حب يحيه صمت القنابل - 2-
قصة قصيرة
أعواد القصب تمتد مع ذلك النهر الجاري الذي تتهادى فيه المياه بتكاسل غريب.. ويتلاشى عند خط الأفق البعيد، تتكاثف زهرة النيل على سطح الماء كأنها سجادة خضراء مزدانة بورود أرجوانية، كيف له أن يعبر إلى الضفة الأخرى والقرار يحتار في داخله، لازالت عيون الأطفال الفضولية تتابع حركاته بارتياب، كان ينوء بثقل جسده المنهك، يتوكأ على عصاه التي راحت تحفر في الأرض الهشة علامات عودته من جديد. الجو يختزن كم من المفاجآت، فهناك نذر من شر مستطير دائمة التوقع كبركان لا تؤتمن ثورته، وهناك عالم تختزل فيه الأعوام.
حاول أن يخرج نفسه من دائرة الشك التي أحيط بها، فكل حركة يجب أن يحسب لها حسابا، لابد أن يبعد الأطفال عن طريقه، فقد أعدوا عدتهم من الحصى للهجوم ، وباتوا ينتهزون أي فرصة كي يحصبونه بها، الحذر يسود المكان... أسراب الجراد تغزو الحقول، تركوها تعيث بالأرض فسادا، والغمامات السود تغزو الفضاء، الأرض لن تعطي نتاجها لزراعها، النخلة بائسة مذ أن داست جذورها الخنازير البرية.. وذلك الغمام الجزل العطاء ما عاد خراجه للفقراء.
تجمع الأطفال حوله، أحاطوه من كل مكان، دار دورة كاملة ليجدهم على أهبة الاستعداد.. يتبادلون الأماكن بحذر وترقب..
( محسن المخبل. لابس عباة أمه ، وسليمة لتطمه )* بدت الكلمات بإيقاع بسيط ثم ما لبثت، أن تنوعت النغمات وتعالت الأصوات، ألقوا بالحجارة عليه من باب التجريب لردات فعله، وتعالى هرجهم وصياحهم ، فيما راح الشيخ محسن يتقي الحصى بيده، وهو يصرخ:
- أولاد الكلب،
أصوات تداخلت في ارتباك محير توقف الجميع سكون لف المكان، مع صوت انفجار أصاب إحدى المدرعات، التي راحت تنطلق بكل سرعتها والنيران تعلو منها، انطلق الرصاص بلا تعيين، رشقات متعاقبة راحت تخترق أعواد القصب فتقصف رؤوسها الخاوية، سقط طفل هنا.. وهناك آخر مخضب بدمائه، الوجوه غادرها الابتسام، الصراخ تعالى، قرص الشمس خجل من تأريخ موءود اغتالوا نوره وكبلوه، ذبحوا القمر في دروب موحشة.
الدماء تنز من الشيخ الذي ألقى بنفسه قرب حافة النهر الممتقع لونه، نسيمات باردة راح ينتشي لها، ورائحة تضوع.
غسل وجهه بماء النهر المخضب برائحة الموت، أحس ببرودة تدب في أوصاله وهو يلقي بجسده فيه، ثمة خدر يسلمه إلى غفوة كادت تنسيه آلامه وأحلامه،
هو ذا بيته الطيني، الذي كاد أن يلقى فيه حتفه، عام طويل من النفي الاضطراري، دار دورته في أرض الله الواسعة وشده الحنين إلى ذات المكان، عاد يرفده الشوق لحبيب لم يره، لصومعته القديمة، التي لعبت بها رياح التغيير، فهدت أركانها، ودمرت قنبلة طائشة معالمها, لا يعرف سرا لهذه العودة المحفوفة بالمخاطر، لا يعرف لم يشعر باشتياق لهذا المكان ....؟ ففي زمن الحرب يبطل الحنين وتتجمد العواطف وتموت الأشواق، سلامة لازالت لغزا عصي الحل... من تكون تلك المرأة ..؟ أهي استثناء من عالم جفت أوراق الحياة فيه؟
الحواس خادعة دوما، لازال هناك أمل بأن يلقاها، بأن يعرف شيئا عن سرها المكنون، ، أن يرى في عينيها حبا لم يألفه، الحمامات دائما تفر من كل خطر محيق، ربما هي حمامة لاذت بالموت من الموت، ربما هالها أن ترى جثثا تتوسد عتمة الطريق، تمتد على أرصفة مفجوعة دوما بحماقات من استباح حرمة الأرض والإنسان..
