القراءة الثانية - قصيدة ( هكذا تكلم سردشت ... عند مقصلة الحب )
نص مشترك بين مهند التكريتي وعائشة الحطاب
د . مرتضى الشاوي
الجزء الأول – قصيدة مهند التكريتي
إنّ عتبة العنوان الرئيسة توحي للمتلقي البوح الذاتي بطريقة استنطاق المشهد في لحظة المفاجئة عند اقترابه من الموت في ساحة الغدر بسبب ما آل إليه مصيره نتيجة الحب .
تعدّ القصيدة من قصائد الإهداء ، لأنّها مهداة إلى روح الشخص المغدور به وهو ( الصحفي الكردي سردشت عثمان ) وهي عتبة هامشية تبين نقطة الربط الموضوعي بين عتبة العنوان وعتبة النص بوصفه المكمل الرئيس يستفيد المتلقي منها في فك شفرات النص الغامضة .
إنّ القصيدة بدورها ليست رثاء بقدر ما هي نقلة خفية عن استكناه لذاتية مرغمة على الانتهاء في حالة الصدمة المفاجئة بسبب الغربة النفسية التي عاشتها الشخصية المغدور بها في لحظة الوداع الأخير للحياة بسبب كونه عاشقاً لا غير قد عُدَّ جرماً في نظر الانتهازيين .
بدأت القصيدة بديباجة سردية تشير إلى موقع الجريمة من حيث المكان باستعمال اسم الإشارة في دلالتها على البعيد ( هناك ) المكون من ( هنا ) + ( كاف الخطاب ) في خفاء وبعد عن الأنظار المشاهدة ، وهو مشهد قد حشد الشاعر طاقته بآلية الكاميرا الخفية لنقل الحقيقة التي غيبت عن عيون المشاهدة بطريقة الوصف المجازي .
فضلا ًعن رمزية المكان بواقع الطبيعة ( الرمال ) لأنّها غطاء الرغبات بحلول الطاعون المتفرس المفاجيء كسلالة مخيمة للشر تعزف بصوت الموج المصطخب الذي يلفّ الصبر في مكمنه وينشر على شاطئ البحر تماثيل متناثرة وتتنفس برئات طلباً للنجاة في الحياة وكأنها غمامة تزدحم بإطلالة الأمل في الحياة الذي ذهب هباء مع أناس قد سحقوه كما تدعك الإبل الأرض المزروعة لتحيلها إلى فساد في رعشة النهاية بسبب لوثة التكسر في أشجار الحياة كأنها نجوم الصبح في أشعتها وهي مبسوطة بآنية من الليل بثوبه الأسود
أصاب أوراقها أرجل الحيوانات المفترسة التي نهشت حرارة الحب في جمرة المغدور به وهربت في صمت حتى ساعة الغروب وهي ساعة اكتشاف الجريمة المغدور عند طريق مائل كأنّه العرجون تكثر فيه محطات الاستراحة متباعدة .
" هناك
حيث الرمال تكفن رغباتنا .. بنواح الطاعون
كسلالة داهمتها
قيثارة الموج
لففت أحشاء جيوب الصبر
ونثرت رئات تماثيل .. تنفست أخيرا
على فخذ البحر
لابتكر غيمة
تتخبط بنوافذ قمري المدعوك
برعشة الرحيل
نشجت أوراقاً يكنسها العمر
عند عرجون محطات لاذت
بالصمت .. حتى المغيب "
لقد نقلت الكاميرا المصورة الخفية مرايا أعماق الشخصية المغدور بها وهي تصور هواجسها في محنتها وأزمتها الوجودية .
ونقل الشاعر إلينا مشاعر وانفعالات بل صرخات الإنسان في صدمة لقاء الموت الطريد بتصوير خفي بالغوص إلى العقل الباطن في استنطاقه في لحظة الوداع .
استفاد الشاعر في نقل مشاعره وأحاسيسه على لسان حال الشخصية في لحظة الرحيل من ثلاثة عناصر لغوية رئيسة :
1- توظيف آلية النفي في إنكار الذات لعدم علمها بما يؤول إليه مصيرها بسبب الغدر غير المتوقع .
2- تكرار النفي إذ قام بناء القصيدة في الأغلب على تكرار عبارة النفي ( لم أكن أدري ) وهو تكرار يعرف بـ( التكرار اللاشعوري ) لأنّ آليتها تأكيد لحساسية الذات في عصيانها على الترويض بلغة واضحة وهي صرخة تقرر الذات الشاعرة في غيابها عن شاشة الإدراك والمعرفة ( لم أكن ادري ) وحجبها في العقل الباطن اللاوعي .
3- استفاد من حضور قوة التوكيد الذي كرره بعد صرخات الإنكار مستعملاً أقوى أدوات التوكيد في الجمل الاسمية بفعل قوتها وهيمنها عليها .
صوّر لنا الشاعر بكاميرته الخفية أربعة عشر مشهداً فوتغرافياً قد رسمها بأدواته اللغوية وبخياله الخطب المصور الفني إذ نقل فيها تنهدات عاشق كانت جريمته الحب في ساعة اقتراب أجله عند لحظة إعدامه في مقصلة الحب .
تبدأ المشاهد بعبارة النفي المكررة تتلوها عبارة التأكيد هكذا :
لم أكن + ادري + أنّ + ( فعل مضارع مستقبلي يبدأ بسين الاستقبال ) لأنّ بنية الفعل المضارع تعكس هنا حالة من التفاعل تجدداً وحدوثاً بالرغم من أنّ النص ولد بعد جريمة القتل .
المشهد الأول : يتمثل في مفارقة المكان بين ظرفين ( هنا + هناك ) فالغربة النفسية في التيه قائمة بين المكانين ( مكان الموت = مكان الخطف ).
لم أكن ادري
أني سأتيه هنا ... مثلما تهت هناك
المشهد الثاني : الشعور بالمصير إلى النهاية في خسران حياته بوحده كالرماد بعد الاحتراق في الحياة .
لم أكن ادري
أني سأنزلق مدحوراً .. على قفازة الوقت
وحيداً .. متقاطراً ، كالرماد
المشهد الثالث : خطاب نفسي مباشر مع المحبوب بوجود ( كاف الخطاب ) يتضمن الشعور بخيبة الأمل في والتفكير بأنّ أحلامه الكثيرة المطوية في حالة العطش في حياته بزخارف عند تنفيس حروف المحبوب قد تبددت لأنّه نومه سوف يطول .
لم أكن ادري
أني سأنام وفي ظمئي
تسعون ناقوساً لحلم مطوي
كسجادة عند رئة حروفك
المشهد الرابع :
خطاب نفسي مباشر للمحبوب بأنّ حياته قد انطفأت كما كان زيته فيها قد أوصده بذرفة النفس بسبب تشابك غبار المحبوبة ربما تكون إشارة إلى معاناته مع أهلها فقد وصفهم بالغبار المرصوف وكأنه الطلحب المجتمع على تفاحة المفقود فوق لباس الغربة .
لم أكن ادري
أني سأوصد زيتاً تذرفه نفسي
ليقتحمني غبارك الموصوف كطحلب
على تفاحة الوليد
فوق قميص وحدتي
المشهد الخامس : خطاب نفسي مباشر للمحبوب يشعر المتلقي بتنهيدة نفسية تذكره ما كان يفعله في ضم ضفائرها وما يحمل من صوت أشبه بالنقيق ليبوح من نوافذ كهفه بألفاظ من أصوات حنينة تنتظم من ألف قصيدة وقصيدة أثر نظرة خاطفة بأهداب رمش العيون بجمالها الطبيعي لم تغمض بإكمال دورتها لتأثير أشعة الشمس عليها وفي هذا إغراق في الوصف مما جعل الصورة مركبة من أكثر من جزء تؤدي بها إلى المبالغة الفنية .
