أمّاهْ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين أحمد سليم
    أديب وكاتب
    • 23-10-2008
    • 147

    أمّاهْ


    أمّاهْ

    بقلم: حسين أحمدسليم



    لأجلكِأصلّي, با أعظم كتاب قرأته في حياتي, ويا أنعم حضنٍ ترعرعت فيه, ويا أجمل وردةتنشّقت عبيرها من ثغركِ... لأجلكِ أضرع لله, وأستغيث وأتهجّد, يا سبب وجودي في هذهالحياة, ويا رفيقة دربي في الأيّام العجاف, ويا مشكى همومي في الشّدائد... وياأملي المرتجى في البعد, ويا رجائي الذي أتوسّمه في ضيقي, ويا نعمة عزائي عندمايتعاظم بوجهي الشّقاء, ويا أطيب لذّة تذوّقتها في حياتي... ويا راحة نفسيواطمئنانها, ويا أمينة أسراري التي ضاق بها صدري, ويا حافظة وعدي وعهدي وبيعتيوقسمي... ويا مهدهدة أحلامي في نومي وسهادي, ويا هادية روحي ونفسي وقلبي للرشد,ويا باسمة وضاحكة ومسرورة ومبتهجة في وجهي... فما أحلاكِ يا أمّي, يا أجمل وأطهروأقدس كلمة, نطقت وتنطق وستنطق بها البشريّة, ويا أجمل مناداة يلهج بها لسان فيالوجود, لم ولن ولا أنسى أنّ الجنّة, شاءها خاتم الأنبياء تحت أقدام الأمّهات, ولمولن ولا أنسى وصيته بالأمّ ثمّ الأمّ ثمّ الأمّ ثمّ الأب... ولم ولن ولا أنسىوصيّة الله للإنسان, بالوالدين إحسانا, والقول الكريم لهما, واخفض جناح الذّلّلهما من الرّحمة, وخاصّة الأمّ التي حملت جنينها وهنا على وهن, وحملته كرها ووضعتهكرها... اللهمّ ارحم أبواي كما ربّياني صغيرا, وبارك أمّي برحمتك الخاصّة...

    أمّاهْ...

    أتذكّركِدائما وأبدا ما حييت, أتذكّركِ في ومضات الصّحوة, أتذكّركِ فِي ارتعاشات اليقظة,وأتذكّركِ فِي رؤى الغفوة, وفي أحلام الثّبات... لم ولن ولا تبرحين وجداني, لم ولنولا تغيبين عن خاطري, منذ شاء الله أن تنتقلي إلى رحمة جواره... لتنعمين اطمئناناوهدأة وسكينة في جنان الخلد برضى الحقّ...

    أتذكّركِأمّاهُ في كلّ ومضة, وفي كلّ لفتة, وأناجي روحكِ الأثيريّة, وأمتزج بها وأتوحّد,ليلا ونهارا في امتدادات البعد... روحكِ التي أستشعرها تحلّق فوق رأسي, أينماذهبت, وأينما يمّمت وجهي, وأينما كنت, وأينما حططت سكينة هدأتي, وأينما أرسيت ضجعةهجعتي...

    كلّمساء زمنيّ, تتراءى لي هالة طيفكِ, تحلّق في فضاءات غرفتي, تحوطني بقبس من أنوارحنانكِ, تتغلغل بين أنسام شعري, وتمسّد لي جدائلي, وتدغدغني طويلا, كأنّها الأنسامالشّفيفة, الحانية التّموّجات... بصوتكِ الرّقيق اللطيف, تدندنين وتحْدينَ لي أرقّالكلمات, وأجمل التّرانيم التي تتموسقين بها, فأنام مطمئنّا بين سيّالات طيفك,وأنا أحلم بكِ أجمل وأعذب الأحلام...

    كلّصباح قدريّ, أستيقظ منتعشا على همس صوت طيفكِ الأثيريّ, القادم من البعد الآخر إلىجلاء سمعي, مرندحا من لامتناهيات البعد, خلف إمتدادات المدى... وأكحّل عينايالنّاعستين, بخيوط من هالة طيفكِ الصّباحيّة... وانشطارت هالة طيفكِ, تهدهدنيوتعانقني وتضمني, وأنا ما زلت مستلقيا, مستدفئا في فراشي, فأحسّ بأنّ يومي قد بدأبالأمل المرتجى, وتضمّخ بنبل الحبّ والعشق...

    كلّيوم مباركٍ, يطلّ مولودا من قلب الزّمن, مشرقا بالأمل المرتجى, يتماهى في دورةالحياة, أستشعره عيدا خاصّا ومباركا لكِ أمّاهُ... فيراودني وجداني, الذي لا يغفوعن ذكركِ, لأبحر في الخيال بعيدا, وأرتحلفي التّفكّر عميقا, علّني أظفر فرحا وحبورا, ببعض الكلمات الحانيات, المضمّخاتبالحبّ والعشق, النّابضات بالوفاء والإخلاص, المنتعشة بالصّفاء والنّقاء, والتيأودّ أن أرفعها خالصة لكِ, هديّة لمقامكِ الرّفيعِ, عربون تقدير وإجلال وإحترام...