الله أكبر...تدفن في جوف الليل المحمل بالأسى أشجار زرعت تحولت إلى شدوف و أشباح ، تلتهم كل بصيص من نور.
لازال أبو سلامة يأكل خبزا مغمسا بالعار ..منذ أن غابت سلامه والبيت منكسرة أعمدته،
مهدودة أركانه والناس ينظرون إليهم بارتياب مشوب بالحذر، تسافر في أحداقهم ألاف الظنون، وتحاك سرا آلاف القصص , لمَ سلامة الوحيدة التي اختفت؟ لمَ لمْ تترك أثرا ..؟، ربما ابتلعها النهر الجارف، ربما أكلتها الوحوش، أو هربت مع حبيب، ربما غرر بها أحد فقد تهاوت مدن الفضيلة، وأصبحت أسواق النخاسة تبيع الإنسان الحر للعبيد..!
الشيخ محسن يحمل أكواما من القمامة ويلقي بها خارج البيت العتيق الذي أصبح مكبا للنفايات، يشعل في تلك القاذورات نار حقده، ويصب جام غضبه لعنات على من جعله غريبا في داره غير آمن، يقتات على القلق والهموم، ويجتر عذاباته وينفث همومه كمرجل بخاري.
لا أحد يعد له الفطور، لا ماء يثلج صدره المحتقن بحزن غريب.
_ لقد عاد الشيخ محسن..
قال أخو سلامة الصغير.. فاحتقنت الوجوه بالغضب .. واشرأبت الأعناق، وتدفقت دماء الغيرة، تكاد أن تخرج من الأوداج، وكفت الأفواه عن مضغ الطعام، وحلقت العيون حول البنادق المعلقة على الجدران
"سبحان ربي الأعلى وبحمده".. أطال السجود
أحس بحشرجة البنادق، لم يأبه لذلك، هزه أبوها بقوة، جذبه من ثوبه أحس أنه يكاد يختنق، تركه وهو لاه عنهم في عالم آخر، يهم لأن يسجد مرة أخرى، إلا أن أخا سلامة عالجه بضربة بقدمه ألقت به بعيدا عن سجادة الصلاة، فأحس بألم كبير، لكنه لم يتأوه.
_ أين سلامه ...؟
ولم يجدوا لديه غير الصمت من جواب.
_ يا عالم يا من تسمعون صوتي لقد عادت سلامة . ..عادت سلامة من جديد
أتى صوت أمها من بعيد كأنه نوا ح، يتصادى و نعيق الغرابيب، كأنه نذير شؤم، لم يكن نواحا بل كان شرارة للأ خذ بالثار فالأرض حبلى بالرجال، ولم تكن عاقرا في يوم ما..والضحايا كثر
- سلامة عادت يا ليتها لم تعد ....
توزع النبأ على أهل القرية، فتحت كل الكوى، خرج الناس يتطلعون في ذهول إلى ذلك القادم من البعيد..
اخترقت الحشود الدروب الضيقة، نباح الكلاب يستفز بقية السكون
المشاعل تتقدمهم، (سرف الدبابات )وهدير محركاتها يعلو على كل صوت، الطائرات تستكشف المكان.. الشيخ رأى نفسه يسير مع ركب السائرين يغذون الطريق نحو بيت أبي سلامة.. الليل ستار لكنه مليء بالأخطار.. الجموع تتحلق حول سلامة
شفتاها تقطر دما، عيناها يذوب فيهما الجمال، الحزن مرسوما على الخدود..
_ سلامة.. هل نالوا منك..؟ هل ذبحوا عذريتك..؟ هل قتلوا جنين براءتك
لا كلام، الصمت طلقة تخترق الرؤوس ،فتحنيها رغم أنها لم تنحني لعصف الريح الهصور.
_ سلامة.. من الذي وشى بك وألبسك تلك القيود..؟ أطرق الجميع رؤوسهم.. حيث يحتار السؤال والجواب.
- جربوا أن تغسلوا عاركم، جربوا أن تمزقوا ذلك الجسد المثخن بالجراح، قال الأب وهو يهوي عند عتبة الباب خائر القوى مذبوحا من الوريد إلى الوريد،
جثت سلامة على ركبتيها باستسلام غريب..
