قصص
رسالة خاصة جدا
تأليف
ربيع عقب الباب
الكتاب : رسالة خاصة جدا
الكاتب : ربيع عقب الباب
الناشر : مطبعة دار الإسلام
الطبعة الأولي : في يوليو2012-07-26
لوحة الغلاف :
رقم الايداع :
الترقيم الدولي :
الإهداء
إلي جوهرة تسكن
دمي و أوردتي
كوطن
كآية قدسية
تنير عتمة جموحي
وتعلنني ربيعا دائما
إليها .. حيث لا أحد !
قصّتي معه
* من يكون هذا ؟
سأل نفسه بعد أن هيأ فنجان قهوته و أشعل لفافته و أدار شاشة حاسوبه بما يناسب جلسته (المأخوذة بنفسها) .
انتقل بسرعة لصفحة "آخر المشاركات" ، مرّرها أمام عينيه ، بعد أن شدّ عضلاتهما كمن يعتصرهما ، يدقّق النّظر ، ففاجأه اسمه ثانية يتكرّر في معظم المشاركات ، يسأل ثانية : من هو هذا ؟
لم يتوقّف للحظة ليجيب أو يحاول ، بل قفز بالمتصفّح إلى مكان آخر .
لكنّ "الملحاح" ، ظلّ يقفز إلى مقدّمة الشريط المتحرّك ، طيلة ساعتين . لم يتجاوز تكرار السؤال ، و لم يشدّه الفضول ، فيدفعه لموضوع يحمل اسم الرّجل.
أغلق الحاسوب ، ألقى نظرته المعتادة على الصورة مقابل مكتبه ، حدّق قليلا ، تأمّل استودعه ثمّ مضى لسريره...
في العتمة ، من على سفوح وسادته ، قفز الاسم ثانية لشريط المراجعة اليومية الصامتة خلف الحدقات ، بعد أن تسدل الستار ، كما يفعل عادة ، يُلقي بكلّ جديد يطرأ على الشريط الصامت ، ألقى به أمام عصافيره المدرّبة على النّقر ، ، فلم تقبل عليه ، شمشمته ، دحرجته ، عبثت به لكنّها لم تمدّ مناقيرها .. إلى أن "تغمّده" النّوم .
في اليوم التالي ، تكرّر ما كان ، لأن عصافيره المدرّبة على نقر الجديد ، و الحفر و التنقيب فيه ، و ربّما تبني أعشاشها أحيانا ، لا تعمل إلا على سفوح وسادته في طقوس الصمت ، اضطرّ أن يتتبّع و ينظر و يتأمّل و يقرأ .. فاستهجن ..
يقفز هذا "الملحاح" من القصيدة للغناء الشعبي للنثر الأدبي للسخرية و المقالة .. ، كحسّون يعتدّ بألوان ريشاته ، و صوت زقزقته ، يتنقّل من غصن لغصن ، يخطف الأبصار بسرعته و خفّته ..
ابتسم و هو يعيد السؤال على نفسه للمرّة الألف ، لكن لأول مرّة يقف محاولا الإجابة ... هزّ رأسه نافيا بقوّة ، لم أسمع عن هذا أبدا ..
فقال لنفسه ، تريّث ، لا تبقى رهين السرعة و التّسرع و العنجهيّة ، فلم تمض على عودتك إلا سنتان أو أكثر قليلا ، بعد غياب قارب العقدين ، فأنت لا تعرف كلّ ما نسجت الفصول من خيطان الوجد بمغازل الزّمن ، فربّما يكون إحدى "المُطرّزات" و أنت لا تعلم ...
تمتم : قد يكون ، لكن لا وقت الآن لدي.
لكنّه الملحاح ظلّ في مكان ما ، يطلّ بين الفينة و الأخرى برأسه ، من خلف الحدقات ، سيان كانت أسدلت الجفون أم ظلّت مشرعة ...
