإننا نجد هذا التواطؤ القصدي أوالعفوي )
بالفرجة أو الاكتفاء بموقف المشاهد السلبي الذي لا يعنيه الأمر
( مناخا يشكل سماء القصة وأفقها الأعلى بحيث تخشى أن تكون
أنت مفردة من مفردات هذا المناخ، تحس أنك مشارك في هذا التواطؤ،
هنا تتجلى قدرة «ربيع» في اجتذابك إلى هذه المنطقة
من المشاعر، فهذه بعض سطور رسالته الفنية فيمايبدو
لتكتشف -عندئذ - أنك واحد من هؤلاء الذين تحلقوا الضحية
يؤدون طقسا بدائيا، يرقصون رقصا متوتر الإيقاع
قبل الانقضاض على جسد الفجيعة، فالكل منصلب على جذع
السؤال، الكل في قلب الشرك!!
الطفولة
كسر الحواجز وعبور الأسوار
تمثل الطفولة دائرة عظيمة القطر. يتحرك الكاتب في فضائها
الرحب بحرية تامة مرخيا العنان لأفراس حلمه تركض
فوق حشائش الذكريات التي لا تخلو من أسى فيما تمثل عالم الحلم والبراءة.
وفي المجموعتين نرى هذا العالم سافرا جليا لا تغلفه بلاغات
المتخثرين، ولا تحول بيننا وبينه أسوار التكنيك والحرفية
الممقوته، ونستطيع الإشارة دون أن نخشى اتهاما بالمبالغة،
أونواجه قلق المترددين إلى عدد من القصص تمثل الطفولة
في بكارتها وبراءتها وأمنياتها في تحقيق الحلم،
وكسر الحواجز، وعبور الأسوارفها هو ذا ربيع يرصد
واقعة بعين لم يكدرها دخان المدينة الصناعية الكبيرة،
عين لم تصدأ عدستها وتستبدل بها عدسة بلاستيكية مستوردة،
مازالت عين الطفل الصافية وعدسته اللامعة - برغم الشيب
الذي وخط كل ركن في مساحة الحلم عند الكاتب،إذا جاز التعبير -
مازالت هناك هذه الشفافية وهذا اللمعان يحكمان قصص «ربيع»
في تلك الدائرة. إنه يحاول أن ينتقل بنا من خلال الارتداد
الفني إلى هذه البكارة عبر تقنيات، وتكنيكات مختلفة،
وهذا عكس ما يلوح في أفق الارتدادت المماثلة لكتاب
آخرين، إحباطات شخوصه عندما تحملها السنون إلى أعمارها
الحقيقية؛ فالكائن البسيط الذي يحلم بجدار- مجرد جدار
يستره هو وبناته من هجمات الخارجين، ويتيح له فرصة
ممارسة إنسانية ولو للحظات مسروقة هو هو الطفل
الذي يتوقف حلمه عند إصبع موز من الفاكهة التي يحملها
خطيب عمته عند زيارته لمنزل الأسرة، أو عبور سور صغير
في دار السينما صاعدا إلى طبقة أو شريحة أخرى من شرائح
طبقته الاجتماعية، وفي كل هو يصطدم بالواقع الصلد،
والحقيقة الجافة التي تعيده إلى حيث الشعور بالعجز والدونية والإحباط.