استل أخوها الكبير خنجره من غمده... تلظى رغم عتمة الليل،
_لابد من أن نغسل عارنا.. في سجن بوكا لا يعتقون النساء
-هل غادرت الرحمة قلوبكم..؟ أتقتلون الأرض بعد اغتصاب؟
حمت الأم ابنتها بجسدها وشرعت ذراعيها في الهواء.. وراح بكاء سلامة يفتت صخر القلوب،
- أنا.. سأكون زوجا لها... لن تجهزوا بثانية على المقتول..
قال الشيخ محسن ذلك، وفي عينيه تحد للجميع.
أصوات الطائرات تقترب من المكان، تلتمع السماء بالبريق، هدير محركات الدبابات يقترب.. الأضواء الفسفورية تتوزع على تلك الأجسام الهلعة الفارة من الجحيم، تقتنص فوهات الرشاشات من تريد.
الكل اختفى.. البيوت تغص بالهاربين من آجالهم... الانفجارات تحاول أن تقتل النخيل، أن تذعر الطيور لتفر من أوكارها..
الانفجارات تتوالى برتابة مقصودة،
"الله أكبر" آذان الفجر ، يحفز الجميع للخروج إلى تلك الحقول التي غزتها أسراب الجراد، وتناسوا رجوم الشياطين، تناسوا حمم الغضب الملقاة ، في غمرة التشبث بأردان الحياة عادت الطيور لأعشاشها.
الشيخ محسن يسند بجسده ساق النخلة الآيل للسقوط، سقى التربة من دمائه ، شحب لونه، وعلت صفرة الموت وجهه فمات كما تموت الأشجار واقفة... أسند الرجال النخلة بأجسادهم فلن تموت النخيل من الفولاذ والنار.
سلامة كل يوم تأتي إلى ذات المكان تحمل الطعام والماء للشيخ محسن، تضعه قرب النخلة ... عله يعود...
----------------------------------------------------------------
(المخبل ) بالعامية المجنون،
عباة .. عباءة ..
التطمه ..تواريه الثرى
أهزوجة يتغنى بها الأطفال حين يرون مجنونا لإغاظته وأثارته.
قصة قصيرة
أعواد القصب تمتد مع ذلك النهر الجاري الذي تتهادى فيه المياه بتكاسل غريب.. ويتلاشى عند خط الأفق البعيد، تتكاثف زهرة النيل على سطح الماء كأنها سجادة خضراء مزدانة بورود أرجوانية، كيف له أن يعبر إلى الضفة الأخرى والقرار يحتار في داخله، لازالت عيون الأطفال الفضولية تتابع حركاته بارتياب، كان ينوء بثقل جسده المنهك، يتوكأ على عصاه التي راحت تحفر في الأرض الهشة علامات عودته من جديد. الجو يختزن كم من المفاجآت، فهناك نذر من شر مستطير دائمة التوقع كبركان لا تؤتمن ثورته، وهناك عالم تختزل فيه الأعوام.
حاول أن يخرج نفسه من دائرة الشك التي أحيط بها، فكل حركة يجب أن يحسب لها حسابا، لابد أن يبعد الأطفال عن طريقه، فقد أعدوا عدتهم من الحصى للهجوم ، وباتوا ينتهزون أي فرصة كي يحصبونه بها، الحذر يسود المكان... أسراب الجراد تغزو الحقول، تركوها تعيث بالأرض فسادا، والغمامات السود تغزو الفضاء، الأرض لن تعطي نتاجها لزراعها، النخلة بائسة مذ أن داست جذورها الخنازير البرية.. وذلك الغمام الجزل العطاء ما عاد خراجه للفقراء.
تجمع الأطفال حوله، أحاطوه من كل مكان، دار دورة كاملة ليجدهم على أهبة الاستعداد.. يتبادلون الأماكن بحذر وترقب..