لم أكن أدري
أني سأتأبط نقيق ضفائرك
عند كهف البوح
لألفظ عند نوافذه
ألف قصيدة وقصيدة من قصاصات نظرة
لم تجعل الشمس تهدأ .. باكمال دورتها
حول رمش فصولك
المشهد السادس :
تذكير المحبوب بما آل إليه مصيره في وحدته عند قدوم الموت لأنّه في مغادرة لعباءة الحلم في وحدة مصيرية مثل خلقه وحيدا في رحم أمه وعاش حياته في ارتواء ورغم هذه الوحدة الأليمة .
لم أكن أدري
إني سأغادر عباءة الحلم
وحيدا
مثلما خلقت
ومثلما ارتويت
ومثلما (( ... ))
لأحتفي
بالقمر المنذور جنيناً .. عند أكفان أصابعك الذاوية
المشهد السابع : الشعور بعالم سرمدي في غربة جسدية ونفسية بعيداً عن المحبوبة والانتقال إلى عالم البرزخ وهو في هذه الحالة كسقوط أوراق الشجر الذابلة في موسم الخريف تمثل شفة اللا معنى مطوية بعكاز مستدير عند بوابة الروح .
لم أكن أدري
أني سأحيا بلا ( أنت )
لا ( لون )
لا ( طعم )
لا وجهة لي .. ولا بوصلة
كخريف .. تسقط من شفة اللا معنى
فتتعكز ببقية باقية من نقطة مستديرة
عند بوابة الروح
المشهد الثامن : يشير إلى مفارقة وهمية في حالة اليأس تتمثل في ما يتركه الموت من رماد في عدم نطق الحقيقة بسبب المرآة العاكسة في توقد الهموم المتروكة عند أماكن الأحذية الغارقة بالرحيل .
لم أكن أدري
أنّ ثمة شيئاً في رماد الفقد
يقص ألسنتنا .. بمرآة توقد الليل
عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل
المشهد التاسع : التوسل بالمحبوب عن طريق ماهية الحب في تجديد تلفّظ عبارة الحب بكلّه عمقاً رغم برودته لأنّ في صمته ملأ كيانه بغربة الحنين .
لم أكن ادري
أني احبك كل هذا الحب
يا صمتا أيقظ في أبراج فراغاتي
دوامة البكاء
المشهد العاشر : يمثل ( بيت القصيد) في القصيدة بالرغم من أنّ القصيدة سردية إلا أنّ الشاعر قد رسم حالة الحيرة والحسرة في لحظة انكسار ومفارقة بيانية وهو يطعن بيد المحبوب غيلة بامتصاص حريته عند انطفاء شمعته لأنّ رماد نهايته كانت بسبب وجوده معها لحظة خطفه .
لم أكن ادري
أنّ الكف التي انتشلتها يوما
وكادت أن تقبلني
هي ذاتها التي ستمتص
ملح هويتي ... عند رماد شموعي
المشهد الحادي عشر : خطاب مباشر إلى المحبوبة بأنّ وحده سوف يجمع جمل الحب الكذوبة ربما كانت تلفظها في حالة من النفاق فسوف تؤول إلى جرح نازف بأوردة العشق المطعون .
لم أكن أدري
أني سألملم الجمل النافقة
لأبثها قصيدة نازفة
بأوردة عشقك
المشهد الثاني عشر : مبالغة فنية في عدم دراية ومعرفة ما تتركه الريح القادة بحماقتها وما تتركه من غبار متراكم أنوار حياته الشفافة .
لم أكن ادري
ما سأدّريه ، وما ستراكمه الريح
فوق سروج نوافذي
المشهد الثالث عشر : وهو توقع مصير محتوم في انهيار للقيود التي وضعتها أمامه بسبب القلاع المحصنة وحالوا بينه وبينها وانّ مصيرهم آت إلا أنّهم في النهاية سوف يزدحمون كازدحام الناس ساعة الحشر في الصلاة بخشوع كالسنابل المحنية على جنازتها تخفيفاً لما ارتكبوه بخطف معشوقها وقتله غيلة وهي صورة في غاية الإغراق في الوصف بلغت إلى الغلو الفني .
لم أكن ادري
أنّ قلاعاً قد تتهاوى
وألف قيامة يمكن أن يصلى
على جنازتها
عند سنابل الجرح
المشهد الرابع عشر وهو مشهد اختتامي :
التأكيد على عمق الحياة بوجود الحب العميق وهو بحجمه بسعة البحر وان نهايته في الفقد هي نتيجة محتومة بقدر ما تلتف حول عنق الإنسانية فتطحنه بلا هوادة .
لم أكن ادري
أنّ الحب بسعة البحر
وأنّ الفقد بقدر الحلزون المطحون !
من الملامح الفنية التي يمكن أن تضاف إلى القراءة :
1- إنّ قصيدة مهند التكريتي غارقة بالمفارقات الفنية في جوها المشحون بالعاطفة فضلاً عن أسلوبها العائم على بحر من المبالغات في توليد الكم الهائل من المعاني الجديدة وهذا الحضور يسجل له بوصفه مبدعاً في الإغراق في الوصف والجمع بيت شتات الصور المركبة .
2- احتواءها على مفردات قاموسية لها صدى دلالي مشحون بالتطور الدلالي لها في لغتنا المعاصرة ( النحت المتلاشي ، قفازة الوقت ، متقاطر ، ناقوس ، بوصلة ، تتعكز )
3- ازدحام القصيدة بعالم الرمزية رغم وضوح مفرداتها للمتلقي إلا أنّها قد أحكمت بصياغة فنية قد ازدحمت بالمجازات البلاغية من استعارة وتشبيه ضمني وكناية تحتاج إلى وقفة تأمل فيها ولمعانيها البيانية لا يسعني الوقت لإبرازها.
كثرة الحسنات في القصيدة لا يدلّ على خلوها من الهنات الفنية والأسلوبية منها :
1- ورد الفعل ( لففت ) بمعنى جمعت وهو استعمال نادر في لغتنا اليومية والأصح ( لفّت )
2- وردت مفردة ( الوئيد ) في عبارة ( على تفاحة الوئيد ) هل تعني الوأد بمعنى دفن البنات أحياء أم تفاحة الوليد ( فرحة الأطفال ) مما سبب غموضاً في المشهد للمتلقي .
3- وردت مفردة ( نقيق ) في عبارة ( أني سأتأبط نقيق ضفائرك ) كيف جمعت بين أشياء لا تجمع مثل النقيق وهو صوت كصوت الطيور وصوت الضفادع مع ضفائر شعر الرأس .
4- وجود النقط بين قوسين( ... ) في عمق النص دلالة على شيء مخفي ربما لا تريد إظهاره لكن ليس هناك ضرورة لإخفائه فما الحاجة إلى إخفائه أنت طرقت سلم المجاز في نصك الرائع والعربية غنية بالمفردات المجازية .
5- وردت عبارة ( تسقط من شفة اللا معنى ) وهو استعمال دخيل على العربية بفعل الترجمة فليس لها ضرورة هنا يمكن أن تستبدلها بمفردة تدل على شفة غامضة أو معقدة أو غير مفهومة .
6- وردت مفردة ( باقية ) في عبارة ( فتتعكز ببقية من نقطة مستديرة ) وهي زائدة لا فائدة منها
7- وردت لفظة ( مساطب ) في عبارة ( عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل ) وهي جمع لمفرد ( مسطبة ) تكتب بالسين والصاد ( مصطبة = مصاطب ) أيضا وتعني سندان الحداد ومتكأ يقعد عليها وعندنا ما زال يستعمل أما دلالتها لاماكن الأحذية فلا أراه مناسباً .
8- وردت مفردة ( نافقة ) في عبارة ( أني سألملم الجمل النافقة ) يتحير المتلقي هل المقصود بها الجمل الجاهزة أو المستهلكة او الجمل النافعة من باب المجاز لأنّالعربُ تقول : ناقَةٌ تاجِرَةٌ إذا كانت تَنْفُقُ إذا عُرِضَتْ على البَيْع لِنَجابَتِها ، ومن المَجاز : النّاقةُ النافِقَةُ في التِّجارةِ وفي السُّوقِ كالتّاجِرَةِ .