الملاحظ أن طفل «ربيع» أو«ربيع» عندما يرتد طفلا
يرى بعين واعية خبرت الحياة، واختزنت في ذاكرتها تفاصيلها،
عين )مثقفة(- إن صحت التسمية - طفل «ربيع»
طفل محاصر بمجموعة من الهواجس تحدد حركتها،
وترسم مسارات مشاعرها تجاه الأشياء والأشخاص،
كهاجس العفاريت المستمر الذي يتناوب الظهور بأشكال
مختلفة معظمها يرتكن إلى متكأ ذكروي في لاوعي الطفل،
وأحيانا تتجسد أمامه في أشكال خارج اللاوعي متلبسة مجموعة
الكائنات ومسؤولةعن مجموعة من الظواهر التي قد
لا يجد الطفل تبريرا لها، وهاجس )البوكس
( والبوكس هو عربة الشرطة ذات الصندوق الخلفي المغطى
بقماش سميك كالخيمة،ولها في ذاكرة الكاتب حيز ليس
باليسير، وتحتل مساحات شاسعة في رقعة القصة سواء أكانت
قصة للأطفال أم عن الأطفال وشخصياتهم وحوادثهم،
أو كان الكبارهم مفرداتها
ونرى أيضا أن هذا الطفل طفل واع، فربيع لا يكتب بلسان الطفل،
حتى عندما نكون وجها لوجه،أمام راو طفل فالمتحدث غالبا
هو الكاتب الناضج الواعي الذي يخط بقلمه هو على ورق استعاره
من دفتر ذاكرة لونتها الطفولة بأحداثها وشخصياتها المتباينة.
فالطفل الراصد العين )الكاميراوية( والرؤية البانورامية
لا يترك جزءا ولو يسيرا من المشهد، ودون تحليل أيضا،
هو الطفل مفكر إذن عميق الوعي كما يبدو، وقد نرى أيضا
ارتفاع «ربيع» بالأسلوب حتى لنظن أنه لم يعد ثمة اتساق
بينه وبين الشخصية، فتأتي العبارات على لسان الطفل
محملة ببلاغات لا تحتملها مفردات اللغة الطفلية،وسياقات
ليست تنتمي إلى عالمه بأية حال، ولا أرى سببا لذلك سوى
أن الكاتب الذي ينجح في ارتداء ثوب الحياد غالبا،
يجد أن الثوب أضيق ما يكون؛ فتكون التدخلات والتزيدات
البلاغية التي تتسبب في هذا الانقطاع بين عالم الطفل
والسياقات اللغوية التي تنقل إلينا هذا العالم.
يقول ربيع في واحدة من أمتع قصصه على الرغم
من هذه الملاحظات، «كنا قتلى، نسير بلا رؤوس،
بعد أن طحنت الشمس رؤوسنا طول اليوم، ومع ذلك
هلل أخي الذي يصغرني بأربعة أعوام»
والراوي هنا.. طفل، والسؤال هل تكفي هذه السنوات الأربع
لتعلل لنا ازدياد وعي الشخصية، شخصية الراوي، وارتفاع مستوى
تعبيره «قتلى نسير بلا رؤوس، بعد أن طحنت الشمس رؤوسنا
طول اليوم» تعبير مفارق تماما لقدرات الطفل -أي طفل،
أقصد قدراته التعبيريه.
وفي موضع آخر ينجح «ربيع» في التعبير عنها نجاحا عظيما.
فها هو الطفل الذي يعاصر واقعة سرقة مهر وشبكة عمته،
ويحار في تفسير مواقف الجميع، يطرح أسئلة لا يجد إجابات
حاضرة عنها، وهنا يكون نجاح الكاتب - فيما أرى -
في التعبير عن الطفولة، فالطفل في هذه القصة -)
لم تعدلي رغبة فيه( يقدم الأسئلة بينما هو في القصص الأخرى
صاحب الإجابات والتفسيرات والتحليلات الواعية لمفردات الموقف،
الطفل الذي يقدم الفهم في مقابل اللا فهم الذي
هو سمة الأطفال عندما يصطدمون بواقع الكبار وتصرفاتهم.
إنه هنا وعي الطفل الذي تشده رائحة الموز بعيدا عن أزمة
العائلة، هو لايبحث عن حل لهذه الأزمة إلا من أجل إشباع
رغبة حقيقية: التمتع بالموز الذي يحضره خطيب عمته،
إذ إنه يدرك في علاقات منطقية بسيطة الصلة بين ضياع
المهر والشبكة وانقطاع الخطيب واختفاء الموز.
والطفل في قصص ربيع كما سلف القول -فيما عدا هذه القصة
وواحدة أخرى - هي آخر الشياطين- طفل مؤدلج. يدرك
حتى وإن تبدى إدراكه في شكل رغبة طفلية -
أهمية الحراك الاجتماعي حين يسعى للعبور من درجة
إلى أخرى في السينما مدركا الفارق بين الدرجتين،
مما يعكس تطلعا طبقيا لدى الطفل،وإن لم يتأكد في لغة مباشرة.
