الشاطئ / دينا نبيل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دينا نبيل
    أديبة وناقدة
    • 03-07-2011
    • 732

    الشاطئ / دينا نبيل

    الشاطئ


    لم يكن جديداً أن يأتي إلى هنا .. لا لسببٍ إلا لأنه يقطن هنا.
    عند الشاطئ .
    على الرمال المرمرية .. بين الصخور النخرة ، حيث عشّته الصغيرة التي لا تتسع لأكثر من شخص واحدٍ .. حتى وإن أتى زوّار ، فمن يحبس ناظريه عن الأفق الفيروزي في الظهيرة أو العسجدي وقت الغروب! .

    وحده الذي لا يرى جديداً في المكان، فالبحر في مكانه منذ أن رأت عيناه النور .. منذ أن انتشى لأول لفحة يُودٍ في صيف قائظٍ ، وبعدها اعتاد الأمر .
    الجديد أنّه عاد تلك الليلة يصطحب معه شخصاً آخر .. يحمله حيناً ويجرجره أحياناً ، ألقاه على الشاطئ ريثما يجد له مخبأ.
    العشّة ليست مكاناً آمناً يخبئ فيه صاحبه ، حتماً سيرتاب الناس فيه إذا رأوه نائماً خارج عشّته.
    لم يفكّر .. هدير الموج يشتته ، يبعثر تركيزه.
    جلب مجرفته وأخذ يحفر .. وبيديه يعمّق الحفر.
    يأتي الموج يناكفه .. يناكده ، يملأ حفره .. يسكنها ويذوب داخلها.
    الرمال هلامية تطفو فوق حساء الموج المائع ، شعره يلتصق بعرق جبينه .. الملح على وجهه وبين يديه.


    لم يتوقف ..
    وكذلك الموج .. يعود من جديد جالباً معه طحالب بنيّة يسكبها في الحفر، تعلق بأصابعه ، تلتف عليها.
    إلى جانبه جثّة صاحبه يتلاعب بها الموج ، يطوّح رجليه وذراعيه .. يجذبه نحو البحر رويداً رويداً .
    جرى نحو الجثّة يشدّها، لا يمكن أن يتركها للبحر وإلّا سيقذفها في الصباح على شاطئ آخر.. وينكشف الأمر.

    الرمال أفضل من البحر.
    الرمال تستر .. تقبر، الماء ينضح .. يفضح .
    أسرع بالحفر .. واستغرق فيه ، كما لو كان سيحفر إلى الأبد.
    جذب صاحبه من ثيابه وألقاه في الحفرة ، لم تكن عميقة كفاية لإخفائه .
    الرمال تتفلّت من بين أصابعه .. تتساقط على صاحبه كوحل لين ينزلق ويعود إلى الشاطئ .
    الرمال اليابسة بعيدة .. هناك مارّة وأضواء ، هنا هو والظلام .
    صار الردم لصقاً وترقيعاً بحفنات الرمال الحسائية .

    وانتهى .
    لا يدري متى .. سقط بجانب الردم بلا حراك.
    ونام لا يدري كم .. ربما يوما أو بعض يوم.
    واستيقظ ..
    كان وحده .. لا جثة .. لا آثار دفن.
    أخذ يتحسس وجهه هل طالت لحيته؟ .. هل شابت؟
    هل اهترأت الجثة من الملح ، فتحللت وذابت وسط الرمال ؟ .. أم حملها البحر وابتلعها ؟
    هرول نحو البحر .. يصرخ بكل ما بقي فيه من قوة .. عبثاً يتّقي بكفيه السقوط في الماء ، يزحزح رجليه بين الأمواج كجبلين .. يبحث عن الجثّة علّها ترتطم بقدميه .. وغاص باحثاً .
    كم لبث تحت الماء؟
    لا يدري .. ربما يوماً أو إلى الأبد!


    *********************

    دينا نبيل

    الأسكندرية - 10/8/2012
    التعديل الأخير تم بواسطة دينا نبيل; الساعة 13-08-2012, 23:24.