( محسن المخبل. لابس عباة أمه ، وسليمة لتطمه )* بدت الكلمات بإيقاع بسيط ثم ما لبثت، أن تنوعت النغمات وتعالت الأصوات، ألقوا بالحجارة عليه من باب التجريب لردات فعله، وتعالى هرجهم وصياحهم ، فيما راح الشيخ محسن يتقي الحصى بيده، وهو يصرخ:
- أولاد الكلب،
أصوات تداخلت في ارتباك محير توقف الجميع سكون لف المكان، مع صوت انفجار أصاب إحدى المدرعات، التي راحت تنطلق بكل سرعتها والنيران تعلو منها، انطلق الرصاص بلا تعيين، رشقات متعاقبة راحت تخترق أعواد القصب فتقصف رؤوسها الخاوية، سقط طفل هنا.. وهناك آخر مخضب بدمائه، الوجوه غادرها الابتسام، الصراخ تعالى، قرص الشمس خجل من تأريخ موءود اغتالوا نوره وكبلوه، ذبحوا القمر في دروب موحشة.
الدماء تنز من الشيخ الذي ألقى بنفسه قرب حافة النهر الممتقع لونه، نسيمات باردة راح ينتشي لها، ورائحة تضوع.
غسل وجهه بماء النهر المخضب برائحة الموت، أحس ببرودة تدب في أوصاله وهو يلقي بجسده فيه، ثمة خدر يسلمه إلى غفوة كادت تنسيه آلامه وأحلامه،
هو ذا بيته الطيني، الذي كاد أن يلقى فيه حتفه، عام طويل من النفي الاضطراري، دار دورته في أرض الله الواسعة وشده الحنين إلى ذات المكان، عاد يرفده الشوق لحبيب لم يره، لصومعته القديمة، التي لعبت بها رياح التغيير، فهدت أركانها، ودمرت قنبلة طائشة معالمها, لا يعرف سرا لهذه العودة المحفوفة بالمخاطر، لا يعرف لم يشعر باشتياق لهذا المكان ....؟ ففي زمن الحرب يبطل الحنين وتتجمد العواطف وتموت الأشواق، سلامة لازالت لغزا عصي الحل... من تكون تلك المرأة ..؟ أهي استثناء من عالم جفت أوراق الحياة فيه؟
الحواس خادعة دوما، لازال هناك أمل بأن يلقاها، بأن يعرف شيئا عن سرها المكنون، ، أن يرى في عينيها حبا لم يألفه، الحمامات دائما تفر من كل خطر محيق، ربما هي حمامة لاذت بالموت من الموت، ربما هالها أن ترى جثثا تتوسد عتمة الطريق، تمتد على أرصفة مفجوعة دوما بحماقات من استباح حرمة الأرض والإنسان..
الله أكبر...تدفن في جوف الليل المحمل بالأسى أشجار زرعت تحولت إلى شدوف و أشباح ، تلتهم كل بصيص من نور.
لازال أبو سلامة يأكل خبزا مغمسا بالعار ..منذ أن غابت سلامه والبيت منكسرة أعمدته،
مهدودة أركانه والناس ينظرون إليهم بارتياب مشوب بالحذر، تسافر في أحداقهم ألاف الظنون، وتحاك سرا آلاف القصص , لمَ سلامة الوحيدة التي اختفت؟ لمَ لمْ تترك أثرا ..؟، ربما ابتلعها النهر الجارف، ربما أكلتها الوحوش، أو هربت مع حبيب، ربما غرر بها أحد فقد تهاوت مدن الفضيلة، وأصبحت أسواق النخاسة تبيع الإنسان الحر للعبيد..!
الشيخ محسن يحمل أكواما من القمامة ويلقي بها خارج البيت العتيق الذي أصبح مكبا للنفايات، يشعل في تلك القاذورات نار حقده، ويصب جام غضبه لعنات على من جعله غريبا في داره غير آمن، يقتات على القلق والهموم، ويجتر عذاباته وينفث همومه كمرجل بخاري.
لا أحد يعد له الفطور، لا ماء يثلج صدره المحتقن بحزن غريب.
_ لقد عاد الشيخ محسن..
قال أخو سلامة الصغير.. فاحتقنت الوجوه بالغضب .. واشرأبت الأعناق، وتدفقت دماء الغيرة، تكاد أن تخرج من الأوداج، وكفت الأفواه عن مضغ الطعام، وحلقت العيون حول البنادق المعلقة على الجدران
"سبحان ربي الأعلى وبحمده".. أطال السجود
أحس بحشرجة البنادق، لم يأبه لذلك، هزه أبوها بقوة، جذبه من ثوبه أحس أنه يكاد يختنق، تركه وهو لاه عنهم في عالم آخر، يهم لأن يسجد مرة أخرى، إلا أن أخا سلامة عالجه بضربة بقدمه ألقت به بعيدا عن سجادة الصلاة، فأحس بألم كبير، لكنه لم يتأوه.
