رسالة خاصة جدا ( مجموعة قصصية )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    رسالة خاصة جدا ( مجموعة قصصية )

    قصص

    رسالة خاصة جدا
    تأليف
    ربيع عقب الباب
    الكتاب : رسالة خاصة جدا
    الكاتب : ربيع عقب الباب
    الناشر : مطبعة دار الإسلام
    الطبعة الأولي : في يوليو2012-07-26
    لوحة الغلاف :
    رقم الايداع :
    الترقيم الدولي :
    الإهداء
    إلي جوهرة تسكن
    دمي و أوردتي
    كوطن
    كآية قدسية
    تنير عتمة جموحي
    وتعلنني ربيعا دائما
    إليها .. حيث لا أحد !
    قصّتي معه

    * من يكون هذا ؟
    سأل نفسه بعد أن هيأ فنجان قهوته و أشعل لفافته و أدار شاشة حاسوبه بما يناسب جلسته (المأخوذة بنفسها) .
    انتقل بسرعة لصفحة "آخر المشاركات" ، مرّرها أمام عينيه ، بعد أن شدّ عضلاتهما كمن يعتصرهما ، يدقّق النّظر ، ففاجأه اسمه ثانية يتكرّر في معظم المشاركات ، يسأل ثانية : من هو هذا ؟
    لم يتوقّف للحظة ليجيب أو يحاول ، بل قفز بالمتصفّح إلى مكان آخر .
    لكنّ "الملحاح" ، ظلّ يقفز إلى مقدّمة الشريط المتحرّك ، طيلة ساعتين . لم يتجاوز تكرار السؤال ، و لم يشدّه الفضول ، فيدفعه لموضوع يحمل اسم الرّجل.
    أغلق الحاسوب ، ألقى نظرته المعتادة على الصورة مقابل مكتبه ، حدّق قليلا ، تأمّل استودعه ثمّ مضى لسريره...
    في العتمة ، من على سفوح وسادته ، قفز الاسم ثانية لشريط المراجعة اليومية الصامتة خلف الحدقات ، بعد أن تسدل الستار ، كما يفعل عادة ، يُلقي بكلّ جديد يطرأ على الشريط الصامت ، ألقى به أمام عصافيره المدرّبة على النّقر ، ، فلم تقبل عليه ، شمشمته ، دحرجته ، عبثت به لكنّها لم تمدّ مناقيرها .. إلى أن "تغمّده" النّوم .
    في اليوم التالي ، تكرّر ما كان ، لأن عصافيره المدرّبة على نقر الجديد ، و الحفر و التنقيب فيه ، و ربّما تبني أعشاشها أحيانا ، لا تعمل إلا على سفوح وسادته في طقوس الصمت ، اضطرّ أن يتتبّع و ينظر و يتأمّل و يقرأ .. فاستهجن ..
    يقفز هذا "الملحاح" من القصيدة للغناء الشعبي للنثر الأدبي للسخرية و المقالة .. ، كحسّون يعتدّ بألوان ريشاته ، و صوت زقزقته ، يتنقّل من غصن لغصن ، يخطف الأبصار بسرعته و خفّته ..
    ابتسم و هو يعيد السؤال على نفسه للمرّة الألف ، لكن لأول مرّة يقف محاولا الإجابة ... هزّ رأسه نافيا بقوّة ، لم أسمع عن هذا أبدا ..
    فقال لنفسه ، تريّث ، لا تبقى رهين السرعة و التّسرع و العنجهيّة ، فلم تمض على عودتك إلا سنتان أو أكثر قليلا ، بعد غياب قارب العقدين ، فأنت لا تعرف كلّ ما نسجت الفصول من خيطان الوجد بمغازل الزّمن ، فربّما يكون إحدى "المُطرّزات" و أنت لا تعلم ...
    تمتم : قد يكون ، لكن لا وقت الآن لدي.
    لكنّه الملحاح ظلّ في مكان ما ، يطلّ بين الفينة و الأخرى برأسه ، من خلف الحدقات ، سيان كانت أسدلت الجفون أم ظلّت مشرعة ...
    من بين هذه الطلات ، اقتحم الجدار ، فكانت المحاولة الأولى للتّوقّف : ربيع ؟ ... ربيع ؟؟
    جميل أن تحمل إحدى الفصول تحت معطفك .. لكن عقب الباب ؟؟ خلفه ؟ أم بعده ؟ تجوز هذه و تجوز تلك . فإن كان خلف الباب ، فهو في ساحة الدّار ، و إن كان بعد الباب ، فهو خارج ساحة الدار .. لمسة فلسفية ، تجمع بين الخارج و الدّاخل ، بين ما عندك و ما عند غيرك . لماذا ترى يقف الرّبيع خلف الباب ؟؟ هل الرياح ما زالت شديدة و البرد قارصا و المطر عاصفا ، و الرّعود تطارد الورود و العصافير.. أينتظر زرقة صافية و شمسا ساطعة ؟؟ .. هذا ليس اسما مطلقا ، إنّه توصيف .. على شاكلة الأسماء الطويلة التوصيفية في التاريخ الإنساني : مثل اسم أحدهم "شجرة الغابة ذات الخشب الأحمر" ، أو "أنا في طريقي" ، "القمر العائد" ، "صديق كلّ الناس" ، "مكان التقاء الجبال بضلع البحر" تخيّل أن يكون اسمك واحدا من هذه الأسماء!!
    ابتسم ، هزّ رأسه ثم قال و هو يقلب الصفحة: اسم محمّل بالإمكانيّات الفنية ، ترى من كان يملك هذه البديهية الفنية البسيطة الزخمة ؟؟
    في تلك الليلة ، نقرته العصافير ، حفرت به بعض الثقوب .. في الصباح أدرك أن توصيف "ربيع عقب الباب" أصبح في الدّاخل ، لكنّ الرّجل ، ما زال في الخارج.

    مرّت أيام كثيرة ، تتدحرج بعضها فوق بعض ، في كلّ ليلة ، تحمله العصافير في طقوس الصمت ، تنقره ، "تُفلّيه" ، تحمله على أجنحتها ، تشدّه .. ترخيه ، إلى أن صار قطنا مصريا منفوشا ، أبيض كالثلج ، طويل القامة..
    عندها قرّر أن يقرأ ...
    طرق باب إحدى القصائد ، فتحت الباب ، رأى وجهها من السطر الأول ، من على الغصن الأول ، في السطر الثاني ، فرّ كطير مذعور..

    أغلق المتصفّح و فتح آخر ، لكنّ الطعم ظلّ تحت اللسان ، تردّدت أصابعه على لوحة المفاتيح ، قرّر أن يمضي لحاله ، دخل موضوعا آخر ، في منتصف الطريق لاحظ شرود ذهنه ... و الطعم ما زال متسلطا تحت لسانه .
    يطلّ الملحاح برأسه من خلف الحدقات .. قرّر أن يعيد الكرّة ، دخل "القصة" ، من نظرتين أدرك أنّ عليه أن يكون أبطأ..

    أعاد من الكلمة الأولى في السطر الأول ... في الطريق ، تعثّر فأدرك فشل السرعة ، عليه أن يكون أبطأ..

    منذ رحل عن الشرق ، تدرّب على السرعة عنوة ، رفضها في البداية ، تلكأ بشرقيّة مستفزّة ، فسحقته عجلات القطار عشرين ألف مرّة ، إلى أن خضع و أذعن للسرعة .. الآن عليه أن يعود شرقيا .. ليسير أبطأ..
    أعاد ما بدأ ... لكن لم يحظ بشيء من اللآلئ ، فأعاد و هو عازم أن يكون أبطأ..
    أبطا.. أبطأ ... إلى أن عدّل "الريثم" شرقيّا أصيلا...

    كيف ستسمع زقزقة طيور الشرق مسرعا ؟
    كيف يمكنك محاورة المحار ، ليتخلّى لك عن لآلئه ، و أنت "ترطن" بسرعة الضوء .. و المحار يتلكأ كما الموج..
    فرغ من القصّة الأولى ، أرجع كرسيه للخلف و تمطى فوقها ، يسترخي كجمل تخفّف من حمل ثقيل .. يشعر بشيء من الدّوار.. بعض الكلمات يتردّد صداها في فراغ جمجمته .. صدى حائرا لا يستقر في مكان الفهم .. بحث لها عن دواء في المعاجم .. و ظلّ يبحث حتى استقر..
    تمتم بينه و بين نفسه : تلقّنت درسا قاسيا اليوم .. أليس كذلك؟
    حاول الهرب .. لكنّه اعترف..
    أغلق حاسوبه مبكرا على غير العادة ، ثمّ هرب لوسادته .. كان مشغول الفكر أكثر مما ظهر متعبا.. انتظرته العصافير ، "الرّبيع" محمّلا على أجنحتها ، تنتظر الصمت ، لتضع أوّل قشّاتها في أول عش ستبنيه ..
    سرقه النّوم و هو يردّد : مُتْعِب أنت يا ربيع .. مُتعب جدّا..
    تدحرجت الأيام ثانية بعضها فوق بعض ، و صار "ربيع عقب الباب " التوصيف و الرّجل ، في الدّاخل .. في ساحة الدّار..
    يلاحقه من مكان لمكان فوق أغصان الدّوح ، يحمل المعاجم و يلاحقه ..
    لم يتعب ، لكنّه اكتشف مغامرة جميلة في الرّقص ما بين النثر و الشعر ، ما بين التراب و السّحاب .. ما بين خرير الماء و أبواق السيارات في ميادين القاهرة ..
    تجربة فريدة ، متعة فريدة ، شرقيّة فريدة ، أصالة فريدة ، صراخ ، بكاء ، غناء ، نواح ، ثورة سكون ، وعورة سلاسة ، حنوّ خشونة ، عصافير و أفاعي . أنهر و واحات و صحاري ، عواصف و سحب و غمام ...
    أغلق الحاسوب و هو يقول : مجنون أنت يا ربيع .. مجنون ... مجنون أربعة و عشرين قيراطا..
    أسند رأسه لكفّه ، ضغط و أغمض عينيه ، أرجع عنقه للخلف .. أكثر ما يستطيع ، يشعر بصداع قوي ، تذكّر أنه بالغ في السّهر و احتساء القهوة و التبغ ، أخذ قرص أسبرين ، أصابعه بطيئة الحركة .. مدّ يده أمام وجهه ، تمتم و هو يرى كفّه ترتجف : هذا بسببك أيها المجنون ..
    وصل الهاتف متثاقلا : يا جميلتي ، لن أتي اليوم للعمل ، أرجوك الغي كلّ المواعيد
    - ما المشكلة؟
    - لا ... لا مشكلة ، لكن يبدو أنّني أصبت بحمّى الرّبيع
    - حمى الرّبيع؟ قصدك وهن الرّبيع
    - لا .. لا حمى الرّبيع.
    صمتت مستهجنة ، فأنهى المحادثة و ألقى بنفسه على مقعد قريب.
    تائه ، حائر لا شيء محدّد في ذهنه ، كمن غرق في الفراغ ، يجلس فوق بالون منفوخ ، يحرّكه في كلّ الاتّجاهات ، عيناه متورّمتان ، رجلاه ثقيلتان ، رأسه يطفو فوق سطح الماء ، تتقاذفه و تدغدغه موجات غريبة ، طنين في أذنيه ..
    كان الشرق بطعم مختلف ، نحتته مساءات الحصاد عند الزيّات ، و عصافير توفيق الحكيم ، و لبلاب محمد عبد الحليم عبد الله ، و أجنحة فيروز ، و كثيرون .. كثيرون ، ثم خفتت فوانيسه ، التهمه الغرب في خطاه المسرعة عبر شوارعه ... فتأتي أنت أيها المجنون في آخر الزّمان ، لتمسح عنه الغبار ، ترسمه من جديد بلون مختلف.. ابتسم ... شتم .. هزّ رأسه بعنف ، فأوقفه الألم .. تأوّه ، أسنده بكفه ثانية..
    قرّر طرده من ثيابه .. فاكتشفه في لحمه ، طرده ، فإذا به في عظامه ، طرده.. لكنّ العصافير كانت أسرابا أسرابا ، تبني أعشاشها في حقول القطن..
    جمّع قواه و قرّر التّخلص من هذا الرّبيع المجنون و شرقه ، سيستعين بكلّ الأسلحة .. أخرج برامز و جلس يستحمّ تحت شلالات تأوّهات البيانو .. سأمسح كلّ شيء ، قال بخشونة.
    لحظات فإذا الرومانسيّة شرقيّة المذاق .. شتم ... أتى بتشايكوفسكي .. نحيب الأوتار .. يعتصر الشجن من النواة ، و الشجن رومنسيّا ، و الرومانسيّة شرقيّة المذاق... ذهب لفيفالدي ، خرج الربيع من بين الفصول .. شتم .. و ردّد : ملعون هذا الصباح .. ماذا تريد ؟؟ اذهب لحالك يا ربيع و دعني في معاطفي الشتوية
    لكن الطنين كان عاليا ، تجمّعت أسراب النّحل و الربيع يقودها ، يضع إكليلا من ورق الحلفا على رأسه ، يعتلي الهودج ، و خلفة قافلة من الجمال محمّلة منّا و سلوى .. يحطّ النحل على راحتيه و كتفيه ، و في كلّ مكان ، يفرغ جرار الشهد ، يقهقه كلّما لسعته واحدة .. يصرخ في القفار الممتدّة في ثنايا الرّوح كمعتوه : "الرحيق روحي".. الرحيق روحي .. فيتسارع النّحل كمن ضربته السياط..
    "ينتشي و لا يرقد" ..
    يهرع الأطفال ، يصرخون جاء "الملك ميداس" .. جاء الملك ميداس ، يتحلّقون حوله ، ينزل عن هودجه ، يتربّع فوق مصطبة في صدر المكان ، يأخذ نرجيلته و ينفخ فيها ..
    "قرقرة" الماء في نرجيلته كما "الانهيارات" ... كموسيقى الطّبول قبل بدأ المشهد ، يظهر من خلفها دونيسيوس و جوقته ، تراه واحدة ، فتهمس لسيّدها : أنظر لذلك "البهلوان"
    يتقدّم ، و يقدّم له كأس نبيذه ، ينفخ الربيع في نرجيلته و يقول : لم تعد لي رغبة فيها
    تتقدّم إحدى الوصيفات ، تمسح على شعره مرّتين : "العمر لحظة" ، يا بهلوان .. دعني أكون "أنا أنثاك"
    و كما النار في الهشيم تصرخ الثانية : أنا ..
    الثالثة : بل أنا...
    هرج و مرج .. يدير ظهره و يختفي كما "ساحر النّهر" ، يغضب دونيسيوس ، يرشق النّبيذ بوجوه وصيفاته و يصرخ : اللعنة ، من أجل من هذه الخيانة ؟ أمن أجل إحدى البابات ، نافخ النرجيلة كآخر الشياطين؟؟!!
    عندما كان يدير ظهره ، بان من تحت ثيابه جرح عميق ، "ينزف" دما قانيا .. ينزف ... ينزف ... ينزف بصمت.
    نفض رأسه بقوّة ، تأوّه ثانية فأسنده بكفّه : ما هذا الحلم .. ما هذا الكابوس ؟ أهذه ليالي الصبابة و الموت؟؟
    شعر فجأة بالحنين .. حنين خفيّ رفيع كخيط الماء في أرض شقّقها الظمأ.
    قام لحاسوبه ، فتح المتصفّح و بحث عنه .. بحث عنه بالاسم : ربيع عقب الباب .. هو بالضّبط . لأوّل مرّة يبحث عنه هو بالضبط .. لأوّل مرّة منذ الطفولة الأولى يحسّ الشرق منتصرا..
    - هل تظلّ اللّغة ، لغة بعد أن تصبح عجينة صلصال؟ قال و هو يلتقط حصاة من على جانب الطريق ، يقذفها نحو حقول الذرة في الناحية الثانية من ماء الساقية ، سمع صفق أجنحة ثمّ فزّت أسراب من طيور السمّن ، كموجة فلتت عن جبين البحر مذعورة ، تحلّق نحو الأزرق خلف النّجوم .
    قاطع صدى سؤاله فيه و قال بهدوء: هذه لغة أيضا.
    لم يكن حزينا ، بل كان كشجرة تفّاح أثقلتها الثمار ، فخرج يبحث عن علاقة بين الصلصال و اللغة .
    نقف هنا .....
    نقف هنا ، بعد أن بيّنت بأدقّ التّفاصيل الخفيّة ، علاقتي الصامتة مع أخي الفنان الكبير و أستاذي ربيع عقب الباب ،
    ربيع عقب الباب ، ظاهرة حيّة كنت أبحث عنها ، لأجيب على سلسلة من الأسئلة تشغل بالي ، و لأبلور أخرى.
    هذا الرّجل يكتب الرواية و يكتب القصة القصيرة و القصة القصيرة جدا ، يكتب الحكاية ، الشعر و الشعر بالعاميّة ، و المسرح ...الخ فلا عجب بهذا ، إذ أنّها كلّها أزياء مختلفة لذات الجسد ، و سنعرض بعض النّماذج لهذا الجسد :-

