"
.
.
.
أي صديقي ، لا زلت على جلستك هذه ترقب الناس بالخارج ، يريدون أن يهموا بك ، وتظن أن باستطاعتهم أن يؤذوك أو يعكروا صفوا مزاجك الملكي ، خاب رجاؤهم مولاي ..
يقولها ويدور في فلك ملكه وصديقه ، حول عرشه الذهبي اللامع ، يرتدي طاقية كتب عليها اسمه ، ولم يعد يعرفه ، لأنه يراه بالمرآة مقلوباً ، ولا يناديه الناس الا باسم : عشمان ، وعشمان هذا حكاية متكررة فريدة في آن ، فهو يرافق الملك في كل مكان ، ولا ينام الليل حرصاً على راحته ، وعندما يحين أوان المطالب والمكافآت لا يطلب الا أقل القليل ، ويبدأ كلامه دائماً بكلمة : أتعشم منك يا مولاي ،فسماه الناس عشمان ، وصاروا يحبونه ويبغضونه ، الأولى لأنهم يحققون ما يريدون من الملك عن طريقه ، والثانية لأنه لا يؤتمن على سر أو صحبة ، وكل أخبار البلاد والعباد تنقل فوراً إلى ملك البلاد .
يجلس عند قدمي الملك ، ويستمر بالقول كأنه يحدث نفسه :
- ألا تراهم يا مولاي ، وجدناهم معلقين بالمشانق حول قصرك ، كأنه أمر الهي حتى يتعظ الناس ويخشوك ، وجدنا الأشجار وقد تجردت من أوراقها كما تجردوا هم من إنسانيتهم ووفائهم فصار سهلا علينا أن نرى من يدبر لك أمراً بليل ، وصارت لدينا أخبارهم بنومهم وصحوهم ينقلها لنا الناس والأحباب والطير والحجر والشجر حتى لم يعد هناك من يتجرأ أن يذكر اسمك في يقظته أو نومه ، فهلا تنام مرتاحاً وتترك لي الأمر كله .
***
لا أعرف كيف أصبح بجواري هذا الشيء ؟
كيف قربته مني وجعلته بين جلدي ونفسي ، حتى صرت أخاله أنا ، رغم رائحته النتنة وأسنانه الصفراء التي تشبه ابتسامته المقيتة ، كيف صار جزءا من القصر ، ولم يعد وجوده أو إلقائه للأوامر أمراً عجيبا ثم أصبح أمراً بديهيا جداً ، عندما يقول عشمان فان الملك قال ، وأي ملك ..
إن حب الناس غايتي التي لا أدركها ، وسبب تعاستي حين لا أنام ليلي ، فكيف أستطيع جمعه بمالي أو بمنصبي ، كيف أتمكن منه وقد تمكنوا مني ؟
في صباح اليوم جاءني ذلك الشاب ، عابس تطل نظرة حزم مذهولة من عينيه ، كأنه يحدق فيك وفي اللاشيء معاً ، كأنه لا يراك
قال وهو يقترب من العرش :
- لن يحبك الناس ، ولن تستطيع شراءهم مهما فعلت
أعبس ، وأقربه بإشارة من يدي أكثر :
- فكيف أفعل
فيقول الشاب :
- لعلك تستطيع لكنك لن تفعلها إلا رغمك .
وينصرف تاركاً إياي في دهشة ، وفي الصباح يخبرني وزيري أنهم وجدوه معلقا في حبل غليظ يتدلى من شجرة البلوط الهائلة بجوار القصر ، أصرخ فيمن حولي ، لماذا ومن فعلها ؟ فيقول عشمان :
- لعل كل من يقترب منك يلاقي حتفه ، خاصة إذا أزعجك ، تلك هبة يا مولاي
فأصرخ فيه :
وهل لك يد في هبتي هذه ؟
فيقول عشمان :
معاذ الله يا مولاي ، إنما لك الأمر ولا أنفذ دونك
وعندما نمت ليلاً ، رأيت الشاب بذات النظرة يقف على باب حجرتي ، قمت مفزوعاً من النوم ، لكنه بذات النظرة ، يتحرك بخطوات رتيبة باتجاهي ، وإضاءة الغرفة تخفت تدريجياً ، وصوته في أذني كأنه همس صارخ ، إلى أن يلتهم الظلام كل شيء ، وأي شيء .
*****
هلم يا عشمان .
صوته القوي في أذني ، أهرع بمنامتي إليه ، يخبرني أنه كان يحلم ، ثم يحلف أنه رأى ذلك الشاب الذي وجده مقتولاً على باب قصره ، يبدو كأنه لم يقتله ! كأنه لم يصدر الأمر ، ولم أنفذ أنا رغم أنفي !