من بين هذه الطلات ، اقتحم الجدار ، فكانت المحاولة الأولى للتّوقّف : ربيع ؟ ... ربيع ؟؟
جميل أن تحمل إحدى الفصول تحت معطفك .. لكن عقب الباب ؟؟ خلفه ؟ أم بعده ؟ تجوز هذه و تجوز تلك . فإن كان خلف الباب ، فهو في ساحة الدّار ، و إن كان بعد الباب ، فهو خارج ساحة الدار .. لمسة فلسفية ، تجمع بين الخارج و الدّاخل ، بين ما عندك و ما عند غيرك . لماذا ترى يقف الرّبيع خلف الباب ؟؟ هل الرياح ما زالت شديدة و البرد قارصا و المطر عاصفا ، و الرّعود تطارد الورود و العصافير.. أينتظر زرقة صافية و شمسا ساطعة ؟؟ .. هذا ليس اسما مطلقا ، إنّه توصيف .. على شاكلة الأسماء الطويلة التوصيفية في التاريخ الإنساني : مثل اسم أحدهم "شجرة الغابة ذات الخشب الأحمر" ، أو "أنا في طريقي" ، "القمر العائد" ، "صديق كلّ الناس" ، "مكان التقاء الجبال بضلع البحر" تخيّل أن يكون اسمك واحدا من هذه الأسماء!!
ابتسم ، هزّ رأسه ثم قال و هو يقلب الصفحة: اسم محمّل بالإمكانيّات الفنية ، ترى من كان يملك هذه البديهية الفنية البسيطة الزخمة ؟؟
في تلك الليلة ، نقرته العصافير ، حفرت به بعض الثقوب .. في الصباح أدرك أن توصيف "ربيع عقب الباب" أصبح في الدّاخل ، لكنّ الرّجل ، ما زال في الخارج.
مرّت أيام كثيرة ، تتدحرج بعضها فوق بعض ، في كلّ ليلة ، تحمله العصافير في طقوس الصمت ، تنقره ، "تُفلّيه" ، تحمله على أجنحتها ، تشدّه .. ترخيه ، إلى أن صار قطنا مصريا منفوشا ، أبيض كالثلج ، طويل القامة..
عندها قرّر أن يقرأ ...
طرق باب إحدى القصائد ، فتحت الباب ، رأى وجهها من السطر الأول ، من على الغصن الأول ، في السطر الثاني ، فرّ كطير مذعور..
أغلق المتصفّح و فتح آخر ، لكنّ الطعم ظلّ تحت اللسان ، تردّدت أصابعه على لوحة المفاتيح ، قرّر أن يمضي لحاله ، دخل موضوعا آخر ، في منتصف الطريق لاحظ شرود ذهنه ... و الطعم ما زال متسلطا تحت لسانه .
يطلّ الملحاح برأسه من خلف الحدقات .. قرّر أن يعيد الكرّة ، دخل "القصة" ، من نظرتين أدرك أنّ عليه أن يكون أبطأ..
أعاد من الكلمة الأولى في السطر الأول ... في الطريق ، تعثّر فأدرك فشل السرعة ، عليه أن يكون أبطأ..
منذ رحل عن الشرق ، تدرّب على السرعة عنوة ، رفضها في البداية ، تلكأ بشرقيّة مستفزّة ، فسحقته عجلات القطار عشرين ألف مرّة ، إلى أن خضع و أذعن للسرعة .. الآن عليه أن يعود شرقيا .. ليسير أبطأ..
أعاد ما بدأ ... لكن لم يحظ بشيء من اللآلئ ، فأعاد و هو عازم أن يكون أبطأ..
أبطا.. أبطأ ... إلى أن عدّل "الريثم" شرقيّا أصيلا...
كيف ستسمع زقزقة طيور الشرق مسرعا ؟
كيف يمكنك محاورة المحار ، ليتخلّى لك عن لآلئه ، و أنت "ترطن" بسرعة الضوء .. و المحار يتلكأ كما الموج..
فرغ من القصّة الأولى ، أرجع كرسيه للخلف و تمطى فوقها ، يسترخي كجمل تخفّف من حمل ثقيل .. يشعر بشيء من الدّوار.. بعض الكلمات يتردّد صداها في فراغ جمجمته .. صدى حائرا لا يستقر في مكان الفهم .. بحث لها عن دواء في المعاجم .. و ظلّ يبحث حتى استقر..