    1. الأنموذج الأول : استخدام اللغة كأداة تفاهم و اتّصال بين البشر (أداة اجتماعية) للتعبير عن جزء من مكنونات عالم داخلي ذاتي ، ممزوج بين القليل من الذاتية الخالصة ، و الكثير جدّا من الذات كفرد من أفراد المجتمع ، أي تعبير عن المكنونات الدّاخلية تحت رقابة الذات التي لم تخرج عن كونها فرد من أفراد المجتمع ، أي ما زالت مكبّلة بقوانينه ، و هذا هو ما نسميه الأدب.
    2. الأنموذج الثاني : يكتب الشعر أيضا ، و الشعر هو تعبير عن حالة وجدانية خاصة ، أي أكثر ذاتية ، أعمق في الذات ، أكثر تحرّرا من حقيقة كون الذّات فردا من أفراد المجتمع ، لكن بنفس الأداة اللغوية التي (اللغة كأداة اجتماعية عامة) تستخدم في الأنموذج الأول، و لأنّ الحالة أكثر ذاتية و أكثر وجدانية ، و أبعد عن الذات الاجتماعية ، يحصل تغيّرات و إزاحات في هذه اللغة ، إلى درجة أنّني أستطيع القول ، بأنّها حالة لغوية خاصة ، و الخصوصيّة فيها تبرز ، في :
    *** اعتنائها الشديد بالصورة و تكثيفها ، توالد صورا جديدة منها ، و خاصة غير المألوفة.
    *** تحاول اللغة في الشعر تغيير اصطفاف مفرداتها ، حسب إيقاعها الصوتي ، كأنّها عملية ترتيب لأوركسترا ، توزّع فيها الأدوات الموسيقية حسب طبقات و ذبذبات الأصوات و النّغمات التي تصدرها كلّ أداة ، يتبعها استخدام هذه النغمات و الإيقاعات معا ، لتعطي نفس الإحساس الذي يولّده سماع الموسيقى ، أنت لا تسمع موسيقى و لكنّك تسمع لغة ، و زّعت كأوركسترا أو كورال ، تُحدث في النّفس ، أو تحاكي ما تحدثه في النفس الموسيقى عند سماعها (البعض يقول أنها موسيقى داخلية)
    *** إزاحة الدلالات اللفظية عن مدلولاتها ، الحقيقة أنّني أفهم هذه الإزاحة ، كعمليّة استبدال للمدلول المتعارف عليه بين أفراد المجتمع الذين يتكلّمون نفس اللغة ، استبداله بمدلول خاص ذاتي ، يحسّه كاتب الشعر ، أي نوع من استبدال العام بالخاص ، استبدال الاجتماعي بالذّاتي.
    و هكذا نرى أن الشعر أساس يرتكز على التّعمق في الذات ، و إعطائها الحريّة أكثر لتعبّر عن ذاتها ، أي أنّه أكثر ذاتية من الأدب ، أي أن الذات به ، تمتلك حريّة أكبر ، و تتحرّر أكثر من حقيقة كونها فرد من أفراد المجتمع.
    3. الأغنية الشعبية (الشعر بالعامية) : الظاهرة ربيع يكتب الشعر بالعاميّة ، شخصيّا لا أسميه هكذا ، أشعر بالامتعاض من هذه التسمية ، و أعتقد أن تسميته الصحيحة هي "الأغنية الشعبية المكتوبة" . هنا الذات تتجلى في محاولة للتكيّف و التأقلم مع المجتمع ، بأقل قدر ممكن من الخسائر الذاتية ، فالذات بمواجهة المجتمع ، أحيانا لا تجرؤ على كسر هذه العلاقة ، تريد أن تحافظ على هذه العلاقة ، أن لا تجنح نحو تطلّعاتها الذاتية في الحرية و الانعتاق على حساب كونها فردا متزنا من أفراد المجتمع ، و لكن و في الوقت نفسه تريد أن تقدّم رؤيتها الذاتية ، فتقوم بتفريغ شحنتها ، بتحقيق توقها للتمرّد و الانعتاق ، على حساب اللّغة (الأداة) ، تكسر أغلالها ، تحطّم قيودها ، تجبرها أن تتّخذ شكل الحالة الوجدانية للذات .. إذاً هنا وجّه التّمرد بذكاء نحو الأداة ، لا نحو علاقة العام بالخاص ، أو علاقة الأنا بالهو . لكن هذا لا يكفي ، لأنّ ما ستفعله الذات بهذا الصنف من الشعر ، يفقدها الاستفادة من جماليّات الأداة ، جماليّات اللغة ، فتقوم بتعويض هذه الخسارة بجماليّات النغمة ، الإيقاع الموسيقى ، إذن الشعر الذي يسمّى شعرا عاميّا هو بالحقيقة أغنية، يعتمد أساسا على الموسيقى ، و لولاها لكان حكيا و كلاما (حال بعض ما يقدّم) نرى فيه تكسير و انحطاط لجماليّات الأداة (اللغة) و فقط..!!
    4. المسرح : الظاهرة ربيع ، يكتب المسرحية أيضا ، المسرح هو استخدام لكلّ أدوات الإنسان ، سواء كمجتمع أو كفرد من أفراد المجتمع أو كذات حرّة خالصة ، لنرى :-
    *** فهو الأدب كما جاء في الأنموذج الأول ،
    *** و هو الشعر كما جاء في الأنموذج الثاني
    *** إضافة لاستخدامه المباشر للموسيقى
    *** يستخدم الأغنية
    *** يستخدم الحركة / الرّقص
    *** يستخدم الضوء و الظل و اللون و الشكل = أدوات الفن التشكيلي
    *** يستخدم الأشكال ثلاثيّة الأبعاد = أدوات النّحت
    أي أنّه استخدام شامل للآداب و للفنون بأنواعها و أصنافها . استخدام شامل للعام / الاجتماعي ، و للذات كفرد من أفراد المجتمع ، و للذات بخصوصيّتها و ذاتيتها الحرّة الشبه مطلقة.
    المسرح يُخرج الذّات من الصراع بين الخاص و العام ، بين المجتمع و الفرد ، بين الأنا و الهو ، و يأتي بالجميع على خشبة المسرح ، و يقول لنا انظروا هذه هي الحياة ، هذه هي المعركة.
    أعتقد أن المسرح هو أعظم ما ابتكر الإنسان على الإطلاق.
    نلاحظ من هذه النّماذج كلّها ، أنّها أزياء مختلفة لذات الجسد ، و الجسد هو كما رأينا الذات .. الأنا التي تتوق للحرية بلا حدود ، و في الوقت نفسه هي طرف في ثنائية إلزامية حتمية ، أنا و هو ، الفرد و المجتمع ، الذات و ما خارجها.
    فهاهي تعبّر باللغة من خلال الأدب ، لكنّها أقل حريّة (أقل ذاتية) و أكثر اجتماعية
    ثم بالشعر ، و هي أكثر حرية أقرب للذات ، و الذي جعلها كذلك استخدام الشعر لبعض أدوات الفنون (الصورة و الموسيقى و المدلول الذاتي الخاص )
    الأغنية الشعبية ، ظلت الذات في سلام مع الآخر ، و بقيت فردا ملتزما من أفراد المجتمع ، إلا أنّها كسّرت الأداة العامة الاجتماعية (اللغة) أبقت على التّوازن و استكملت نفسها بأدوات فنيّة ، الموسيقى و الغناء.
    ثم المسرح ، الاستخدام الشامل لكلّ الأدوات العامة و الخاصة..
    ربيع عقب الباب ، يستخدم كلّ هذه الأزياء ، برع في كلّ هذه الأزياء.. لذلك تحوّلت اللغة بين يديه لعجينة صلصال ، يُركّبها كما يشاء ، و يشكّل منها الأشكال و الصور الذي يشاء.. فهي بين يديه مطياعة متدفقة متنوعة ، غنية حارة جميلة ، ملكة بدوية تزيّنت بكل الحلل و الجواهر الأسطورية ، لا يمكنك متابعة لغته دون أن تلجأ للقواميس و المعاجم لشدّة ثرائها ، و اللغة كأداة إجتماعية عامة ، طوّعها ، و لم يكتف بل حطّمها و غناها .. !!!
    صلصال شكّل منه حبيبته ، فوقع في عشقها ، ثم حطّمها كي لا تأسره ، و ليتحرّر من عبوديّتها ... ثمّ يعيد الكرّة بيجماليون...!!!
    لم يكتف ، ففي الشعر و المسرح استخدم كلّ ما تبقى من أدوات الفنون التشكيلية أيضا.. إذن ربيع عقب الباب ليس أديبا فقط ، بل فنانا كبيرا ، و لو تمكّن من التّعرّف على التقنيّات الأساسية للتّشكيل ثلاثي الأبعاد ، أو تقنيّات الرسم الأساسية ، أراهن و أتحدى أنّه سيجد نفسه قادرا على القول من خلال الفن التّشكيلي النحت و الرّسم ، ، و لو يلم الآن بتقنيات العزف على أي آلة ، سيجد نفسه قادرا على قول الموسيقى.. و لو وفّرت له قطيعا يرعاه في السهول و القفار ، لأكتشف وحده النّاي و أبكانا بعزف منفرد على النّاي..
    إنّه الفنان ، إنه منفرد و فريد ... ذات تدرك أبعاد الحرية و معانيها ، ذات تتوق للأجنحة و التّحليق .. لن أستغرب أبدا لو علمت يوما ، أنه ضبط واقفا في ميدان التّحرير يصرخ بأعلى صوته صراخا جنونيّا فريدا .. هكذا لمجرّد الصراخ ، كمشهد من مشاهد عمل مسرحي ضخم أعدت ذاته له...

    تحياتي
    حكيم عباس
    مفكر و كاتب فلسطيني
    البحّار
    أو حارس الماء

    حين انتهوا من التذرية ، و آن تخزين المحصول ،كان الكبير و كما عادته ،
    يصر على تعيين الحصص الخارجة أولا ،بعد ما يعرج على جموعالرابضين حول الجرن ،و يمنحهم استحقاقاتهم .
    هتف كبير الأبناء :" حصة البحار ضعوها على جنب ؛ لأحملها إليه".
    بسخرية عقب الكبير : " نعم الناس مقامات .. ومقام البحار في عليين .. و لم لا يأتي و الصرمة فوق رقبته، ليأخذها ؟! ".
    اهتز إبراهيم حين حاصرته عينا الكبير ، افتعل الانشغال ؛ ليلتقط ما انفلت من هدوئه :" أبدا .. عندي مصلحة بالقرب من عشته".
    لا ينسى عبد الواحد أبدا لمسعود البحار ، أنهكان دائما كلبا لئيما ، نباح صافرته ، وصوت اصطكاك دراجته على الزراعية ، وبين المزارع ، مصيبة داهمة ، و بلاغ طائر ، سواء أذنبوا في حق الماء أو لميذنبوا ، رغم عدم الإخلال بحصته في مواسم الحصاد . في مرة أخيرة كاد يتسببفي موت إبنيه غرقا ، حين أبلغ عنهما مدير الري العمومي ، فأتي على وجهالسرعة ، و كانا قد أفلحا في فتح جزء من الهويس ، يسمح بعبور الماء الكافيلري أرضهم، و هروب ابن خال لهما كان يرصد الحركة على البر بحماره ، دونصوت أو تحذير بأمر القادم ، و لولا توجسهما من فراره ، ما وقفا على حقيقةالأمر . وما أبصرا مدير الري ، حتى غطسا معا، بينما يضحك ، و بتهكم يردد :" إما أن تخرجا أو تموتا غرقا .. أنا لن أتزحزح عن هنا".
    كما لن ينسى عبد الواحد أيضا ، ما لحق بأولادهمن سجن و إهانة بسبب الري ، رغم أنهم لم يقصروا ، على مدي السنين ، فيإثبات حسن نواياهم .
    توجس خيفة من إبراهيم ، و من أمره العجيب ،بحمل حصة البحار إليه ، فهو الوحيد بين أبنائه .. لا يغفر و لا ينسى، ومهما طال الوقت . و رغم ذلك لم يحاوره ، و لم يثنه عن قراره .
    حين كان على الزراعية يستحث حماره ، كانتدموعها تتهاطل ،تشكل ضبابة كثيفة أمام عينيه ، و خجلها يتقاطر عرقا وحمرة قانية ، بينما الولد الصغير يلتزق بها ، يتداخل في حزنها باكيا :" حتىاسأل ابنك .. ما احترم نفسه ، و لا خجل ، و أنا فزعة ، أبتعد و أبتعد ،وهو يتحرك كمصيبة داهمة ، ولولا ظهورمدير الماء قادما من بعيد ، ماعتقني ، ولا رحم ضعفي ".
    كتلة من جحيم كان ، يرتعد جسده بقسوة غريبة :" و لم لم تقولي .. لم سكتِ حتى الآن .. لم يا بنت الـ ...... ".
    بكم جلبابها مسحت وجهها :" أقول .. أنا عرفاكأحمر، لن تطيق ، و أناأبخل بك على هذا الكلب .. أقول .. أنا ما كاشفتكالآن إلا لتعذرني فيعدم سروحي إلى الغيط .. لا عشت و لا كنت يوم أعصي لكأمرا ، فأنت ستري و غطائي ، و فرحي و نعيمي ، و مستودع سري".
    طار عقله تماما ، حلق بعيدا عنه ، هجم عليهالاطما ، و هي تحط على الأرض بعينين دامعتين ، و راحة عجيبة تلفها ،كأنهاوضعت حملا ثقيلا ، بعد طول عناء ، و الصغير يضمها ،يتلقى الضربات عنها :" و ما ذنبي .. ما ذنبي .. كنت بعيدة في حالي مع ولدي ، و إذا به يقتحمعلينا خلوتنا ، و حاله ممتد أمامه كفضيحة ".
    فاتت شهور من قيظ و حريق، وظل يتحين وقتامناسبا ؛ ليتخلص من هذا الجحيم ، و حين كان يوقف حماره أمام بيته الواطئ ،مناديا :" يا مسعود .. يا ريس مسعود".
    أقبل مسعود من الغيطان المحيطة ، مهللا له ،فاردا ذراعيه ، حاضنا إبراهيم ، فسحبه إلى داخل الوكر ، و بغتة يحكم قبضتهعلى قضيبه و كيسه ، يضغط بقوة ، يعصر كعاصرة رهيبة ، فينهار مسعود علىالأرض ، يتلوى كدودة تتمزق .
    إبراهيم يتفنن في إيلامه ، ثم يستل مطواة منجيب سرواله ، يمزق بها جلبابه و سرواله ، ليصبح أمامه جسدا عاريا قبيحا . وضغطه لا يخف إلا ليشتد : أنا في عرضك يا حاج إبراهيم .. آآآآآآآآآآآآه .. الما ء لكم، لن أتدخل بينكم و بين الري .. البحر بحركم ، و ما أنا إلاغريب".
    لم يتذكر بعد ، لم يستشعر ألم إبراهيم بعد ،لم يحس بحجم ما فعل .. و هنا كان يرشق ذراع المطواة في إسته : " قل أنا مرة .. قل و إلا ذبحتك ".
    كان الغضب يشتد ، و النار تعربد في بدنه ، لمتهدأ ، ولنتهدأ إلا بسلبه كل شيء : الأنفاس ،الحركة .. الإحساس بالألم ،يزيده نقمة عليه ، يدفعه للتنكيل به ، بل لقتله .. لذا لم يشعر بوجود عبدالواحد ، إلا حين رفعه من خلف ، و دفعه أمامه : يكفي هذا .. يكفي .. هيابنا "
    ثم تفل في وجه مسعود ، المتفتت ما يزال ، بين قبضة إبراهيم ، و ربت بحميمية علي كتفي ولده ، و دفعه بعزم مكين إلى خارج الوكر !

    sigpic
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2

    رسالة خاصة جدا
    مازلت أحتفظ بك بين أشيائي .. تماما كما لو كنت معي في معتزلي ،الذي أرغمتني على اختياره؛حين حولت حياتنا بكل ما تعني لي ..و لك إلي قطعة من جهنم .

    تلك قصاصات كنت أطارد سقوطها ، من بين يديك . و أنت تضحك ساخرا من بلاهتها. مازالت تعني لي عمرا و تاريخا .
    أتدري..رأيت فيها حبيبا جميلا ،لم تخدشه الحياة ، لم تأتي على روحه مقامرات الأصدقاءوالرفاق ، الذين كنت دائما برفقتهم ، و كانوا ليبمثابة الزوجة الثانية !

    مازالت أنفاسك البكر تفوح في أرجاء جسدي،ليلة قطفت أولي زهراتي.
    كمكان خدرك لذيذا و عميقا،إلي حد الرواح و التلاشي ،وكم أضعتني فيك!
    انظر إلي هذه اللفافة.. ألا تذكرها ؟
    إنها تحوى شعيرات شاربيك.كنت تشذب أطرافهما ، و حين دنوت منك ، تحسست بأنفاسي رائحتك ، ترنحت ترغمي .غار الموسي في أحداهما . فزعت أنت ، صرخت كأن لم تصرخ من قبل ، أهلت علي رأسي تلالا من القسوة و الجبروت . ما لم أعهده فيك .واضطررت لحلاقتهما معا .لا أنكر أني فزعت كثيرا ،وقت نظرت في ملامحك بحثا عنهما . فبكيت..و من الأرض كنت ألتقط شعيراتك ،أقبلها كأنها أنت..و كأنها ما غادرتك !


    الغريب في أمرنا يا من كنت ،وستظل حبيبي .لا أذكر ليلة نمت فيها بدموعي أو حزني ،رغم فداحة ما تكبدنا خلال الرحلة ، لم يكن لأي أمر قدرة وصمود أمام تجليك و براعتك ، في الفتك بأي شيء ، حتى الكوابيس و الشياطين .
    لا أذكر صدقني .. و لا أجاملك ،لا تتصور يوما أني من الممكن فعل ذلك ،
    ألملم أطراف الحكاية ،بحثا عن ثغرة لأقتلك في روحي ، أفتش حتى في أشيائي الخاصة : ثيابي، جسدي ، أحلامي ، ثنايا جلدي. فلا أجد سوى لمساتك صارخة !

    شيء لم أستطع منع نفسي ،عن حمله معي ، لا أدري لم فعلت ، و لم أكن مخدرة أو غائبة عن الوعي ، و أنا أضع واحدة من ملابسك الداخلية ، آخر ما حمل أنفاسنا و عرقنا معا ، في حقيبتي ،في أغوار أغوار حقيبتي . كأني أشم فيها روائح الراحلين ، من خلفونا تعيسين ، يتيمين .
    كانا أولاد موت كما قلت لي ،كما حاولت ترويضي ،و ذبح جموحي وحزني القاتل؛ فما كنت أحلم بكل هذه الدهشة ،تنال من جميع من رأى ، و بعين جاحظة أولاد بطني : أولادنا ، تواريخنا ،و ما كنت أظنه حبنا معا ، قبل سطوع الحقيقة القاسية ،فدائما ما كنتُ محض بديل سخيف ،لحبيبة رأيتها ذات يوم ، وأحببتها ، أحببت حبها لك ، دون وعي أو إدراك ، أنها ستظل غريمتي فيك !

    أشتاق ضعفك الطفلي ،بحة صوتك حين تتهدج الكلمات ،وتتكسر ،دموعك الغالية و هي ترتمي على صدري .فأشتعل بك ،ألمك بين ضلوعي ،أهدهدك ، أناغيك كطفل ولدته توا ،
    و لم يغب عن عيني ،إلا في سويعات قسوته و عنفوانه ..سويعات غرائبية لم تكن لك ،و لم تكن لها بأية حال !

    سوف أطلعك علي شيء ربما صدفته يوما ،في أول حلمنا معا ،أقصد حلمي معك :هذه تحمل أنفاسك ،أعقاب سجائرك ،بقايا ما كنت تخلفه لي ..أضمها إلى صدري كأنها أنت !

    لم تكن رسالتي إليك ،رغبة فيالتحايل ،أو مقدمة لرحلة الإياب ،التي لم تؤمن بها يوما ،و لا أنا ..فلا رغبة لي في العيش معك ،صورة لحقيقة لم تكن أنا . كلما ذهبت حقيقة ،وكنت أنا هي ،أفاجأ بعودتي لنفس القاع ،و نفس الحقيقة القاسية ،محض كائن يتحرك هنا وهناك ،يملأ فراغ العالم من حولك :لا أصدقاء ،و لا أحبة ،بعد ما باعوك بلا ثمن ..و تكفلت أنا بتلك التي غاضبت الدنيا لأجلها ، و ما كانت لتليق بك ، و لا بي ، ولو لم أكن شيئا بعالمك .

    منذ وقت ..والباب لا يكاد يغلق ،ما بين عشية و ضحاها ،يعبره الأغراب ،و ربما الجيران، كلهم يطلبني ،يخفض جناحا من عذب القول ،و نهر من أماني .ذهلت ، صرخت فيهم جميعا
    : مازلت على ذمة رجل !
    فامتنعوا رغم علمهم بكذبتي ؛وكأنهم فهموا علتي بك ،بل ربما وجدوا سببا لابتعادي ،و إصراري على الرحيل !



















    خفافيش

    :" سوف تكون الفضائية ..في ظرف نصف ساعة رهينة أمرك .
    تذكر دائما .. لا أحد يفلت منا ، إن أردنا شيئا ، فإنما نقول له كن فيكون".
    بسرعة كان يعد نفسه لاعترافات جديدة ؛ سوف تقلب موازين ثورات العرب ، رأسا على عقب .تناول جرعة من سم ، أتى به خصيصا لمثل هذه المواقف ،بمعرفة صديقه الصيدلاني .بالفعل كانت الفضائية تقتحم عليه المكان ،و بصحبتها وجوه غريبة ،ووجوه توارت خلف حواجز المكان ،و قبل أن يبدو عليه أي تأثير ، أو ترنح ..كان يردد بتؤدة و غرابة :" أنتم قادمون لتسجيلاعتراف جديد ؛ لقتل الربيع الذي أشرق ، و لكني أؤكد لكم ، و أنا بكامل قوايالعقلية ، أن ما تريدون أوهام ، و أن ألاعيب السي آي إيه ، و المافيا ، والموساد ، و كل أجهزة السفالة ، لن تنجح في كسرنا مرة أخرى .. نحن قادمون،و أنتم ذاهبون".