أغسل وجهه بالماء ، أضعه في حضني كما الطفل الصغير ، وعندما تهدأ أنفاسه ، يدفعني في صدري ، ويقول في غلظة : ابتعد عني يا نتن
نظرتي جامدة كما تعودت معه ، لا أحمل بغضي وأظهره ، ولا أصرح بحبي وأعلنه ، أنا على الحياد في نقطة الصفر ، أؤمر فأطيع ، وليس لي من أمري شيئا ..
كيف أبلغه أن الأمر انتهى ، وأن الأعداء قتلوا جميعاً وعلقناهم على أبواب القصر ، كيف سيتصرف حين يرى صديقه قائد الشرطة معلقاً من قدميه لأنه رفض تنفيذ أوامره بقتل الناس ، وكيف سيصدق أصلاً أنه من فعل ذلك وهو الذي ينسى كل شيء ، ويعيش براءته مع نفسه وحده ، براءة لا تستوطن إلا كيانه ولا يراها فيه أحد .
الجثث المقطعة حول القصر في كل مكان ، لم يعد سواك يا مولاي وسواي ، مات كل من خالفك ، وبقيت أنت قائداً مخلدا ، وبقيت أنا حولك ومعك أمنعك وأحرسك ما استطعت .
*****
القصر في يومه العاشر بعد الثورة
نقترب من القصر وصرخة النصر تداعبنا ، جثث الجنود علقناها حول أشجاره حتى يعرف قدرتنا ، وجعلنا قائد شرطته معلقاً من أخمصيه ، مقطوع الرأس مقطع الأوصال ، ولعل الرسالة وصلت ، إذ رأينا أضواء القصر تخفت ، والرماة يختفون من الأسطح ، ولم نعد نشاهد في القصر وعبر شرفاته ونوافذه إلا عشمان ، لا وجود للملك ، كأنه لا ملك .
على بوابة القصر دخلنا ، انتصرنا على من تبقى من رجال ، وجدت عشمان يجلس بجوار عرش الملك ، ينظر لنا في شذر فقلت له :
- جئت لأعلن لك سيطرة الثوار على قصر ملكك ، لقد صار القصر ومن فيه والبلاد في أيدينا الآن
يبدو عشمان كأنه لا يسمعنا ، ينظر للملك الذي تحللت جثته على كرسيه ، يمسك بذراعه النتنة ، يناجيه بنظرات مفتونة ، ويقول:
- لعلك تدرك الآن يا ملكي ، لم كل من يغضبك يموت .
ينظر لنا طويلاً ، بنظرة جامدة كأنه يخترق الفراغ ، ولا شيء غير الفراغ .
****
أحمد عيسى
غزة – 29-7
عشمان
".
.
.
أي صديقي ، لا زلت على جلستك هذه ترقب الناس بالخارج ، يريدون أن يهموا بك ، وتظن أن باستطاعتهم أن يؤذوك أو يعكروا صفوا مزاجك الملكي ، خاب رجاؤهم مولاي ..
يقولها ويدور في فلك ملكه وصديقه ، حول عرشه الذهبي اللامع ، يرتدي طاقية كتب عليها اسمه ، ولم يعد يعرفه ، لأنه يراه بالمرآة مقلوباً ، ولا يناديه الناس الا باسم : عشمان ، وعشمان هذا حكاية متكررة فريدة في آن ، فهو يرافق الملك في كل مكان ، ولا ينام الليل حرصاً على راحته ، وعندما يحين أوان المطالب والمكافآت لا يطلب الا أقل القليل ، ويبدأ كلامه دائماً بكلمة : أتعشم منك يا مولاي ،فسماه الناس عشمان ، وصاروا يحبونه ويبغضونه ، الأولى لأنهم يحققون ما يريدون من الملك عن طريقه ، والثانية لأنه لا يؤتمن على سر أو صحبة ، وكل أخبار البلاد والعباد تنقل فوراً إلى ملك البلاد .
يجلس عند قدمي الملك ، ويستمر بالقول كأنه يحدث نفسه :
- ألا تراهم يا مولاي ، وجدناهم معلقين بالمشانق حول قصرك ، كأنه أمر الهي حتى يتعظ الناس ويخشوك ، وجدنا الأشجار وقد تجردت من أوراقها كما تجردوا هم من إنسانيتهم ووفائهم فصار سهلا علينا أن نرى من يدبر لك أمراً بليل ، وصارت لدينا أخبارهم بنومهم وصحوهم ينقلها لنا الناس والأحباب والطير والحجر والشجر حتى لم يعد هناك من يتجرأ أن يذكر اسمك في يقظته أو نومه ، فهلا تنام مرتاحاً وتترك لي الأمر كله .
***
لا أعرف كيف أصبح بجواري هذا الشيء ؟
كيف قربته مني وجعلته بين جلدي ونفسي ، حتى صرت أخاله أنا ، رغم رائحته النتنة وأسنانه الصفراء التي تشبه ابتسامته المقيتة ، كيف صار جزءا من القصر ، ولم يعد وجوده أو إلقائه للأوامر أمراً عجيبا ثم أصبح أمراً بديهيا جداً ، عندما يقول عشمان فان الملك قال ، وأي ملك ..