  • فاطمة الضويحي
    أديب وكاتب
    • 15-12-2011
    • 456

    #2
    كم أنت رائعة !
    قد جذبني ترويض المفردات في قالب العبارات بشكل مدهش
    خرج بوصف للحال والمآل بشكل منقطع النظير..
    ثم المغزى إذ مع العيشة الشقية تجاوزات فادحة أدّت في النهاية إلى النهاية الوخيمة !
    موفور الشكر والتقدير وجوري .
    ذكريات عبرت مثل الرؤى : ربما أفلح من قد ذكرى
    ياسماء الوحي قد طال المدى: بلغ السيل الزبى وانحدرى

    تعليق

    • دينا نبيل
      أديبة وناقدة
      • 03-07-2011
      • 732

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة فاطمة الضويحي مشاهدة المشاركة
      كم أنت رائعة !
      قد جذبني ترويض المفردات في قالب العبارات بشكل مدهش
      خرج بوصف للحال والمآل بشكل منقطع النظير..
      ثم المغزى إذ مع العيشة الشقية تجاوزات فادحة أدّت في النهاية إلى النهاية الوخيمة !
      موفور الشكر والتقدير وجوري .
      أ / فاطمة الضويحي ..

      تقديري لك غاليتي على مرورك الطيب وإعجابك بتواضع ما كتابته هنا ..

      وصدقتِ قد تكون حياة شقية أو حياة بسيطة لكن بها من الغموض ما يفرز نواتج ومصائر غريبة غير متوقعة .. ولعل السؤال ماذا دفع هذا الإنسان المنطوي إلى هذا الأمر .؟ .. وهل هو حقيقي أم يتخيل .. وربما الوحدة هي ما دفعته لذلك .! .. ربما

      أشكرك مرة أخرى أ / فاطمة

      تحياتي

      تعليق

      • الدكتور سعيد الرواجفه
        أديب وكاتب
        • 07-07-2012
        • 80

        #4
        --------------------------------
        تقبلوا مروري
        مع التقدير
        ==========

        تعليق

        • دينا نبيل
          أديبة وناقدة
          • 03-07-2011
          • 732

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة الدكتور سعيد الرواجفه مشاهدة المشاركة
          --------------------------------
          تقبلوا مروري
          مع التقدير
          ==========
          د / سعيد الرواجفة ..

          أشكرك على المرور .. وامتناني لتواجدكم الطيب في متصفحي المتواضع ..

          لك مني كل تقديركما يليق بقدركم

          تحياتي

          تعليق

          • سعاد محمود الامين
            أديب وكاتب
            • 01-06-2012
            • 233

            #6
            القاصة دينا
            يالك من اديبة مبدعة لم أقرا أجمل من نصك هذا منذ زمن لا تسعنى كلمات االلغة لتوصيل شدة اعجابى بهذا النص أديبة ماهرة تقترب من العالمية سيكون لك مكانك بين الأدباء المبدعين اكتبى وعين الله ترعاك...
            مصر ومامصر سوى الشمس
            التي بهرت بثاقب نورهاكل الورى
            والناس فيك إثنان...
            شخص رأى حسنا فهام به
            وشخص لايرى!

            تعليق

            • دينا نبيل
              أديبة وناقدة
              • 03-07-2011
              • 732

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة سعاد محمود الامين مشاهدة المشاركة
              القاصة دينا
              يالك من اديبة مبدعة لم أقرا أجمل من نصك هذا منذ زمن لا تسعنى كلمات االلغة لتوصيل شدة اعجابى بهذا النص أديبة ماهرة تقترب من العالمية سيكون لك مكانك بين الأدباء المبدعين اكتبى وعين الله ترعاك...
              ا / سعاد محمود الأمين الطيبة ..