الجزء الثاني - قصيدة عائشة الحطاب
إنّ القصيدة في ملامحها اللغوية تعكس شخصية الشاعرة على لسان حال المحبوبة بوصفها السردي في حالة البوح عن الذات في عاطفتها ومشاعرها لعاشق تمسك بها حتى النهاية المحتومة .
وتتكون القصيدة من عدة أصوات لا يمكن معرفتها إلا بتفكيكها سياقياً بوسائل التحليل البنائي :
الصوت الأول : التوسل بالمحب وإبعاده عن الوجود بوساطة البدء بفعل الأمر الذي يوحي للمتلقي أنّ هناك خطاباً مباشراً مع الأخر ، بمعنى أنّ القصيدة تمتلك بؤرتين رئيسيتين يدور حولهما النص بؤرة أولى تمثل الحضور الفردي المتكلم وقد برزت في ياء المتكلم وتاء الفاعل والضمير( أنا ) ظاهراً أو مستتراً .
وبؤرة ثانية تمثل الصوت الآخر المتمثل بالضمير المسستر ( أنت ) إذ خفي عن المشهد بفعل القتل والبعد وقد أشارت إليه الشاعرة بكاف الخطاب المتكرر بوصفه أصبح بعيداً عنها .
بدأت القصيدة بمطالبة مجازية في استعمالها فعل الأمر الداعي إلى التوسل بالمحبوب في تخفيف الثقل الذي ترك حلمه الدائم في الوصال لتكتشف على لسانها ومن أعماق أسرارها أنّ موت الآخر هو بداية رحيلها النازف وربما رحيله هو بالذات بالرغم من استقرار الروح تحت الضلوع ، إنّها تعيش في غربة نفسية رغم بقاء الجسد على قيد الحياة فعيناها لا تبصر خارج حدود مفارقته فهي كالأعمى الذي فقد بصره في لحظة الافتراق ، وإنّها جسد بلا رأس إذ لا عقل لها بسبب الحيرة والحسرة والندامة لأنّ موته قد فصل رأسها عن جسدها ولسانها قد شلّ عن الكلام فهو السائل في مياه رقراقة لا يفصح وقد لبست ثوب الوهم بسبب الحوادث المغربلة في قدومها منذ أول دمعة افتراق وبعد في زمن البرد .
إنّ القصيدة مكتنزة بالغربة النفسية من الناحية الدلالية فهي تعيش في حالة من عالم الندم والألم والاحتراق ولا تستطيع فعل أي شيء للخلاص ولا تملك الكيفية لأنها أيها المحب في أعماقها شعلة الاحتراق في غبطتها .
ورغم ما توصف بها القصيدة من صفات تشخيصية تعود على شخصية المتكلم أنّها مكسورة الجناح لأنّها تعيش في ارتجاف غير طبيعي لنوبة الصدمة رغم هناء العيش الأبدي فيقاوم صدرها الجوع لكنها في عناق مع ملل في هدر الوقت وهي أشبه بتمثال صامت مصنوع من طين لا حراك له بعدما أشعل ذلك المحب قنديل الحب في مسرتها .
الصوت الثاني : تعتمد الشاعرة على آلية الاستفهام الإنكاري بزخمه الشعري الواضح بالأفعال الاستقبالية المرتهنة بطوق الاستفهام وحدها مع الأفعال المنفية الساخرة ، فتارة تستعمل ( كيف ) بدلالتها الحالية وتارة بـ( من ) العاقلة كما ورد في :
كيف أداري وهمك الراخم في ذهني ؟
وأنا لا أملك قدراً على مقاسي
أو وحدها فقط بتكرار أداة الاستفهام لا عن شيء مجهول بل لإبراز شيء من معاني التعجيز في إغراق في الوصف تؤدي إلى المبالغة الفنية كما في قولها :
فكيف أمسك صوت قلبي الصاعد بلا رحمة ؟
وأعود رغبة مالحة في ذكرى رأس مبتور
كيف احصد عتمتي المنهكة ؟
وأسير في ضوء معكوس
..........................
فكيف امتطي روحي الممسوسة بك ؟
وانهض في هدوء يبكي
وإنما تبث الشاعرة على لسان المعشوقة كمّاً من الشكوى والحيرة والقلق وهي في حالة اليأس لأنّها لا تستطيع أن تنسى الحب الذي أطبق عليها فيكون أشبه بالوهم الراخم على عقلها كونها لا تملك قدراً من التصبر في مساحته لكي تتقمصه فهي باستمرار أن تبحث عن كساء لروحها بعدما ادخل النار فيها وأشعل الذاكرة في ظلال نائم .
ونلمس ذلك أيضاً في استعمالها أداة استفهام ( من ) العاقة إلا أنّها لا تستفهم عن شي مجهول بل تريد الاستفهام الإنكاري المقرون بالزمن الاستقبالي مع النفي لحالة الحزن الذي وصل إلى ترقيق العظام لكونه معلوماً لديها لكنّه غاب عنها بفعل الرحيل المفاجيء كما في قولها :
من يرفع يد العشق في زمن الانتظار؟
لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
الصوت الثالث : حالة الاستذكار في البحث عنه بالمشيئة التي جمعتهم وما ترتب عليها من توهج في حياة كلها ألم كما في قولها :
شئت قليلاً أن ادخل عمقك الناري
فتوهجت فقيرة
أبحث عن كساء لروحي
أشعلت ذاكرتي من ظلال نائمة
الصوت الرابع : تفصح عن حالة انهزامية قد أردتها الصدمة إلى حالة معاكسة بالرجوع إلى الوراء والتقهقر حتى وصفت الشاعرة حالتها أشبه بحالة نفسية شاذة تحتضن من البلاهة والشرود الذهني :
بلعت الريح من أنفاس دهشتي
أهمس بحياء الأعجوبة
لستُ أعرف
غير حذائي الرطب المرتجف بنصل قدمي شرايين الأرض تهزني
ذهني ساكن في أسى عطش مريض
والرؤية مني مهاجرة
كالفضاء الذي ينمو في زمن البلاهة
الصوت الخامس : الحنين والشوق إلى الصوت الآخر بعدما فقدته لأنّ وجوده معها كان يشعرها بالحماية فهو كالدروع القوية ومشتاقة إلى دمه المتخثر لتغرق في جسده بإغفاءة مشتاق هائم كما في قولها :
أحن إليك كالدروع القوية
أحن إلى دمك المتخثر
وأن اغرق في جسد إغفاءة شوق
الصوت السادس : مخاطبة الصوت الآخر في إنكار الضعف والانكسار غير الطبيعي الذي تركه وهي في حالة من الخطاب النفسي لكي تبرر وجودها الإنساني بعاطفة انفعالية غير بصيرة تبرهن عن ذات انهزامية في لحظة ما وقد أعلنت عن صفاتها في نرجسية :
أنا شرخ من لغة مبتورة
شريعة ساكنة في مطر ضرير
قد تشبثت بوسائل فنية طلبية كأسلوب النهي والأمر بالصيغ المعروفة للرحيل معه ولجذبها من قبل العاشق الراحل لهذا السبب كشفت عن صفاتها في حالة من التأنيب للضمير والتوسل بالآخر لكي ينتشلها من ذلك الحريق الذي وصف من الشاعرة بأنّه نار لا تهدأ ولا تنطفيء وقد ترك أثره في الظاهر في اصفرار وجهها وفي ترقيق عظامها وسقوطها من مكان عال بالصورة المجازية ، وفي الباطن قد تحولت إلى رغبة متكسرة قبل أوانها في استكمال شخصية لممارسة حياتية طبيعية .
لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
ولا تعزفني من ناي حزين
أقرأني من وجهي الأصفر
أشرب حريقي بعد الكأس الأول
وأعلن في الليل سقوطي
أنا شرخ من لغة مبتورة
شريعة ساكنة في مطر ضرير
أتيت قبل موعد الليل
اغسل رغبة تتكسر
في نار لا تنطفئ
ويبدو لي أنّ الشاعرة قد بحثت عن صفات المعشوقة من الناحية السلبية في تجربة عاطفية غير صادقة من جانبها لهذا السبب قد أكثرت من المفردات السالبة في انتقائية مائزة .