    بصقة و طريق

    أخيرا .. وبعد طولتردد ، يعترف لي ، وهو يأخذ شكل كأس مقلوبة ، بخصوص ما كان من أمر امرأة شمطاء ، اصطدمت به فجر الأمس .أعطته سكينا لذبح نفسه ، و بشكل صاعق . حتى كاد من فرطما أحدثته ، يلقي بها تحت عجلات السيارات العابرة .
    : " لم تكن سوى رجل طيب ،تفننتُ في سرقة شيء غال عليه .. بل و اختلقتُ ذرائع ، و تذاكيتُ في إبداع أرخص الطرقللنيل منه ، و بحنكة لم أعهدها في نفسي . اغتلته رغم جلال قدره ، لكنني لم أحصلبعد على ما أردت منه".
    سكت قليلا ، بكى بصوت متناغم . قلت :" نحمد اللهأنك مازلت إنسانا .. ما يبكيك الآن إذن .. هل أرغمك أحد على فعلتك ؟! ".
    بخبثشريد حدق في وجهي مليا ، ثم فجأة علا صوته ضاحكا ، هتف بفم أبصرتُه خطم ذئب يلهث فيتوحش :" هكذا .. علموني .. كن نفسك و فقط .. خذ ما ترغب ، ولو كان أعز ما يحبون"
    نالت منى انقلابته :" من .. من تقصد .. اليهود تقصد .. الإسرائيليين ؟! ".
    عاد يفتعل بسمة ، و هو يطوّح رأسه :" لا تهتم .. انس ما قلت لك .. انس ".
    أنكرتُ معرفة به ، انسحبت ، و أنا أتحسس نفسي ،أرمى بصقة لطريق جمعتني به، أقرر بشكل حاسم ما عجزت عن حسمه ، من ضرورة إنهاء هذه الغربة ، و كفاني مضيعةلعمري ، وسط عالم بهذه الصفات .. و هذه الوضاعة !!





















    ممالك الغبار

    أخيرا أتي الغبار ، مع زفير ريح ، وصرخات محمومة ، تختلج في فضاء قائظ ؛ ليمارس أشغاله ،
    في كشف خبايا العالم الأرزل .
    ألقى بتقريره المفصل ، عن آخر ما أنجبت البطون من خوارق ، خاصة في الفيزياء و الإحياء و الذرة ، و بعض التخصصات الدقيقة في الطب .

    حين كان التقرير بين يديه ، أحاط بعض الأسماء ، بدوائر من طين لزج ، أعطى تعليماته الحازمة ، بمتابعة أصحاف الحروف ، وتكريس السعي للتضييق عليها ، بتغيير وجوهها ، ودفعها لآخر صف ، أو تصفيتها ، في حال فشلهم في مهمتهم ، حتى تحين الساحرة لمساومتهم ، في طوابير الصمت !


    انتهى من إعطاء أوامره ، حدق في ساعة بحجم محيطه ،ثم أدار كرسيه عدة دورات صاخبة ، لملم بقاياه منه ،وتلوى بثقة وبهاء ،عوى على أحد جنود الحراسة : آن موعد خزانة العلماء .. هيا بنا".

    بين أربعة من رجال الحراسة ، كان يتحرك بكياسة شديدة ،ثم ترجل عن غيمته ، أمام خزانة حديدية كبيرة ؛ليصعد على رؤوسهم كبير الحراس بسلسلة مفاتيح ،التقط أكبرها ، و الذي يصل طوله لنصف متر ، ووزنهلرطلين ، أي يتعدى طوله ووزنه ( طول ووزن زوبعة الغبار المسماة كبيرالحراس ) ، و الذي كان يحمل أذنيه كجلباب مشقوق.
    أدار المفتاح ، ثم جذب المزلاج الصلب ، بإحدى أذنيه المهولتين .
    لم يأخذ الأمر أكثر من دقيقة ، و كانوا داخلخزانة ، بها حجرات كثيرة ، و مائدة تتراص عليها باقات الزهور ، بشكل أنيق ،بينما تتناثر أجهزة اليكترونية من كل نوع ، و خزائن من زجاج ، تحتوى علىمختلف أنواع المخابير ، و الأدوات الطيبة ، المناظير ، الضخمة و الدقيقة ،أشياء في صور شتى ، لآدميين ، و حيوانات و طيور و منقرضات و نباتات ،ومخترعات استخدمت في فنون الإبادة ، و الحروب ، و كم هائل من معلومات ، عنإنجازات تم تحقيقها !


    في حديقة الخزانة ..كان العلماء في حالة انهماك عجيب ، يتشاغلون ، أو ينشغلون ، و ربما لا ، فقد علت وجوههم ملامح ذعر و ضيق و نفور و غضب و خيبة أمل .
    فردى ، و أزواجا كانوا . ما بين هائم ، و باك ، و مجادل .بألوان مختلفة ، و أحجام متباينة، ما يجمعهم غير المكان ، و الصفة ، و التخصص ،سوى بالطو مدموغ ،وربما ذيول لا يرونها جيدا. كان الحذر هو السائد بينهم ، الحذر في النقاش ، في الانفعال ، في التأسي ، والبكاء أيضا !


    كانت الحديقة عبارة عن صوبة كبيرة ، مجهزة ، منتقاة الزهور ، الورود ، بينها ما هو جبلي ، وما هو مستنبت ،بينما وضعت بعض طاولات ، وتناثرت في أركان عديدة ، و أجهزة مختلفة ، على أحدث طراز .

    حين التقط الغبار أحد النابغين الآسيويين ، و هويقضم من طين الحديقة ، و بعض أوراق الورد ، لوح لرجال الحراسة بإحضاره ،فأسرعوا بحمله ، و كما هي التعليمات ، في مثل هذه الظروف ، وضعوه في عزل ،عبارة عن خزانة مصغرة لتلك !


    هناك في أقصى المكان ، كان نابع إفريقي ، يمتطيظهر سلحفاة ، و هو يقبض على ضفدعة ، يحدثها باهتمام ، و هي تنبض مسترخية ،كأنها بالفعل تتجاوب معه ، الغريب أنه كان ينتظر أن تجيبه على ما حشا بطنهامن أسئلة !

    لمحه المسئول ؛ فضحك ضحكة مكتومة ، وانتظر حتىيرى ما تسفر عنه تلك المجادلة ، فهاله أن النابغة ، أخرج مشرطا ، و شق صدرالضفدعة ، و قد تجسد الغضب على وجهه ، مما أدى إلى دفع رجال الحراسة ،لتخليص المشرط من بين أصابعه ، و حمله دون الاهتمام بالعنف الذي أبداه ،حتى اختفوا به في خزانة مماثلة !


    فجأة علت صرخات ، بددت السكون المفروض ، فتهالكالغبار ، و من حوله حرسه ، و كل الحضور ، صوب المنحل ، و هناك كان أحدهمعاريا ، وأسراب النحل تغطي جسده ، فيجرى ، ثم يتوقف ، بين تأوه و صراخ ، وقفز ، و شقلبة ، و كلما تمكن من الخروج من دائرتها ، أعادته مرة أخري .
    على وجه السرعة كان الحرس ، يرتدون الخوذاتالواقية ، و يندفعون صوبه ، في الوقت الذي كان يزحف مختبئا ، في صندوق خلية . ضجيج متقطع ، و ضربات متلاحقة ، تأوهات محمومة . بينما عدواه تنتشر ، وتتحول الساحة إلى أشباح تقفز و تنط ، وتصرخ ، دون سبب ، فقد كانوا بعيدينعن كردون الخلايا ، حتى بعد أن خرج الغبار و حراسه ظلوا على حالهم ، حتىأوقفهم صوته !
    بتباطؤ مميت ، أخرجوه بلا أنفاس ، و أسراب النحل تؤدي مهامها الوطنية بإجادة . و لم تبتعد إلا حين وضعوه في ثلاجة الموتى !

    إنهاء لهذه الزيارة الدوريةصرح الغبار : بروفيسور محمد زكريا إبراهيم ، سوفيشارك في أبحاث باكر ، في المعامل الرئيسية ، و أرجو أن يغتنم الفرصة ، ويثبت نبوغه للصحافة و الوفود التي أتت خصيصا ، لمتابعة اختراعه .. و عليكمأصدقائي أن تتحلوا بالصبر ، فسوف ينال كل منكم فرصته".

    و انسحب دون ضجة ، بينما النابغون يحدقون ، و يتحركون في الحديقة ، ثم ينفجرون في ضحك متواصل ، و ربما بكاء.
    تهامسوا في جنون حقيقي : " مات .. مات .. تحول لقرص عسل .. هاها ها ها ها ها .. نال فرصته على أكمل وجه".


    بعد قليل كان صوته يهب عليهم ، كالعاصفة : " أنتمهنا في المكان المناسب ، افعلوا ما تشاءون هنا ، العبوا ، تنزهوا ، وكلواحد منكم سوف يجد فرصته ، التي نمنحها له في الوقت المناسب .. تأكدوا منشيء واحد ، أن بلادكم المريضة المتخلفة ، لا بد و أن تظل هكذا ، و إلا .. تصوروا أنفسكم هناك ، أي شيء قدموه لكم .. لا شيء .. يستهلكون أعماركم ، فيأشياء و أعمال رخيصة ، و بلا ثمن .. أما نحن فنثمنكم جيدا .. ولن نفرطفيكم ما عشتم ، بعد قليل سوف يكون سرب مدهش من العاهرات ، أتينا بهن خصيصالكم ، من جزيرة في أعماق التاريخ ، كن لا يعاشرن إلا الريح ، فهل أنتمقادرون عليهن ، و اتراعنا بفتية وفتيات حسان ، نريد أجيالا من عباقرةهاهاها ، سوف تكونون في أتم ما تحبون .. هاهاهاها".


    قبل أن ينتهي من البث غير الحي ، الذي يفعله كلمرة ، و في كل يوم ، كانوا يتخلصون من سراويلهم ، يبولون في اتجاه الصوت ، واتجاه الصوت حسب تحديد كل واحد منهم منفردا ، بينما كان صوت يقهقه فياستفزاز : " الحرية لكم ، في اختيار الأنسب ، و سوف نخلصكم من تلك في وقتحددناه سلفا ، فلا مانع من بعض شقاوات و ...... ". و استمر في قهقهاتهالعدوانية.


    كان الفيلم غريبا ، أكثر كشفا للعبة تتم من قديم ، و ربما يدرك أبعادها الكثيرون ، و كان رئيس النادي الكبير يتابع بشغف عجيب ، من بعد يصفق كفيه ، ويفركهما معا :ما أروع هذه العقول. نعم بمالك تملك كل شيء ، بذكاء ..لا ليس الذكاء ، وإلا ملك هؤلاء أمر أنفسهم.. هو المال الجبان ، و لابد من إفراغ الأندية التافهة ، التي تحرجنا حين ننازلها ، من أهم لاعبيها .
    قهقه : اللعبة نفسها مشبعة ، وأكثر إمتاعا ، والزائدون عن الحاجةنضعهم في الخزانة ..نعم الخزانة ، و ما أكثرها عندنا .
    فزع مقهقها ، منفعلا بشكل شيطاني ، فأحدثت أذنيه جلبة ، حين لطمت الأرض؛فبادر بارتداء ثوبه الأسود ، الذي حوّله إلى مجرد شبح ، و رحمه من لعنات من يراه .
    فورا أجرى محادثة سريعة مع كبار مشجعي النادي!


    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3


      ربما كان .. أو هو كذلك
      و إذ كان اليوم الرابع من الشهر التاسع ، التف الناس حول موائد إفطارهم ،هلكى يتضورون عطشا ، و النيل بين أصابعهم زلال، ينفخ القرب، و يتهاطل على أبدانهم الظمأى.
      وإذ كانوا يفخخون بعبواتهم طوابق المبنى الثلاث ،ثم يسارعون مباعدين بينهم و العيون ، التيلم تتسع لها قلوب البيوت و العمائر، سددوا طلقات نارية، و في وقت وجيزكان المبنى قطعة من جحيم،ثم انصرفوا فاكهين، ممتلئة سيارتهم بغنائم من أوراق و عتاد ، وثمين من أصول ، و خضرمن مآذن و قباب .
      وإذ النار تتوهج ، تزغردوترقص . رقصة أخيرة قبل أن تتناثرفي المنطقة كلها ، بانفجارات مهولةهزت الدنيا ، كأنها القيامة ، و أطلقت طيورا من ورق تحوم حتى تخوم السماء .
      وإذ قال لصاحبه ، وهو يشاطره الضحك :" ليتها أكلت الشيكات ، و الإيصالات ، و حبالا يشنق بها غرماءه".
      قال له : " هاهي طيور ، و الصقور خلفها ، لن تبقى لها من أثر".
      فأتاهم من خلفهم ، و من بين أيديهم ، و هويلملم بعض ما تقيأه الجحيم : " النار تأكل النار ، و تكشف عن فتنة شوهاء .. أقدر لنا أن نتخلص من قمامتهم ؟ ".




      و أمطرت السماء لعنات

      حين شاهدهم يأخذون أماكنهم في الشارع ، كمشهد أسطوريبين المباني القائمة ، كان ما يزال بين أنياب تلك الرواية ، يعانى معأبطالها ، يغوص بين جموعهم ، وضربات كعوب جنود الأمن المركزي تدق الآذان ،تدق رأسه ، بين طلقات تدوي هنا وهناك ، محاصرة الميدان بكتل كثيفة منالدخان.

      كان خلف مكتبه ، يتصفح إحدى الروايات ، وبالصدفةكانت تخوض بأسلوب ساخر ، في انتفاضات بدت له عبثية ، في مواجهة قوات الأمن ،و فرق الردع السريعة .. وحين كانت المواجهة تحتدم ، تناهت إلى أذنيه أصوات ،كأنها آتية من جوف مقبرة ، من قعر هذه الرواية ، من أخاديدنار مفخخة ،كأنها استغاثات تترنح، فانتفض مسلوب الرأس ، صوب النافذة ؛ ليقف علىحقيقة أمره ، أكابوس هو ، أم هي الحقيقة تدور رحاها ؟!

      كانت كوشيش صاخب ، شده بشكل لا إرادي ، إلى حيثالنافذة ، وكلما تحرك في اتجاهها ، زادت وضوحا ، بل وبدت بينها حنجرة مكبرصوت ، ودبدبات حانطور - في تلك الأغنية - تتلاعب بأعصابه.

      بحرص زائد مزق التحام الضلفتين ، واربهما ، ليرىأغرب مشهد ، ما رأى له مثيلا ، في كل حياته ، لم يشهده حتى خيالا ، حلما أوكابوسا .. سينما أو مسرحا .. كان الشارعيتحول إلى مهرجان . زرعت طاولاتعلى ضفتيه ، عليها أطباق وأوعية بها مخللات ،ترمس ، فول سوداني ، حمص ، وأوراق خضراء . حولها وقفت جموع غفيرة من شباب و رجال غريبيالملامح والوجوه .

      برغمه حدق في الرواية المطوية بين أصابعه ، وفىالمشهد العجيب ، وزجاجات البيرة و الكحول الأحمر ، تأخذ أماكنها على الطاولات، بينما مكبر الصوت يرسم حدود المتاهة.

      كان إحساس بالإهانة ، يلتف حول رقبته ، وهو يعاينحدود البنايات المحاصرة . إحساس مقيت بالضآلة ، وقلة الحيلة . المسكن يختلجبالهواتف ، و الرقم يرن في ضميره ، أن هيا ، فيضيق بنفسه . براكين تشتعل .يسخر من نفسه ، ومن أدراك أنهم لا يعلمون .. بل من أدراك أن هؤلاء ليسواهم من ستهاتفهم؟

      حين تمكنت قوات الأمن من تطويق المظاهرة ، كانتالعصي تلهب ظهور ورؤوس البنات و الشبان ، فيتلون المشهد ، يصبح شفقيا .تعلو الضربات ، الصرخات ، الهتافات ، العناد . تتناثر قطع اللحم ، تتعانقالأكف ، تتشابك ، فتجرى دماء جديدة .

      متعة الرؤية لعالم عبثي ، لا تدانيها متعة . كل أخرج من صدره وجيوبه مؤونة الليلة ، من بانجو و حشيش و أفيون ، وأنبولات موروفين .
      تتلاقى سحب الدخان والقهقهات .. والتجشؤات ..النكاتالفاضحة . سيحان غريب ، له رائحة الفجيعة ، يشحذها صوت المغنى ، وأجسادترتقي الطاولات ، تؤدى رقصاتها في إعجاز ، على اصطكاك نصال قرن الغزالالبيضاء.

      جن المتآمر داخله ، تفنن في حلوله ، أغلق باب غرفة الصغار جيدا . تهالكت دمعة ، تتضرع إلى هباء ، الأولاد بالخارج .. ماذا لو أتى أحدهم ؟
      يرتجف هلعا ، يتخبط فيمعنى سكوته ، في معنى مايحمل برأسه ، وأوراقه .. يصرخ ..تضمه سيدة الدار ، يهتز بقوة ، يتمتم :" جبان ..جبناء .. جبان .. جبناء ".

      حين كانت قوات الأمن تفلح في شحن مدرعاتها وشاحناتهابالشبان و الشابات ،ظهرت حشود هائلة من الأطفال ، من جهات الميدانالأربع ، تصرخ ،تلقى حجارتها .. أكياس ترابها ؛ كأنها طيور فقس بيضهاالأسطوري فجأة ؛ فيلتحف الجنود بمصداتهم وخوذاتهم ، تتداخل ، تتجمد كتماثيلمن حجارة.

      ياللرواية اللعينة ، التي لم يجد مؤلفها رجالا ، ولا حتى نساء ، ليوفر لهم دور البطولة .. ضجر مميت و قاس .. نظراته تنكسرأمام عينيالمرأة؛ فتشتعل النار في بدنها ، تترقص شفتاها ألما ، تختفي من أمامه بجسد مزلزل.

      بعد انهيار تام ، و سقوط ما حققوا ، بإطلاق سراحالطلبة و الطالبات ، فجأة طوقت جيوش الأطفال قبضات رجال ، ووجوه تشبه هؤلاء، تحمل سنج و عصى و سيوفا لامعة . علت كعوب الموت من جديد .. وأعتم المشهدتماما.

      حين أعلنت سيدة الدار عن رغبتها ، في كسر حالة الموت، ومحاربة هؤلاء ، ولو بماء الغسيل ، أو بأي شيء تطوله يداها ، طوقها: " ولم أنت .. لم ؟".
      أكمل :" والأولاد .. أنسيت ؟ ".
      على رجوات البلادة سحبها ، أطلق كل براكينه ، أغمد نصالها في حشاشتها .. روحها ؛ لينطفئوتخمد حرائقه.

      دام احتلالهم لساعات ، حتى تلاطمت زجاجات البيرةوالكحول ، تشاجرت بحثا عن أرض ، وعلى امتداد الشارع والبيوت و الأعمار والمقامات . شبعوا تقتيلا في أرانب الجحور ، وطاردتهم سماء من دخان الجريمةوحموضة ما يتقيئون ، فترنحوا متسللين جماعات وفرادى ، معلنين جلاءهم ؛بينما عقيرة المغنى ، تعلن معرفتهم وخباياهم الساقطة ، وبما يمور في صدورالأرانب و جحورها .. مخلفين الشارع ميدان قتال ، يضج بالأشلاء و النفايات ، و الأنفاس النتنة ؛ كمدينة أتاها سخط السماء ، فأصبحت أثرا بعد عين.