              وأنا لا تسعني كلمات اللغة لإظهار فرحي بمرورك وكلماتك الكبيرة هذه .. أتمنى أن أكون كما تقولين يوماً ما

              لكِ كل التقدير على تفاعلك الراقي مع النص

              تحياتي

              تعليق

              • عبد المجيد برزاني
                مشرف في ملتقى الترجمة
                • 20-01-2011
                • 472

                #8
                القاصة الوارفة دينا نبيل :
                نصك هذا كتب بألق بالغ أحييك عليه.
                مودتي وكل التقدير.

                تعليق

                • دينا نبيل
                  أديبة وناقدة
                  • 03-07-2011
                  • 732

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عبد المجيد برزاني مشاهدة المشاركة
                  القاصة الوارفة دينا نبيل :
                  نصك هذا كتب بألق بالغ أحييك عليه.
                  مودتي وكل التقدير.
                  أ / عبد المجيد برزاني ..

                  أشكرك على ألق تواجدكم .. ورقيّ تفاعلكم .. وطيب قراءتكم ..

                  ممتنة سيدي

                  تحياتي

                  تعليق

                  • محمد سلطان
                    أديب وكاتب
                    • 18-01-2009
                    • 4442

                    #10
                    وكأنك عائدة من الشطائ للتو ..
                    إنها لغة المصيف.. لغة البحر الذي فرض نفسه على القلم .. ليتني أجد لي ساعة هناك!
                    رغم بساطة اللغة والموقف إلا أنها كانت عميقة فكريا, كعمق البحر..
                    نعم ربما ما أتى به إلا هنا بالجثة هو الهروب من عالم الازدحام إلى عالم الوحدة..
                    وكأنه أراد فعل أي شئ .. المهم أن يتمرد على واقع رتيب حتى مع تكرار رؤية الشاطئ والبحر..
                    فلم تكن جديدة بالنسبة له..
                    نص يفتح الرؤى إلى جميع التخيلات..
                    تحياتي أيها الرائعة..
                    صفحتي على فيس بوك
                    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                    تعليق

                    • دينا نبيل
                      أديبة وناقدة
                      • 03-07-2011
                      • 732

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد سلطان مشاهدة المشاركة
                      وكأنك عائدة من الشطائ للتو ..
                      إنها لغة المصيف.. لغة البحر الذي فرض نفسه على القلم .. ليتني أجد لي ساعة هناك!
                      رغم بساطة اللغة والموقف إلا أنها كانت عميقة فكريا, كعمق البحر..
                      نعم ربما ما أتى به إلا هنا بالجثة هو الهروب من عالم الازدحام إلى عالم الوحدة..
                      وكأنه أراد فعل أي شئ .. المهم أن يتمرد على واقع رتيب حتى مع تكرار رؤية الشاطئ والبحر..
                      فلم تكن جديدة بالنسبة له..
                      نص يفتح الرؤى إلى جميع التخيلات..
                      تحياتي أيها الرائعة..

                      كيف لا أ / محمد سلطان وأنا لا يمر عليّ يوم دون أن أرى زرقته تتراءى لي من بعيد ..

                      من نافذة بيتي .. من نافذة رأسي ..


                      ربما لأنني سكندرية لصيقة بمكان مولدي وإقامتي .. ككل أهل الأسكندرية ، هناك رابط غريب يربطهم بالبحر .. بل ويرونه بعين غير أي عين أخرى .

                      نعم البطل هنا كان معتادا على روتين بعينه .. هل علاقته بالبحر الزائدة عن اللازم قلبت الأمور عنده إلى درجة أنه لا يراه ؟!

                      ربما أراد كسر الاعتياد فعلا .. ربما أراد التخلص من حياته بهذا المسطح المائي الذي يغتاله يوميا .. وحتى أثناء الدفن لم يكن يدعه وشأنه

                      هل هو تمرّد الإنسان على الطبيعة ؟ .. وأنه لابد في النهاية أن يُهزم هو بينما هي تبتلعه فلا تبقي منه أثراً ؟ .. بالطبع هي سنّة الحياة .