وقد نجحت الشاعرة في وصفها المكثف وفي جمعها عدة صور متداخلة مما أججت أبعاد الصور المجازية فنياً لدى المتلقي وهذا يرجع إلى تأثرها بالفن القصصي السردي في تبئير جوانب السرد ومعالجة الأحداث القائمة على السبب والنتيجة .
بعض الملاحظات ربما تعدً نقصا فنياً :
1- وردت مفردة ( رحيلي ) في عبارة ( منذ رحيلي النازف ) والأفضل تعديل الضمير من الياء إلى الكاف فيصبح ( رحيلك ) لأنّ المعشوقة لم ترحل وإنما الرحيل كان للعاشق إلا إذا أرادت الرحيل النفسي وليس الجسدي.
2- وردت مفردة ( إليّ ) خالية من الكاف في عبارة ( أحن إليّ كالدروع القوية ) والأفضل ( إليك ) بإضافة كاف الخطاب ليعود على العاشق ليستقيم المعنى .
3- وردت مفردة ( دمي ) خالية من الكاف في عبارة ( أحن إلى دمي المتخثر ) والأصح ( دمك ) ليستقيم المعنى إلى خطاب العاشق إلا إذا أرادت الشاعرة بذلك التلاحم الإنساني .
بعض المؤاخذات على النص المشترك بشكل عام :
أنا شخصياً لا أؤيد النصوص المشتركة ؛ لأنّها تفقد قيمتها الاعتبارية والفنية إلا في حالة الحوار التفاعلي عبر قنوات لغوية خاصة في غرض الوصف وليس لقضية خاصة في بيان مظلومية شخص كما ظهر في الحواريات الشعرية بين الشعراء المعاصرين في أغراض خاصة كموضوعة الحب والوصف وبث هموم الذات وتبادلها مع الآخر .
إنّ النصوص المشتركة تؤدي إلى التنافر الموضوعي ولا يوجد هناك رابط أسلوبي مشترك ، فربما يكون النص الأول أجمل في صوره من الثاني أو الثاني أكثر صدقاً وتوليداً في المعاني من الأول .
إن من صعوبة النص المشترك في القصائد النثرية أن يدخل في ظاهرة كالمعارضات أو في النقائض أو في المساجلات فهي لا تشبه القصائد العمودية من أجل الموازنة لكي يقوم عليهما الحد والحكم والنقد والتقييم .
ويبقى النص النثري في الأخير مرتهن بمبدعه ولا يقاس بغيره ولا يفاضل على مستواه إلا في حدود المنهج السياقي .
الإحالات : النص المشترك
( هكذا تكلم سردشت .. عند مقصلة الحب )
مهداة إلى روح الصحفي الكردي سردشت عثمان
النص الأول : لمهند التكريتي
هناك ..
حيث الرمال تكفن رغباتنا .. بنواح الطاعون ِ
كسلالة ٍ ، داهمتها
قيثارة الموج
لففت أحشاء جيوب الصبر
ونثرت رئات تماثيل ٍ .. تنفست أخيرا ً
على فخذ البحر
لأبتكر غيمة ً
تتخبط بنوافذ قمري المدعوك ِ
برعشة الرحيل
ولوثة النحت المتلاشي لنجوم الصبح
على آنية الليل
نشجت ُ .. أوراقا ً يكنسها العمر
بعدما نهشنا جمر أفئدتها
عند عرجون محطات لاذت
بالصمت .. حتى المغيب
لم أكن أدري
أني سأتيه هنا .. مثلما تهت هناك
لم أكن أدري
أني سأنزلق مدحورا ً .. على قفازة الوقت
وحيدا ..ً متقاطرا ً ، كالرماد
لم أكن أدري
أني سأنام وفي ظمئي
تسعون ناقوسا ً لحلم ٍ ، مطوي
كسجادة عند رئة حروفك
لم أكن أدري
أني سأوصد زيتا ً تذرفه نفسي
ليقتحمني غبارك المرصوف كطحلب
على تفاحة الوئيد
فوق قميص وحدتي
لم أكن أدري
أني سأتأبط نقيق ضفائرك
عند كهف البوح
لألفظ عند نوافذه
ألف قصيدة وقصيدة من قصاصات نظرة
لم تجعل الشمس تهنأ .. بإكمال دورتها
حول رمش فصولك
لم أكن أدري
أني سأغادر عباءة الحلم
وحيدا ً ..
مثلما خلقت ُ
ومثلما أرتويت ُ
ومثلما (( ... ))
لأحتفي
بالقمر المنذور جنينا ً.. عند أكفان أصابعك الذاوية
لم أكن أدري
أني سأحيا بلا (( أنت ِ))
بلا (( لون ٍ ))
ولا (( طعم ٍ ))
ولا (( رائحة ٍ ))
لا وجهة لي .. ولا بوصلة
كخريف داهم لغة ً
أوراقا ً .. تسقط من شفة اللا معنى
فتتعكز ببقية باقية من نقطة مستديرة
عند بوابة الروح
لم أكن أدري
أن ثمة شيئا ً في رماد الفقد ِ
يقص ألسنتنا .. بمرآة ٍ توقد الليل
عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل
لم أكن أدري
أني أحبك ِ كل هذا الحب
يا صمتا ً أيقظ في أبراج فراغاتي
دوامة البكاء
لم أكن أدري
أن الكف التي إنتشلتها يوما ً
وكادت أن تقبّلني
هي ذاتها التي ستمتص
ملح هويتي .. عند رماد شموعي
لم أكن أدري
أني سألملم الجمل النافقة
لأبثها قصيدة نازفة ً
بأوردة عشقك
لم أكن أدري
ما سأدّريه ، وما ستراكمه الريح
فوق سروج نوافذي
لم أكن أدري
أن قلاعا ً قد تتهاوى
وألف قيامة ٍ يمكن أن يصلى
على جنازتها
عند سنابل الجرح
لم أكن أدري
أن الحب بسعة البحر
وأن الفقد بقدر
الحلزون المطحون !
النص الثاني : لعائشة الحطاب
خفف الوطْء فوق تراتيل حلمك الأبدي
فمنذ رحيلي النازف
والروح رابضة خلف الضلوع
أرى عيناي من خارج زمن أعمى
أرى رأسي مفصولا عن جسدي
لساني مائعا يعوم في مياه بارقة
ألبس معطف سراب غربلته الخطوب
منذ بكائي في البرد
وأنا أعيش مرتجفة في الصوف الأبدي
الصدر ينفض الجوع
أعانق ضلع الملل
وأنا المصنوعة من الطين الصامت
وأنت المشتعل في غبطتي
كيف أداري وهمك الراخم في ذهني
وأنا لا املك قدرًا على مقاسي
شئت قليلاً أن أدخل عمقك الناري
فتوهجت فقيرة
أبحث عن كساء لروحي
أشعلت ذاكرتي من ظلال نائمة
فكيف أمسك صوت قلبي الصاعد بلا رحمة
وأعود رغبة مالحة في ذكرى رأس مبتور
كيف احصد عتمتي المنهكة
وأسير في ضوء معكوس
بلعت الريح من أنفاس دهشتي
أهمس بحياء الأعجوبة
لستُ أعرف
غير حذائي الرطب المرتجف بنصل قدمي شرايين الأرض تهزني
ذهني ساكن في أسى عطش مريض
والرؤية مني مهاجرة
كالفضاء الذي ينمو في زمن البلاهة
أحن إليّ كالدروع القوية
أحن إلى دمي المتخثر
وأن أغرق في جسد إغفاءة شوق
فكيف أمتطي روحي الممسوسة بك
وأنهض في هدوء يبكي
من يرفع يد العشق في زمن الانتظار
لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
ولا تعزفني من ناي حزين
أقرأني من وجهي الأصفر
أشرب حريقي بعد الكأس الأول
وأعلن في الليل سقوطي
أنا شرخ من لغة مبتورة
شريعة ساكنة في مطر ضرير
أتيت قبل موعد الليل
اغسل رغبة تتكسر
في نار لا تنطفئ
نص مشترك بين مهند التكريتي وعائشة الحطاب
د . مرتضى الشاوي
الجزء الأول – قصيدة مهند التكريتي
إنّ عتبة العنوان الرئيسة توحي للمتلقي البوح الذاتي بطريقة استنطاق المشهد في لحظة المفاجئة عند اقترابه من الموت في ساحة الغدر بسبب ما آل إليه مصيره نتيجة الحب .