      هنا فقط فتحت النوافذ و الشبابيك المغلقة ، و أمطرت السماء لعنات و ماء وبعض زفرات ، و آنية من فخار.
























      قط البراري


      أنهكه سعي الفصول ، و اختفت قدماه خلف كتلة من خرق ، ورغم ذلك كانت دماء تتبعثر منه ،
      على الجسور و الترع .
      لا يتوقف .
      يداه مفرودتان ، تعانقان قرص الشمس ، أينما ذهب .. و حين يختفي في بحر المساء ، يصاب بالجنون ، و تحط على رأسه و كتفيه طيور ملونة لم يكن يراها أو يحسها .

      سنون طوال ورحيله لا يتوقف .
      حين استوقفه الناس ، وأصروا على إجابة . كان يصرخ ؛ فتصرخ معه طيوره . يراوغ ، و يتفلت
      منهم بأعجوبة .
      يعبر الطرق ، السكك البعيدة ، يختفي ، و يظهر في نفس التوقيت .. في موسمه يأتي ؛ فأصبح
      لدي الناس مرتبطا بشيء ما .. بحالة ما .. بفزع ما .. بفرح ما .
      لم يستطع أحد اكتشاف حقيقة ظهوره و اختفائه ، رغم محاولات البعض لرصد عبوره من القرية و القرى الأخرى .
      بينما كانت عجوز عروقها كجذع شجرة ، يتحلقها الناس ، تحكي حكاية مسلية ، وهي تتوكأ على فرع توت أعوج ، و تطارد سكوتهم بمسّهم بعصاها .

      حين كان يجرجر قدميه ، عابرا قرية ( السبات ) لأول مرة ، كانت جمل الشمس ، تطل من منديل معلق ، لمحته يزحف ، يعفر الوجوه بالغبار ، الذي كان يثور ، و يضحك خلفه ، و طيوره تتهالك تعبا ، فتتراجع عنه كلاب القرية الشرسة ، و هي تصدر أصواتا غريبة ، لم تكن لها . كما رأت جمل الشمس قرص الشمس يحلق حول رأسه ، كأنما يداعبه ، فيضحك ، و يبكي في آن ، فما كان منها إلا أن أسرعت – هي العفية - ، و لحقت به ، جذبته كثيرا ، فلم يتوقف ، عاودت الجذب ، مرة و مرة . وحين بكت ، و اهتزت رغبتها ألما . رق قلبه ، و لأول مرة تتخلى عيناه عن الشمس ؛ ليرى أمامه أنثى غريبة .
      طاوعها كأبله ، فتهللت ، و تراقصت ثناياها طربا ، عبرت به باب الغائب ، و أغلقته خلفهما !


      حين تسلل صوت جمل الشمس ، مخترقا البيوت في تلك الليلة ، كانت القرية تعيش رعبا هائلا ،ما تعرضت له منذ قرن و نيف .

      الصوت يمتد بالصراخ ، و فجأة بالضحك ، فتمطر السحب ، وتبرق وتحمر و تشتعل ، وتدوي أصوات تهشم زجاج ، و يتحول الدفق الساخن إلي نتف زجاجية ، تحول وجه الأرض إلي عيون تومض ، بينما الناس تختبئ في الأفران ، و السراديب السرية ، أسفل المواشي و الدواب .. وحين كانت جمل الشمس تكتفي ، و تغفو نشوتها ، تعود القرية تتنفس ، بعد أن هدأت السحب ، و اختفت الأصوات ، لتكتشف أن كثيرات من الحوامل أجهضن ، وكثيرا من الرجال فقدوا قدرتهم الجنسية نهائيا ، و أصبحت القرية مهددة بالفناء .
      بينما العجوز يتحلقها الناس ، تحكي حكاية مسلية ، متوكئة على فرع توت أعوج ، وتطارد سكوتهم بمسهم بعصاها .


      صحت جمل الشمس ، تحسست بيدها جسده ، فزعت . بعريها قطعت الدار بحثا :" يا أنا .. يا أنا ".
      بعد صباحات حين أحس الناس بغيابها ، تزاحموا أمام بابها المباح ، و في الداخل كانوا يلطمون أكفهم ، و يحاولون الربط بين ما عاشته البلدة من أيام و اختفائها .. فشلوا .
      لكن أحدهم همهم : كنت لابدا في بئر الساقية ، وقت رأيت خيالين ، يصعدان بها إلي السماء .
      انتهره آخر :" بالأمس فقط .. لمحتها في أحد ضواحي المدينة ، كدت أصطدم بها ، لولا سيارة مسرعة حجبتها عن عيني" .
      وانصرفوا دون أن يتوصلوا لشيء ، بعد أن وضعوا دارها في ذمة عمدة البلدة .


      في نفس التوقيت ، كان قط البراري ، يعبر الطريق بطيوره و غباره ، أمام دار ( جمل الشمس ) يتوقف ، ثم يتجه إليها ، يتجمد عند بابها .. الغريب أن الدار كانت كتلة شمسية ، وكان يرى هيكله في مساحتها .
      طرق الباب ، ثم سقط على الأرض ، خمش كقط ، و الشمس تسّلق جسده .. فتحت له أخيرا ،
      تلاشت فيه ، لم يعد لها وجود ، حملته ، كطفل ضمته ، خبأته بصدرها .. كأنه أمام نفسه هو ، لم يرها ، حتى و هي تخلع عنه خرقه و أسماله ، و تفك تلك الكتلة بقدمه ، و بكوز ليف كانت تزيل أكوام الغبار ، و المدن التي حملته بصماتها .
      تنضو ثيابها ، على صوت نبضاتها التي علا دويها السماء ، فأمطرت ماء ساخنا ، أغرق البلدة ، ثم كان البرق و الرعد ، و قهقهات تحولت إلي زجاج .
      بينما العجوز تدور ، ثم تشهر سبابتها في وجوه الجميع ، وتحرك عكازها ، لتحرك بها بعيدا ، وتختفي .

      قبل أن تهجع ، كانت تحمل وليدا يافعا ، تضعه بين ذراعي قط البراري الغافي ، ثم تكور ثوبا لها ، تشد ذراع الصغير بذراع الكبير ، بينما زلزالها يهدأ ، فتبتلع الأرض أقمارها الزجاجية ، و تغفو اللعنة .

      لم تكن جمل الشمس تتصور ، حين أعطته نفسها ، أنه محض عابر ، لا تدري إن كان شيطانا ، أم ملاكا ضل طريقه أم أبلها ، لكن حين كان طائره يغور في أعماقها ، تأكدت أنه رجل لم تره الأرض إلا هنا ، و بين ذراعيها ، و لن ترى مثله .. ذاك الذي فجر عيونا و ينابيع و غيما ملونا ، وصهيلا يمتد من السماء إلي أرضها هي ، و من أرضها إلي السماء ، لكنها حين صحت من نومها هذا النهار ، و شهدت آثار قدميه على بقايا ولده ، أن دبة ذا عينين و رحم في الأرض ، ما كانت لتفعل فعله ، تأكدت أنها كانت محض غانية ، أعطت نفسها للريح .
      صرخت ولها ، فرددت الجدران معها ، بلهفة عبرت بابها ، فتهالكت الدار عصفا ، و ارتحل صوتها في الغيطان ، فأزت الزروع ، و أسقطت حملها .


      وقت دوي صراخها في ذاك الصباح ، كانت القرية تنقلب إلى أجرانها و فراغاتها ، مدفوعة بفعل غامض ، فتأكد لهم منبع الصراخ .
      تدافعوا وسواعدهم تقبض بقوة على أدوات القتال المعهودة : بلط .. فؤوس .. عصي غليظة .
      وحين لم يجدوا إلا جثة ممزقة لطفل ، تعوم في دمها . تأكدوا أن الدار تسكنها الجن ، وعليهم
      الآن التخلص من لعنتها .
      بعد قليل كانت الدار كتلة من رماد أسود .
      الغريب أنهم ما أن أشعلوا النار ، حتى سمعوا لها شهيقا وزفيرا ، وتميزا غريبا .
      كانت قطع النار تتطاير و تلاحقهم ..أينما ذهبوا .. كأن كائنات لا قبل لهم بها ، تحترق ، تلقي بشررها على بيوت القرية .


      حين أدركته على كوبري ) الهويس ، يتطلع في عين الشمس ، يمعن بطريقة جنونية ، ثم يرفع
      ذراعيه و يضمهما بقوة .
      يختل توازنه ،
      يسقط فى ماء الهويس العالي كقطعة حجر .
      كانت تهذي و تضحك . ودموعهاتتهاطل بغزارة شديدة .. فبكت السماء حتى فاضت ، على حرائق البلدة ، فأطفأتها ، بينما عمدة البلدة يحدق في مرآة ، يحملها أحد الخفراء ، أينما ذهب ، رغم حجمها ، ووزنها الفظ .. متأملا شاربه ، و انتفاخ خديه ، كأنه لا يسمع الصراخ ، و لا الاستغاثات ، كأنه في عالم غير العالم ، ثم تعلو ضحكاته ، التي كان أيضا يتأملها في بله واضح ، و يلوح إلي صورته المترسمة على وجه أحدهم : " اقتلوه .. هاها هاها ، اقتلوا هذا الفاسد ". ثم يرى صورته ترتسم على وجه آخر ، فيقهقه :" خوزقوه .. إنه لص لئيم ". كأنه أصيب بلوثة ، ولم يتوقف حتى أتى على الجانب الأكبر من رجاله .


      بعد عشرات السنين ..كان أهل القرية يتساءلون :
      أكان بيننا امرأة اسمها جمل الشمس ، أمرّ من هنا غريب اسمه قط البراري ؟
      وقد شغلها عمدة البلدة ، بجعلها جرنا له ، ولمزارعه ، ودججها بالخفراء .. وكان مايزال يتأمل وجهه في مرآة يحملها أحد الخفراء ، يدور بها معه أينما حلّ ، بينما كانت عجوز ، هدتها السنون ، تمرّ من أمامه ، وهي تحكي بصوت ضعيف ، و أنفاس واهنة حكاية ، عن أناس تخلوا عن رجل منهم ، أعاد لهم الحقوق ، وثبت أيديهم على ألأرض . أن يروها بكل ألوانها ، لا بألوانهم هم ، لكنهم ومع أول صدام مع الكيد ، كانوا يتخلصون منه .


      حين تحلقتها القرية عن بكرة أبيها ، وسمعت منها ، تأكد لهم أنهم يعرفون تلك ، أنها تحكي عنهم ، أن هذه لم تكن سوى امرأة عاشت بينهم .. هنا تاهت أنفاسها ، كأن لم تكن .
      ثارت ثائرتهم ، مزقوا ثيابهم ، صرخوا ، حاصروا دوار العمدة .
      لم يسمع شيئا ، لم ير شيئا ؛ فقط كان يتأمل ملامحه الذكية على وجوه رجاله ، وقد نالت منه شيخوخة ، و تيبس جلده ، و أوامره ما تزال تهلك الرجال ، و تصدر الضحكات و الدم و الموت .
      و العجوز تنتقل بعكازها متأرجحة الكيان . فجأة تغور بها الأرض .
      ثم يرقص اللون على دقات موقعة و قهقهات وأصوات بكاء !
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4

        نمنمات على جذع تمرحنة


        ما كان يدرى مدى تغلغلها في أعماقه .
        كلما يمرّ ببيتها ، يشم رائحة التمرحنة ، يتمتم بنمنمات أصابعها الحادة .. الحارة دائما ، المنحوتة على جذع الشجرة ، تلك التي تغيرها كل مساءين و ثلاثة صباحات .
        يتوقف قليلا ، ثم يلتقط حجرًا ، و برهافة يلقيه ، فيضيع بين الفروع – دون صخب - ، ثم يسعى مختفيا .

        يقطع نفس الطريق ، يؤدي طقسه الغرائبي . تطل من شرفتها ، كجنية الوادي ، تبتسم في عذوبة غدير ناعم . يلجمه حضورها الملكي ، ينقش على جذع التمرحنة كلمات كلص ، ثم يبقبق باكيا .. و يمضي دون منح ذكاءه فرصة اكتشاف سرّ تعلقها بالشرفة ، حتى بعد اختفائه بنجم و نيف .

        كان دائما يتسلل هناك كجريح ، في النهار يتحصن بجذع الشجرة . وفي المساءات المواتية ، مضمخا ببخور ريحان ، تحيطه أسراب نحل ، و دخان ملون .. لا يدري من أين يأتي ، و لا ينتبه أيضا لقدرته على حجب ملامحه و هيكله ، و ربما أنفاسه . لذا حين حلقت ، و حطت في أحضانه في ذاك المساء ، ما لبثت إلا قطرة من عين بسمة ، ثم مزقت صرخة مدوية ثياب الحلم ، فانشق لها جذع الشجرة ، تلاشت فيه . صعق ، نال منه الارتباك ، لف حول ساقيه ، فأبصر نجما على مقربة ، بوجه يسيل نورا ورقة .

        يقطع نفس المسافة ، يقف أمام نمنماتها ، يكاد يلتهمها ، فيتندى جبينه ، و تزحف دموعه ملحًا على وجهه ، و في حزن يهمهم : .................................................. ..........
        .................................................. .................................................. .........................................
        .................................................. ...................................
        ........................ حتى يبصر نجما....................و هي بين ساعديه













        وليمة


        حين لوح لها بصّتْ في وجهه بريبة ، و قبل أن تأذن له بالركوب ، كان يأخذ مكانه في التوكتوك ، وحينها لم تسمح لها سنها الصغيرة ، بمطالبته بالنزول ، و بثقة تطوح رأسها بطريقة أولاد البلد :" يلا .. ومالو .. الطيبات لله ".

        كان الوقت عشاء ، حين أصبحت وليمة للذئاب ، يفترسون جسدها الغض ، و يهرقون أوراق الورد عن شجرتها الخضراء ، بداية من النشوة ، و انتهاءً باستلابها حد الموت ، و التلاشي في خدر غير لذيذ ، يزهق الروح .

        صعقتهم خيوط دم تماوجت على الأرض ، كأنها ترسل إشاراتها الصبيانية ، إلي حارات تموج بالعنف .. قرروا قتلها فورا ، وهي جثة بلا روح ، ثم ركبوا التكتوك النازف ، و تقدموا في عتمة الصمت ، كمن خرج من بركة وحل إلي بركة ذل .





        للشهادة طرق أخرى

        حين كنت أحدث تلاميذي ، في اليوم الأول للدراسة ، عن الثورة و الشهداء ، وما قدموا من أجلهم ، ابتدرني إبراهيم : " كان بين الشهداء جنود و ضباط ، و أنا رأيت على الشاشة أن الجنود و الضباط كانوا يضربون المتظاهرين و يقتلونهم . .
        أسقط في يدي . إبراهيم لأول مرة يعلن عن كرامة ؛ فهو لا يكتب و لا يقرأ .
        كيف فاتني هذا ؟
        أغلقت الدموع سبيلي لرؤية الأمر.
        رحت أتساءل .. و أتساءل .. و لا أجد إجابات .
        وبعد نيف و موت ، تأكدت أني كنت ألعوبة ، في قبضة وهم ، لا يفرق بين حق و باطل ، و أني لم أكن مقنعا حين قلت لإبراهيم : " كلنا سواء ، و كلنا له نفس الحق !









        وقلب فأر ..!
        كانمستغرقا فيتفكير حاد ، يلفه بكآبة قاسية ، يفتش في نفسه عنالأسباب و المسببات . يشعر بدوار حاد .. حاد ، يدور رحاه ؛ كأن ضربات من نعال تنهالعلى رأسه ، و مطارق تدوي في فراغجمجمته .
        بعناد يقاوم ، يرجف وجعه ، يبادر للذود عنبقيةكبرياء ، يتراجع .. يتراجع متخاذلا ، طاويا جناحيه المنكسرين ينهار ،خائر القوي .. تتساقط حبات عرق دافئ ، يصاحبها لهاث ممتد .. ممتد ، يملأ مساحات الهواء ،كأنه قلبه هو .. ينتابه غثيان ، يطير حاملامعدته !

        يغوصحتى أذنيه ، في خضم بحر هادر ، يستشعر ضربات والده ، و هي تصعقه،تدمر عوده الصغير ، فيجرى كفأر مختبئا خلف ظهر جدته، تنهره بقسوة ليست غريبة عليها :" عدي يا منجوس .. ما تخافشى إلابعينيك".

        يتفتتبدنه :" خلاص يابا .. حرمت .. حرمت و الله ". لكن ضربات يكيلها الأب ، لا تنتهي عند حد ، كأنها عذاب قررته الآلهة ،يتجمهر المارة ، يشكلون سدا حائلا بين الطفل واللطمات .
        هاهو يصرع أحد خصومه ، في مبارزة يشهدهاالعالم كله ، عبر الأقمار الفضائية . يكاد يفقدإحساسه بنفسه ، يعلو به الهواء ، ثميهوي إلى سحيق .
        يصفق الجمهور ، يطغى التصفيق ، تضجالقاعة ، مطارق و لعنات كانت تدمي ، تنتهك كلتضاريسه ، تتداعى إرادته ، ينال منهخذلان حد الرواح .

        يستجمع فتاته ، مكابرا يقاوم،يعاند خوفه الزاحف كعنكبوت ، يذري قوته هباء ، لايدري أهو معلق في رحى أم هي الأرضتروغ من تحته . خلية نحل تعشش في جمجمته :" انهض .. هيا .. أنت الأقوى .. فوق .. فوق .. خذ ذراعه معك! ".

        يتمرد على مصيره ، تطيشمحاولته ، تسقط روحه تحت بواباتالمدينة ، تلك المأسورة بأكف غلاظ كمطارق ، وهراواتالكترونية ، وعيون بصاصيها تخترقالجلد و الأكباد ، وهزيز الأسرة داخل الخدور .

        أزيزالطائرة يصم أذنيه ، يسحق البقية الباقية ،يتلاشى في فضاء شاسع ، حيث تنفلتأسئلة و إجابات متخاذلة ، تعلو عقيرة جهورية لأحد العسكريين المسئولين :" جسم بطلعالم ، و قلب فأر".
        يصرخ :" لست فأرا .. لست فأرا .. ابعد وجهك القبيحعني .. إنك تشلإرادتي ، تقتلني بتصرفاتكالكريهة".
        يتحدى بقاياه . تعلو الضربات رأسه .. ضربات .. طنطنات . يفتر حماسه، تزاحمه صور وحشية ، تسحق روحه .. ينتشي خصمه ، تضج القاعة بالتصفيق كمطارق ووخزات :" ابعدوهم عني ".
        كاب و عقيرة لمسئول :" جسم بطل عالم ، و قلبفأر ".