                      تقديري لمرورك الثمين أ / سلطان .. أنرت متصفحي ..

                      تحياتي

                      تعليق

                      • منتظر السوادي
                        تلميذ
                        • 23-12-2010
                        • 732

                        #12
                        [align=justify]وقفة مع قصة الشاطئ*
                        تروي أحداث القصة شخصاً قاتلاً حائراً في أمر جثة الضحية ، ثم يقرر بأنّ الدفن على شاطئ البحر هو الخيار الأفضل للتخلص منها ، ويتم الدفن ، ثم يفقد البطل وعيه وكأنه ينام ، أو كان ما تصوّره مجرد حلم ، ويحاول البحث عن واقعيته بدخوله البحر والبحث عن ذلك الهاجس الذي غشاه طويلاً ، وقد اعتمدت القصة على لعبة التناص ، بصورة ذكية وتجعل القارئ يتيه مع المتناصات الكثيرة التي تجيء في القصة وتراود أفكاره وثقافته ، وفيه تتجلى القدرة العقلية للكاتبة ، وذلك بتلاعبها على أكثر من نصّ لتنتج نصّاً واحداً ، فلا يعرف مع أي حكاية اعتمدتها الكاتبة للتناص ، ويمكننا القول أنّ القصة كتبت بذكاء ، وتمويه كبير ، ولاسيما مع العتبات ( العنوان والتوقيع ) . وسنتطرق الآن إلى بعض الأماكن التي يظهر بها التناص بآلية من آلياته :

                        أولاً : قصة قابيل ودفن الجثة ، وكيف أصيب الجاني قابيل بحيرة شديدة بأنّه سيفضح أمره ، ولم يعرف ما سيعمل بالجثة ، فجاء الغراب ، وتم الدفن ، بعدها أصبح نادماً ، وفي للقصة نجد (( عاد يحمل معه شخصاً آخر .. يحمله حيناً ويجرجره أحياناً .. لا وقت لمحو الآثار وصاحب الآثار ملقى على الشاطئ [ ...] هدير الموج يشتته .. يبعثر تركيزه .. جلب مجرفته وأخذ يحفر .. وبيده يعمّق الحفر ..
                        يأتي الموج يناكفه .. يناكده .. يملأ حفره .. يسكنها ويذوب داخلها
                        )) . العميلة واحدة وهي إخفاء جثة ، والحيرة التي تسبق الدفن ، فالبطل لا يعرف ما سيعمل بالجثة حتّى جاء القرار الأخير ، وهو في كلتا الحكايتين الدفن ، والغاية من وراء الدفن نهاية أمر الجثة وإِلى الأبد .

                        ثانياً : قصة أصحاب الكهف ( ع ) ، ولاسيما بعد استيقاظهم ، قالوا كم لبثتم ؟ ، السؤال الغريب الذي يبيّن جهل الإنسان وعجزه عن معرفة أبسط شيء ، فلا يعلم جواب ذلك سوى الخالق ، وكان التناص ظاهراً هاهنا لفظياً ، فتقول القصة : (( ونام لا يدري كم .. ربما يوما أو بعد يوم )) . والنهاية مقاربة وهي تناص أيضاً فأصحاب الكهف طلبوا من الله الموت والخلاص من آثام الدنيا ، فرحلوا عن عالم الحياة وعن المضايقات البشريّة وإلى الأبد ، وكذلك البطل فإنّه بعد الاستيقاظ هام على وجهه في البحر ليتخلص من أفكاره التي لازمته ، وقد رحل تحت الموج وإلى الأبد .

                        ثالثاً : القصة القرآنيّة الرجل صاحب الحمار الذي قال أنّى يحيي الله هذه الأرض ، فبعد الاستيقاظ من موته وغفوته التي لا يعرف أمدها ، لم يجد الحمار ، وتغير شكل الرجل نفسه ، وهنا نفس الأمر مع البطل فطول لحيته بعد استيقاظه ، وجهله بمدة نومه ، وخفاء الجثة التي كانت معه ، يتناص مع تلك القصة القرآنيّة .

