عشمان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد عيسى
    أديب وكاتب
    • 30-05-2008
    • 1359

    عشمان

    "
    عشمان
    "

    .
    .
    .
    أي صديقي ، لا زلت على جلستك هذه ترقب الناس بالخارج ، يريدون أن يهموا بك ، وتظن أن باستطاعتهم أن يؤذوك أو يعكروا صفوا مزاجك الملكي ، خاب رجاؤهم مولاي ..
    يقولها ويدور في فلك ملكه وصديقه ، حول عرشه الذهبي اللامع ، يرتدي طاقية كتب عليها اسمه ، ولم يعد يعرفه ، لأنه يراه بالمرآة مقلوباً ، ولا يناديه الناس الا باسم : عشمان ، وعشمان هذا حكاية متكررة فريدة في آن ، فهو يرافق الملك في كل مكان ، ولا ينام الليل حرصاً على راحته ، وعندما يحين أوان المطالب والمكافآت لا يطلب الا أقل القليل ، ويبدأ كلامه دائماً بكلمة : أتعشم منك يا مولاي ،فسماه الناس عشمان ، وصاروا يحبونه ويبغضونه ، الأولى لأنهم يحققون ما يريدون من الملك عن طريقه ، والثانية لأنه لا يؤتمن على سر أو صحبة ، وكل أخبار البلاد والعباد تنقل فوراً إلى ملك البلاد .
    يجلس عند قدمي الملك ، ويستمر بالقول كأنه يحدث نفسه :
    - ألا تراهم يا مولاي ، وجدناهم معلقين بالمشانق حول قصرك ، كأنه أمر الهي حتى يتعظ الناس ويخشوك ، وجدنا الأشجار وقد تجردت من أوراقها كما تجردوا هم من إنسانيتهم ووفائهم فصار سهلا علينا أن نرى من يدبر لك أمراً بليل ، وصارت لدينا أخبارهم بنومهم وصحوهم ينقلها لنا الناس والأحباب والطير والحجر والشجر حتى لم يعد هناك من يتجرأ أن يذكر اسمك في يقظته أو نومه ، فهلا تنام مرتاحاً وتترك لي الأمر كله .
    ***
    لا أعرف كيف أصبح بجواري هذا الشيء ؟
    كيف قربته مني وجعلته بين جلدي ونفسي ، حتى صرت أخاله أنا ، رغم رائحته النتنة وأسنانه الصفراء التي تشبه ابتسامته المقيتة ، كيف صار جزءا من القصر ، ولم يعد وجوده أو إلقائه للأوامر أمراً عجيبا ثم أصبح أمراً بديهيا جداً ، عندما يقول عشمان فان الملك قال ، وأي ملك ..
    إن حب الناس غايتي التي لا أدركها ، وسبب تعاستي حين لا أنام ليلي ، فكيف أستطيع جمعه بمالي أو بمنصبي ، كيف أتمكن منه وقد تمكنوا مني ؟
    في صباح اليوم جاءني ذلك الشاب ، عابس تطل نظرة حزم مذهولة من عينيه ، كأنه يحدق فيك وفي اللاشيء معاً ، كأنه لا يراك
    قال وهو يقترب من العرش :
    - لن يحبك الناس ، ولن تستطيع شراءهم مهما فعلت
    أعبس ، وأقربه بإشارة من يدي أكثر :
    - فكيف أفعل
    فيقول الشاب :
    - لعلك تستطيع لكنك لن تفعلها إلا رغمك .
    وينصرف تاركاً إياي في دهشة ، وفي الصباح يخبرني وزيري أنهم وجدوه معلقا في حبل غليظ يتدلى من شجرة البلوط الهائلة بجوار القصر ، أصرخ فيمن حولي ، لماذا ومن فعلها ؟ فيقول عشمان :
    - لعل كل من يقترب منك يلاقي حتفه ، خاصة إذا أزعجك ، تلك هبة يا مولاي
    فأصرخ فيه :
    وهل لك يد في هبتي هذه ؟
    فيقول عشمان :
    معاذ الله يا مولاي ، إنما لك الأمر ولا أنفذ دونك
    وعندما نمت ليلاً ، رأيت الشاب بذات النظرة يقف على باب حجرتي ، قمت مفزوعاً من النوم ، لكنه بذات النظرة ، يتحرك بخطوات رتيبة باتجاهي ، وإضاءة الغرفة تخفت تدريجياً ، وصوته في أذني كأنه همس صارخ ، إلى أن يلتهم الظلام كل شيء ، وأي شيء .
    *****
    هلم يا عشمان .
    صوته القوي في أذني ، أهرع بمنامتي إليه ، يخبرني أنه كان يحلم ، ثم يحلف أنه رأى ذلك الشاب الذي وجده مقتولاً على باب قصره ، يبدو كأنه لم يقتله ! كأنه لم يصدر الأمر ، ولم أنفذ أنا رغم أنفي !
    أغسل وجهه بالماء ، أضعه في حضني كما الطفل الصغير ، وعندما تهدأ أنفاسه ، يدفعني في صدري ، ويقول في غلظة : ابتعد عني يا نتن
    نظرتي جامدة كما تعودت معه ، لا أحمل بغضي وأظهره ، ولا أصرح بحبي وأعلنه ، أنا على الحياد في نقطة الصفر ، أؤمر فأطيع ، وليس لي من أمري شيئا ..
    كيف أبلغه أن الأمر انتهى ، وأن الأعداء قتلوا جميعاً وعلقناهم على أبواب القصر ، كيف سيتصرف حين يرى صديقه قائد الشرطة معلقاً من قدميه لأنه رفض تنفيذ أوامره بقتل الناس ، وكيف سيصدق أصلاً أنه من فعل ذلك وهو الذي ينسى كل شيء ، ويعيش براءته مع نفسه وحده ، براءة لا تستوطن إلا كيانه ولا يراها فيه أحد .
    الجثث المقطعة حول القصر في كل مكان ، لم يعد سواك يا مولاي وسواي ، مات كل من خالفك ، وبقيت أنت قائداً مخلدا ، وبقيت أنا حولك ومعك أمنعك وأحرسك ما استطعت .
    *****
    القصر في يومه العاشر بعد الثورة
    نقترب من القصر وصرخة النصر تداعبنا ، جثث الجنود علقناها حول أشجاره حتى يعرف قدرتنا ، وجعلنا قائد شرطته معلقاً من أخمصيه ، مقطوع الرأس مقطع الأوصال ، ولعل الرسالة وصلت ، إذ رأينا أضواء القصر تخفت ، والرماة يختفون من الأسطح ، ولم نعد نشاهد في القصر وعبر شرفاته ونوافذه إلا عشمان ، لا وجود للملك ، كأنه لا ملك .
    على بوابة القصر دخلنا ، انتصرنا على من تبقى من رجال ، وجدت عشمان يجلس بجوار عرش الملك ، ينظر لنا في شذر فقلت له :
    - جئت لأعلن لك سيطرة الثوار على قصر ملكك ، لقد صار القصر ومن فيه والبلاد في أيدينا الآن
    يبدو عشمان كأنه لا يسمعنا ، ينظر للملك الذي تحللت جثته على كرسيه ، يمسك بذراعه النتنة ، يناجيه بنظرات مفتونة ، ويقول:
    - لعلك تدرك الآن يا ملكي ، لم كل من يغضبك يموت .
    ينظر لنا طويلاً ، بنظرة جامدة كأنه يخترق الفراغ ، ولا شيء غير الفراغ .

