فى العاشر من يوليو الماضى .. جلست الجده .. تلك المراءه التى تبدوا لك للوهلة الأولى .. من العزة و الروعة البادتيان على وجهها كما لو كانت سليله بيت على قدر- لا بأس - به من الثراء.. تمشط شعر حفيدتها بشئ من السعادة .. و الترقب ..
إنها تفكر .. فى معاشها.. اليوم موعد تقاضيه .. تنتظر تلك العلاوه التى أقرها الدكتور الجنزورى، قال أنها ستطبق إبتداء من يوليو ... ثلاثون بالمئه مبلغ - ليس بالكثير - فشبح الأسعار يلتهم الأخضر و اليابس .. أخذت تقول لنفسها حسنا .. ثلاثمائة جنيهاً إيجار شقتى ، خمسون لفاتوره الماء و الكهرباء ، سبعون جنيها رسم كشف طبيب العظام ، مائتان و خمسون جنيها تكاليف عبوات الدواء ، ألا يكف هذا الطبيب عن كتابه هذه الأدويه الغاليه ؟؟ .. سأحدثه بذلك الزياره القادمه ، و لكن – الحمد لله - اليوم سأتوقف عن أجراء تلك الحسبة الممله .. كيف أستطيع إكمال الشهر دون أن أقترض بهذا المبلغ المتبق من النقود مائة و ثمانون جنيه ؟!! ..
ترى هل علاوة – الخمسه عشره بالمئه - التى أقرها رئيس الجمهوريه الدكتور / مرسي .. ستطبق هي الأخرى من اليوم .. يالله - لو حدث هذا- لتوقفت عن كل الحسابات و لعشت آخر أيامي هانئة ، و فجأه قطعت حفيدتها سيل أفكارها ...
- تيته .. أنا شعرى موش طويل .. ليه أخدتي وقت كتير تسرحيلى؟!
- خلاص يا حبيبه تيته خلصت .
ثم قامت فأرتديت، وحفيدتها ..زيا للخروج
- يلا يا علا علشان خارجين .
- هنروح فين يا تيته ؟؟
- هنجيب معاش تيته ياروحى .
- حاضر .
مضت المراءه .. فى طريقها إلى مكتب بريد المدينه .. تتحدث مع حفيدتها، تحملها تارة و تتركها تمشى تارة أخري .. فهى لا تقدر على حملها طوال الطريق ..
- عارفه يا علا .. النهارده بقا هجيبلك كل اللى إنتي عايزاه .
- حقيقي يا تيته ؟! .. هتجيبلى إيه ؟؟
- كل اللى إنتي عايزاه ..نخلص مشوارنا ، نروح السوق، و اللى تشاورى عليه عيوني ليكى .
- ميرسي ياتيته ..
قالتها الفتاه .. بعد أن منحت جدتها قبلة طفولية رطبه .. محدثة ذلك الصوت العجيب التى تحدثه - دوما – قبلات الأطفال ، و ما إن وصلت الجده إلى مكتب البريد حتي أوصت حفيدتها ..
- علا .. أوعي تمشى من هنا و لو حد ضايقك نادينى ..فاهمه ؟؟
- فاهمه يا تيته .
و دلفت المراءه لتنحشر فى طابور طويل متكدس متعرج .. إن رأيته من الخلف دون أن ترى لافته مكتب البريد ،لربما ظننته أحد أفران الخبز.. التى يقتل البشر فى طوابيرها ، و رائحه عرق المنتظرين تفوح لتثير إشمئزازك و ربما تختنق بعد وقت ليس بالطويل ..
- هذا نحن موظفى الدوله .. مكتوبة علينا الإهانة فى العمل و على المعاش .. ألا نرتاح يوما ؟!
كانت هذه كلمات غاضبه لإمراءه بالطابور ..أجابتها الجده ..
- نرتاح.. ها.. ها .. كيف ؟! كنت أتقاضى فى - سنوات عملى الاخيره - تسعمائة و خمسون جنيهاً مرتباً ثابتاً ، أضيفى إلى ذلك علاوتى و حوافزى .. كنت أتقاضى ألفاً و ستمائة جنية شهرياً ، و الآن بعد أن إزداد مرضى، إيجار شقتى ، زادت فاتورتى الماء و الكهرباء ، و أسعار السلع الغذائيه بعد أن زاد كل شئ نقص راتبي ..ليصل ثمانمائه و خمسون جنيهاً .. أهذا إنصاف ؟!
- إنصاف؟! .. حالتى مقاربة لحالتك .. لكننى قللت من متطلبات حياتي كي يتثنى لي أن أحيا- حياة كريمه - بهذا المبلغ التافه و لم أوفق .. فقررت أن أعمل فى حضانه للأطفال ، و كنت – من قبل - أحبهم إلا أنني الآن لم أعد أكره – فى الدنيا - شيئاً أكثر منهم .. أعود لبيتى فى سنى هذه ، و فى راسى صداع لا ينتهي .. من جلبهم طيلة اليوم .
- تفائلى .. خيراً هذا الشهر ..سنتقاضى علاوة الجنزورى، و ربما تغنيك عن العمل الإضافى.. ألا تدرين بداية من أى شهر ستطبق العلاوة التى أقرها الرئيس ؟؟
- لا أدرى .. الله أعلم .. فأنا لا أدرك ميعاداً محدداً- لشئ - يقر به ...
- أتمني أن تكون إبتداء من هذا الشهر ...
- أتمني ذلك أيضاً ...
طال بينهما الحديث، و شاركهم فيه بعض المنتظرين ... حتي أتى دور الجدة .. وقفت أمام الشباك فرحة ، و إنتهت لتخرج لحفيدتها ..
- شطوره ياعلا .. أنك ما روحتيش بعيد .. ثوانى أعد الفلوس، و نمشى على طول .
بدأت الجدة تحصى نقودها .. لترى هل العلاوتين معاً أم واحده فقط ؟! .. فلم تجد أياً منهما على الإطلاق، و خاب املها .. ستعود - من جديد - لنفس الحسابات الحمقاء ..حينئذ أمسكت بيد حفيدتها لينصرفا ..
- علا هعلمك مثل ، و تردديه ورايا ..
- حاضر يا تيته .. بس ايه يعني مثل ؟
- مثل .. يعني .. يعني كلام الناس اللى سبقونا قالوه ..( زى التاريخ اللى بتاخديه فى المدرسه ) .. قولى ورايا بقا .. ( تمخض الجمل فولد فأرا) .
- يعني إيه يا تيته ؟
- يعني حد كنتى منتظره منه حاجه كبيره أوى و ماعملش حاجه خالص .. قوليه كده بقا ...
- حاضر يا تيته .. تمخض الجمل فولد فقرا ..
همت الجده لتراجع حفيدتها.. تصحح لها المثل ، و لكنها - ما إن – إنتبهت - لما - نطقت به حفيدتها حتي تمتمت مخاطبة نفسها ..
- لا بأس ... هكذا أفضل على أية حال .
تمتـــــــــــــــــــ
بقلمي
رباب السنهوري
تعليق