حين غاب القمر
.
.
.
.
.
.
عاد أدراجه مرة أخرى ، دون أن يأخذ بثأره !
يا لهذا الرجل ، ألم يع الدرس بعد ؟
ترتاح الشمس إلى أكف الرياح وهي تذوب مسرعة مع أطراف الشفق ، تتمطى تاركة نفسها وادعة حيث تلقي بها رصاصات الأشقاء ، يميناً تارة ويساراً تارة أخرى ، حزينة وان حاولت ألا تبدو ، باهتةً وان أظهرت للأرض دون ذلك .
انتظر يا حسنين ، لا تتركني وأحمد وحيدين هكذا .
تقولها وتعدو خلفه ، تمسك بأطراف جلابيته فيدفعها في غلظة ، وليدها على الأرض يحول بينهما ، وقد كان ليضربها لو لم يفعل ..
ابتعدي عني يا امرأة .
يتعمد أن يكون قاسياً ، لا يريدها أن تحزن ، لا يريد لها أن تتمسك به أكثر ، لا يريد أن يسمع صراخ أحمد ، ولا صوت ضحكاته البريئة ، ظل كما أنت يا حسنين ، فان بالأفق دماء أخيك تنادي ، وصوت الحكمة مكانه بعيداً جداً عن هذا النهار .
- ألا تودع أمك ، ألا تنتظر بجوار زوجك ، ألا تقضي ليلتك مع أحمد وتنصرف صباحاً إلى نار ثأرك المجنونة ..
ينظر دون أن يبالي ، يشيح بوجهه ، يستل بندقيته العتيقة من فوق دولابه الخشبي المهترئ ، يضع في جيبه رصاصة متلهفة ، وعلى عتبة بابه يستدير ، ينظر نظرة أخيرة ويقول وقد بدأ قلبه يرق :
- اعتني بأحمد جيداً ، ولا تغادري منزلك قبل انقضاء عدتك ، فربما لا أعود ..
تشهق كأنه الموت يطرق بابها ، تزحف إليه فيهرع منها ، يضرب الباب بعنف في وجهها قبل أن تدركه ، تستلقي أرضاً وقد صار الكون أحمر ، وصوت الرصاص وصراخ أحمد يختلطان ، فلا تدري أيهما أكثر وجعا ..
***
انه شقيقك يا حسنين ، قتله الغدر مرة أخرى .
يربت على كتفيه ، فيرفع حسنين عينان دامعتان إلى محدثه ، جاره في أرضه ، بزغ من العدم ربما ، من اللامكان !
أوهل فعل ؟
يهز رأسه ويتحرك أمامه ذهاباً واياباً :
- قد فعل ، وأنت ككل مرة لا تحرك ساكناً ، فماذا أنت فاعلٌ اليوم ؟
يتهاوى أرضاً ، تتساقط دموعه دون قيد ، تنساب مسرعة لتبلل الأرض حولهما ، يقول :
- وماذا أفعل ؟ هل آخذ ثأري من ابن عمي ؟ فكيف تطيب الحياة وهو أخو زوجتي وصديق عمري ؟
وكيف أقضي على حياتي وخلفي امرأة وطفل لم يبلغ الفطام بعد ؟
تبدو نظرة سوداء في عيني جاره ، يقترب منه أكثر حتى يلتصقان :
- فافعل يا صديقي ، وزوجتك في رعايتي وابنك هو ابني ، فان عدت فان لك حياة غير الحياة وان لم تعد فهم في ذمتي حتى أموت ..
يمشي حسنين إلى الباب ، يستدير لينظر في وجه الرجل ، يرى الكون قاتماً ، والغربان تحوم في المكان كأنها تأكل من صدر القمر ، لعله يذوي فلا يعود مرة أخرى ..
يتهادى في مشيته كأنه يخشى السقوط ، وفي كل مرة يلتفت خلفه ، فيجد المنزل أكبر ، وجاره أطول قامة ، والحشائش أكثر ارتفاعاً حتى ظن أنه لن يعرف الطريق بعد .
****
إنها بصماته
يقولها جاره ، وينحني ليهمس في أذن حسنين :
- ألا ترى ؟ هذه بصمات أصابعه ، بل هي كفه كلها قد تركت آثارها في المكان ، لقد شرب من دم شقيقك وتركك وحيداً ، هو من فعلها ولا أحد غيره ..
هل يكون هذا ؟ يتذكر ، ليلةً سبقت الجريمة ..
يجلس ابن العم يداعب أحمد ، فيشرق وجهه حين يضحك ويعلو صوته ، يقول وهو يناول الصغير إلى أمه :
- أما آن الأوان يا أبا أحمد ، لكي نضع سوراً واحداً ونزرع الأرض سويا ، فنستفيد من جهدي وجهدك ، ويختلط عرقي بعرقك فنصير بإذن الله من الفالحين ..
هي بصماته ولا شك ، لعله طامعٌ في شيء من المال والأرض ..
لقد قتل أخوك مرة أخرى ..
يدوي صوت الجار ، ينفض حسنين رأسه ، ينتفض وهو يرفع سلاحه ، يضع رصاصة يتيمة ، يتلفت حوله ، فلا يجد جاره ، تدوي رصاصته ، فيسقط ابن عمه ، يترنح ، فيسقط حسنين ، يزحف حتى يلتقي بابن عمه ، يحتضنه ، يبكي ، ينزفان ، يصرخ ابن العم :
قتلتني
ويصرخ حسنين :
بل قتلت نفسي
ويلتفت فلا يجد المنزل القديم ، ولا جاره الذي جاء من العدم ، ويبدو القمر كما توقع ، ناقصاً نصفه أو كله ، وسائر الغربان تحوم في المكان ، تنتظر لحظة تنقطع فيها الأنفاس لتقتات ، ينزع حسنين قميصه ، يمزقه ، وبما تبقى من روح فيه ، يضمد جرح ابن عمه .
تعليق