تمتم بينه و بين نفسه : تلقّنت درسا قاسيا اليوم .. أليس كذلك؟
حاول الهرب .. لكنّه اعترف..
أغلق حاسوبه مبكرا على غير العادة ، ثمّ هرب لوسادته .. كان مشغول الفكر أكثر مما ظهر متعبا.. انتظرته العصافير ، "الرّبيع" محمّلا على أجنحتها ، تنتظر الصمت ، لتضع أوّل قشّاتها في أول عش ستبنيه ..
سرقه النّوم و هو يردّد : مُتْعِب أنت يا ربيع .. مُتعب جدّا..
تدحرجت الأيام ثانية بعضها فوق بعض ، و صار "ربيع عقب الباب " التوصيف و الرّجل ، في الدّاخل .. في ساحة الدّار..
يلاحقه من مكان لمكان فوق أغصان الدّوح ، يحمل المعاجم و يلاحقه ..
لم يتعب ، لكنّه اكتشف مغامرة جميلة في الرّقص ما بين النثر و الشعر ، ما بين التراب و السّحاب .. ما بين خرير الماء و أبواق السيارات في ميادين القاهرة ..
تجربة فريدة ، متعة فريدة ، شرقيّة فريدة ، أصالة فريدة ، صراخ ، بكاء ، غناء ، نواح ، ثورة سكون ، وعورة سلاسة ، حنوّ خشونة ، عصافير و أفاعي . أنهر و واحات و صحاري ، عواصف و سحب و غمام ...
أغلق الحاسوب و هو يقول : مجنون أنت يا ربيع .. مجنون ... مجنون أربعة و عشرين قيراطا..
أسند رأسه لكفّه ، ضغط و أغمض عينيه ، أرجع عنقه للخلف .. أكثر ما يستطيع ، يشعر بصداع قوي ، تذكّر أنه بالغ في السّهر و احتساء القهوة و التبغ ، أخذ قرص أسبرين ، أصابعه بطيئة الحركة .. مدّ يده أمام وجهه ، تمتم و هو يرى كفّه ترتجف : هذا بسببك أيها المجنون ..
وصل الهاتف متثاقلا : يا جميلتي ، لن أتي اليوم للعمل ، أرجوك الغي كلّ المواعيد
- ما المشكلة؟
- لا ... لا مشكلة ، لكن يبدو أنّني أصبت بحمّى الرّبيع
- حمى الرّبيع؟ قصدك وهن الرّبيع
- لا .. لا حمى الرّبيع.
صمتت مستهجنة ، فأنهى المحادثة و ألقى بنفسه على مقعد قريب.
تائه ، حائر لا شيء محدّد في ذهنه ، كمن غرق في الفراغ ، يجلس فوق بالون منفوخ ، يحرّكه في كلّ الاتّجاهات ، عيناه متورّمتان ، رجلاه ثقيلتان ، رأسه يطفو فوق سطح الماء ، تتقاذفه و تدغدغه موجات غريبة ، طنين في أذنيه ..
كان الشرق بطعم مختلف ، نحتته مساءات الحصاد عند الزيّات ، و عصافير توفيق الحكيم ، و لبلاب محمد عبد الحليم عبد الله ، و أجنحة فيروز ، و كثيرون .. كثيرون ، ثم خفتت فوانيسه ، التهمه الغرب في خطاه المسرعة عبر شوارعه ... فتأتي أنت أيها المجنون في آخر الزّمان ، لتمسح عنه الغبار ، ترسمه من جديد بلون مختلف.. ابتسم ... شتم .. هزّ رأسه بعنف ، فأوقفه الألم .. تأوّه ، أسنده بكفه ثانية..
قرّر طرده من ثيابه .. فاكتشفه في لحمه ، طرده ، فإذا به في عظامه ، طرده.. لكنّ العصافير كانت أسرابا أسرابا ، تبني أعشاشها في حقول القطن..
جمّع قواه و قرّر التّخلص من هذا الرّبيع المجنون و شرقه ، سيستعين بكلّ الأسلحة .. أخرج برامز و جلس يستحمّ تحت شلالات تأوّهات البيانو .. سأمسح كلّ شيء ، قال بخشونة.