                        رابعاً : قصة سيدنا يونس ( ع ) وخروجه من البحر وحاجته إلى الظل والشجرة ، وهنا كان التحوير في القصة ، فهو على الشاطئ ثم غاص بالبحر ، والتقارب بين النصين الجهل بالمصير في كلتا القصتين ، فهذا يخرج من الظلمات والحيرة إلى نور العفو والمغفرة ، فضلاً عن أنه تلقن درساً وحكمة من لدن السماء تجاه أفعاله ، وكذلك البطل في القصة ، فهو يتلقن درساً ثم سعيه في البحث عن المصير لنهاية الجثة أو البحث عن المعرفة فأين تذهب الجثة ؟ ، أو الخلاص ممّا فعله ، وهنا يحتمل الأمر شدة الندم التي يعيشها .

                        خامساً : الحكمة من الحياة التي ترويها الأحاديث ، التي تقول الناس أموت فإنّ ماتوا أحيوا ، فالبطل هنا يدفن الجثة وهو مستيقظ ، وهو حالنا نحن البشر أمام الميت ساعة موته وحتى ساعة دفنه ، لكنّنا بمجرد أن نعود من الدفن ننسى المصير الذي ينتظرنا ، فتأخذنا الدنيا في غفوة ، ولا نستفيق حتى يقرع الموت أسماعنا ، وعندها لا ندري كم لبثنا في سكرتنا ، ويرجع لنا البصر ، فالبطل بعد أن دفن الجثة عاد إلى غيبوبة وإلى لهوه ومتعته في الحياة أشبه بالميت ، ويستيقظ بعدما تكون لحيته قد طالت (( أخذ يتحسس وجهه هل طالت لحيته ؟ .. هل شابت ؟ )) وعندها يغوص في البحر رمز الفناء والنهاية والضياع لمن كان في الدنيا أعمى عن التفكير بمصيره ، فهو راح وإلى الأبد في البحر (( هرول نحو البحر بكل ما بقي فيه من قوة [ ... ] لا يدري .. ربما يوماً أو إلى الأبد! )) .

                        سادساً : رواية مونتي كريستو وكيف يتخلص البطل ممّا يحمله معه من أثقال حديديّة ، التي وضعت كي تنقله إلى أعماق البحر ، فيشق الكفن ويخرج إلى الساحل ، وهنا يتخلص البطل من الجثة التي كانت معه أو من الأثقال التي تسحبه إلى القعر ، لكن الموقف مغاير هنا في القصة فالبطل يصيبه الذهول والندم والحيرة والجنون ، وربما هو الأمر ذاته مع ( دانتس ) بطل الرواية مونتي كريستو ، الذي ظهر بلحيته الطويلة وثيابه المتهرئة ، وكأنه مجنون ، لكن صاحبنا هنا في القصة كان وحيداً وقرر النهاية في البحر .
                        خاتمة
                        العنوان يبدو لا علاقة له بالدلالات التأويلية المحتملة سوى المكان ، وهو ما أكدته الكاتبة في ذيل القصة وذلك عبر التوقيع ، بوضع مكان سكناها ( الإسكندرية ) ، فالقصة لها علاقة وثيقة بالمكان ، وربّما هدف الكاتبة يختبئ خلف ذلك المكان . يتضح ممّا تقدم - من متناصات وقفنا عندها - التمويه الذي قدمته الكاتبة عبر العنوان الذي كان بريئاً ، وظهر كأنه محايد ( الشاطئ ) ، إذ لا يحمل من الدلالات سوى المكانيّة ، وبإضافته إِلى التوقيع الذي يُذيلُ النصّ ( الإِسكندرية ) يكتسب من الواقعيّة شيئاً ، وعندها تجيء بعض الأفكار للقارئ ذات علاقة وطيدة بالواقع المعيش ، لكن المتأمل يكشف الخدعة ، ويقول ما جاءت به الكاتبة ما كان سوى تحوير وإبعاد للتناص المفضوح أو المكشوف أَو إِبعاد القارئ عن معرفة التناص بسهولة ويسر ، عبر خدعة العتبات النصيّة ، وعندها تنتصر القصة على قارئها المستهلك ، ويختفي التناص القرآنيّ - وهو كثير أو هو مع أكثر من نص - خلف بعض التلاعب في العتبات التي اعتمدتها الكاتبة .
                        ---------