تعدّ القصيدة من قصائد الإهداء ، لأنّها مهداة إلى روح الشخص المغدور به وهو ( الصحفي الكردي سردشت عثمان ) وهي عتبة هامشية تبين نقطة الربط الموضوعي بين عتبة العنوان وعتبة النص بوصفه المكمل الرئيس يستفيد المتلقي منها في فك شفرات النص الغامضة .
إنّ القصيدة بدورها ليست رثاء بقدر ما هي نقلة خفية عن استكناه لذاتية مرغمة على الانتهاء في حالة الصدمة المفاجئة بسبب الغربة النفسية التي عاشتها الشخصية المغدور بها في لحظة الوداع الأخير للحياة بسبب كونه عاشقاً لا غير قد عُدَّ جرماً في نظر الانتهازيين .
بدأت القصيدة بديباجة سردية تشير إلى موقع الجريمة من حيث المكان باستعمال اسم الإشارة في دلالتها على البعيد ( هناك ) المكون من ( هنا ) + ( كاف الخطاب ) في خفاء وبعد عن الأنظار المشاهدة ، وهو مشهد قد حشد الشاعر طاقته بآلية الكاميرا الخفية لنقل الحقيقة التي غيبت عن عيون المشاهدة بطريقة الوصف المجازي .
فضلا ًعن رمزية المكان بواقع الطبيعة ( الرمال ) لأنّها غطاء الرغبات بحلول الطاعون المتفرس المفاجيء كسلالة مخيمة للشر تعزف بصوت الموج المصطخب الذي يلفّ الصبر في مكمنه وينشر على شاطئ البحر تماثيل متناثرة وتتنفس برئات طلباً للنجاة في الحياة وكأنها غمامة تزدحم بإطلالة الأمل في الحياة الذي ذهب هباء مع أناس قد سحقوه كما تدعك الإبل الأرض المزروعة لتحيلها إلى فساد في رعشة النهاية بسبب لوثة التكسر في أشجار الحياة كأنها نجوم الصبح في أشعتها وهي مبسوطة بآنية من الليل بثوبه الأسود
أصاب أوراقها أرجل الحيوانات المفترسة التي نهشت حرارة الحب في جمرة المغدور به وهربت في صمت حتى ساعة الغروب وهي ساعة اكتشاف الجريمة المغدور عند طريق مائل كأنّه العرجون تكثر فيه محطات الاستراحة متباعدة .
" هناك
حيث الرمال تكفن رغباتنا .. بنواح الطاعون
كسلالة داهمتها
قيثارة الموج
لففت أحشاء جيوب الصبر
ونثرت رئات تماثيل .. تنفست أخيرا
على فخذ البحر
لابتكر غيمة
تتخبط بنوافذ قمري المدعوك
برعشة الرحيل
نشجت أوراقاً يكنسها العمر
عند عرجون محطات لاذت
بالصمت .. حتى المغيب "
لقد نقلت الكاميرا المصورة الخفية مرايا أعماق الشخصية المغدور بها وهي تصور هواجسها في محنتها وأزمتها الوجودية .
ونقل الشاعر إلينا مشاعر وانفعالات بل صرخات الإنسان في صدمة لقاء الموت الطريد بتصوير خفي بالغوص إلى العقل الباطن في استنطاقه في لحظة الوداع .
استفاد الشاعر في نقل مشاعره وأحاسيسه على لسان حال الشخصية في لحظة الرحيل من ثلاثة عناصر لغوية رئيسة :
1- توظيف آلية النفي في إنكار الذات لعدم علمها بما يؤول إليه مصيرها بسبب الغدر غير المتوقع .
2- تكرار النفي إذ قام بناء القصيدة في الأغلب على تكرار عبارة النفي ( لم أكن أدري ) وهو تكرار يعرف بـ( التكرار اللاشعوري ) لأنّ آليتها تأكيد لحساسية الذات في عصيانها على الترويض بلغة واضحة وهي صرخة تقرر الذات الشاعرة في غيابها عن شاشة الإدراك والمعرفة ( لم أكن ادري ) وحجبها في العقل الباطن اللاوعي .
3- استفاد من حضور قوة التوكيد الذي كرره بعد صرخات الإنكار مستعملاً أقوى أدوات التوكيد في الجمل الاسمية بفعل قوتها وهيمنها عليها .
صوّر لنا الشاعر بكاميرته الخفية أربعة عشر مشهداً فوتغرافياً قد رسمها بأدواته اللغوية وبخياله الخطب المصور الفني إذ نقل فيها تنهدات عاشق كانت جريمته الحب في ساعة اقتراب أجله عند لحظة إعدامه في مقصلة الحب .
تبدأ المشاهد بعبارة النفي المكررة تتلوها عبارة التأكيد هكذا :
لم أكن + ادري + أنّ + ( فعل مضارع مستقبلي يبدأ بسين الاستقبال ) لأنّ بنية الفعل المضارع تعكس هنا حالة من التفاعل تجدداً وحدوثاً بالرغم من أنّ النص ولد بعد جريمة القتل .
المشهد الأول : يتمثل في مفارقة المكان بين ظرفين ( هنا + هناك ) فالغربة النفسية في التيه قائمة بين المكانين ( مكان الموت = مكان الخطف ).
لم أكن ادري
أني سأتيه هنا ... مثلما تهت هناك
المشهد الثاني : الشعور بالمصير إلى النهاية في خسران حياته بوحده كالرماد بعد الاحتراق في الحياة .
لم أكن ادري
أني سأنزلق مدحوراً .. على قفازة الوقت
وحيداً .. متقاطراً ، كالرماد
المشهد الثالث : خطاب نفسي مباشر مع المحبوب بوجود ( كاف الخطاب ) يتضمن الشعور بخيبة الأمل في والتفكير بأنّ أحلامه الكثيرة المطوية في حالة العطش في حياته بزخارف عند تنفيس حروف المحبوب قد تبددت لأنّه نومه سوف يطول .
لم أكن ادري
أني سأنام وفي ظمئي
تسعون ناقوساً لحلم مطوي
كسجادة عند رئة حروفك
المشهد الرابع :
خطاب نفسي مباشر للمحبوب بأنّ حياته قد انطفأت كما كان زيته فيها قد أوصده بذرفة النفس بسبب تشابك غبار المحبوبة ربما تكون إشارة إلى معاناته مع أهلها فقد وصفهم بالغبار المرصوف وكأنه الطلحب المجتمع على تفاحة المفقود فوق لباس الغربة .
لم أكن ادري
أني سأوصد زيتاً تذرفه نفسي
ليقتحمني غبارك الموصوف كطحلب
على تفاحة الوليد
فوق قميص وحدتي
المشهد الخامس : خطاب نفسي مباشر للمحبوب يشعر المتلقي بتنهيدة نفسية تذكره ما كان يفعله في ضم ضفائرها وما يحمل من صوت أشبه بالنقيق ليبوح من نوافذ كهفه بألفاظ من أصوات حنينة تنتظم من ألف قصيدة وقصيدة أثر نظرة خاطفة بأهداب رمش العيون بجمالها الطبيعي لم تغمض بإكمال دورتها لتأثير أشعة الشمس عليها وفي هذا إغراق في الوصف مما جعل الصورة مركبة من أكثر من جزء تؤدي بها إلى المبالغة الفنية .
لم أكن أدري
أني سأتأبط نقيق ضفائرك
عند كهف البوح
لألفظ عند نوافذه
ألف قصيدة وقصيدة من قصاصات نظرة
لم تجعل الشمس تهدأ .. باكمال دورتها
حول رمش فصولك
المشهد السادس :
تذكير المحبوب بما آل إليه مصيره في وحدته عند قدوم الموت لأنّه في مغادرة لعباءة الحلم في وحدة مصيرية مثل خلقه وحيدا في رحم أمه وعاش حياته في ارتواء ورغم هذه الوحدة الأليمة .
