سألته : ما صوت الحنين ؟
بدا له الأمر تغابيا مني ، فحدق بي متعجبا ..
قلت متجاهلة نظرات عينيه : أسمعِ له صوتا أشبه بصرير باب خشبي عتيق يـُفتح على مكث إلى دار اكتظت بالكثير ..
بظلي ، ظلك ، ظلهم ، وأشياء ما فتأت تتفلت منا رغما لتنطبع هناك ظلا آخر ، أو تصطف بلا انتظام في تجاويف جدرانها المنحوتة كمشكاة .. مصباحها شوق يستدعيها رغم تخثر الزمان .
ثم رنوت إليه فإذا بوجهه المصلوب على جذع الدهشة يبتسم ..
قلت : ومالشوق يا سيدي ؟
ألا تراه صبيا مشاغبا يعتلي جدارا متهالكا للوقت ييمم وجهه صوب الغابر حيث مراتع من مضى ..
أو مجوسيا أشعل نارا تحرقه ، وتراقص حولها ..
قال ، وغمغم وأنا تخليت منذ زمن عن دور راقية تزيل التمائم عن أسفل حرفه ..
أكملت أقاطعه : الشوق والحنين يا سيدي كائنات تــُبعث من مرقد الليل ، أو راقصات يشددن الخلخال أنيقا عند كاحل السمر ؛ يغوين به سلطانا أدهم ..
والليل سلطان ثمل دون كأس ..
أو قد أراه كهلا مطفأ العينين أتعبه صخب الترحال ، فارتمى ساكنا على كتف الكون يهدهده حفيف الشجر ..
الحفيف أسرار اليوم بأكمله وحكايات لملمتها يد الريح من حوانيت الغابرين المفتوحة على امتداد الذاكرة ..
ثرثرت وإذ بآخر خيط كنت أحيك به ثوب الكلام له قد نفد ..
أومأت بنظرة إليه وحين لم أجده ، لم أحرك ساكنا ..
تنهدت ، وأغمضت عيني في هدوء .. كان صرير الباب الخشبي يعلن له انفراجا ، فدلف هناك وانطبع ظلا يتحرك ..
قلت وتمتمت : لا بأس كنت ُيبساً ومطرت بنوء إطلالتك ..
أسلمت رأسي المتعب إلى حجر السهاد .. يعبث بخيوط الفكر يعقدها ، يحلها ..
حتى أشرقت الشمس بتولا ً تختال بين دفتي الأفق ..
عندها سكت أنا عن الكلام المباح ..
تعليق