                        [/align]
                        التعديل الأخير تم بواسطة منتظر السوادي; الساعة 15-08-2012, 12:31.
                        الدمع أصدق أنباء من الضحك

                        تعليق

                        • الحسن فهري
                          متعلم.. عاشق للكلمة.
                          • 27-10-2008
                          • 1794

                          #13
                          بسم الله.

                          سلاما.
                          كنت هنا على الشاطئ،
                          وعلى رماله الجميلة،
                          ونلت حظي من المتعة المزجاة هنا..
                          إلا أن المشهد الأخير زاد القصة تشويقا وعمقا وأخذا بالألباب.

                          تحيات وردية من أخيكم.
                          التعديل الأخير تم بواسطة الحسن فهري; الساعة 15-08-2012, 13:24.
                          ولا أقـولُ لقِـدْر القـوم: قدْ غلِيَـتْ
                          ولا أقـول لـباب الـدار: مَغـلـوقُ !
                          ( أبو الأسْـود الدّؤليّ )
                          *===*===*===*===*
                          أنا الذي أمرَ الوالي بقطع يدي
                          لمّا تبيّـنَ أنّي في يـدي قـلــمُ
                          !
                          ( ح. فهـري )

                          تعليق

                          • دينا نبيل
                            أديبة وناقدة
                            • 03-07-2011
                            • 732

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة منتظر السوادي مشاهدة المشاركة
                            [align=justify]وقفة مع قصة الشاطئ*
                            تروي أحداث القصة شخصاً قاتلاً حائراً في أمر جثة الضحية ، ثم يقرر بأنّ الدفن على شاطئ البحر هو الخيار الأفضل للتخلص منها ، ويتم الدفن ، ثم يفقد البطل وعيه وكأنه ينام ، أو كان ما تصوّره مجرد حلم ، ويحاول البحث عن واقعيته بدخوله البحر والبحث عن ذلك الهاجس الذي غشاه طويلاً ، وقد اعتمدت القصة على لعبة التناص ، بصورة ذكية وتجعل القارئ يتيه مع المتناصات الكثيرة التي تجيء في القصة وتراود أفكاره وثقافته ، وفيه تتجلى القدرة العقلية للكاتبة ، وذلك بتلاعبها على أكثر من نصّ لتنتج نصّاً واحداً ، فلا يعرف مع أي حكاية اعتمدتها الكاتبة للتناص ، ويمكننا القول أنّ القصة كتبت بذكاء ، وتمويه كبير ، ولاسيما مع العتبات ( العنوان والتوقيع ) . وسنتطرق الآن إلى بعض الأماكن التي يظهر بها التناص بآلية من آلياته :

                            أولاً : قصة قابيل ودفن الجثة ، وكيف أصيب الجاني قابيل بحيرة شديدة بأنّه سيفضح أمره ، ولم يعرف ما سيعمل بالجثة ، فجاء الغراب ، وتم الدفن ، بعدها أصبح نادماً ، وفي للقصة نجد (( عاد يحمل معه شخصاً آخر .. يحمله حيناً ويجرجره أحياناً .. لا وقت لمحو الآثار وصاحب الآثار ملقى على الشاطئ [ ...] هدير الموج يشتته .. يبعثر تركيزه .. جلب مجرفته وأخذ يحفر .. وبيده يعمّق الحفر ..
                            يأتي الموج يناكفه .. يناكده .. يملأ حفره .. يسكنها ويذوب داخلها
                            )) . العميلة واحدة وهي إخفاء جثة ، والحيرة التي تسبق الدفن ، فالبطل لا يعرف ما سيعمل بالجثة حتّى جاء القرار الأخير ، وهو في كلتا الحكايتين الدفن ، والغاية من وراء الدفن نهاية أمر الجثة وإِلى الأبد .