وحين يدرك الفارق بين حاله كخاضع للسلطة، وحال السلطة ذاتها -
الدكة الخشبية في مواجهة العرش النيكل ذي الداير المشغول في قصة
«ابنة عم أبي»، حتى الحلم، عندما يختفي النسق،
ولا موانع تعوق اللغة من الخروج على روابطها المنطقية،
لا يخلو من أدلجة ؛ فالطفل يرى أباه دركيا -
هاجس الشرطة المستمر- يطير أعلى من كل الطيور في السماء،
وكلما صادف طائرا يحلق ضربه بشمروخه على رأسه فيهوى الطائر من حالق.
ويقف الطفل - من خلال تكنيك الحلم أيضا - على أبعاد الأزمة
حين تفقد السلطة وعيها، ولا تفرق بين من عليها مواجهته،
وبين من تجب رعايته وصونه، وتضرب الطيور،
المعادل الموضوعي للطفل، بل وتتجاوزه لضرب الطفل ذاته -
يكون الفزع، وتكون نهاية الحلم )الكابوس(.
طفل «ربيع» واع بالسلطة، بجبروتها، وهي تأخذ أشكالا مختلفة -
شأنها شأن العفاريت - فهي أب -عم - قسم بوليس - عربة بوكس..
واع بقسوتها التي لا ترحم حتى طفولته.
«انهال على أبي كزلزال» «وتحت التهديد أكل أخي ووجهه ينزف -
أحسست بطعم دمائه في فمي. وفي موضع آخر «كانت الدكة في
مواجهة العرش العالي، وكان من عادتي دفن وجهي في الحائط اتقاء
لهذه النظرات الغضبى التي يسددها إلى أبي كلما كانت عيناي
مفتوحة الأجفان. انتابتني وخزة قلق، سبقتني فيها عيناي
إلى العرش لتصطدم بأبي العاري الجسد.
وفي قصة «لم تعد لي رغبة فيه»:
اندفع عمي الأوسط من «الزريبة» نحوي بأقصى سرعة
فقابلته بوجه ضاحك مقهقها أنا بأضحك.. ولا أدري لماذا؟
الكلام لايزال على لسان الطفل - لماذا ولم كان تصرفي على
هذا النحو. كل ما أذكره أنه جرى خلفي مغيظا ولما طالتني
رجله دفعني بركلة قوية زحفا على الأرض» ويكمل
«شاتما واجهني عمي. التقط عصا مطاردا إياي
وهو يردد، «إحنا في إيه وإلا في إيه يابن الكلب».
وفي موضع آخر - «تناوب عمي وأبي طحن جسدي الصغير
ساعة تأخر بي الوقت في الحارة إلى ما بعد العشاء».
حاولت أن أحصل على لقطة أو مشهد صغير أو كبير يعكس
ارتياحا من جانب الطفل الراوي لسلطة الأب - العم
فأعيتني المحاولة، فالطفولة التي يعبر عنها «ربيع»
طفولة بائسة شقية محاصرة بأشكال القهر المختلفة،
ويمتد بؤسها وإحباطاتها لتدرك الصلة بينها وبين إحباطات
الكبار وبؤسهم في مواجهةأحلامهم البسيطة.
فالعالم لديه ليس عالمين، إنما هو عالم واحد ممتد ف
لاانبتات بين الطفل والرجل في مواجهة عالم الدمامة
والوعـــــورة وإجهاض الأحلام .
شاعر و روائي مصري
سكرتير تحرير مجلة الكويت الثقافية
مرفقات الدراسة المنشورة في مجلة الكويت العدد306 أبريل 2009
غلاف مجموعة ( ليل المدن القديمة )
غلاف مجموعة ( حلم كائن بسيط )
غلاف مسرحية ( البلد )
صورة شخصية للكاتب محل الدراسة
تعليق