        تذوبكل الأصوات ، يحل هدوء عجيب ، يخبو ذاكالضوء ، تتبعثر حروف اسمه تحتالأرجل ، يحطم رقما قياسيا في صلابة الرأس ، يفلفولاذ جبابرة :" جسم بطل عالم ،و قلب فأر ".
        المدرجاتتصفق ، في إيران تهتف باسمه ،ميدالياته الذهبية تخطف لون وجهه ، تمتصه كحلم غامض . جاكسون الألماني يركع أمامه في بون ، يعلو الهتاف ،يعانق السماء و المدى و ذاتهالمحلقة .. في السويد ، النرويج .. تصفيق متزايد .. ميدالياته تأخذ مكانها هناك ، في حضن القمر ، يرتفع طنين .. يرتفع بعيدا ، عبربلادة القلوب ، وأرواح الجواسيس . في بطولة إفريقيا ، بطولة إبراهيم مصطفى ، كانتالمرة العاشرة ، نال ذهبية جديدة .. وجديدة ، الأول كان ، والجمهور في صخب و غضب :" فرقالقوة يؤهله ".
        :" قلفرق الروح ؛ فالقوة ما عادت ميزانا للقياس ".
        : " لا .. من يقول .. كان ينتهى منه ، لفه جيدا .. لاأدري كيف حدث ذلك ".
        : " ياخسارة".

        ميدالياته هنا .. وهناك ، تسبق خطواته ، تشاغله ،كأنها تغلق عليه
        المسافات . يتنفس بصعوبة :" كيف يكون معسكرنا فيمستنقع .. كيف ، بطوننا تعفنت يا كابتن .. حرااام ".
        يحدقه ، وهو يلتهم كتلة لحم ، و يزدرد كأسا مترعة:"لا أستطيع السفر .. لاأستطيع ".
        : " نحنمن يقول .. و ليس أنت .. تسافر معالفريق ".
        : " أنا مصاب ، لن أستطيع فعل شيء .. لن ".
        : " يا ابنالكلب ... عمركم تبوسون الأيدي من أجلالتمثيل الدولي .. الآن تنسىنفسك .. ماذا جري لك ؟ ".

        ذهبتكلماته أدراج الريح . ليس في جعبته شيء .. يظن هذا ، و هو أدريبنفسه .. يلازمه هذا الوهم .. لا أذن تسمع له ، وضاع ضياع المشنقة على الرقبة .

        نازلخصمه اللدود " بسيوني " ، للمرة العشرينيصفي معه ، فاز عليه في المراتالسابقة ، الآن انهار أمامه ، كان عصفورا بين يديه ، فتك بسيوني بقدمه اليمني :" لنأستطيع تحقيق شيء ، بسيوني جاهز للسفر ".
        : " أنتمن سيسافر ، أنت مدرب و في كامل لياقتك ، أما الإصابة فأمرها سهل .. لا تحملهما ".
        : " ما الذي جرى لك .. أنت مجنون ".
        : " كيف ترفض ؟ ".
        : " أعرف أنهم استهلكوك فى التصفيات المحلية ، لكنكقادر على إحراز الذهبية .. قادر ".
        : " انظر .. ياله من حيوانجريح .. لنيستطيع شيئا ".
        : " جسمبطل عالم ، و قلب فأر .. جسم ..... ".
        : " الرجا من السادة الركاب ربطالأحزمة .. نحنالآن فوق سماء القاهرة .. مصر للطيران تهنئكم بسلامةالوصول".

        القاهرة خرافة أحلامه ، نزح إليها مغمورابآمال، قهر أول ما قهر هذه المدينة ، قهر وقارها الغامض، أنانيتها ، سطوعها اللئيم ،نرجسيتها ، عهرها الدفين ، أنصاف موهوبيها المتوجين، شموسا عالية قهرها .
        يهتز جسده بعنف ، تتحرر دموعه .. القاهرة .. لكمانحنى لاسمها ، في سبيلها تحمل مأساته الكبرى ، حيثكانت ماسته ، وفى كل مرة ما كانيجد سوى النكران .. أما هي فتحصد أوسمة معاناة .. في أكتوبر ، كان و الأسطورة ، وكانت هي في ذعر مقيم ، تبكي نفسها ، أصداء المعركةتطن ، ضربات الأب الظالمة ،لعنات المسئولين . في إيران .. بون .. جاكسون يركع، يتوسل ، يجثو .. جليموند يكيلله الضربات . " اسبيليت " نهايته ، لكم يكرهها .. بسيوني . أصبح منهبة الجميع ، هاهويفتك به ، لأول مرة يتغلب عليه أحدهم بتثبيتالأكتاف : " جسم بطل عالم و قلب فأر ".
        : " الطائرة المسافرة ............. في رحلتهارقم ....... إلىالقاهرة
        اندلعت فيها النيران .. ممااضطر ربانها ........ " . أمنيةخرقاء!




        ليالي الصبابة والموت

        زاوية مفخخة ، لم أستطع فكاكا منها ، رغم أنها كانتضيقة تماما ، ما كانت لتكشف أبعادا أكثر عمقا وتحديدا ، طوحت برأسي هنا و هنا ،لعلي أحظي برؤية أوسع ، فلازمني الفشل .. و حين كانت تنفرج ، ما رأيت تلك العينين ،تحركت مسروق الروح ، و ربما ندت عني كلمات متقطعة ، لم أكن أعيها ، و ما فكرت فيها .
        درت في محيط ضمها هنا ، أصطدمبجثث ، وحناجر ، و سيقان ، بقادمين و رائحين ، كأن جنونا أصابني ، إلى جانب جنونيالملازم لي خلال أيام و ليالي اعتصامي بالميدان ، حتى خفت من نفسي ، فتراجعت ،توقفت تماما عن الملاحقة و البحث ، و لكن العينين ظلتا تلاحقاني ، تفرضان سيطرةحازمة علىّ .. رأيتهما سابقا بلا شك ، لمن كانتا .. ليتني بالفعل .. لو دققت جيدا ،سقت قدميّ ، آه من غبائي و جمودي .

        كل هذا لم يستغرق وقتا يذكر ، هي خطفات استثنائية ،تتم رغما عني ، و أنا أتحرك مع الجموع ، و أرتد معها ، الطلقات تدوي ، تصفر فيالرأس ، و تئز ، و بين وقت و آخر تحط قنبلة دخان ، فنسارع برفعها ، و إعادتها منحيث جاءت ، ما بين حشرجات ، و حكات عالية .. كم فظيع هذا ، أن ترديك قنبلة مسيلةللدموع ، تنال منك ، و لا أدرى كم طفلا خنق بمثل هذه ، و لا أعداد السيدات اللاتيوقعن تحت سيطرتها .. آه .. لطمة قوية على رأسي ، شلال من دم يغرقني .. حجر نال مني .. برغمي كنت على الأرض ، و الرفاق يحيطون بي ، يحاولون وقف شلال الدم .

        بدت الصور باهتة ، و الإضاءةتختفي رويدا رويدا ، زغللة قوية ، و أشباح تتحرك ، أصوات و نداءات ، و هتافات تلقى .. الميدان يبتعد .. يبتعد ، حتى يختفي تماما !
        كان المكان يموج بالمصابين ، كأن الميدان كله هنا ،و الأطباء يتحركون بلا توقف ، تساعدهم طبيبات و ممرضات .. أنفاس تختلط برائحةضمادات و أدوية ، و آهات هنا ، وصرخات ألم نافذ .. أفقت بعد وقت يسير على لمساتمحمد ، و بسمته الحلوة .. الألم برأسي شديد ، و حالة ضعف تسيطر عليّ : حمدا لله علىسلامتك
        تائه في ضباب : كل الحكايةست غرز يا بطل .
        بينما أصواتانفجارات و طلقات رصاص ، وهتافات ، أصوات مطاردة .. كأن زلزالا يلتهم الجميع ،المسجد كأنه يتهاوى ، و إذا برائحة تخالط أنفاسي ، ليست رائحة مخدر ، و لا أدوية .. لكنها رائحة ملأتني من قبل ، أكاد ألمس صاحبها .. لا أدرى من أي اتجاه تأتي .. تحسست العصابة البيضاء على رأسي .. ألم لا يطاق ، أحس تورما بجمجمتي ، أقاومللاعتدال ، أفشل . شهقات ، ركض هنا و هناك .. استدعاء بالموبايلات لعربة الإسعاف،
        بكاء يتردد .. صرخات تحاذر العبور .. همهمات .. ارتجافات .. يا ربي كأنني في سلخانة ، الجثث ممددة في أحضان بعضها ،أحس اختناقا ،بحبل يلتف حول رقبتي ،أتقيأ ..رأسي تؤلمني .. ترتج بقوة .. انهار .
        تتلاحق أنفاسي .. أتآوه .. تعلو صيحات و هتافات ،كأنها قصدتني ، لتنتشلني مما أنا فيه .
        كنا ننتظر تنحي الرئيس الليلة ، و قد وصلت الروحالحلقوم ، و لا أدرى .. ما يتم ، لكن لو أنه تنحي لعلت الفرحة الوجوه .. ألم يتحدثبعد .. إما هو و إما نحن ، حانت ساعته . نعم .. الأصوات تتعالي بالخارج ، و أنامسيج بالألم ، كلما تحركت انهزمت ، كأني مشدود ، مربوط إلى تلك البقعة .. أتحرقشوقا للوقوف على ما يقع في الخارج ، أصرخ ، أئن : أما انكسف على دمه بعد .. ألميتنح ؟!

        لا أنتظر ردا ، بينما كلالأصوات تلعن ، و تسخط ، تمزق الصدور الصامتة ، و الطلقات تتردد ، تكاد تغزو المسجدعلينا هنا ، ماذا لو فعلها قناصة الوطني ، وعملاؤه .. ألنا دية نحن شباب الثورة .. هتافات في الخارج ـ دبيب عال تلتوي تحته بطن الأرض ، و ثلة يسارعون إلى الداخل ،يحملون جريحين وهم يصرخون : بسرعة .. بسرعة .. يموتان .. يموتان".
        يالها من مغامرة أسطورية ، ما حسبنا لها حسابا ، ولا توقعنا أن نصمد حتى النهاية ، حالات التعدي و الاعتداء علينا كانت قادرة علىالفتك بنا ، كما كل مرة ، و لكن أي قوة تمكنت منا ، فجابهنا المعارك ، و تصدينا لكلما فعلوا ، يا ربي ما لهاتين العينين .. ما أمرهما ؟ تأتي الرائحة أيضا كأنها تقاربأو تزاوج بين العينين و بينها و بيني .
        الاختناق نال المكان ، و الأنفاس اختلطت ، احترقت ،وكان عليّ أن أتنحي جانبا ، هناك في ركن قصي ، لأفسح المكان لغيري ، زحفت ، الألميشن حربا قاسية ، رأسي كأنها تتفتت .. هتف دكتور محمد : لا انتظر لو سمحت .. ليسالآن .. سوف ينزف الجرح .. لا تتحرك .. لا نريد مضاعفات . توقفت فورا ، وعينايشاردتان هناك خلف صاحب أو صاحبة العينين و الرائحة .. ألصديق أم صديقة ، أخ أو أخت، أم تتشابه عليّ العيون ؟ فقد تختلط الأحلام و الأوهام بالحقيقة ، لكن أنا متأكدأني رأيتهما ، أعرفهما ، بل هناك حميمة ما تربطني بهما .. ليتني أتمكن منهما قليلا .

        اشتقت إليهم كثيرا ، أصدقاءالانترنت ، من سوريا و لبنان و تونس و الجزائر و المغرب و السعودية و العراق وفلسطين حبيبتي .. كم أحبهم .. أحبهم بلا استثناء .. جميعهم له المنزلة الخاصة فينفسي ، خاصة من يكتب في القصة و الشعر معي .. يا ربي .. نعم هي .. العينان .. تقتربان .. تملأن المكان بتلك البسمة ، تتهاطلان علي كمطر أول الشتاء ، دافئ وحنون .. يختلج حنيني ، فتتهالك دموعي ، كم اشتقت إليك .. يا ربي .. ماتصورت تحملبعدها كل هذا الوقت .. كيف استطعت .. نعم ترن علي و تحدثني بين وقت و آخر ، نعم .. خاصة حين تسكن العواصف قليلا في الليل ، فتتفجر كل ينابيع شراييني ، تهفو نفسيلضمها ، اعتصارها بين جناحي .
        تهللطائر ظل نائما ، ليقودني فورا إلى التحرك ، ترك المكان فورا ، لا .. لست عاجزا ،سوف أخرج فورا .. هم في الخارج يحتاجون إليّ .
        لا أدري أي قوة قادتني إلى الخارج ، أنستني جرحىالعميق ، بينما محاذير دكتور محمد تطاردني ، و رجاؤه يصطدم بآذان صماء .
        الأحذية تتلاطم ، شرد إحداها ،قبضت عليه .. القهر يبدو على الوجوه ، بينما الطلقات لا تتوقف ، قناة الجزيرة تبثفقرات من خطاب الرئيس ، و الأحذية تلطم الوجه العجيب و الغريب عنا .. نعم الغريبعنا ، كأننا نراه لأول مرة بكل هذا القبح : ارحل يعني امشي .. أنت ما بتفهمشى .
        أحلق معانقا عينيها الحبيبتين ،كانت هناك ، تعانق هي الأخرى علم السيادة ، و الحرية ، ترش ببسمتها الميدان ، بكلمن فيه ، وما يعنيه ،

        يدنو منيأحدهم ، يقبض على (مايك) ، إنه مراسل الجزيرة .. يقترب .. يواجهني .. الصخب شديد ومحكم ، الأصوات تختلط ، نبرات قاسية ، و أخرى حزينة ، دموع و ابتسامات إشراق ،الحجارة ترشقنا بين حين و حين .. ماذا عليّ أن أقول .. أحكي عن إصابتي ، أم عنصاحبة العينين و الرائحة . يتهالك قلبي ، يئن مع حزنهم و فرحهم ، إحساسهم بقربالنهاية ، تلك اللافتة .. انجز بقى .. مراتي وحشتني !
        اختنقت الكلمات في حلقي ، بينما يد رقيقة تتحسسني ،وصدر يفتح أشرعته ليأخذني ، يغمرني بحره الوسيع : ابني .. ابني .. الحمد لله .
        الغريب هذا التشابه الخطير ، بينعيني أمي و عيني حبيبتي هناك خلف المالح ، و تلك الرائحة ما كانت سوى أنفاس العلمالذي شددته حول جسدي ، حين قررت ألا ابتعد عن الميدان حتى النصر !!


        sigpic

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5

          بذلة الرئيس

          حينكان سعد يصل إلى ذيل صفحة الجريدة التي ألقى بها أحد المارة أمام عشته ، في قرف وضيق ، في ذاك المساء ، كانت أعداد ضخمة من النازحين من ليبيا تتحرك أمامه على شاشةالتليفزيون ، بعضهم يبكي ، و يتحسر على خمس سنين قضاها ، بعيدا عن أولاده ، و بلدته، وزوجه
          و البعض الآخر يسجد على تراب الوطن ،وهو يتمزق ، و يئن ، و ينظر صوب الشاشة ربما للتصوير ، و تطير رسالة إلى ذويهبوصوله سالما .

          بمجرد قراءة الجملة ألأولىفي العمود ، كان يأكل الكلمات ، ووجهه يزداد مع كل سطر امتقاعا ، و هو لا يصدق مايقرأ ، فيعاود القراءة
          ليجد نفس الكلمات ، هيهي ، لم تتغير ، لم يختل نظره في الدوران معها ، فيبتلع ريقه غير مصدق ، ثم يعلوصوته مناديا ولده مجيد ، الذي أقبل مترنحا ، وهو مستسلم لغفوة آنية : خذ اقرأ هذه .. خذ .. ".
          تهالك مجيد ، وحط بجانبه : اقرأجورنال يا أبي .. لم أتعلم هذا".
          زغدة فىجنبه بغيظ :" ستقرأ .. هيا لا تناكفني .. خذ ".

          تأتأ مجيد ، أكل بعض الحروف ، وربما الكلمات ، لكنها وصلت بنفس المعنى . و حين كان يلقي بالجريدة ، ويزحف هربا ، لم يكن سعد في موضعه ، بله كان هناك ، يلفو يدور حول صهريج المدينة : يعنى لو اشترى كل سنة بذلة ، لأصبح عنده ثلاثين ، أيبمعدل ثلاثين بيتا أو ربما أكثر ، هذا لو افترضنا أن البيت بمقدار ست و تسعين ألفا .. لا .. لا علينا أن نضرب في اثنتين ، فيصبح الرئيس مالكا لستين بيتا ، يضعها فيدولاب ملابسه أو جناحه".

          يلف و يدور ، ثميبدأ بتسلق الصهريج ببطء :" ستون عائلة مشردة فى علب الصفيح ، كل عائلة على الأقلأربعة أفراد .. أربعة آدميين بلا ماض ، و لا حاضر ، و لا مستقبل ".
          أصبح على قمة الصهريج ، ذاك القلب الذي يضخالمدينة ، يغذيها بالري .
          نال منه غثيان ، تقايأ، غرق وجهه في دموع ، و عرق غزير ، ترنح ، حط طائره مهيضا :" أي في الوقت الذي عجزتفيه عن دفع رسوم المدرسة الحكومي لمجيد كان الرئيس المخلوع يدفع ست و تسعين ألفجنيه لتلك الشركة فى أوربا ثمنا لبذلة قد يرتديها مرة ، ثم يلقى بها للنار أو للعفن".
          قهقه بلا توقف ، حتى سمع صوته في كل الميدان، بل هناك في علب الصفيح المجاورة للمقابر ، ثم رقص كأبرع راقص عرفته البلاد ، وحين ارتفعت الأصوات تناديه بالتوقف ، و النزول فورا اختفى .. اختفى تماما .
          كأنه ما كان سوى شبح أو عفريت ، فانسحب الناسعائدين إلى دورهم ، و البائعون إلى بضاعتهم ، و هم يلطمون الكفوف ، و يضحكون علىغفلتهم !

          في الصباح كان سعد ببسمة لم تمربثغره يوما ، معلقا على مشنقة ، تتدلى من أعلى الصهريج ، مخلفا جملة هناك خفتتحروفها ، ولم تنل ما تستحق من اهتمام :" لأجل بذلة الرئيس مت لثلاثين سنة في علبةمن الصفيح البارد".

