    ****

    أحمد عيسى
    غزة – 29-7

    ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
    [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    يا لعشمان
    و يالأحمد عيسى اليوم
    وهو يرسم تلك اللوحات التي لا تنسى و لن تنسى من الذاكرة
    و كأنه يؤرخ للثورات من خلال عيون القصور
    من خلال أخص ما تحمل هذه القصور من أزلام
    كأنهم متطوعون وحدهم ليكونوا أكثر ملكية من الملك ذاته
    أدوارهم أكبر بكثير من دور ملك ميت على كر سيه
    و هذه النوعية موجودة ومنتشرة في القصور
    من قديم و من اعماق التاريخ و إلي وقتنا هذا
    انهم صناع الطاغية و انهار الدم

    بورك قلمك أيها الفارس
    استمتعت كثيرا معك برغم ما تحمل القصة من دماء و جثث !

    محبتي
    و كل سنة و أنت بخير وسعادة
    و رمضان كريم ياغزة
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 29-07-2012, 14:28.
    sigpic

    تعليق

    • عبير هلال
      أميرة الرومانسية
      • 23-06-2007
      • 6758

      #3
      لي عودة إن شاء الله


      لك أرق تحياتي


      وتقديري الكبير
      sigpic

      تعليق

      • ميساء عباس
        رئيس ملتقى القصة
        • 21-09-2009
        • 4186

        #4
        كل عام وأنت بخير وسعادة
        أيها الأديب الجميل أحمد
        مكثت في قصتك
        وعدت معك بالذاكرة الراسخة لقصور وملوك
        جميلة
        بوركت
        ودمت نقيا
        ميساء العباس
        مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
        https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

        تعليق

        • أحمد عيسى
          أديب وكاتب
          • 30-05-2008
          • 1359

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
          يا لعشمان
          و يالأحمد عيسى اليوم
          وهو يرسم تلك اللوحات التي لا تنسى و لن تنسى من الذاكرة
          و كأنه يؤرخ للثورات من خلال عيون القصور
          من خلال أخص ما تحمل هذه القصور من أزلام
          كأنهم متطوعون وحدهم ليكونوا أكثر ملكية من الملك ذاته
          أدوارهم أكبر بكثير من دور ملك ميت على كر سيه
          و هذه النوعية موجودة ومنتشرة في القصور
          من قديم و من اعماق التاريخ و إلي وقتنا هذا
          انهم صناع الطاغية و انهار الدم

          بورك قلمك أيها الفارس
          استمتعت كثيرا معك برغم ما تحمل القصة من دماء و جثث !