لم أكن أدري
إني سأغادر عباءة الحلم
وحيدا
مثلما خلقت
ومثلما ارتويت
ومثلما (( ... ))
لأحتفي
بالقمر المنذور جنيناً .. عند أكفان أصابعك الذاوية
المشهد السابع : الشعور بعالم سرمدي في غربة جسدية ونفسية بعيداً عن المحبوبة والانتقال إلى عالم البرزخ وهو في هذه الحالة كسقوط أوراق الشجر الذابلة في موسم الخريف تمثل شفة اللا معنى مطوية بعكاز مستدير عند بوابة الروح .
لم أكن أدري
أني سأحيا بلا ( أنت )
لا ( لون )
لا ( طعم )
لا وجهة لي .. ولا بوصلة
كخريف .. تسقط من شفة اللا معنى
فتتعكز ببقية باقية من نقطة مستديرة
عند بوابة الروح
المشهد الثامن : يشير إلى مفارقة وهمية في حالة اليأس تتمثل في ما يتركه الموت من رماد في عدم نطق الحقيقة بسبب المرآة العاكسة في توقد الهموم المتروكة عند أماكن الأحذية الغارقة بالرحيل .
لم أكن أدري
أنّ ثمة شيئاً في رماد الفقد
يقص ألسنتنا .. بمرآة توقد الليل
عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل
المشهد التاسع : التوسل بالمحبوب عن طريق ماهية الحب في تجديد تلفّظ عبارة الحب بكلّه عمقاً رغم برودته لأنّ في صمته ملأ كيانه بغربة الحنين .
لم أكن ادري
أني احبك كل هذا الحب
يا صمتا أيقظ في أبراج فراغاتي
دوامة البكاء
المشهد العاشر : يمثل ( بيت القصيد) في القصيدة بالرغم من أنّ القصيدة سردية إلا أنّ الشاعر قد رسم حالة الحيرة والحسرة في لحظة انكسار ومفارقة بيانية وهو يطعن بيد المحبوب غيلة بامتصاص حريته عند انطفاء شمعته لأنّ رماد نهايته كانت بسبب وجوده معها لحظة خطفه .
لم أكن ادري
أنّ الكف التي انتشلتها يوما
وكادت أن تقبلني
هي ذاتها التي ستمتص
ملح هويتي ... عند رماد شموعي
المشهد الحادي عشر : خطاب مباشر إلى المحبوبة بأنّ وحده سوف يجمع جمل الحب الكذوبة ربما كانت تلفظها في حالة من النفاق فسوف تؤول إلى جرح نازف بأوردة العشق المطعون .
لم أكن أدري
أني سألملم الجمل النافقة
لأبثها قصيدة نازفة
بأوردة عشقك
المشهد الثاني عشر : مبالغة فنية في عدم دراية ومعرفة ما تتركه الريح القادة بحماقتها وما تتركه من غبار متراكم أنوار حياته الشفافة .
لم أكن ادري
ما سأدّريه ، وما ستراكمه الريح
فوق سروج نوافذي
المشهد الثالث عشر : وهو توقع مصير محتوم في انهيار للقيود التي وضعتها أمامه بسبب القلاع المحصنة وحالوا بينه وبينها وانّ مصيرهم آت إلا أنّهم في النهاية سوف يزدحمون كازدحام الناس ساعة الحشر في الصلاة بخشوع كالسنابل المحنية على جنازتها تخفيفاً لما ارتكبوه بخطف معشوقها وقتله غيلة وهي صورة في غاية الإغراق في الوصف بلغت إلى الغلو الفني .
لم أكن ادري
أنّ قلاعاً قد تتهاوى
وألف قيامة يمكن أن يصلى
على جنازتها
عند سنابل الجرح
المشهد الرابع عشر وهو مشهد اختتامي :
التأكيد على عمق الحياة بوجود الحب العميق وهو بحجمه بسعة البحر وان نهايته في الفقد هي نتيجة محتومة بقدر ما تلتف حول عنق الإنسانية فتطحنه بلا هوادة .
لم أكن ادري
أنّ الحب بسعة البحر
وأنّ الفقد بقدر الحلزون المطحون !
من الملامح الفنية التي يمكن أن تضاف إلى القراءة :
1- إنّ قصيدة مهند التكريتي غارقة بالمفارقات الفنية في جوها المشحون بالعاطفة فضلاً عن أسلوبها العائم على بحر من المبالغات في توليد الكم الهائل من المعاني الجديدة وهذا الحضور يسجل له بوصفه مبدعاً في الإغراق في الوصف والجمع بيت شتات الصور المركبة .
2- احتواءها على مفردات قاموسية لها صدى دلالي مشحون بالتطور الدلالي لها في لغتنا المعاصرة ( النحت المتلاشي ، قفازة الوقت ، متقاطر ، ناقوس ، بوصلة ، تتعكز )
3- ازدحام القصيدة بعالم الرمزية رغم وضوح مفرداتها للمتلقي إلا أنّها قد أحكمت بصياغة فنية قد ازدحمت بالمجازات البلاغية من استعارة وتشبيه ضمني وكناية تحتاج إلى وقفة تأمل فيها ولمعانيها البيانية لا يسعني الوقت لإبرازها.
كثرة الحسنات في القصيدة لا يدلّ على خلوها من الهنات الفنية والأسلوبية منها :
1- ورد الفعل ( لففت ) بمعنى جمعت وهو استعمال نادر في لغتنا اليومية والأصح ( لفّت )
2- وردت مفردة ( الوئيد ) في عبارة ( على تفاحة الوئيد ) هل تعني الوأد بمعنى دفن البنات أحياء أم تفاحة الوليد ( فرحة الأطفال ) مما سبب غموضاً في المشهد للمتلقي .
3- وردت مفردة ( نقيق ) في عبارة ( أني سأتأبط نقيق ضفائرك ) كيف جمعت بين أشياء لا تجمع مثل النقيق وهو صوت كصوت الطيور وصوت الضفادع مع ضفائر شعر الرأس .
4- وجود النقط بين قوسين( ... ) في عمق النص دلالة على شيء مخفي ربما لا تريد إظهاره لكن ليس هناك ضرورة لإخفائه فما الحاجة إلى إخفائه أنت طرقت سلم المجاز في نصك الرائع والعربية غنية بالمفردات المجازية .
5- وردت عبارة ( تسقط من شفة اللا معنى ) وهو استعمال دخيل على العربية بفعل الترجمة فليس لها ضرورة هنا يمكن أن تستبدلها بمفردة تدل على شفة غامضة أو معقدة أو غير مفهومة .
6- وردت مفردة ( باقية ) في عبارة ( فتتعكز ببقية من نقطة مستديرة ) وهي زائدة لا فائدة منها
7- وردت لفظة ( مساطب ) في عبارة ( عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل ) وهي جمع لمفرد ( مسطبة ) تكتب بالسين والصاد ( مصطبة = مصاطب ) أيضا وتعني سندان الحداد ومتكأ يقعد عليها وعندنا ما زال يستعمل أما دلالتها لاماكن الأحذية فلا أراه مناسباً .
8- وردت مفردة ( نافقة ) في عبارة ( أني سألملم الجمل النافقة ) يتحير المتلقي هل المقصود بها الجمل الجاهزة أو المستهلكة او الجمل النافعة من باب المجاز لأنّالعربُ تقول : ناقَةٌ تاجِرَةٌ إذا كانت تَنْفُقُ إذا عُرِضَتْ على البَيْع لِنَجابَتِها ، ومن المَجاز : النّاقةُ النافِقَةُ في التِّجارةِ وفي السُّوقِ كالتّاجِرَةِ .
الجزء الثاني - قصيدة عائشة الحطاب
إنّ القصيدة في ملامحها اللغوية تعكس شخصية الشاعرة على لسان حال المحبوبة بوصفها السردي في حالة البوح عن الذات في عاطفتها ومشاعرها لعاشق تمسك بها حتى النهاية المحتومة .