          مباشر
          من ميدان التحرير

          حين رأى الجنود و رجال الشرطة العسكرية يقتربون من خيام الثوار، تأكد له أنهم سوف يسيئون إلى ما كان ، فصرخ : توقفوا .. توقفوا .
          علا نداؤه ، مزق طلاوة الصبح الطري ، وقطع علىالنيل تسابيحه الفضية ، وأثار قلق وخوف عصافير كانت تحط و تحلق ، فنأت محومةوالدموع تقطر من عيونها ، بينما ظل هو صاخبا ، بجسد ناري الوجع . و مع أول خيمةيوقعها الجنود كانت هستيري تشيع الفوضى في جسده. أحاط به أولاده مذعورين ، بينماقبضته تنتفض : " ارفعوا أيديكم .. ابتعدوا .. لا تقترفوا هذا الوجع .
          انهار باكيا ، و الأولاد يتحلقونه ، يسارعونإلى إعادة الاتزان لروحه ، و تسكين بعض ألمه ؛ لعلمهم أن تلك الحالة ، لن تمر علىخير ، فسوف تعرضه لنزف دموي ، معدته لن تتحمل ، و أيضا جرحه الحديث لن يصمد طويلادون مضاعفات حادة :" توقف أنت يا أبي .. وماذا يفعلون .. لا بد أن تسير الأمورلعادياتها ، لن يظل الميدان حكرا عليهم".
          حدقفي وجوههم ، بغرابة و دهشة كان يطاردهم بنظراته :" لكن هنا لا بد أن يتحول لمزار ،متحف .. إن هذه البقعة أصبحت ملك البشرية .. أنتم لا تفهمون .. لا تفهمون ".
          : " أبي لا بد أن اتفاقا تم بين الثوار والجيش .. اهدأ أرجوك ".
          : " أي اتفاق .. لا أحديملك حق المساومة .. لا أحد .. هنا شهد الدماء و الدموع .. الساعات القلقة والمميتة .. الفشل و الغضب ..النجاح و التحقق .. هنا .. لالا .. هذا إهدار .. إهدار .. انظروا ما يفعلون .. هاهم بهمجية يوقعون الخيام ، يتخلصون من آثارهم كأنها قمامة .. ابتعدوا أيها الجنود .. لا تفعلوا هذا .. لا تفعلوه بأنفسكم".
          كانت ثمة عصبية في تصرفات و تحركات جنودالجيش ، مما أدى إلى نشوب عراك بين جماعة من الثوار و الجنود ، أنهوه بسرعة غريبةكأنه لا يعنيهم ، دون أن يتوقفوا عن تنفيذ الأوامر ، و إسقاط كل الآثار بشكل فوضويغريب .
          علا صوته ثانية :" لم تتغير الجلفة ،الطين يودى بنا ، الطين سيقتلنا ، و الطريق الذي أردنا لن يكون مستقيما أبدا .. لوكانوا عسكرا وجنودا ما فعلوا ، بل أعلنوها محمية لأنفاس الثورة .. أنفاس الحرية .. أكاد أجن .. أكاد ... ...... ".
          اغتالته غيبوبةوقت كان حشد يتدفق تجاه الميدان ، يتحرك كموج كاسح في عزة و إصرار ، غيرة على مايتم حيالهم ، كان معنى الأوامر كريها و بليدا ، و استهانة بما تم ، ربما لم ينتبهلها المسئولون .
          تصاعدت الهتافات كعاصفة ، لطمتكل الوجوه ، بلها أطاحت بأبواب العقول ، و العيون التي نال منها الرمد ، فتباعدتقوات الجيش ، رفعت الأيدي ، و اصطفت داخل كردون لها .الميدان يشتعل ، يعلن إرادتهالتي تفجرت يوم الخامس و العشرين من يناير ، وولادة الحلم ،
          بينما السماء تشهد غربانا و حدآت تنعق ، و تختفي بعيدا ، ثم تعاودالظهور في عناد عجيب ، فالتهمتها غيمة بيضاء ، كان لها الرعد و البرق ، ونذير الموت !




















          المعلمة محاسن

          علا صوتالمعلمة محاسن ، فالتفت حولها جماعات من نساء الحي : خير يا معلمة؟!
          ابتلعت ريقها ، ثم لوحت بقبضة أوراق بنكنوت : لكلمرة منكم مية جنيه و قرش حشيش عشان تكونوا مية مية و آخر ألسطه !!
          تهللت النسوة فرحا ، و قد شمرن عن سواعدهن رغم برودة الطقس : تحت أمركيا معلمة !
          أسكتتهن بنظرة قاسية : كل واحدة معاها سكينةأو سنجة ، و العربية تتحمل بالطوب .. أنتم فاهمين .. يللا مفيش وقت !
          و في ظرف ربع الساعة كان موكبهن يتحرك على الطريقالسريع للانضمام إلى سيارات و عربات أخرى تتقدم صوب العاصمة ، بينما كان مجدي بك
          الملياردير بالمدينة و أحد الأعضاء الذين أفلحوا فيشراء مقعد لهم في البرلمان ، في الانتخابات الأخيرة ، يتفاوض مع جماعة أخرى منبائعي و مروجي المخدرات ، و ربما فلول رجال الأمن ، و الدمى التي يصطنعونها ، وذلكبناء على تعليمات الرجل الكبير بالتحرك ، و انقاذ ما يمكن انقاذه ، قبل السقوطالأخير !!




          حاشية : أكدت إحدى النسوة أنالمعلمة محاسن ، استحوذت على خمسمائة جنيه وحدها ، بينما كان نصيب كل منهن ، مائةجنيه لا غير !
          -
          توجهت العربات و السيارات إلى أحد مداخل ميدان التحرير ،و أحرزت انتصارات عدة ، بل يقال أن لها الفضل الأعظم ، في انشقاقات و غيابات دبت في نسيج الشباب المرابط هناك !!
















          موتته قبل الأخيرة
          في موتتهالسادسة بعد المائة العشرين ، مات رغم الأنف ، حين تحول كل شيء يلمسه إلى قطعة منذهب ، فقد وصل به هوسه هذه المرة بالذهب حد العبودية و التأليه ، و الانقلاب على مافي حياته ، ومن حوله ، كالزوج ، و البنت ، و الأصدقاء ، بله حارب كل ما هو روحي ،حتى دور العبادة و الناس و الزرع و قطرة الماء !
          فرض عليه جوع وعطش حد الموت ،حتى حين لجأ للصحراء ، وراح يعبث بالرمال بحثا عن حجر رطب ، تحول بين يديه إلى قطعةذهبية ، تصليه عطشا فوق عطش !
          وعندما وصلت أنيابه إلى بطن كلب يعوى من الألم ،تحول إلى لعبة ، تصهل تحت وهج شمس ، تناثرت في شكل عيدان قمح !
          و بعد مطاردة منالجوع و العطش ، حط بين جوارح الطير ميتا ، لا حول له و لا قوة !
          لكنه و بعدمئات السنين ، و قد انتهى هذه النهاية المؤلمة التي لم تكن لتخطر على بال ، عاد بعدأن زالت عنه لعنة ، أودت به إلى بطون النسور و الحدآت !
          هاهو يسعى بأريحية جسور، وبأس ملك ، وكلما وضع يده على شيء ، تحول إلى سلعة ، فأكل وشرب ، و لبس ، وعاشجنان عدن على ظهر البسيطة ، يزاحم أسواق العالم ، يفتتح المشروع تلو الآخر ، بينبيع وشراء ، و أرقام لا تنتهي و لا تقف عند حد ، يسيح في كل دروب الدنيا ، كأنهاوجدت لأجله دون سواه ، وهى طيعة ، ورهن أظافره ، ومشيئته ، لا يكاد يرى ، فهو سابحكالهواء ، و إن بدا لونه ، و رائحته و ثقله ، فعلى ظهر يخت ، أو على جناحي طائرة ،أو بين فكى سيارة من أحدث الموديلات يرفرف ، لا يستقر في موضع !
          لكنه رغم هذاكله ، كان يستشعر نقصا حادا ، وخواء يدب بين ضلوعه ، يتحرك معه أينما حل وذهب ،يرنو إلى شيء غير محدد ، شيء يكاد يلمسه ، هاهو يتنسمه ، تهرول روحه خلفه ، يتفلتمنها ، ما هو .. ولم كل هذا العذاب العجيب ..؟ فشل في تحديده ، أو تسميته ، ولو كانلقنصه ، أدركه ، بل صنعه بيده ، وحوله إلى سلعة يتداولها الناس ، حتى لا يتعرضونلمثل هذه الهزات ، و يعانون : آه يا ويلى منى .. ياويلى".
          كثرت ساعات ضيقه وحزنه ، اتسعت رحاها ، فأصبحت تمثل ثلث يومه ، لكنها سرعان ما طغت على كل وقته !
          يسارع صوب الحانات ، المسارح ، دور السينما ، دور بغاء ، استحدثها بنفسه ، لكنهأبدا ما شعر براحته ، فكل كان علاجا وقتيا ، سرعان ما يضيق به ، و تنشد روحه الخلاص !!
          في ساعة من ساعات حزنه رآها أمامه كجنية أو كرسالة سماوية ، طافت بمخيلته ،أطاحت بهدوئه الشارد ، أربكته ، في وقت كان في أمس الحاجة إلى روح تدب ، تتحرك بهعبر مسار جديد لم تطرقه قدماه ، أو عقله المتضخم حد التشظي !
          لوحت له ، ابتسمتفي خفر ، ثم غابت في لمح البصر ، كأن لم تكن .
          و قلبه يكاد يتوقف ، بله كانيتلظى بحرائق من نوع جديد ، ليس مثل حرائق البورصة ، أو المصانع ، أو وقود البواخرالعملاقة .. تناثر عرقه ، أغرقه ، و من فوره أمر رجاله ، أتباعه بملاحقتها ، لكنأين ؟ ما رأوا شيئا مما رأى ، وقفوا أمامه حاسري رؤوسهم ، خاضعين أذلاء ، فما كان منهإلا أن ضغط زرا ، نسفهم في الحال !
          في نفس الموضع كان ينتظرها ، قلبه يحلق ،يرفرف ، مشوقا إلى ملامحها ، إلى سحر أحاله لطائر يصدح ، تسارعت نبضاته ، تفلت منه .. طال انتظاره يوما .. يومين ، وفى الساعة الخامسة و العشرين من يومه الثالثلانتظاره المحلق .. كانت أمامه !
          بزر صغير ، كانت فرقة موسيقية تحوطه ، تنشدأعذب ما ألف موسيقيو العالم ، على اختلاف لغاتهم ، و ثقافتهم .. تحول المكان إلىمهرجان صاخب ، تحلقته طيور من كل صوب ، كأنها من صنعته هو ، وكأنه يتحكم في اطرادهامن خلال زر أيضا ، كانت بألوان ما خضعت لجنس طيور الأرض ، و ربما كان لها صلة برحلةصاغها المغنى الأعمى ، وحضرها ملوك العالم !
          و بصوت أجمل شعراء العالم كانيناديها ، يدغدغها ، يلين جوانحها ، فتقافزت بين يديه مسحورة . وهو بها يجن !
          فيومضة خاطفة كانت تتسرب منه ، تروغ بين زحام الكون ، كان زرع على الطريق غيطانافسيحة من عيون ، رصدت أين حطت قدماها .. ومن فوره كان على بابها .. !
          رغم معرفتهبمفاجأة لم يكن يتوقعها ، وما كانت لتمثل عائقا من أي نوع أمام رغبته ، حملها بعدأن دفع لزوجها ، ما ينوء عن حمله ، ما يكفيه ، ويكفى أجياله مهما كانت و تناسلت ،ثم سرعان ما وجدوه غريقا في قاع المحيط !
          أمام الريح العاصف بالطبع لم يستطعالزوج إلا البكاء ، و ربما متصنعا
          بعدما شهد بعينيه أي ثمن تقاضاه ، وعلى الفوركانت زوجه في أحضان صاحبنا ، استعدادا للرحيل معه حيث شاء .
          كان ما تشهد كلثانية ، و دقيقة ، وساعة ، كفيلا بخلق مشاعر جديدة عليها ، لم تجربها من قبل ، كلما ترى سحر ، ومحنة ، كانت تجذبها ، و تأخذ بلبها ، حتى سويعات الاختلاء به ، ماكانت بنفس الصفاء الأول ، تعطيه جسدا بلا روح ، أو قلب ، حيث تسافر ، و ترتحل ، بينمصانع ، و سلع لا أول لها و لا آخر ، و مقتنيات لا تنفض .. كلها ألوان .. ألوانتبهر روحها حد البله ، كل شيء لامع ، لا مع ومصقول ، حتى الشمس شموس ، و القمرأقمار ، بألوان ما رأتها في أحلام !
          ضاق بها سريعا ، كأي بغى كانت ، بلا روح بينصدره ، و كأنها تمارس بالفعل وظيفة لا أكثر ، فألقى بها ، ومعها بعض فتات ، وباعهاللطريق ، و البورصة متخففا من حمل تواجدها بالقرب منه ، إذ ما الجديد ، وهو بزرحقير ، يستدعى أجمل نساء الكون ، وفى ثوان معدودات ؟
          عاودته لحظات حزنه ، تطارده، تضنيه ، و بشكل بدا كأنه قدر ، لا حل له ، تشتت ، ضياع ، وحدة ، إحساس بفقد ما ،فقد غال .. يمزقه ، و يهتك أوصال أي نجاحات تحقق !
          جرب زوج أخرى ، ثالثة ، رابعة .. و لا جديد ، جرب أن يمارس معهن الطرق القديمة في الارتباط ، تقدم إليهن بغاليالمهور والحلي ، أدى كامل طقوس الزيجات الشعبية و غير الشعبية ، ومع ذلك لا جديد ،لا تغيير يذكر !
          فكر طويلا للتغلب ، على هذه الحال ، وهذه المشاعر العجيبة والغريبة ، التي تلازمه ليل نهار ، بالانغماس أكثر في العمل ، و غزو الأسواق ، فيكافة أرجاء الدنيا ، و التمتع بقراءة ما يستجد من أخباره ، أعلن عن مسابقات ،اخترعها ، كانت غاية في الوضاعة ، أتى بالفقراء ، أذلهم ، جعلهم فئرانا لتجاربه ،وحمقه ، ونهمه الذي لا يهدأ ، و لا يكتفي ، استبدل الديوك في لعبة الموت برجال ، ثمنساء !
          في آخر سفراته ، حين أبصرها بين جماعات الغجر ، كانت تؤدى رقصة جنونية ،وفى هستيري و فوضى تصرخ ، حتى أطاحت برؤوس المتحلقين ، فما كان منه إلا أن حط بينذراعيها – هو الرأسمالي الفريد .. الذائع الصيت – ورقص معها ، رقص بإعجاز ، كغجريلئيم ، حتى وقع أرضا ، ودار على الأرض بأنفاس مجهدة ، وأنفاسه تصاعد كبغل ، لها قوةو ريح .. مدت ساعدها ،انتشلته فكان في صدرها !
          أذهل الدنيا بقدرته الفائقة علىالمراوغة ، بليونة حركته ، وحدتها في آن ، ومشاطرة الجنية هذه الهستيري ، و في آخرالليل كان يحملها ، و ينهى وجعا أبيدا ، ومن فرط عنفوانه كانت نوافذ القصر تتمزق ،وتتطاير ، وهو يزحف داخلها ، فتهستر ، وتزأر ، ثم تصرخ ، فتتهالك أشجار القصر منعصفها ، وتتحرك بيوت الفقراء صوب النهر ، كأنها فئران يستدعيها مزمار لانتحار شهى !
          نسى العالم .. الناس ، كل ما من شأنه ، إخراجه من جنته .. مسحورا كان إلى أرضحدودها السحر ، و هي أكثر تشظي منه ، تمارسه بكل ألآعيبها ، وفنون ما أتقنت على مرالوقت !
          وحين كان يستعد للرحيل بها ، و الطواف حول الدنيا ، ليرتوي بسلعهالممتدة من الشرق إلى الغرب ، تحول القصر إلى كومة من رماد ، و لم ينج أحد سواه منهذا الكمين الذي نصبه الثوار ، و خرج كطائر فينيقيتحسس الطريق إلى خارج البلدة، حيث اختفى نهائيا ، ولم يظهر له أثر ، رغم ما يتناقله الناس ، عن غزواته ، وحروبه ، التي كسبها جميعا ، بفضل حنكته ، و غدره ، وممارساته غير الإنسانية ،وجرأته ، في دفاعه الأخير عن وجوده الذي أوشك على الرواح ، لولا التفاف كل عصاباتالعالم حوله ، ومساندته بكل ما تملك من أساليب هو صانعها !














          تكريم

          أحاطته بحنان ورقة :" لم يعد أمامك سوى قبول الدعوة ".
          كان أنهك تماما ، فى محاولته لتوصيل أمر امتناعه ، و أسبابه الواضحة ، فليس صغيرا لدرجة نسيان نفسه ، و حجمه الأدبي ، لحضور تكريم لم يكن له ، و ليس مدعوا فيه بشكل رسمي .
          اختفت للحظات ، ومع إطلالتها كان محموله يرن ، حاملا دعوة شخصية ، وتأكيدات غريبة بضرورة تواجده .
          ما أن أغلق الخط ، حتى صك أذنيه الرنين ، كاشفا عن وجه مسئول آخر ، ليعيد عليه نفس الحديث ، متضمنا العنوان ، و التوقيت ، شاكرا له حسن استجابته ، ومساندته لعملهم النبيل!
          أعياه الأمر ، كما ثقلت عليه حرارة الطقس ، لكن لا يهم ، طالما هناك من ينتظره ، و يحرص على حضوره .
          حين كانت القاعة تكتظ بوجوه غريبة ، و لهجات مختلفة ، و أزياء غاية في التباين ، كانت عيناه تجوسان ، بحثا عن طريق ، تقوده إلى الخارج ، و الإفلات من بين براثن عنكبوت ، بينما كانت غارقة ، في لحظة التكريم ، و هي تصعد بخطواتها الرشيقة ، أمام الحشد ، لحمل درع التميّز ، و ما بين ارتجافتها ، و تصفيقات القاعة ، ألف نظرة مشرعة ، بسؤال يتيم : من هؤلاء ؟!


          مرحبا أيها الفرح !!

          حطت أخيرا كيمامة برية فى سماء القاهرة ،
          جنحت بين أحيائها ، و مصرها القديمة .
          هاهي عائدة إليك ، يحوطها الفرسان ،
          حملة المشاعل ، الحواة ، الراقصون و الراقصات
          تهيأ إذًا
          كن لائقا بها ،
          بعد طول انتظارك .
          ما هي غير سويعات قليلة ، و تكون بين ضلوعك ، يديك ، أنفاسك ، وتكون بين نديها طفلا ، و بين ضلوعها فارسا ، و على شفتيها رحيقا وندى !
          كم من العمر أهلك ، و الانتظار سيدك ،
          أعددتها منذ نيف وعشرين لهذا العرس ، فتأبت عليك ، ضاعت بين ركام السنين ،
          و ركام من الأباطيل و الأحلام ، ووجوه لامعة ، أكثرها كان زائفا و كريها .. كم صرخت ، ناديتها ، فما أجابتك ، و لا أعطتك انتباها لائقا، ظلت في إبحارها في الصمت و التمنع !
          ناديت إبراهيم ، صقرا و حمامة ، وكم تتخلى الصقور عن مخالبها للحمام ، حين تحط بصدورها ، تنسى كل تواريخها ، عدا النسل ، و اجترار الرحيق ، وحرية قتل بحثا عنها ، و حين لقيها في أحضان سعدية ، تلك الغجرية المهلكة ، ضاعت من قبضته كوهم. تركته غير آسفة ، غير مبالية إلا من جرح ، وبطن تحمل أملا قادما ، يالها سعدية و يالخبرتها الفسيحة فساحة جرحك ، و تخبطك ليل نهار ، ما بين غيط و مصنع ، بين فقر أبيد ، عشق و صبابة ..لا تتحول .. و أنت بالفكرة تؤمن ، عاشق لها أنت ، بالزعيم المكبل هناك ، في قصر العروبة ، أو قصر عابدين ، ينتهك ثورانه خيانة الصديق ، و رفاق ظنهم بعضه ، فدسوا في بدنه ما استعصي على دول حد الهزيمة .. تصرعك نهاية صاحبك المرة ، اشتعاله مع مصنعك ، و هلاك بيادر حنطتك و قوتك ؛
          لتكون سعدية بين ضلوعك ، نهدا يغمرك جنونا و طفولة ، و جسدا يصليك لذة و إشراقا ، ومغامرة لن تخذلك قواك معها ، حلما لا تدركه ، و ربما لا تراه ، فكرة لم تؤسس عليها كثيرا ، لكنك كنت تحوم حولها ، في صبر أيوب ، صبر عاشق ، رغم تجليات عبد الواحد أبيك ، لفض اشتباكك و الرحيل فيها !
          أنا و أنت خاسران يا رجل المهام العصية ، رمضان يا بسطة الغيث و لجة الرحمة ، كم سحقتك القبيلة ، و أنت طائر بأحلامك المجنحة ، ترتكب غواية الطريق ، في قراها الظالمة ، التي اغتالت أحلامك ، طمرتها أسرارا في قواديس السواقي ، وترع الموت ، وعيون الشجر كم شهدت لك بالنبل . تصدح بأناشيد الجلالة ، و السمو ؛ فتقتل الماشين على وجه الغيم ، و حر البيوت الظامئة ، لنفثة هواء ، لرفة طائر ، في سماء قتلوها رجما و خيلا و إبادة !
          نيفا و عشرين يا رمضان على أسنة الريح ، و عذابات القلق اليومي ، و أنت سجين أوراقي
          تحن كما أحن للمسة ، أو نظرة ، أو محض بصقة في وجه من وضع بذرتك هنا ، كوجه آخر لمعادلة غير ذكية ، لا يشفع له إلا كونها بعض طريق ، بعض مشاعر خالطته ، ونامت بين دمعاته و حلم .. سيان ..كأنني بلعنتي و أنت بلعنتى ، نغربل الوهم بحثا عن ما تصورناه ، عن الحب و العشق ، الموت و الميلاد ، الحرية و الوهج ، الفقر الذي حط على تلك البيوت ، نال منها حد النزف ، حد الجريمة ، و الخيانات !

