القراءة الرابعة : قصيدة ( مطر أزرق ) - يحي الحسن الطاهر .
د . مرتضى الشاوي
من البديهي أنّ النص المفتوح قابل لكلّ قراءة تأويلية توصف بالموضوعية ، فليس هناك حكم قطعي مادام النص معزولاً عن منتج النص .
فاللون عنصر من عناصر الجمال بل عنصر من عناصر الكون ، ومفردة من مفردات الوجود .
تشتمل القصيدة على عدة عتبات :
تتضمن عتبة العنوان الرئيس ( مطر أرزق ) أبعاداً مجازية ودلالة تجاذبية في حركة الوجود بصفائه الواسع .
لهذا السبب اختار الشاعر مفردة ( المطر ) في دلالتها الإيحائية مع اللون الأزرق ، بالرغم من شفافيتها تمثل لوناً مناسباً أكثر دلالة في صفائه وعمقه الجذاب ، فجاء نعتاً لموصوف وقع خبراً لمحذوف وهو معلوم في نفس المتلقي .
لكنّني لا أجد هناك رابطاً دلالياً بين موضوعة ( مطر أزرق ) وبين موضوعة ( الليل ) .
تبدأ القصيدة بعبارة ( السوناتا الأولى ) : وعنوانها الليل ، فيشعر المتلقي بأنّ هذه الأولى وتلحقها الثانية والثالثة على التوالي .
وهو عنوان ثانوي يمثل عتبة هامشية في توظيف أبعادها مع النص بوصفه ترنيمة من ترانيم الوجود .
إنّ الليل في فكر الشعراء الغذاء الكامل والفيض المعطاء الذي لا ينقطع في رفد أشعارهم فهو موضوعة عامة ذات أبعاد نفسية في الخطاب الشعري بكلّ أنواعه ومفردة تشعيرية تمثل للشاعر عتبة فرعية مكملة للعتبة الثانوية .
إنّ الشاعر قسم العنوان على ثلاثة عتبات :
الأولى : مطر أزرق يمثل العنوان الرئيس العام
الثانية : السوناتا الأولى : يمثل العنوان الثانوي
الثالثة : الليل يمثل العنوان الفرعي .
وكلا العتبتين الثانية والثالثة هامشيتان مكملتان للأولى ، إلا أنّ لا دلالة للعتبة الأولى على النص فهو عنوان خارج مساحة النص وبعيد عنه ، وكذلك العتبة الثانية .
ربما هذا التقسيم الذي أوجده الشاعر لا ينسجم مع بناء القصيدة العربية الحديثة فليس كلّ شيء مترجم يصلح فنياً على الرغم من حداثته .
بدأ الشاعر بعتبة النص بتوصيف معتم الجوانب بدلالته مخاطباً الفكر والعقل لا العاطفة والانفعال الوجداني .
لقد اتخذ من عنصر المجاز جسراً في أنسنة الأشياء ، فالليل عنده رحم مغلق كالأعمى الذي لا يبصر شيئاً ، وهو حامل معه سرّه الغامض كأنّه وعاء وفي أحضانه ينطلق الوجود في أثناء نموه في ولادة حتى ينتفخ ويصبح كالبالونة ، وسرعان ما يتدفق الوجود كالوليد بعدما تبزغ أشعة النهار، فتثقب ذلك البالون الرقيق بطبيعة انسيابية للظهور ، فيخرج منها النهار وكأنّه جنيناً فصيحاً ناطقاً بألسنة واضحة بينة ، وهذا الظهور بلسانه الناطق تتجاذب معه الطبيعة بأسرها في انبعاثها واشتياقها .
الليل رحم أعمى
يلد النهار جنيناً فصيحاً
في ( سلة ) الليل يتكور الوجود
جاعلا من الليل ( بالونة ) يثقبها ( دبوس ) النهار
فيتدفق [ في ] حينها الوجود
فالليل بسواده يتراءى من بعيد كالغابات المزدحمة بالأشجار التي تفيق إفاقة طبيعية حركية مصاحبة للوجود كأنّها إنسان قد استيقظ من نومه يفيق وهي في بهجتها تمرح على مدى أصوات العصافير لتبدأ الحياة من جديد في باكورة الصباح في ترانيم وتداخل صوتي لكثرتها تشبه الضجة أو الفتنة في حالة الإزدحام ، وقد ثارت ثم هدأت لأنّها في حيرة خروجها من سبات لتخرج إلى ولادة حقيقية جديدة .