وتتكون القصيدة من عدة أصوات لا يمكن معرفتها إلا بتفكيكها سياقياً بوسائل التحليل البنائي :
الصوت الأول : التوسل بالمحب وإبعاده عن الوجود بوساطة البدء بفعل الأمر الذي يوحي للمتلقي أنّ هناك خطاباً مباشراً مع الأخر ، بمعنى أنّ القصيدة تمتلك بؤرتين رئيسيتين يدور حولهما النص بؤرة أولى تمثل الحضور الفردي المتكلم وقد برزت في ياء المتكلم وتاء الفاعل والضمير( أنا ) ظاهراً أو مستتراً .
وبؤرة ثانية تمثل الصوت الآخر المتمثل بالضمير المسستر ( أنت ) إذ خفي عن المشهد بفعل القتل والبعد وقد أشارت إليه الشاعرة بكاف الخطاب المتكرر بوصفه أصبح بعيداً عنها .
بدأت القصيدة بمطالبة مجازية في استعمالها فعل الأمر الداعي إلى التوسل بالمحبوب في تخفيف الثقل الذي ترك حلمه الدائم في الوصال لتكتشف على لسانها ومن أعماق أسرارها أنّ موت الآخر هو بداية رحيلها النازف وربما رحيله هو بالذات بالرغم من استقرار الروح تحت الضلوع ، إنّها تعيش في غربة نفسية رغم بقاء الجسد على قيد الحياة فعيناها لا تبصر خارج حدود مفارقته فهي كالأعمى الذي فقد بصره في لحظة الافتراق ، وإنّها جسد بلا رأس إذ لا عقل لها بسبب الحيرة والحسرة والندامة لأنّ موته قد فصل رأسها عن جسدها ولسانها قد شلّ عن الكلام فهو السائل في مياه رقراقة لا يفصح وقد لبست ثوب الوهم بسبب الحوادث المغربلة في قدومها منذ أول دمعة افتراق وبعد في زمن البرد .
إنّ القصيدة مكتنزة بالغربة النفسية من الناحية الدلالية فهي تعيش في حالة من عالم الندم والألم والاحتراق ولا تستطيع فعل أي شيء للخلاص ولا تملك الكيفية لأنها أيها المحب في أعماقها شعلة الاحتراق في غبطتها .
ورغم ما توصف بها القصيدة من صفات تشخيصية تعود على شخصية المتكلم أنّها مكسورة الجناح لأنّها تعيش في ارتجاف غير طبيعي لنوبة الصدمة رغم هناء العيش الأبدي فيقاوم صدرها الجوع لكنها في عناق مع ملل في هدر الوقت وهي أشبه بتمثال صامت مصنوع من طين لا حراك له بعدما أشعل ذلك المحب قنديل الحب في مسرتها .
الصوت الثاني : تعتمد الشاعرة على آلية الاستفهام الإنكاري بزخمه الشعري الواضح بالأفعال الاستقبالية المرتهنة بطوق الاستفهام وحدها مع الأفعال المنفية الساخرة ، فتارة تستعمل ( كيف ) بدلالتها الحالية وتارة بـ( من ) العاقلة كما ورد في :
كيف أداري وهمك الراخم في ذهني ؟
وأنا لا أملك قدراً على مقاسي
أو وحدها فقط بتكرار أداة الاستفهام لا عن شيء مجهول بل لإبراز شيء من معاني التعجيز في إغراق في الوصف تؤدي إلى المبالغة الفنية كما في قولها :
فكيف أمسك صوت قلبي الصاعد بلا رحمة ؟
وأعود رغبة مالحة في ذكرى رأس مبتور
كيف احصد عتمتي المنهكة ؟
وأسير في ضوء معكوس
..........................
فكيف امتطي روحي الممسوسة بك ؟
وانهض في هدوء يبكي
وإنما تبث الشاعرة على لسان المعشوقة كمّاً من الشكوى والحيرة والقلق وهي في حالة اليأس لأنّها لا تستطيع أن تنسى الحب الذي أطبق عليها فيكون أشبه بالوهم الراخم على عقلها كونها لا تملك قدراً من التصبر في مساحته لكي تتقمصه فهي باستمرار أن تبحث عن كساء لروحها بعدما ادخل النار فيها وأشعل الذاكرة في ظلال نائم .
ونلمس ذلك أيضاً في استعمالها أداة استفهام ( من ) العاقة إلا أنّها لا تستفهم عن شي مجهول بل تريد الاستفهام الإنكاري المقرون بالزمن الاستقبالي مع النفي لحالة الحزن الذي وصل إلى ترقيق العظام لكونه معلوماً لديها لكنّه غاب عنها بفعل الرحيل المفاجيء كما في قولها :
من يرفع يد العشق في زمن الانتظار؟
لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
الصوت الثالث : حالة الاستذكار في البحث عنه بالمشيئة التي جمعتهم وما ترتب عليها من توهج في حياة كلها ألم كما في قولها :
شئت قليلاً أن ادخل عمقك الناري
فتوهجت فقيرة
أبحث عن كساء لروحي
أشعلت ذاكرتي من ظلال نائمة
الصوت الرابع : تفصح عن حالة انهزامية قد أردتها الصدمة إلى حالة معاكسة بالرجوع إلى الوراء والتقهقر حتى وصفت الشاعرة حالتها أشبه بحالة نفسية شاذة تحتضن من البلاهة والشرود الذهني :
بلعت الريح من أنفاس دهشتي
أهمس بحياء الأعجوبة
لستُ أعرف
غير حذائي الرطب المرتجف بنصل قدمي شرايين الأرض تهزني
ذهني ساكن في أسى عطش مريض
والرؤية مني مهاجرة
كالفضاء الذي ينمو في زمن البلاهة
الصوت الخامس : الحنين والشوق إلى الصوت الآخر بعدما فقدته لأنّ وجوده معها كان يشعرها بالحماية فهو كالدروع القوية ومشتاقة إلى دمه المتخثر لتغرق في جسده بإغفاءة مشتاق هائم كما في قولها :
أحن إليك كالدروع القوية
أحن إلى دمك المتخثر
وأن اغرق في جسد إغفاءة شوق
الصوت السادس : مخاطبة الصوت الآخر في إنكار الضعف والانكسار غير الطبيعي الذي تركه وهي في حالة من الخطاب النفسي لكي تبرر وجودها الإنساني بعاطفة انفعالية غير بصيرة تبرهن عن ذات انهزامية في لحظة ما وقد أعلنت عن صفاتها في نرجسية :
أنا شرخ من لغة مبتورة
شريعة ساكنة في مطر ضرير
قد تشبثت بوسائل فنية طلبية كأسلوب النهي والأمر بالصيغ المعروفة للرحيل معه ولجذبها من قبل العاشق الراحل لهذا السبب كشفت عن صفاتها في حالة من التأنيب للضمير والتوسل بالآخر لكي ينتشلها من ذلك الحريق الذي وصف من الشاعرة بأنّه نار لا تهدأ ولا تنطفيء وقد ترك أثره في الظاهر في اصفرار وجهها وفي ترقيق عظامها وسقوطها من مكان عال بالصورة المجازية ، وفي الباطن قد تحولت إلى رغبة متكسرة قبل أوانها في استكمال شخصية لممارسة حياتية طبيعية .
لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
ولا تعزفني من ناي حزين
أقرأني من وجهي الأصفر
أشرب حريقي بعد الكأس الأول
وأعلن في الليل سقوطي
أنا شرخ من لغة مبتورة
شريعة ساكنة في مطر ضرير
أتيت قبل موعد الليل
اغسل رغبة تتكسر
في نار لا تنطفئ
ويبدو لي أنّ الشاعرة قد بحثت عن صفات المعشوقة من الناحية السلبية في تجربة عاطفية غير صادقة من جانبها لهذا السبب قد أكثرت من المفردات السالبة في انتقائية مائزة .