                            ثانياً : قصة أصحاب الكهف ( ع ) ، ولاسيما بعد استيقاظهم ، قالوا كم لبثتم ؟ ، السؤال الغريب الذي يبيّن جهل الإنسان وعجزه عن معرفة أبسط شيء ، فلا يعلم جواب ذلك سوى الخالق ، وكان التناص ظاهراً هاهنا لفظياً ، فتقول القصة : (( ونام لا يدري كم .. ربما يوما أو بعد يوم )) . والنهاية مقاربة وهي تناص أيضاً فأصحاب الكهف طلبوا من الله الموت والخلاص من آثام الدنيا ، فرحلوا عن عالم الحياة وعن المضايقات البشريّة وإلى الأبد ، وكذلك البطل فإنّه بعد الاستيقاظ هام على وجهه في البحر ليتخلص من أفكاره التي لازمته ، وقد رحل تحت الموج وإلى الأبد .

                            ثالثاً : القصة القرآنيّة الرجل صاحب الحمار الذي قال أنّى يحيي الله هذه الأرض ، فبعد الاستيقاظ من موته وغفوته التي لا يعرف أمدها ، لم يجد الحمار ، وتغير شكل الرجل نفسه ، وهنا نفس الأمر مع البطل فطول لحيته بعد استيقاظه ، وجهله بمدة نومه ، وخفاء الجثة التي كانت معه ، يتناص مع تلك القصة القرآنيّة .

                            رابعاً : قصة سيدنا يونس ( ع ) وخروجه من البحر وحاجته إلى الظل والشجرة ، وهنا كان التحوير في القصة ، فهو على الشاطئ ثم غاص بالبحر ، والتقارب بين النصين الجهل بالمصير في كلتا القصتين ، فهذا يخرج من الظلمات والحيرة إلى نور العفو والمغفرة ، فضلاً عن أنه تلقن درساً وحكمة من لدن السماء تجاه أفعاله ، وكذلك البطل في القصة ، فهو يتلقن درساً ثم سعيه في البحث عن المصير لنهاية الجثة أو البحث عن المعرفة فأين تذهب الجثة ؟ ، أو الخلاص ممّا فعله ، وهنا يحتمل الأمر شدة الندم التي يعيشها .

                            خامساً : الحكمة من الحياة التي ترويها الأحاديث ، التي تقول الناس أموت فإنّ ماتوا أحيوا ، فالبطل هنا يدفن الجثة وهو مستيقظ ، وهو حالنا نحن البشر أمام الميت ساعة موته وحتى ساعة دفنه ، لكنّنا بمجرد أن نعود من الدفن ننسى المصير الذي ينتظرنا ، فتأخذنا الدنيا في غفوة ، ولا نستفيق حتى يقرع الموت أسماعنا ، وعندها لا ندري كم لبثنا في سكرتنا ، ويرجع لنا البصر ، فالبطل بعد أن دفن الجثة عاد إلى غيبوبة وإلى لهوه ومتعته في الحياة أشبه بالميت ، ويستيقظ بعدما تكون لحيته قد طالت (( أخذ يتحسس وجهه هل طالت لحيته ؟ .. هل شابت ؟ )) وعندها يغوص في البحر رمز الفناء والنهاية والضياع لمن كان في الدنيا أعمى عن التفكير بمصيره ، فهو راح وإلى الأبد في البحر (( هرول نحو البحر بكل ما بقي فيه من قوة [ ... ] لا يدري .. ربما يوماً أو إلى الأبد! )) .