لحظات فإذا الرومانسيّة شرقيّة المذاق .. شتم ... أتى بتشايكوفسكي .. نحيب الأوتار .. يعتصر الشجن من النواة ، و الشجن رومنسيّا ، و الرومانسيّة شرقيّة المذاق... ذهب لفيفالدي ، خرج الربيع من بين الفصول .. شتم .. و ردّد : ملعون هذا الصباح .. ماذا تريد ؟؟ اذهب لحالك يا ربيع و دعني في معاطفي الشتوية
لكن الطنين كان عاليا ، تجمّعت أسراب النّحل و الربيع يقودها ، يضع إكليلا من ورق الحلفا على رأسه ، يعتلي الهودج ، و خلفة قافلة من الجمال محمّلة منّا و سلوى .. يحطّ النحل على راحتيه و كتفيه ، و في كلّ مكان ، يفرغ جرار الشهد ، يقهقه كلّما لسعته واحدة .. يصرخ في القفار الممتدّة في ثنايا الرّوح كمعتوه : "الرحيق روحي".. الرحيق روحي .. فيتسارع النّحل كمن ضربته السياط..
"ينتشي و لا يرقد" ..
يهرع الأطفال ، يصرخون جاء "الملك ميداس" .. جاء الملك ميداس ، يتحلّقون حوله ، ينزل عن هودجه ، يتربّع فوق مصطبة في صدر المكان ، يأخذ نرجيلته و ينفخ فيها ..
"قرقرة" الماء في نرجيلته كما "الانهيارات" ... كموسيقى الطّبول قبل بدأ المشهد ، يظهر من خلفها دونيسيوس و جوقته ، تراه واحدة ، فتهمس لسيّدها : أنظر لذلك "البهلوان"
يتقدّم ، و يقدّم له كأس نبيذه ، ينفخ الربيع في نرجيلته و يقول : لم تعد لي رغبة فيها
تتقدّم إحدى الوصيفات ، تمسح على شعره مرّتين : "العمر لحظة" ، يا بهلوان .. دعني أكون "أنا أنثاك"
و كما النار في الهشيم تصرخ الثانية : أنا ..
الثالثة : بل أنا...
هرج و مرج .. يدير ظهره و يختفي كما "ساحر النّهر" ، يغضب دونيسيوس ، يرشق النّبيذ بوجوه وصيفاته و يصرخ : اللعنة ، من أجل من هذه الخيانة ؟ أمن أجل إحدى البابات ، نافخ النرجيلة كآخر الشياطين؟؟!!
عندما كان يدير ظهره ، بان من تحت ثيابه جرح عميق ، "ينزف" دما قانيا .. ينزف ... ينزف ... ينزف بصمت.
نفض رأسه بقوّة ، تأوّه ثانية فأسنده بكفّه : ما هذا الحلم .. ما هذا الكابوس ؟ أهذه ليالي الصبابة و الموت؟؟
شعر فجأة بالحنين .. حنين خفيّ رفيع كخيط الماء في أرض شقّقها الظمأ.
قام لحاسوبه ، فتح المتصفّح و بحث عنه .. بحث عنه بالاسم : ربيع عقب الباب .. هو بالضّبط . لأوّل مرّة يبحث عنه هو بالضبط .. لأوّل مرّة منذ الطفولة الأولى يحسّ الشرق منتصرا..
- هل تظلّ اللّغة ، لغة بعد أن تصبح عجينة صلصال؟ قال و هو يلتقط حصاة من على جانب الطريق ، يقذفها نحو حقول الذرة في الناحية الثانية من ماء الساقية ، سمع صفق أجنحة ثمّ فزّت أسراب من طيور السمّن ، كموجة فلتت عن جبين البحر مذعورة ، تحلّق نحو الأزرق خلف النّجوم .
قاطع صدى سؤاله فيه و قال بهدوء: هذه لغة أيضا.
لم يكن حزينا ، بل كان كشجرة تفّاح أثقلتها الثمار ، فخرج يبحث عن علاقة بين الصلصال و اللغة .
نقف هنا .....