غابات أفاقت من نومها [ التوة ]
[ على ] شقشقات عصافير بهيجة
وتتفاجأ الإذن المنصتة فيأخذه الانبهار من ضحك فاضح مستبشر لكنّ تغريدها قبل النوم وقبل حلول الظلم في ابتهاج أثناء النهار في حرية مطلقة يدعو إلى الاستفهام المجازي الذي يخرج الى التعجب من حالتين مختلفتين .
حين تنصت إليها تضحك
من كونها تحتار
كيف تنسى ما كانت تغرّده قبل النوم
من ( نوتات ) مرحها الحر الطليق ؟ !!
يشعر المتلقي هناك أكثر من مقارنة فنية في الثنائيات الضدية التي قد وظفها الشاعر في إضفاء بعداً دلالياً في التوازي الفني :
1- استعمال مفردتي الليل والنهار وكلتا المفردتين متضادتان في البعد الزماني .
2- وصف الليل برجل كبير أعمى غامض في دلالته يقابله النهار بجنين فصيح واضح .
3- انتفاخ الليل بهمومه وأحزانه كالبالون أما أشعة النهار فهي أشبه بآلة حادة مدببة قادرة على تثقيب النهار .
4- أصوات العصافير منظمّة في تغريدها طيلة النهار في حرية مطلقة على عكس أصواتها بعد خروجها مشقشقة هادرة مزدحمة بسبب السكون والظلمة .
استفاد الشاعر من آلة التصوير الفني بأبعادها الطبيعية في تجاذبها مع حركة الإنسان وهو تصوير من باب الوصف العرفاني في تأمل مسيرة الإنسان في الوجود .
من المآخذ الفنية والأسلوبية :
1- توجد ثلاث عتبات مختلفة دلالياً تثقل النص الأدبي ويصعب على المتلقي تذوقه وفك شفرات رموزه .
2- يؤخذ على الشاعر استعماله مفردات دخيلة على العربية منها ( السوناتا ، بالونة ، دبوس ، نوتات ) يفترض أن يكون كل دخيل ومعرب بين قوسين ( ) إلا أنّ الشعر المعاصر يضفي جانباً من تشعير بعض الكلمات التي لها وقع في حياتنا العصرية مثل مفردة ( سلة ) لدلالتها على الوعاء الحاضن للزهور لكثرة استعمالها .
3- وردت مفردة ( علي ) في عبارة ( علي شقشقات بهيجة ) وأظنّها ( على ) حرف جر .
4- وردت مفردة ( يتكوّر ) في النص فهي لا تستقيم دلالياً كفعل مضارع مع الوجود ، لأنّ التكوّر يراد به التدوير مثل لفّ الأشياء كالعمامة وقيل ذهاب الضوء عن الشمس والقمر ، وقد وصفت الوجود لاحقاً بأنّه متدفق فقلت ( فيتدفق حينها الوجود ) وهو انبعاث مثل الماء ، أليس .
5- لا ضير في استعمال حرف الجر ( في ) قبل مفردة ( حينها ) فتصبح ( فيتدفق في حينها الوجود ) .
6- وردت مفردة ( للتو ) بالرغم من أنّ ( التو ) تعني الفرد مثل جاء للتو أو التو بمعنى جاء فرداً وحده أو جاء تواً بمعنى جاء قاصداً لا يُعرّجه شيء ، أما إذا أردت الزمن فاستعمال ( التوة ) تعني الساعة من النهار أو الليل هو الأصح .
7- استعمال مفردة ( الوجود ) لها دلالات فلسفية متعددة مثل الكون أو الثبوت أو التحقق أو الحصول أو الشيئية ، ربما لم يفصح النص عنها بوضوح وكلّ ما أردته الوجود المقابل للعدم وهو بديهي أنّه مدلول للفظ دون آخر .
الإحالات :
مطر أزرق - ليحي الحسن الطاهر
السوناتا الأولى :
الليل
الليل رحم أعمى...
يلد النهار جنينا فصيحا..
في سلة الليل يتكور الوجود
جاعلا من الليل بالونة يثقبها دبوس النهار:
فيتدفق حينها الوجود
غابات أفاقت من نومها للتو
علي شقشقات عصافير بهيجة
حين تنصت اليها تضحك :
من كونها تحتار
كيف تنسي ما كانت تغرده قبل النوم
من نوتات مرحها الحر الطليق!!