                            سادساً : رواية مونتي كريستو وكيف يتخلص البطل ممّا يحمله معه من أثقال حديديّة ، التي وضعت كي تنقله إلى أعماق البحر ، فيشق الكفن ويخرج إلى الساحل ، وهنا يتخلص البطل من الجثة التي كانت معه أو من الأثقال التي تسحبه إلى القعر ، لكن الموقف مغاير هنا في القصة فالبطل يصيبه الذهول والندم والحيرة والجنون ، وربما هو الأمر ذاته مع ( دانتس ) بطل الرواية مونتي كريستو ، الذي ظهر بلحيته الطويلة وثيابه المتهرئة ، وكأنه مجنون ، لكن صاحبنا هنا في القصة كان وحيداً وقرر النهاية في البحر .
                            خاتمة
                            العنوان يبدو لا علاقة له بالدلالات التأويلية المحتملة سوى المكان ، وهو ما أكدته الكاتبة في ذيل القصة وذلك عبر التوقيع ، بوضع مكان سكناها ( الإسكندرية ) ، فالقصة لها علاقة وثيقة بالمكان ، وربّما هدف الكاتبة يختبئ خلف ذلك المكان . يتضح ممّا تقدم - من متناصات وقفنا عندها - التمويه الذي قدمته الكاتبة عبر العنوان الذي كان بريئاً ، وظهر كأنه محايد ( الشاطئ ) ، إذ لا يحمل من الدلالات سوى المكانيّة ، وبإضافته إِلى التوقيع الذي يُذيلُ النصّ ( الإِسكندرية ) يكتسب من الواقعيّة شيئاً ، وعندها تجيء بعض الأفكار للقارئ ذات علاقة وطيدة بالواقع المعيش ، لكن المتأمل يكشف الخدعة ، ويقول ما جاءت به الكاتبة ما كان سوى تحوير وإبعاد للتناص المفضوح أو المكشوف أَو إِبعاد القارئ عن معرفة التناص بسهولة ويسر ، عبر خدعة العتبات النصيّة ، وعندها تنتصر القصة على قارئها المستهلك ، ويختفي التناص القرآنيّ - وهو كثير أو هو مع أكثر من نص - خلف بعض التلاعب في العتبات التي اعتمدتها الكاتبة .
                            ---------

                            [/align]
                            الناقد المتميز أ / منتظر السوادي ..

                            حقيقة كم سعدت بهذه القراءة الفاحصة الطيبة التي تناولت فيه النص وفككته وأظهرت تعاشيقه الخفية ثم ركبتها من جديد ..

                            ولاسيما فيما يتعلق بأمر العتبات وتناولك الأسكندرية وربطها بالشاطئ .ومدلولات ذلك .

                            وهكذا الناقد ليست حدوده فقط الفضاء الروائي الذي تدور فيه الأحداث ، ولكنك خرجت للفضاء النصي لتناول ما حول النص من كتابة ( العتبات أقصد )

                            بورك عملك وفكرك ..

                            تحياتي

                            تعليق

                            • صالح صلاح سلمي
                              أديب وكاتب
                              • 12-03-2011
                              • 563

                              #15
                              الاستاذة دينا نبيل .. شكرا لانك بهذا الحس الانساني العميق والشامل
                              واتفق مع ما ذهب اليه الاستاذ / منتظر السوادي.. بل واضيف ان كتاباتك ونصوصك لها حس وعمق انساني يستشعرة القارئ بكل سهوله.
                              ما قرأت هنا من الممكن ان يستشعره أي قارئ في أي بقعة من الأرض بعد ان يتجاوز حدود اللغة القومية ليشعر انه جزء من هذه الحالة وانها تمثله.
                              ربما لي ملاحظة بسيطة وهي ان البدايات لم تحمل التوتر المطلوب أو انها لم تشر الى عِظم الحالة.
                              شكرا لك على هذه الشمولية الانسانية التي تطبع كتاباتك .وكل عام وانت بخير.
                              التعديل الأخير تم بواسطة صالح صلاح سلمي; الساعة 16-08-2012, 11:35.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X