_ أين سلامه ...؟
ولم يجدوا لديه غير الصمت من جواب.
_ يا عالم يا من تسمعون صوتي لقد عادت سلامة . ..عادت سلامة من جديد
أتى صوت أمها من بعيد كأنه نوا ح، يتصادى و نعيق الغرابيب، كأنه نذير شؤم، لم يكن نواحا بل كان شرارة للأ خذ بالثار فالأرض حبلى بالرجال، ولم تكن عاقرا في يوم ما..والضحايا كثر
- سلامة عادت يا ليتها لم تعد ....
توزع النبأ على أهل القرية، فتحت كل الكوى، خرج الناس يتطلعون في ذهول إلى ذلك القادم من البعيد..
اخترقت الحشود الدروب الضيقة، نباح الكلاب يستفز بقية السكون
المشاعل تتقدمهم، (سرف الدبابات )وهدير محركاتها يعلو على كل صوت، الطائرات تستكشف المكان.. الشيخ رأى نفسه يسير مع ركب السائرين يغذون الطريق نحو بيت أبي سلامة.. الليل ستار لكنه مليء بالأخطار.. الجموع تتحلق حول سلامة
شفتاها تقطر دما، عيناها يذوب فيهما الجمال، الحزن مرسوما على الخدود..
_ سلامة.. هل نالوا منك..؟ هل ذبحوا عذريتك..؟ هل قتلوا جنين براءتك
لا كلام، الصمت طلقة تخترق الرؤوس ،فتحنيها رغم أنها لم تنحني لعصف الريح الهصور.
_ سلامة.. من الذي وشى بك وألبسك تلك القيود..؟ أطرق الجميع رؤوسهم.. حيث يحتار السؤال والجواب.
- جربوا أن تغسلوا عاركم، جربوا أن تمزقوا ذلك الجسد المثخن بالجراح، قال الأب وهو يهوي عند عتبة الباب خائر القوى مذبوحا من الوريد إلى الوريد،
جثت سلامة على ركبتيها باستسلام غريب..
استل أخوها الكبير خنجره من غمده... تلظى رغم عتمة الليل،
_لابد من أن نغسل عارنا.. في سجن بوكا لا يعتقون النساء
-هل غادرت الرحمة قلوبكم..؟ أتقتلون الأرض بعد اغتصاب؟
حمت الأم ابنتها بجسدها وشرعت ذراعيها في الهواء.. وراح بكاء سلامة يفتت صخر القلوب،
- أنا.. سأكون زوجا لها... لن تجهزوا بثانية على المقتول..
قال الشيخ محسن ذلك، وفي عينيه تحد للجميع.
أصوات الطائرات تقترب من المكان، تلتمع السماء بالبريق، هدير محركات الدبابات يقترب.. الأضواء الفسفورية تتوزع على تلك الأجسام الهلعة الفارة من الجحيم، تقتنص فوهات الرشاشات من تريد.
الكل اختفى.. البيوت تغص بالهاربين من آجالهم... الانفجارات تحاول أن تقتل النخيل، أن تذعر الطيور لتفر من أوكارها..
الانفجارات تتوالى برتابة مقصودة،
"الله أكبر" آذان الفجر ، يحفز الجميع للخروج إلى تلك الحقول التي غزتها أسراب الجراد، وتناسوا رجوم الشياطين، تناسوا حمم الغضب الملقاة ، في غمرة التشبث بأردان الحياة عادت الطيور لأعشاشها.
الشيخ محسن يسند بجسده ساق النخلة الآيل للسقوط، سقى التربة من دمائه ، شحب لونه، وعلت صفرة الموت وجهه فمات كما تموت الأشجار واقفة... أسند الرجال النخلة بأجسادهم فلن تموت النخيل من الفولاذ والنار.
سلامة كل يوم تأتي إلى ذات المكان تحمل الطعام والماء للشيخ محسن، تضعه قرب النخلة ... عله يعود...
----------------------------------------------------------------
(المخبل ) بالعامية المجنون،
عباة .. عباءة ..
التطمه ..تواريه الثرى
أهزوجة يتغنى بها الأطفال حين يرون مجنونا لإغاظته وأثارته.
تعليق