          الآن .. ألفني بأرق الثياب ، أغلى الثياب ، أرفع على رأسي قبعة ، سرعان ما ألقى بها ، أتمايل أمام المرآة المشروخة طويلا ، أكلمني ، و ظل بسمة يرف ، سرعان ما ينطفئ ، و لمرة أخيرة ، أو ربما قبل الأخيرة ، أحادثها لم غاضبتها ، و لم كنت دائما بعيدا عن ملامحي ، يبدو تفهمت الأمر ، تهللها أمامي أكد لي ذلك ، و لأكون مقبولا إلى حد ما ، أكسر من حدة هذا الأنف ، أطلقت شعري الملبد ، لا تهم التجاعيد في رقعته و امتداده .. لا تهم .. فهي رزينة وعاقلة ، لن تعير هذه المسائل أهمية ، و على وهج انصهارنا أنسى كل شقاوتي . ظلت أعشقها نيفا و عشرين ، لا بد أنها أيضا تعانى من تجاعيد ، آثار السنين ، تباريحها ، ما بين حر و برد ، رعد وقصف ، إهمال و بعث .. لكنها لن تنسي أبدا ، أنها أنزفتني . من فجر نهر نزفي ، أرشد دمى إلى ثقوب الهروب ، و مغاضبتي و التمرد على .. لن تنسي بلا شك ، أنها تحمل كل حبي وجنوني بموطني ، بهنا ، بالمحلة الكبرى ، تل الواقعة ، أو سوق اللبن ، كيف تنسي إذًا خلوتنا معا ، و صراخ تلك المرأة على كتاكيتها ، وعجن أجسادهم الغضة مرة بالعض ، أخرى بالمكنسة أو حذائها المهترئ ، و صوتها يدوى كفضيحة كانت نائمة ، و أنا وأنت نختبيء ، نتوارى ، و نحن نستشعر أن تلك الهجمات ، و ذاك الصراخ ما كان موجها إلا لنا .. أنا و أنتِ . نولى هربا ضاحكين ، و الملح يتقاطر من عيني ، فتحمليني في حنان صدرك الناهد ، ترشفين ألمي ، ثم تضحكين فأضحك سخرية بنفسي ، و حياة ما أردتها ، وما كانت حلمي .
          نلف الشوارع راقصين ، أحياء المدينة المترفة ، وعشش الصفيح التي لا تنام ، إلا عارية الصدر ، تمضغ الأفيون ، الحشيش ، الأحلام ، ممددة في مواجهة غبار السماء الذي أطلقته زفرات الكبار هناك ، في الأحياء الراقية ، و لطمات الرجال و ركلاتهم ، و الزوجات الغافيات على قدور الماء ، أمام الكانون ، أو البوتاجاز القادم من مزيلة عبر الحدود
          كنت و أنتِ نبحث عن إبراهيم ، و ما فعل الإضراب في مواجهة السلطة و إدارة مؤسسة طلعت حرب . هناك كانوا ، خلف القضبان ، ينامون وقوفا ، و يضحكون من تلاعب إحدى العاهرات بضابط الليل ، و كيف استبدلت معه الثياب ، و الحنجرة !!
          الوقت يمر بطيئا .. بطيئا
          و القلق حد مدية .. أحسست بثقل يدي ، أغادر مكمني .. إلى أين .. ؟ إنها قادمة .. عليك ببعض الصبر ، تآكل بعضه ، هاهي الدماء تنزف من صدرك و كتفيك ، ألا تر أظافرك تخضبت بك .. عليك ببعض الصبر أو الموت في صمت.
          إنها قادمة لا محالة ، ألم يخبروك حين خرج الموكب .. مرت ساعات و ساعات .. لم يأت أحد ، لم أسمع شيئا حتى الآن ، حتى الهاتف صمت كقطعة حجر أصم ، لا يحس و لا يشعر . هانت على كل حال .. انتظر ليوم آخر ، ربما شاغبت الطرق موكبك الآتي ، تنتظر من نيف وعشرين عاما ، و الآن ضعيف حد التهتك على احتمال ساعات ، ليست بالجبال على كل حال .. اهدأ سيدي .
          أستشعر ثقلا ، دبدبات و اضطرابات في معدتي ، أهرع صوب الحمام ، يتمزق الموت على حد الوجع ، أسيل .. أسيل ، أتهادي كذرات بخار مطاردة . أتابع تهيئة نفسي ، ألتف حول صدري .. ما شكلها الآن ، ملامحها ، بريق عينيها و اتساعهما ، غمازتيها ، لون عينيها ، أمازال هو هو ، يا ربي .. كم أحبك .. وكم أخشى من هذا اللقاء الأسطوري ،
          كيف استعصت علي ، فشلت في الارتباط بها ، حتى أمام محامي بورقة عرفية .. كانت غالية و فادحة . خفت وخافت الجور على الكتاكيت ، و أمهم ، وهاهم غدوا فراخا و صقورا ، غير مبالين بي و ما أحب ، ربما من شرفة ذر الرماد ، كانوا يعرضون عليك الأمر ، و هم يدركون أنك ما عدت تملك إلا هم ، كل مالك و عتادك .
          نعم كان لا بد من رضا أهلها ، كما رضاي تماما ، و إلا سقط كل شيء ، و حيل بيني و بينها بموج كالجبال أو أشد قسوة ، و مت عشقا و جنونا !!
          لم يعد في القوس منزع ، تكسرت أوتار انتظاري تماما ، و الريح تأخذ شكلا معاندا ، فأبرح وقتي إلى وقت زائغ ، هناك .. أرى العشش هي هي ، و الرجال ما يزالون يمضغون الأفيون و الحشيش و البانجو ، و النساء لم تعد غافيات ، بل يمتد أمامهن طوابير المدمنين من نساء ورجال و شبان بوجوه نهشتها ثعالب الموت الماكرة بكل الألوان ، كل يحمل بطاقة ، يهلل للسكينة القادمة ، العودة المنتظرة للتحليق مع الأقمار و النجوم ، بينما من كانوا على موقد الماء يحلمون ، يباشرون نقل و تخزين وفض مشاوير الزبائن المرموقين .. و هناك في العنابر ، بين دويها القاسي ، وصخبها الرهيب كنت أبحث عن ملامح ما ، عن ضحكة ما ، عن تلك الطيبة المشعة .. عن إبراهيم أبحث ، ولما يئست من رؤيته ، نخر ت شغفي إليه بعض همهمات : إبراهيم .. يااااه .. هضمته معدة المدينة في أبريل قبل الماضي حين فخخ نفسه بحافلة شرطة !
          ركضت في حواري وشوارع شتى ، و على هدب طفل كنت هناك ، أفترش التراب و الإسفلت ، أتحين موكبها ، بتلقائية أمسد لحيتي ، أمشط شعري الطائر المهمل ، هاهي مقبلة ، يا ربي ، أسمع الآن رنين الأجراس ، تلاطم السيوف ، صهيل الفرسان ..
          مالي أرتجف ، أغدو في خفة فراشة ، أتهالك .. أن لي بقوة عشرين عاما ، لأكون قويا بما يكفي ، قادرا على إسالة وهن السنين ، إذابة الجليد المتراكم ، تجلية البريق ليعود بعد انطفاء.
          أخترق الحشد ، أرفرف نحوها طائرا . الصخب يغتال رأسي ، و هي ملء جنوني . أخيرا كانت على قيد خطوة ، وكنت بين حد الموت و الجنون ، حين اكتشفت أني انتظرت مومياء أخرجوها ، من تابوت طمرته الرمال آلاف السنين !!

















          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            نداء

            تسدد إليّ نظرات وحشية ، زاعقة المعاني . أروغ من حصارها ، أتململ ، أتصنعالانشغال بالأوراق أمامي ، أجدني مأسورا ، أعاود إختلاس نظرة من الوجهالشبق ، وهاتين العينين الدفاقتين بالنداء الحار : تعال".
            يذبحني إلحاح نظراتها ، ألتوي متقوقعا على نفسي ، محاولا تفسير هذهالتسديدات المرهقة ، بعد أن جبنت بالأمس أمامها ، حين حانت الفرصة لأجلسبجوارها في الحافلة ، وحين فتحت باب الحديث أغلقته بغباء .
            :
            المحطة القادمة الشون ؟
            :نننـ لا .. نعم هي .
            استدركت : لا .. القادمة إسو .
            كنت مصمما على اختراق حاجز الخوف الذي كبلني ، و عقد مرابط لساني ، أحالنيإلى مجرد آلة تختزل إرادتها ، وهي تتذبذب ، ترتعش ، تئن . أجزم أنيرأيتها من قبل ، لكن أين ؟ هذا ما لم أتذكره .
            اليوم عادت تسدد نفس الضربات الواخزة كياني . هاتان العينان كنصال تخترقالجلد و الدم ، لهما مذاق خاص ، تأثير حاد ، يجعلني أنتفض ، و لا أسلو أوأقاوم النظر إليهما !

            الحصار يشتد . داخلي مفعم حد الحريق ، بأشياء تدفعني للمبادرة ، و محاصرتها، لا أن أكون أنا المحاصر .. مائة مرة تتقابل العيون و لا ترتخي ،لايهتز لها جفن .. هاهو السوار في معصمها ، و القيد ينحت إصبعها ، لا .. ماهذا الشيء الغامض في نظرات هذه المرأة ؟ إنها على مشارف الأربعين أو تزيد .. أتوقف تماما عن التصحيح ، أسدد نظراتي غير عابئ بأي من الجالسين حولي ،أختبئ ثانية ، بسرعة فائقة أنتهي من الأوراق ، أنسحب من اللجنة .. لايهم التوقيع بالانصراف ، أجري .. أجري مذعورا كجرذ مداهم .

            رهط من الموظفين خلف البوابة المغلقة يتصايحون ، يستنهضون البواب الذي غفابرغمه أو هو يدعي . أتعلق بالبوابة ، أقذف بجسدي خارج المبني ، أنهض ، أصعددرجات الحافلة المنتظرة ، وقد تفتت رغبتي الجامحة ، وتذبذب إصراري على .... .

            لعنتها ، لعنت نظراتها ، لعنت مشاعري التي انفطرت تحت قهر عينيها .. استنهض السائق . يتباله ، يدعي الطرش . تعلو أصوات البعض ، تصطخب . ( يبرطم )السائق ، ( يزرجن ) ، يترك الحافلة ، ويبتعد .

            فتحت بوابة المبني . تلفت مذعورا .. هاهي مقبلة ، تدنو من السيارة . قمتمنتفضا ، قابلتها صاعدة ، أنزلتها بكتفي ، خطفت كفها قسرا ، انسابت ورائي .. توازينا . ضحكت ، أرادت أن تتكلم أو هكذا خيل إليّ . ضغطت على أصابعها . التصقت بي . اهتزت خطواتي . أتعثر . حانت مني التفاتة إلى تفريعات جسدها ،غصت في خضم عنيف . عنيف أمر هذا الجدل ، أفقت منه ضاحكا متشبثا بعبثيةآنية ، أتت على كل مختزني ، فطوحت بها نهبا لأبواق السيارات المدحرجة علىالإسفلت !!





















            عرس .. و لكن !

            عينت مشرفا من قبل الإدارة ،
            حيث الاستعدادات لعمل مهرجان مسرحي على قدم و ساق
            ورغم برمي ، بمثل هذه المهرجانات ، التي أفرغوها من
            محتواها ، و أصبحت فقط لقمة عيش ، توزع فيها المنح
            و المكافآت ببذخ ، إلا أنى كنت دائم التنقل ، و التواجد بصفة مستمرة ،
            ومراقبة البروفات من المرحلة الأولى ، حتى الثانوية .
            كثيرا ما أصابني الملل و الضيق لهزالة العروض ، و إمكانات مخرجي التعليم ، الذين يأتون بهم ، لا أدري من أين .
            بعد قليل وقت فقدت حماسي نهائيا ، و في اليوم الذي قررتفيه التخلي عن هذه المهمة ، ضاربا بالمكافأة عرض الحائط ، استوقفني مشهدعجيب ، وديكور بسيط لكنه ملفت بشكل يستدعى الانتباه ، و هنا أرغمت علىالمتابعة !


            فتحت الستارة بطيئا .. بطيئا
            وترددت موسيقي متواترة ،
            تتعانق فيها أصوات أجراس الكنائس و ترانيم المعابد
            و المساجد .. لا صوت .. فقط موسيقي تتدفق
            مع ظهور المشهد تخفت .. تخفت !
            اندفع جندي مهرولا خلف صبي ، عبر ضاحية ممتدة ، وحمى شديدة تتنامى في كيانه .
            وبرغم آلية يحملها ، كانت معبأة ، وعلى استعداد تامللقنص ، إلا أنه رأى ذلك غير حسن ، و أصر على اللحاق بالصبي ، و الفتك بهبطريقة مبتكرة ، مع الوضع في الاعتبار ، أنه قد يكون هو نفسه صيدا لهؤلاءالثوار ، المنتشرين عبر الحارات و الميادين ، و أسطح المنازل .


            كانوالده ( بنيامين ) لا يفتأ يحكى ، عن مغامرات جده الأول ، عن بطولات مثيرةلا تنقطع ، إذ كان عضوا في فرقة ثورية ، على حد زعمه ، قدمت الكثير للوطنالمكتشف حديثا ، ويعود إليها الفضل في إبادة قبيلة عن آخرها من الهنود ، وتشتيت أخرى .
            حكي عن براعته في الإيقاع بفريسته ، بنصب الفخاخ ،معلقة كانت أم غائرة بالأرض ، حيث كان ينزع فروة الرأس ، بعد العبث بجثةالضحية ، فإذا ما كانت حيوانا اكتفى بالذيل ، وعندما تفيض مخلاته أو خرجه ،يضعه فوق برذعة البغل ، و يطوى الفلاة لينال عن كل رأس خمسة دولارات ، وعنالذيل الواحد نصف دولار .. لكنه رأى ذلك غير كاف .. وغير حسن أيضا !!




            أصاب الصبي الوهن ، ابتلت ثيابه بعرق غزير . كان جسده ينتفض ، ومصرانه تكركب في فزع . صوت أنفاسه يتردد مختلطا ببكائه المرير .
            هطلت الأمطار هذا الصباح ، ردغت البازلت وحلا زلقا . فاضت مجرى المصرف المنحدر عبر الجرف .
            تمهل الصبي ملتقطا أنفاسا مجهدة ، اتكأ إلى جدار منبعج . عيناه تومضان وميضا غريبا ، بينما صاحب الرداء الزيتي يلاحقه ، وقهقهاتهتمتد عبر دوامات البرك المنتشرة هنا و هناك ، وصوت والده بينامين يصك أذنيه :" رأى جدك مع زملائه ، أن هذا غير كاف ، و أن إرادة الله تقف دونهم ؛فالأرض تنبت هنودا ، برغم نهر الدم المتدفق ، الذخيرة و الوقت لا يسمحانبهذا العمل البطىء . اتجهوا إلى نصب فخاخ جماعية ، ومن ثم دفن الضحاياأحياء ، لكن كبيرهم رأى ذلك غير حسن ، فأمرهم بالرحيل إلى الأرض الموعودة . الاستقرار بعد شتات طويل . بمجرد تسلله إليها اتسع نطاق عمله ، ثم مات آخرالأمر في هجوم شنه الثوار أصحاب الأرض – على يد طفل فلسطيني لم يتعدالثانية عشرة – مخلفا وراءه ملايين الدولارات في بنوك العالم ، وشركة للموزمع يانكي فى جواتيمالا بأمريكا اللاتينية .


            ذهلت من غرابة ما أرى . نعم . هذا ما كان يدور دون زيادة أو نقصان
            و بشكل ملك على كل جوارحي . أخاف من إخفاقي ، وعدمقدرتي على نقل الصورة الدائرة أمامي ، و التعليمات الحازمة التي يلقي بهامخرج العرض .


            حاصرالجندي الصبي مازن ، في مربعة نائية عن الطريق . كان يدور مذعورا . الأشجار على امتداد الأفق تتمايل بعنف كأن بها مسا من جن ، تلتمع علىأوراقها الخضراء حبات المطر ، و صوت والده بنيامين يطارده ، يرن في صالةالعرض ، وطيفه يتشكل من بين غبار ممطر ، كجزار يطارد كباش عنيدة : أجملاللحظات لدى جدك ساعة كان الصبية من فرط خوفهم وهلعهم يتبولون في سراويلهم ،ويسمع لاصطكاك أسنانهم اللبنية نغمات أرغول ، و لتأتآتهم المنداة باللعابلهاث ناى محموم يدغدغ أوصاله".


            كانتعينا مازن المذعورتان تومضان ، تحصيان البيوت و الأشجار و حبات المطر ،تسددان إلى السماء لظى تحرُّقهما ، باحثتين عن منفذ في رحابتها . وكانسرواله مبتلا ، و الماء يتساقط في حذائه .
            اصطدمت قدماه بعلبة ( بلوبيف ) فارغة ، التقطها ،أدناها من شفتيه الجافتين ، همس في فراغها ، رأى من خلالها دروب الحيل التيابتكرها هو ورفاقه ، هناك عند استواء القمر في ليالي الصيف الطازجة : صفوان .. هل تسمعني .. صفوان .. أترى لي منفذا ؟ ها أنا ذا في مأزق ، داخلمصيدة دبرها صهيوني معتوه .. ادع الله .. قل .. إن هذا غير حسن".



            تسلطالإضاءة بتركيز شديد ، تتلاعب كأنها ترسم الكلمات على شفتي مازن ، جاعلةمن رأسه بؤرة ارتكازها ، ثم تروح دائرة بحيث لا نرى فى الكادر إلا الصبي ورفاقه في الحارة .
            لطالما اتصل برفاقه من الصبيان ، من خلال علبة صفيحكهذه ، مع الفارق ؛ فالعلب يتصل بعضها البعض بخيط رفيع ، يقصر أو يطول حسبالمسافة بينهم ، أما ( حنان ) ابنة الجيران ، خاطبها دون خيط ، وقد أقسمتأنها سمعته ، وحددت مكانه تماما عندما كانت في غزة في زيارة لخالها ( غسان ) .