وقد نجحت الشاعرة في وصفها المكثف وفي جمعها عدة صور متداخلة مما أججت أبعاد الصور المجازية فنياً لدى المتلقي وهذا يرجع إلى تأثرها بالفن القصصي السردي في تبئير جوانب السرد ومعالجة الأحداث القائمة على السبب والنتيجة .
بعض الملاحظات ربما تعدً نقصا فنياً :
1- وردت مفردة ( رحيلي ) في عبارة ( منذ رحيلي النازف ) والأفضل تعديل الضمير من الياء إلى الكاف فيصبح ( رحيلك ) لأنّ المعشوقة لم ترحل وإنما الرحيل كان للعاشق إلا إذا أرادت الرحيل النفسي وليس الجسدي.
2- وردت مفردة ( إليّ ) خالية من الكاف في عبارة ( أحن إليّ كالدروع القوية ) والأفضل ( إليك ) بإضافة كاف الخطاب ليعود على العاشق ليستقيم المعنى .
3- وردت مفردة ( دمي ) خالية من الكاف في عبارة ( أحن إلى دمي المتخثر ) والأصح ( دمك ) ليستقيم المعنى إلى خطاب العاشق إلا إذا أرادت الشاعرة بذلك التلاحم الإنساني .
بعض المؤاخذات على النص المشترك بشكل عام :
أنا شخصياً لا أؤيد النصوص المشتركة ؛ لأنّها تفقد قيمتها الاعتبارية والفنية إلا في حالة الحوار التفاعلي عبر قنوات لغوية خاصة في غرض الوصف وليس لقضية خاصة في بيان مظلومية شخص كما ظهر في الحواريات الشعرية بين الشعراء المعاصرين في أغراض خاصة كموضوعة الحب والوصف وبث هموم الذات وتبادلها مع الآخر .
إنّ النصوص المشتركة تؤدي إلى التنافر الموضوعي ولا يوجد هناك رابط أسلوبي مشترك ، فربما يكون النص الأول أجمل في صوره من الثاني أو الثاني أكثر صدقاً وتوليداً في المعاني من الأول .
إن من صعوبة النص المشترك في القصائد النثرية أن يدخل في ظاهرة كالمعارضات أو في النقائض أو في المساجلات فهي لا تشبه القصائد العمودية من أجل الموازنة لكي يقوم عليهما الحد والحكم والنقد والتقييم .
ويبقى النص النثري في الأخير مرتهن بمبدعه ولا يقاس بغيره ولا يفاضل على مستواه إلا في حدود المنهج السياقي .
الإحالات : النص المشترك
( هكذا تكلم سردشت .. عند مقصلة الحب )
مهداة إلى روح الصحفي الكردي سردشت عثمان
النص الأول : لمهند التكريتي
هناك ..
حيث الرمال تكفن رغباتنا .. بنواح الطاعون ِ
كسلالة ٍ ، داهمتها
قيثارة الموج
لففت أحشاء جيوب الصبر
ونثرت رئات تماثيل ٍ .. تنفست أخيرا ً
على فخذ البحر
لأبتكر غيمة ً
تتخبط بنوافذ قمري المدعوك ِ
برعشة الرحيل
ولوثة النحت المتلاشي لنجوم الصبح
على آنية الليل
نشجت ُ .. أوراقا ً يكنسها العمر
بعدما نهشنا جمر أفئدتها
عند عرجون محطات لاذت
بالصمت .. حتى المغيب
لم أكن أدري
أني سأتيه هنا .. مثلما تهت هناك
لم أكن أدري
أني سأنزلق مدحورا ً .. على قفازة الوقت
وحيدا ..ً متقاطرا ً ، كالرماد
لم أكن أدري
أني سأنام وفي ظمئي
تسعون ناقوسا ً لحلم ٍ ، مطوي
كسجادة عند رئة حروفك
لم أكن أدري
أني سأوصد زيتا ً تذرفه نفسي
ليقتحمني غبارك المرصوف كطحلب
على تفاحة الوئيد
فوق قميص وحدتي
لم أكن أدري
أني سأتأبط نقيق ضفائرك
عند كهف البوح
لألفظ عند نوافذه
ألف قصيدة وقصيدة من قصاصات نظرة
لم تجعل الشمس تهنأ .. بإكمال دورتها
حول رمش فصولك
لم أكن أدري
أني سأغادر عباءة الحلم
وحيدا ً ..
مثلما خلقت ُ
ومثلما أرتويت ُ
ومثلما (( ... ))
لأحتفي
بالقمر المنذور جنينا ً.. عند أكفان أصابعك الذاوية
لم أكن أدري
أني سأحيا بلا (( أنت ِ))
بلا (( لون ٍ ))
ولا (( طعم ٍ ))
ولا (( رائحة ٍ ))
لا وجهة لي .. ولا بوصلة
كخريف داهم لغة ً
أوراقا ً .. تسقط من شفة اللا معنى
فتتعكز ببقية باقية من نقطة مستديرة
عند بوابة الروح
لم أكن أدري
أن ثمة شيئا ً في رماد الفقد ِ
يقص ألسنتنا .. بمرآة ٍ توقد الليل
عند مساطب أحذيتنا المطعونة بالرحيل
لم أكن أدري
أني أحبك ِ كل هذا الحب
يا صمتا ً أيقظ في أبراج فراغاتي
دوامة البكاء
لم أكن أدري
أن الكف التي إنتشلتها يوما ً
وكادت أن تقبّلني
هي ذاتها التي ستمتص
ملح هويتي .. عند رماد شموعي
لم أكن أدري
أني سألملم الجمل النافقة
لأبثها قصيدة نازفة ً
بأوردة عشقك
لم أكن أدري
ما سأدّريه ، وما ستراكمه الريح
فوق سروج نوافذي
لم أكن أدري
أن قلاعا ً قد تتهاوى
وألف قيامة ٍ يمكن أن يصلى
على جنازتها
عند سنابل الجرح
لم أكن أدري
أن الحب بسعة البحر
وأن الفقد بقدر
الحلزون المطحون !
النص الثاني : لعائشة الحطاب
خفف الوطْء فوق تراتيل حلمك الأبدي
فمنذ رحيلي النازف
والروح رابضة خلف الضلوع
أرى عيناي من خارج زمن أعمى
أرى رأسي مفصولا عن جسدي
لساني مائعا يعوم في مياه بارقة
ألبس معطف سراب غربلته الخطوب
منذ بكائي في البرد
وأنا أعيش مرتجفة في الصوف الأبدي
الصدر ينفض الجوع
أعانق ضلع الملل
وأنا المصنوعة من الطين الصامت
وأنت المشتعل في غبطتي
كيف أداري وهمك الراخم في ذهني
وأنا لا املك قدرًا على مقاسي
شئت قليلاً أن أدخل عمقك الناري
فتوهجت فقيرة
أبحث عن كساء لروحي
أشعلت ذاكرتي من ظلال نائمة
فكيف أمسك صوت قلبي الصاعد بلا رحمة
وأعود رغبة مالحة في ذكرى رأس مبتور
كيف احصد عتمتي المنهكة
وأسير في ضوء معكوس
بلعت الريح من أنفاس دهشتي
أهمس بحياء الأعجوبة
لستُ أعرف
غير حذائي الرطب المرتجف بنصل قدمي شرايين الأرض تهزني
ذهني ساكن في أسى عطش مريض
والرؤية مني مهاجرة
كالفضاء الذي ينمو في زمن البلاهة
أحن إليّ كالدروع القوية
أحن إلى دمي المتخثر
وأن أغرق في جسد إغفاءة شوق
فكيف أمتطي روحي الممسوسة بك
وأنهض في هدوء يبكي
من يرفع يد العشق في زمن الانتظار
لا تكتب حزن العظم في الهشاشة
ولا تعزفني من ناي حزين
أقرأني من وجهي الأصفر
أشرب حريقي بعد الكأس الأول
وأعلن في الليل سقوطي
أنا شرخ من لغة مبتورة
شريعة ساكنة في مطر ضرير
أتيت قبل موعد الليل
اغسل رغبة تتكسر
في نار لا تنطفئ