نقف هنا ، بعد أن بيّنت بأدقّ التّفاصيل الخفيّة ، علاقتي الصامتة مع أخي الفنان الكبير و أستاذي ربيع عقب الباب ،
ربيع عقب الباب ، ظاهرة حيّة كنت أبحث عنها ، لأجيب على سلسلة من الأسئلة تشغل بالي ، و لأبلور أخرى.
هذا الرّجل يكتب الرواية و يكتب القصة القصيرة و القصة القصيرة جدا ، يكتب الحكاية ، الشعر و الشعر بالعاميّة ، و المسرح ...الخ فلا عجب بهذا ، إذ أنّها كلّها أزياء مختلفة لذات الجسد ، و سنعرض بعض النّماذج لهذا الجسد :-
1. الأنموذج الأول : استخدام اللغة كأداة تفاهم و اتّصال بين البشر (أداة اجتماعية) للتعبير عن جزء من مكنونات عالم داخلي ذاتي ، ممزوج بين القليل من الذاتية الخالصة ، و الكثير جدّا من الذات كفرد من أفراد المجتمع ، أي تعبير عن المكنونات الدّاخلية تحت رقابة الذات التي لم تخرج عن كونها فرد من أفراد المجتمع ، أي ما زالت مكبّلة بقوانينه ، و هذا هو ما نسميه الأدب.
2. الأنموذج الثاني : يكتب الشعر أيضا ، و الشعر هو تعبير عن حالة وجدانية خاصة ، أي أكثر ذاتية ، أعمق في الذات ، أكثر تحرّرا من حقيقة كون الذّات فردا من أفراد المجتمع ، لكن بنفس الأداة اللغوية التي (اللغة كأداة اجتماعية عامة) تستخدم في الأنموذج الأول، و لأنّ الحالة أكثر ذاتية و أكثر وجدانية ، و أبعد عن الذات الاجتماعية ، يحصل تغيّرات و إزاحات في هذه اللغة ، إلى درجة أنّني أستطيع القول ، بأنّها حالة لغوية خاصة ، و الخصوصيّة فيها تبرز ، في :
*** اعتنائها الشديد بالصورة و تكثيفها ، توالد صورا جديدة منها ، و خاصة غير المألوفة.
*** تحاول اللغة في الشعر تغيير اصطفاف مفرداتها ، حسب إيقاعها الصوتي ، كأنّها عملية ترتيب لأوركسترا ، توزّع فيها الأدوات الموسيقية حسب طبقات و ذبذبات الأصوات و النّغمات التي تصدرها كلّ أداة ، يتبعها استخدام هذه النغمات و الإيقاعات معا ، لتعطي نفس الإحساس الذي يولّده سماع الموسيقى ، أنت لا تسمع موسيقى و لكنّك تسمع لغة ، و زّعت كأوركسترا أو كورال ، تُحدث في النّفس ، أو تحاكي ما تحدثه في النفس الموسيقى عند سماعها (البعض يقول أنها موسيقى داخلية)
*** إزاحة الدلالات اللفظية عن مدلولاتها ، الحقيقة أنّني أفهم هذه الإزاحة ، كعمليّة استبدال للمدلول المتعارف عليه بين أفراد المجتمع الذين يتكلّمون نفس اللغة ، استبداله بمدلول خاص ذاتي ، يحسّه كاتب الشعر ، أي نوع من استبدال العام بالخاص ، استبدال الاجتماعي بالذّاتي.
و هكذا نرى أن الشعر أساس يرتكز على التّعمق في الذات ، و إعطائها الحريّة أكثر لتعبّر عن ذاتها ، أي أنّه أكثر ذاتية من الأدب ، أي أن الذات به ، تمتلك حريّة أكبر ، و تتحرّر أكثر من حقيقة كونها فرد من أفراد المجتمع.