            احتدم الغضب . خطا الجندي بإصرار صوب مازن .
            راحت الإضاءة بتمكن تسلط على وجه الجندي ، تضخم من حالةالرعب و الغضب ، ثم استكملت دورانها شاملة خشبة المسرح بالكامل حيثالمنطقة النائية و برك المطر ، و الجرف .
            فجأة تخلع الشمس عن وجهها خمار الغيوم ، تسوط البيوت والكائنات بلهيبها الحارق . مازن يتابع الشعاع الساقط عليه ، كلما حركالعلبة أصدرت حزمة قوية من خيوط ، انعكست على وجه الصهيوني ، الذي اغتاظتماما ، وتهيج كثور ، فرفع ذراعه أمام وجه المباغت ، و صوت يجلده :" تلكالرائحة الكريهة ، ظلت تلازم جدك كقصاب جسور ، النشوة تستخف به ، عندمايداهم الصبية ، و النساء الهنديات ، أن إحساسا ما بالتفوق ، ظل يحلق به ،عبر سموات الرب ، لم يخطىء هدفه مرة ، كل من شاركوه لا يختلفون في أمرضحيته ، فرصاصته إما في العنق ، و إما في الجانب الأيسر من البطن ، وكلهامن خلف .. لكن الرب رأى ذلك غير حسن ، فتخلى عنه قرب مدينة خان يونس حيثكانت نهايته .


            توترت أعصابي تماما ، أحسست بقشعريرة تطوى جسدي . تركيزالمخرج ، وهو يحاصر أبطاله بالأوراق شديد ، و صوته رهيب ، كقائد في ميدانقتال ، يحمل الفزع و الخوف إلى الضمائر .
            كان مازن ما يزال يحرك العلبة بسرعة عجيبة .. أعلى وأسفل ضاحكا ، برغم ما ينتابه . اشتط الجندي ، تحت تأثير اللعبة ، دبدب ،ضيق حول مازن الخناق ، تقدم :" فيتقدم جدك مطيحا برأس الصبي الأعزل ، يسحبسرواله ، وهو يضحك كشيطان آبق ، وبسخرية و عته يردد : ماذا لو قطعنا هذهالأشياء .. ألا يكون من الأنسب أن تموت ملاكا ؟ ".



            التقط مازن حجرا ، فورا كانت اليد المرتعشة ، تداعب وجه الصهيوني بحجرها .
            قهقه الجندي عاليا . التقط مازن حجرا آخر ، قذفه .
            تجهم وجه الصهيوني ، انقض عليه . التقط حجرا ثالثا ،قذفه بقوة . صرخ الجندي . علت عقيرته :" هذا غير حسن ". أطبق على مازن بغل ،وبمؤخرة البندقية أطاح برأسه . هوى الصبي ، وصدى صرخته يدوى في الجرفالقريب .
            يدوى في أسماعنا ، فتتزلزل أجسادنا و تختلج عرقا و صراخا مكتوما .
            فرفر جسد مازن كذبيحة . كلما حاول الاعتدال ، انهار قبلأن يكمل . الحجر حجر ، و إن كان وهما في قدور الحساء . لملم مازن جسدهمحاولا الوقوف و الزحف ، عاجلته الضربة الثانية . هوى على الأرض كدودةممزقة ، تلوى منسحقا في دائرته الضيقة . اللعاب يبلل الحصى مختلطا بدمائهالتي انبجست غزيرة . استدعى بنصف وعى كل أولاد الحارة .. الموتى و الأحياء والمواليد .


            حُركت الإضاءة بتألق ، أظهرت الأولاد كطيوف الأحلام . راحت تستعرض جزءً ا من حياة مازن ، حين كان وليدا ثم صبيا في الحارة .
            صرخ بصوت ما تعدى جوفه ، على أمه .. على أبيه .. أخيهصفوان .. رفاقه :" بالأمس قتلوا جاسم الرشيد ، وحطموا ذراع عمر ياسر اليمني، و ثقبوا خصية مروان مازن . قالت أمي : إنهم سوف يخلصونه من خصيته ، إنهأصبح كذكر التوت ، بلا ثمرة !


            قهقه الصهيوني ، و مازن يصطدم بالأرض .
            عاد صوت بنيامن قويا مدويا :" و بنصل سكينه يفصل الأعضاء ، و يأتي على الذراع اليمنى فيحطمها كثمرة الخيار ".
            امتدت يد الجندي بسكين حاد ، حط بجسده أرضا . الرعبينهش قلب الصغير الذي تكشفت أمامه في هذه اللحظة غيوم الرؤى . رأى صفوانداخلا خيمته ، وبيده فأسه ، على ملابسه آثار تعب و غضب ، و في حرملته حملمن حطب . رآه يبحث عنه ، سائلا والدته ، يستدير إلى الصغار . نادى مازنبألم أحنق الصهيوني : صفوان .. أيها الحجر الصوان .. إنني هنا ، أسمع و أري، في محيط دائرة . اقصص خطاى .. أسرع . صفوان أمامه يحاول تحديد مصدرالصوت . يهرول هنا و هناك ز اعقا :" أين أنت .. أين .. أنت في هذه الجهة .. بل أنت هنا .. أنت قريب من الجرف .. نعم أنت قريب ". انقطعت الصورة !



            امتطيالجندي صدر الصغير ، و بسكينه يقترب من أعضائه الحساسة . تصاعد مازن طائراكغلالة شفافة ، بجناحين ، يهدل ، ينفرط غلمانا كثيرين كملائكة تسعى ،وموسيقي رقراقة تنبعث مشيعة إياه كرقرقة النشيج في الصدر ،، بين دهشةالجندي ، ومتابعته . تسلط عليه خوف مؤلم ، عيناه تفرزان المكان ، وقدماهتستعدان للتحليق ؛ لأول مرة يدرك كم أوغل ، و أن مجموعته بعيدة . دار حولنفسه ، وعنكبوتة الخوف تنسج على صدره خيوطا سميكة . انسحب ، وكلما تراجع ،دار ثانية تجاه الناحية الأولى ، ودائرة من الأطفال تتشكل ، و تحيط به ، وحجارة تهطل مدومة في الهواء ، تهدل بقوة على وجهه . يصرخ ، يأتيه حجر فحجرفيختل توازنه . يفزع قائما ، و الدماء تتفجر أشجانا وضياعا .

            صفوان بكوفيته يندفع دانيا من الجندي . كلما بغل أراداختراق الدائرة ردته قذيفة جديدة إلى خلف . تهالك على الأرض ، محتميا بنفسه . تذكر بندقيته . لم تكن في مكانها من كتفه . علت صرخاته . لم يعد بقادرعلى تمييز مصدر الحجارة . علت ذراع صفوان بفأسه ، هوى بها على جمجمةالصهيوني . تناثرت عظامها ، انفجرت سحب الدم تخضب المكان ، و تفرش كلفراغاته ، وتمتد مختلطة بمياه المجارى الراكدة .


            لم أتمالك نفسي ، انطلقت صاعدا خشبة المسرح ، دنوت منالصبي ، حملته ، و شددت على ساعد الطالب الذي أدي دور الجندي . أستفسر عناسم كاتب العمل .
            عانقت المخرج مؤكدا فوزه بكأس الجمهورية .

            في اليوم الأخير للمهرجان .
            حان دور العرض
            انقطعت الكهرباء .
            بعد محاولات مضنية وفاشلة ، عدنا لنجد الصالة فارغة تماما .
            علت صرخات المخرج . أصررت على تقديم العرض على ضوء الشموع . رفض المخرج ؛ فما كان غير أبطاله و طاقم المساعدة و أنا .
            سرعان ما أقبل السعاة و العمال ، يفضون الزينات ، و مكبرات الصوت ، و خيام الفراشة معلنين انتهاء المهرجان !



            هامش :
            -
            إنني لم أتوان عن نقل حقيقة العرض وروحه ؛ فالأشياءالتي قد تجدها مجافية لقدرات المسرح كالدماء و اهتزازات الشجر و صعود مازنللسماء جسدتها الإضاءة و آلة عرض سينمائي بشكل خرافي لم يسبق له مثيل .
            -
            تبينت أن الكهرباء كانت بصالة الأفراح الملاصقة للمسرح طول الوقت ودون انقطاع .
            -
            تذكرت مشادة كلامية معمدير المكان عندما رفعنا علم فلسطين المحتلة على الأجناب ، وفى مواجهةالجمهور ، و رفضت إنزاله . كانت حجته أن هذا عمل سياسة و ليس فنا .
            -
            أخيرا انتهى المهرجان الذي كان عرسا .. و لكن للضباع !!




            ربيع عقب الباب

            من مواليد المحلة الكبرى
            عضو اتحاد كتاب مصر
            يكتب القصة والرواية والمسرحية للكبار والصغار
            كتب أشعارا لعروض مسرحية بالثقافة الجماهيرية و الجامعة
            نشر أعماله في الدوريات المصرية والعربية مثل ( إبداع – الثقافة الجديدة – القصة – القاهرة – آفاق المسرح – ماجد – أحمد – الوعي الإسلامي – علاء الدين – مجلة الفيصل الأدبية – مجلة الكويت ) .
            كتب للمؤلف
            ليل المدن القديمة مج قصصية عن دار الغد بالقاهرة
            1991
            حلم كائن بسيط مج قصصية عن هيئة الكتاب 1992
            من يقتل الغندور؟ رواية سلسلة مطبوعات مرايا 2003
            الحلم والصندوق مسرحية الهيئة العامة لقصورالثقافة
            2003
            البلد مسرحية عن رواية عباس أحمد 2004
            أنشودة الصقر مج مسرحيات الهيئة العامة للكتاب 2008
            البئر مسرحية هيئة قصور الثقافة سلسلة الجوائز
            خسوف مسرحية هيئة قصور الثقافة سلسلة الجوائز
            ولادة هنا .. ولادة هناك مج قصصية دار بلال للطباعة
            قرن غزال مج قصص دار الاسلام للنشر و التوزيع
            سوق اللبن رواية الهيئة المصرية العامة للكتاب و
            اتحاد الكتاب
            تحت الطبع
            لا تعترف بالموت رواية
            العفريت الأزرق مسرحية
            فيها لا أخفيها مسرحية الهيئة العامة لقصور الثقافة
            حلم ولا علم مسرحية
            براءة مسرحية
            الديب من ديلة مسرحية
            حدرجه بدارجه مسرحية
            التاجر و الأميرة مسرحية
            تلة صابحة مسرحية نشرت في مجلة آفاق
            المسرح وقدمتها فرقة
            ناصر الثورة بالوادي الجديد
            ليالي الصبابة والموت مسرحية حاصلة على المركز الثاني
            في مسابقة الهيئة العامة
            القصور الثقافة لعام 2008
            البئر مسرحية جائزة الثقافة الجماهيرية 2006

            شربات أوبريت عن نص دورينمات زيارة السيدة العجوز
            زهرة الآس مسرحية
            ذي قار مسرحية
            صقور وحمائم مسرحية
            حدوتة غجرية مسرحية
            اللى خدته القرعة مسرحية
            اللص مسرحيات فصل واحد
            أسطورة فرط الرمان مجموعة قصصية هيئة الكتاب
            رقصة عند الفجر مجموعة قصصية
            نزف ديوان
            دعنى أمارسك بافتتان النهايات ديوان
            صنوبرة أمازيغية ديوان

            للأطفالتحت الطبع
            رحلات سندباد سبع روايات منشورة مسلسلة بمجلة ماجد
            ساحر النهر رواية نشرت مسلسلة بمجلة ماجد
            عين صقر رواية
            الديك ساطع أوبريت
            تاجر الأسماء أوبريت
            ساحرة الفراشات أوبريت
            الأميرة لؤلؤة أوبريت
            دارالعم جبريل مسرحية
            صراع خفى مسرحية
            أحمس ملك تميرا مسرحية
            جميلة فى بغداد مسرحية
            عودة الغائب مسرحية
            البطل الصغير مسرحية
            لا ينحنى مسرحية
            عودة الأبطال مسرحية
            كنوز الأرض مسرحية
            وعلى الأرض السلام مسرحية
            محبوب ثلاث أوبريتات ( محبوب بفكر – محبوب يطير
            محبوب يقاتل )
            المسرحيات السابقة قدمت على مسرح التربية
            والتعليم بالمحلة وطنطا ( مسرح الطفل )
            عدا عشرات القصص كلها منشورة في مجلات
            ( ماجد- أحمد – علاء الدين – الوعي الإسلامي )














            محتوى الكتاب
            م
            اسم العمل
            الصفحة
            1
            اهداء
            2
            قصتي معه لحكيم عباس
            3
            البحار أو حارس الماء
            4
            رسالة خاصة جدا
            5
            خفافيش
            6
            بصقة و طريق
            7
            ممالك الغبار
            8
            ربما كان ..أو هو كذلك
            9
            و أمطرت السماء لعنات
            10
            قط البراري
            11
            نمنمات على جذع تمرحنة
            12
            وليمة
            13
            للشهادة طرق أخرى
            14
            قلب فأر ..!
            15
            ليالي الصبابة و الموت
            16
            بذلة الرئيس
            17
            مباشر من ميدان التحرير
            18
            المعلمة محاسن
            19
            موتته قبل الأخيرة
            20
            تكريم
            21
            مرحبا أيها الفرح
            22
            نداء
            23
            عرس و لكن ... !
            sigpic

            تعليق

            • شريف عابدين
              أديب وكاتب
              • 08-02-2011
              • 1019

              #7
              بسم الله ما شاء الله
              ألف ألف ألف مبروك لمبدعنا الكبير نهر الإبداع المتدفق الأستاذ ربيع عقب الباب
              سجل حافل بالإبداع القصصي والمسرحي
              وافر أمنياتي القلبية بالمزيد من التوفيق والتألق
              وإلى الأمام يافارس النبل والعطاء.
              مجموعتي القصصية الأولى "تلك الحياة"

              تعليق

              • محمد سلطان
                أديب وكاتب
                • 18-01-2009
                • 4442

                #8
                ألف مبروك ربيعي على مجموعة من الدرر قرأت منها الكثير ههنا

                مولود جديد لسلسة من الأعمال الكاملة التي تحتاج لإنصاف وعدل

                ولابد أن يكون لها تكريمها الذي يليق بها..

                تحياتي ورمضانك كريم
                صفحتي على فيس بوك
                https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                تعليق

                • ليندة كامل
                  مشرفة ملتقى صيد الخاطر
                  • 31-12-2011
                  • 1638

                  #9
                  السلام عليكم
                  الاستاذ المبدع ربيع قرأة شيئا منها دائما قوي أنت فيما تكتب في كل الطبوع قصة أو شعر كم أحب أن تعطيك مصر حقك لانك أعطيتها حقها وأكثر ما أحوجنا لمبدعين أمثالك تفتخر بهم الامة العربية
                  تحية تقدير نتمنى أن نسير على خطى دربك ودرب نجيب محفوظ وكاتب ياسين وطه حسين وأحمد أمين والمنفلوطي .....
                  http://lindakamel.maktoobblog.com
                  من قلب الجزائر ينطلق نبض الوجود راسلا كلمات تتدفق ألقا الى من يقرأها

                  تعليق

                  • وسام دبليز
                    همس الياسمين
                    • 03-07-2010
                    • 687

                    #10
                    استاذ ربيع دمت مبدعا ودام هذا الربيع العاطر بالابداع مبروك والف مبروك على مجموعتك وعلى هذا المولود الذاخر بالابداع

                    تعليق

                    • ميساء عباس
                      رئيس ملتقى القصة
                      • 21-09-2009
                      • 4186

                      #11
                      رسائل جدااا
                      خاصة
                      وقط البراري
                      وعرس
                      وقصص راااقية جدا
                      تتطرق كل الإحتمالات
                      رأيتك هنا مختلفا
                      ثائرا
                      باحثا عن صفات جديدة في الربيع
                      تصارع الفصول
                      وترغمها للولوج في بعضها
                      لترى احتمالات جديدة
                      فكنت
                      أكثر جمالا
                      أكثر غرابة
                      أكثر حقيقة
                      مرآتك فضية وجميلة
                      أستاذ ربيع
                      ألف مبروك وألف وردة
                      لروحك التي نضج فيها هذا الجمال
                      أكثر روعة هنا
                      رائع جدا
                      ماقرأت
                      ومن أجمل ماكتبت
                      دمت فصلا آخرا جديدا
                      كل الود
                      ميســاء
                      مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
                      https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

                      تعليق

                      • ربيع عقب الباب
                        مستشار أدبي
                        طائر النورس
                        • 29-07-2008
                        • 25792

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة محمد سلطان مشاهدة المشاركة
                        ألف مبروك ربيعي على مجموعة من الدرر قرأت منها الكثير ههنا

                        مولود جديد لسلسة من الأعمال الكاملة التي تحتاج لإنصاف وعدل

                        ولابد أن يكون لها تكريمها الذي يليق بها..

                        تحياتي ورمضانك كريم
                        شكرا لك محمد العزيز
                        و اهلا بعودتك بعد غياب
                        رمضان طيب و كريم

                        محبتي
                        sigpic

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة شريف عابدين مشاهدة المشاركة
                          بسم الله ما شاء الله
                          ألف ألف ألف مبروك لمبدعنا الكبير نهر الإبداع المتدفق الأستاذ ربيع عقب الباب
                          سجل حافل بالإبداع القصصي والمسرحي
                          وافر أمنياتي القلبية بالمزيد من التوفيق والتألق
                          وإلى الأمام يافارس النبل والعطاء.
                          شريف الجميل .. لا حرمتك أبدا
                          سرني حضورك هنا أيها الكبير بقلبك و فكرك و إنسانيتك
                          كانت محاولتي لكسر أنياب الوقت و مواجهة الموت

                          شكري و احترامي و محبتي لك
                          sigpic

                          تعليق

                          • ربيع عقب الباب
                            مستشار أدبي
                            طائر النورس
                            • 29-07-2008
                            • 25792

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة ليندة كامل مشاهدة المشاركة
                            السلام عليكم
                            الاستاذ المبدع ربيع قرأة شيئا منها دائما قوي أنت فيما تكتب في كل الطبوع قصة أو شعر كم أحب أن تعطيك مصر حقك لانك أعطيتها حقها وأكثر ما أحوجنا لمبدعين أمثالك تفتخر بهم الامة العربية
                            تحية تقدير نتمنى أن نسير على خطى دربك ودرب نجيب محفوظ وكاتب ياسين وطه حسين وأحمد أمين والمنفلوطي .....

                            استاذتي ليندة .. شكرا لك كثيرا على المرور و القراءة
                            و تلك الشهادة التي أعتز بها كثيرا كثيرا
                            و العقبى عندكم أنتم في مسرات أكثر جمالا و رقيا من تلك
                            تأكدي من شىء خطير جدا ، ان هناك من تفوق على كل هؤلاء
                            و لكن لأنهم ظهروا كرواد فلهم الحظوة و الحضور الدائم !!

                            تقديري و احترامي
                            التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 09-08-2012, 17:50.
                            sigpic

                            تعليق

                            • ربيع عقب الباب
                              مستشار أدبي
                              طائر النورس
                              • 29-07-2008
                              • 25792

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة وسام دبليز مشاهدة المشاركة
                              استاذ ربيع دمت مبدعا ودام هذا الربيع العاطر بالابداع مبروك والف مبروك على مجموعتك وعلى هذا المولود الذاخر بالابداع
                              سلمت أستاذة وسام
                              و سلم حسك و ذوقك
                              اشتقت كثيرا لابداعك أستاذة .. بالله عليك لا تحرميني من قراءتك دوما و أبدا !

                              تقديري و احترامي
                              sigpic

                              تعليق

                              يعمل...
                              X