          محبتي
          و كل سنة و أنت بخير وسعادة
          و رمضان كريم ياغزة
          الحبيب الغالي
          أ ربيع
          اشتقت لك
          ولحروفك التي تعرف كيف تحل في مكانها الصحيح
          وكيف تعطي ما تريد
          اشتقت لنصوصك العبقرية
          ولأخوتك الصادقة
          أما عشمان
          فقد رأيته كثيرا
          وكنت أود منذ فترة لو كتبت عنه
          فهو يستحق ذلك أكثر من الملك
          اليس كذلك .؟

          تقديري أيها الغالي
          وكل عام وأنت بخير
          ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
          [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

          تعليق

          • عبير هلال
            أميرة الرومانسية
            • 23-06-2007
            • 6758

            #6
            بالفعل عشمان شخصيته هي الرئيسية


            بكل زمان ومكان


            وتواجده لن يتوقف


            على مدار التاريخ


            لهُ فصوله في الحياة المكروهة ..البغيضة..


            القدير أحمد عيسى


            في كل مرة أجدني متفاجئة من روعة

            قلمك وبهائه وتجدد نبضات الحياة فيه


            وسريانها في شرايين قلوبنا ...


            زادك الله من نعيمه




            كل عام وانت بألف خير وسعادة


            يا فاخر القلم وجميل الروح
            sigpic

            تعليق

            • أحمد عيسى
              أديب وكاتب
              • 30-05-2008
              • 1359

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة أميرة عبد الله مشاهدة المشاركة
              لي عودة إن شاء الله


              لك أرق تحياتي


              وتقديري الكبير
              سعيد بك في أي مرور زميلتي الراقية

              تقديري وودي
              ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
              [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

              تعليق

              • أحمد عيسى
                أديب وكاتب
                • 30-05-2008
                • 1359

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
                كل عام وأنت بخير وسعادة
                أيها الأديب الجميل أحمد
                مكثت في قصتك
                وعدت معك بالذاكرة الراسخة لقصور وملوك
                جميلة
                بوركت
                ودمت نقيا
                ميساء العباس
                الزميلة الجميلة المبدعة ميساء عباس
                وأنا سرني مكوثك هذا
                مع عشمان الذي يوجد منه نسخة كربونية في كل بلد وقطر
                ونعرفه جيدا
                سعدت بك أيتها الرائعة
                كوني بالجوار دائماً

                خالص تقديري
                ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                تعليق

                • دينا نبيل
                  أديبة وناقدة
                  • 03-07-2011
                  • 732

                  #9
                  أ / أحمد عيسى القدير ...

                  عشمان --- يتغير اسمه لكن يبقى بشخصيته عبر الزمان والمكان لا يتغيّر .. طالما أنّ هناك ملوكا ومحكومين

                  وطالما أن الوطن صار مملكة وضيعة لصاحب القصر ، حتى وإن كانت جمهورية ، حتى وإن كان بها برلمان .. فلتذهب الديمقراطية إلى الجحيم خشية أن يغضب سعادته !

                  نص جميل أ / أحمد .. كان رجوعك بالمتلقي إلى عصر الشنق والقصور والملوك موفقاً جداً لتثبت للقارئ أننا لم نتغيّر .. لا نزال بعقلية العصور الوسطى .. ولا تزال الناس تدهس تحت سنابك الخيول ..

                  راقني ما قرأت لك هنا .. واللغة كانت رائعة ..

                  تحياتي

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    أحمد عيسى
                    زميلي ورفيق درب مشيناه سوية
                    قرأت النص قبل أيام
                    وكتبت الرد لكني جوبهت بصعوبة توجيهه ولا أدري السبب بصفحتي أم أن الخلل عام
                    تذهب ردودي أدراج الرياح فأصاب بحالة من الغضب لأني أضع عصارة رؤاي ومجرد ذهابها يبعث الخيبة في النفس لأخرج من المنتدى كله
                    وهذه الحالة تكررت معي كثيرا فصرت أدخل لأقرأ وأخرج بحسرة
                    أحببت النص وهذه الهالة التي أحالت الآخر نسيا منسيا
                    نص مؤثر فعلا
                    ولأنك تبحث دوما عما يلامس الوجع العربي تؤثر فينا
                    محبتي لك
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    يعمل...
                    X