3. الأغنية الشعبية (الشعر بالعامية) : الظاهرة ربيع يكتب الشعر بالعاميّة ، شخصيّا لا أسميه هكذا ، أشعر بالامتعاض من هذه التسمية ، و أعتقد أن تسميته الصحيحة هي "الأغنية الشعبية المكتوبة" . هنا الذات تتجلى في محاولة للتكيّف و التأقلم مع المجتمع ، بأقل قدر ممكن من الخسائر الذاتية ، فالذات بمواجهة المجتمع ، أحيانا لا تجرؤ على كسر هذه العلاقة ، تريد أن تحافظ على هذه العلاقة ، أن لا تجنح نحو تطلّعاتها الذاتية في الحرية و الانعتاق على حساب كونها فردا متزنا من أفراد المجتمع ، و لكن و في الوقت نفسه تريد أن تقدّم رؤيتها الذاتية ، فتقوم بتفريغ شحنتها ، بتحقيق توقها للتمرّد و الانعتاق ، على حساب اللّغة (الأداة) ، تكسر أغلالها ، تحطّم قيودها ، تجبرها أن تتّخذ شكل الحالة الوجدانية للذات .. إذاً هنا وجّه التّمرد بذكاء نحو الأداة ، لا نحو علاقة العام بالخاص ، أو علاقة الأنا بالهو . لكن هذا لا يكفي ، لأنّ ما ستفعله الذات بهذا الصنف من الشعر ، يفقدها الاستفادة من جماليّات الأداة ، جماليّات اللغة ، فتقوم بتعويض هذه الخسارة بجماليّات النغمة ، الإيقاع الموسيقى ، إذن الشعر الذي يسمّى شعرا عاميّا هو بالحقيقة أغنية، يعتمد أساسا على الموسيقى ، و لولاها لكان حكيا و كلاما (حال بعض ما يقدّم) نرى فيه تكسير و انحطاط لجماليّات الأداة (اللغة) و فقط..!!
4. المسرح : الظاهرة ربيع ، يكتب المسرحية أيضا ، المسرح هو استخدام لكلّ أدوات الإنسان ، سواء كمجتمع أو كفرد من أفراد المجتمع أو كذات حرّة خالصة ، لنرى :-
*** فهو الأدب كما جاء في الأنموذج الأول ،
*** و هو الشعر كما جاء في الأنموذج الثاني
*** إضافة لاستخدامه المباشر للموسيقى
*** يستخدم الأغنية
*** يستخدم الحركة / الرّقص
*** يستخدم الضوء و الظل و اللون و الشكل = أدوات الفن التشكيلي
*** يستخدم الأشكال ثلاثيّة الأبعاد = أدوات النّحت
أي أنّه استخدام شامل للآداب و للفنون بأنواعها و أصنافها . استخدام شامل للعام / الاجتماعي ، و للذات كفرد من أفراد المجتمع ، و للذات بخصوصيّتها و ذاتيتها الحرّة الشبه مطلقة.
المسرح يُخرج الذّات من الصراع بين الخاص و العام ، بين المجتمع و الفرد ، بين الأنا و الهو ، و يأتي بالجميع على خشبة المسرح ، و يقول لنا انظروا هذه هي الحياة ، هذه هي المعركة.
أعتقد أن المسرح هو أعظم ما ابتكر الإنسان على الإطلاق.
نلاحظ من هذه النّماذج كلّها ، أنّها أزياء مختلفة لذات الجسد ، و الجسد هو كما رأينا الذات .. الأنا التي تتوق للحرية بلا حدود ، و في الوقت نفسه هي طرف في ثنائية إلزامية حتمية ، أنا و هو ، الفرد و المجتمع ، الذات و ما خارجها.
فهاهي تعبّر باللغة من خلال الأدب ، لكنّها أقل حريّة (أقل ذاتية) و أكثر اجتماعية
ثم بالشعر ، و هي أكثر حرية أقرب للذات ، و الذي جعلها كذلك استخدام الشعر لبعض أدوات الفنون (الصورة و الموسيقى و المدلول الذاتي الخاص )
الأغنية الشعبية ، ظلت الذات في سلام مع الآخر ، و بقيت فردا ملتزما من أفراد المجتمع ، إلا أنّها كسّرت الأداة العامة الاجتماعية (اللغة) أبقت على التّوازن و استكملت نفسها بأدوات فنيّة ، الموسيقى و الغناء.
ثم المسرح ، الاستخدام الشامل لكلّ الأدوات العامة و الخاصة..