إن حب الناس غايتي التي لا أدركها ، وسبب تعاستي حين لا أنام ليلي ، فكيف أستطيع جمعه بمالي أو بمنصبي ، كيف أتمكن منه وقد تمكنوا مني ؟
في صباح اليوم جاءني ذلك الشاب ، عابس تطل نظرة حزم مذهولة من عينيه ، كأنه يحدق فيك وفي اللاشيء معاً ، كأنه لا يراك
قال وهو يقترب من العرش :
- لن يحبك الناس ، ولن تستطيع شراءهم مهما فعلت
أعبس ، وأقربه بإشارة من يدي أكثر :
- فكيف أفعل
فيقول الشاب :
- لعلك تستطيع لكنك لن تفعلها إلا رغمك .
وينصرف تاركاً إياي في دهشة ، وفي الصباح يخبرني وزيري أنهم وجدوه معلقا في حبل غليظ يتدلى من شجرة البلوط الهائلة بجوار القصر ، أصرخ فيمن حولي ، لماذا ومن فعلها ؟ فيقول عشمان :
- لعل كل من يقترب منك يلاقي حتفه ، خاصة إذا أزعجك ، تلك هبة يا مولاي
فأصرخ فيه :
وهل لك يد في هبتي هذه ؟
فيقول عشمان :
معاذ الله يا مولاي ، إنما لك الأمر ولا أنفذ دونك
وعندما نمت ليلاً ، رأيت الشاب بذات النظرة يقف على باب حجرتي ، قمت مفزوعاً من النوم ، لكنه بذات النظرة ، يتحرك بخطوات رتيبة باتجاهي ، وإضاءة الغرفة تخفت تدريجياً ، وصوته في أذني كأنه همس صارخ ، إلى أن يلتهم الظلام كل شيء ، وأي شيء .
*****
هلم يا عشمان .
صوته القوي في أذني ، أهرع بمنامتي إليه ، يخبرني أنه كان يحلم ، ثم يحلف أنه رأى ذلك الشاب الذي وجده مقتولاً على باب قصره ، يبدو كأنه لم يقتله ! كأنه لم يصدر الأمر ، ولم أنفذ أنا رغم أنفي !
أغسل وجهه بالماء ، أضعه في حضني كما الطفل الصغير ، وعندما تهدأ أنفاسه ، يدفعني في صدري ، ويقول في غلظة : ابتعد عني يا نتن
نظرتي جامدة كما تعودت معه ، لا أحمل بغضي وأظهره ، ولا أصرح بحبي وأعلنه ، أنا على الحياد في نقطة الصفر ، أؤمر فأطيع ، وليس لي من أمري شيئا ..
كيف أبلغه أن الأمر انتهى ، وأن الأعداء قتلوا جميعاً وعلقناهم على أبواب القصر ، كيف سيتصرف حين يرى صديقه قائد الشرطة معلقاً من قدميه لأنه رفض تنفيذ أوامره بقتل الناس ، وكيف سيصدق أصلاً أنه من فعل ذلك وهو الذي ينسى كل شيء ، ويعيش براءته مع نفسه وحده ، براءة لا تستوطن إلا كيانه ولا يراها فيه أحد .
الجثث المقطعة حول القصر في كل مكان ، لم يعد سواك يا مولاي وسواي ، مات كل من خالفك ، وبقيت أنت قائداً مخلدا ، وبقيت أنا حولك ومعك أمنعك وأحرسك ما استطعت .
*****
القصر في يومه العاشر بعد الثورة
نقترب من القصر وصرخة النصر تداعبنا ، جثث الجنود علقناها حول أشجاره حتى يعرف قدرتنا ، وجعلنا قائد شرطته معلقاً من أخمصيه ، مقطوع الرأس مقطع الأوصال ، ولعل الرسالة وصلت ، إذ رأينا أضواء القصر تخفت ، والرماة يختفون من الأسطح ، ولم نعد نشاهد في القصر وعبر شرفاته ونوافذه إلا عشمان ، لا وجود للملك ، كأنه لا ملك .
على بوابة القصر دخلنا ، انتصرنا على من تبقى من رجال ، وجدت عشمان يجلس بجوار عرش الملك ، ينظر لنا في شذر فقلت له :
- جئت لأعلن لك سيطرة الثوار على قصر ملكك ، لقد صار القصر ومن فيه والبلاد في أيدينا الآن
يبدو عشمان كأنه لا يسمعنا ، ينظر للملك الذي تحللت جثته على كرسيه ، يمسك بذراعه النتنة ، يناجيه بنظرات مفتونة ، ويقول:
- لعلك تدرك الآن يا ملكي ، لم كل من يغضبك يموت .
ينظر لنا طويلاً ، بنظرة جامدة كأنه يخترق الفراغ ، ولا شيء غير الفراغ .
****
أحمد عيسى
غزة – 29-7
تعليق