ربيع عقب الباب ، يستخدم كلّ هذه الأزياء ، برع في كلّ هذه الأزياء.. لذلك تحوّلت اللغة بين يديه لعجينة صلصال ، يُركّبها كما يشاء ، و يشكّل منها الأشكال و الصور الذي يشاء.. فهي بين يديه مطياعة متدفقة متنوعة ، غنية حارة جميلة ، ملكة بدوية تزيّنت بكل الحلل و الجواهر الأسطورية ، لا يمكنك متابعة لغته دون أن تلجأ للقواميس و المعاجم لشدّة ثرائها ، و اللغة كأداة إجتماعية عامة ، طوّعها ، و لم يكتف بل حطّمها و غناها .. !!!
صلصال شكّل منه حبيبته ، فوقع في عشقها ، ثم حطّمها كي لا تأسره ، و ليتحرّر من عبوديّتها ... ثمّ يعيد الكرّة بيجماليون...!!!
لم يكتف ، ففي الشعر و المسرح استخدم كلّ ما تبقى من أدوات الفنون التشكيلية أيضا.. إذن ربيع عقب الباب ليس أديبا فقط ، بل فنانا كبيرا ، و لو تمكّن من التّعرّف على التقنيّات الأساسية للتّشكيل ثلاثي الأبعاد ، أو تقنيّات الرسم الأساسية ، أراهن و أتحدى أنّه سيجد نفسه قادرا على القول من خلال الفن التّشكيلي النحت و الرّسم ، ، و لو يلم الآن بتقنيات العزف على أي آلة ، سيجد نفسه قادرا على قول الموسيقى.. و لو وفّرت له قطيعا يرعاه في السهول و القفار ، لأكتشف وحده النّاي و أبكانا بعزف منفرد على النّاي..
إنّه الفنان ، إنه منفرد و فريد ... ذات تدرك أبعاد الحرية و معانيها ، ذات تتوق للأجنحة و التّحليق .. لن أستغرب أبدا لو علمت يوما ، أنه ضبط واقفا في ميدان التّحرير يصرخ بأعلى صوته صراخا جنونيّا فريدا .. هكذا لمجرّد الصراخ ، كمشهد من مشاهد عمل مسرحي ضخم أعدت ذاته له...
تحياتي
حكيم عباس
مفكر و كاتب فلسطيني
البحّار
أو حارس الماء
حين انتهوا من التذرية ، و آن تخزين المحصول ،كان الكبير و كما عادته ،
يصر على تعيين الحصص الخارجة أولا ،بعد ما يعرج على جموعالرابضين حول الجرن ،و يمنحهم استحقاقاتهم .
هتف كبير الأبناء :" حصة البحار ضعوها على جنب ؛ لأحملها إليه".
بسخرية عقب الكبير : " نعم الناس مقامات .. ومقام البحار في عليين .. و لم لا يأتي و الصرمة فوق رقبته، ليأخذها ؟! ".
اهتز إبراهيم حين حاصرته عينا الكبير ، افتعل الانشغال ؛ ليلتقط ما انفلت من هدوئه :" أبدا .. عندي مصلحة بالقرب من عشته".
لا ينسى عبد الواحد أبدا لمسعود البحار ، أنهكان دائما كلبا لئيما ، نباح صافرته ، وصوت اصطكاك دراجته على الزراعية ، وبين المزارع ، مصيبة داهمة ، و بلاغ طائر ، سواء أذنبوا في حق الماء أو لميذنبوا ، رغم عدم الإخلال بحصته في مواسم الحصاد . في مرة أخيرة كاد يتسببفي موت إبنيه غرقا ، حين أبلغ عنهما مدير الري العمومي ، فأتي على وجهالسرعة ، و كانا قد أفلحا في فتح جزء من الهويس ، يسمح بعبور الماء الكافيلري أرضهم، و هروب ابن خال لهما كان يرصد الحركة على البر بحماره ، دونصوت أو تحذير بأمر القادم ، و لولا توجسهما من فراره ، ما وقفا على حقيقةالأمر . وما أبصرا مدير الري ، حتى غطسا معا، بينما يضحك ، و بتهكم يردد :" إما أن تخرجا أو تموتا غرقا .. أنا لن أتزحزح عن هنا".
كما لن ينسى عبد الواحد أيضا ، ما لحق بأولادهمن سجن و إهانة بسبب الري ، رغم أنهم لم يقصروا ، على مدي السنين ، فيإثبات حسن نواياهم .
توجس خيفة من إبراهيم ، و من أمره العجيب ،بحمل حصة البحار إليه ، فهو الوحيد بين أبنائه .. لا يغفر و لا ينسى، ومهما طال الوقت . و رغم ذلك لم يحاوره ، و لم يثنه عن قراره .
حين كان على الزراعية يستحث حماره ، كانتدموعها تتهاطل ،تشكل ضبابة كثيفة أمام عينيه ، و خجلها يتقاطر عرقا وحمرة قانية ، بينما الولد الصغير يلتزق بها ، يتداخل في حزنها باكيا :" حتىاسأل ابنك .. ما احترم نفسه ، و لا خجل ، و أنا فزعة ، أبتعد و أبتعد ،وهو يتحرك كمصيبة داهمة ، ولولا ظهورمدير الماء قادما من بعيد ، ماعتقني ، ولا رحم ضعفي ".
كتلة من جحيم كان ، يرتعد جسده بقسوة غريبة :" و لم لم تقولي .. لم سكتِ حتى الآن .. لم يا بنت الـ ...... ".
بكم جلبابها مسحت وجهها :" أقول .. أنا عرفاكأحمر، لن تطيق ، و أناأبخل بك على هذا الكلب .. أقول .. أنا ما كاشفتكالآن إلا لتعذرني فيعدم سروحي إلى الغيط .. لا عشت و لا كنت يوم أعصي لكأمرا ، فأنت ستري و غطائي ، و فرحي و نعيمي ، و مستودع سري".
طار عقله تماما ، حلق بعيدا عنه ، هجم عليهالاطما ، و هي تحط على الأرض بعينين دامعتين ، و راحة عجيبة تلفها ،كأنهاوضعت حملا ثقيلا ، بعد طول عناء ، و الصغير يضمها ،يتلقى الضربات عنها :" و ما ذنبي .. ما ذنبي .. كنت بعيدة في حالي مع ولدي ، و إذا به يقتحمعلينا خلوتنا ، و حاله ممتد أمامه كفضيحة ".
فاتت شهور من قيظ و حريق، وظل يتحين وقتامناسبا ؛ ليتخلص من هذا الجحيم ، و حين كان يوقف حماره أمام بيته الواطئ ،مناديا :" يا مسعود .. يا ريس مسعود".
أقبل مسعود من الغيطان المحيطة ، مهللا له ،فاردا ذراعيه ، حاضنا إبراهيم ، فسحبه إلى داخل الوكر ، و بغتة يحكم قبضتهعلى قضيبه و كيسه ، يضغط بقوة ، يعصر كعاصرة رهيبة ، فينهار مسعود علىالأرض ، يتلوى كدودة تتمزق .
إبراهيم يتفنن في إيلامه ، ثم يستل مطواة منجيب سرواله ، يمزق بها جلبابه و سرواله ، ليصبح أمامه جسدا عاريا قبيحا . وضغطه لا يخف إلا ليشتد : أنا في عرضك يا حاج إبراهيم .. آآآآآآآآآآآآه .. الما ء لكم، لن أتدخل بينكم و بين الري .. البحر بحركم ، و ما أنا إلاغريب".
لم يتذكر بعد ، لم يستشعر ألم إبراهيم بعد ،لم يحس بحجم ما فعل .. و هنا كان يرشق ذراع المطواة في إسته : " قل أنا مرة .. قل و إلا ذبحتك ".
كان الغضب يشتد ، و النار تعربد في بدنه ، لمتهدأ ، ولنتهدأ إلا بسلبه كل شيء : الأنفاس ،الحركة .. الإحساس بالألم ،يزيده نقمة عليه ، يدفعه للتنكيل به ، بل لقتله .. لذا لم يشعر بوجود عبدالواحد ، إلا حين رفعه من خلف ، و دفعه أمامه : يكفي هذا .. يكفي .. هيابنا "
ثم تفل في وجه مسعود ، المتفتت ما يزال ، بين قبضة إبراهيم ، و ربت بحميمية علي كتفي ولده ، و دفعه بعزم مكين إلى خارج الوكر !
تعليق