    أتقدّمإليكِ مهنّئا, مباركا لكِ مع كلّ صباح, أزور ضريحكِ مع كلّ مساء, بمناسبة وبدونمناسبة... أستلهم من تراب لحدكِ حكمة الحياة, وأستوحي من ذرّات رغام قبركِ, أنّيلاحق بكِ يوما... فكلّ يوم في قناعتي, هو عيد لكِ, وكلّ عيد, هو عيدكِ يا أطهرالأمّهات...

    غالباما تراودني الأفكار الغريبة, وتجتاحني الرّؤى العجيبة, فتمسكني وتكبّلني في وحدتي,و تقيّدني في غربة حياتي الممتدّة, القاسية في هذه الدّنيا... فتزدحم الصّور فيخيالي, وتتكاثف الأفكار في خواطري, وتتدفّق المشهديّات في تفكّري... فيحرّضنيالقلم على جرأة البوح, ويحملني قهرا على قهر على ركوب صهوة التّدوين للذّكرى,فأكتب إليكِ أحاسيسي ومشاعري, التي تنتابني بين الحين والحين...

    أمارسالجرأة ببعضَ بوحي, أنمنم الحروف والكلمات في سطور من قصار الجمل, في عفويّةمعدودة... تشبه كثيرا سذاجة طفل بريئ, يلعبفي حبيبات الرّمال عند شاطيء الذّكرى, أعبّر فيما أبوح, عمّا يختلج في دواخلي منشوق وحنين لكِ, بعيدا عن الكلمات المزخرفة والمنمّقة, فالكتابة لكِ أمّاه... أصدقوأطهر وأوفى ما يكون من إبن لأمّه... وكلماتي لكِ, هي حديث إنسان صادق مع نفسه,واعد وعاهد في رؤى تجلّياته...

    أمّاهْ...

    دائماوأبدا, منذ وعيت وحدتي في غربتي, بعد رحيلكِ القدريّ عنّي, أستشعر هالة طيفِ روحكِالنّورانيّة, تشعّ في قلبي إستنارة, وتضيء صدري استبصارا, وتبعد الظّلمةالدّجوجيّة عن تفكّري, وتهديني الطريق الأقوم في حياتي... وكلّما إتّقد النّورالقادم من هالة طيفكِ, وتنامى في دواخلي, واستدام في بواطني لهيبا آخر... أشعر فيكنهي, بأنّني بحاجة إلى حضنكِ الدّافيء, لأشعر بالهدأة والسّكينة, ولأحتمي تحتجناحيكِ الوارفين, وأختبيء في دفء صدركِ, كي أشعر بالأمان والإطمئنان...

    أولدمن جديد, طفلا بريئا بجسد رجل, أنهكته أعباء الحياة... فأنعتق تفكّرا من كلّ شيء,وأنتزع عن وجهي, كلّ الأقنعة الموروثة, وأخلع عن جسدي, كلّ الأردية المادّيّة...وأرتدي ثوب الطّهارةِ والبراءةِ, نفسا وروحا وفكرا, وأرتمي على صدركِ, أتحسّسحنانكِ وعطفكِ وأمومتكِ...

    فجركلّ يوم جديد, ينعم به الله على الخليقة, مودّة ورحمة, ومع إطلالة نجمة الصّبح فيالأفق الشّرقيّ لبلادي, ومع اشراقة كلّ شمس, تتكوكب من خلف قمم الجبال, ومع غروبالغزالة بعد ارتحالها اليومي, ومع تشكيل كلّ شفق صباحي وغروبيّ, ومع سطوع كلّ قمرفي أطواره... أهدي إليكِ أمّاه, محبّتي الصّادقة, وعزف قلبي الطّيّب الطّاهر, وعداصادقا لكِ وعهدا واعدا لك...

    كنتوأبقى وسأبقى, كما شئتِ لي, نقي الطّوايا, صافي النّوايا, أضوع بطهر الطّيبِ...وسأكون زهرة جميلة شذيّة, تفوح بعطرها عند أركان قبركِ, ضارعا لله تعالى, ألاّتبخلي عليّ, ببركة رضاكِ... حيث أستمدّ القوّة والعزم منكِ, والمثابرة والإستمرارفي حياتي... أنتِ من زرع في روحي الإيمان, منذ طفولتي الأولى, وأنتِ من أرضعتنيالقناعة والعنفوان, وأسقيتني الشّهامة وعزّة النّفس...

    يامن حملتني كرها على كره في أحشاءكِ, ويا من عانيتِ بي الآلام والأوجاع, ولا منيشعر بكِ, ويا من تمخّضتِ بي ووضعتني بين الحياة والموت... يا من أرضعتني حبّالحياة, ويا من علّمتني الإباء والكبرياء والرّفعة... وعدا لك وعهدا, ستبقى هامتيشامخة للعلا, وسيبقى رأسي عاليا, ولم ولن ولا ينحني لغير الله تعالى, مهما تكالبتعليّ ظروف الحياة, ومهما توالت عليّ الهموم والمصاعب, ومهما عصفت بي هوج الرّياح,وحرمتني نعيم الحياة, وزجّت بي في أتون العذابات والآلام...

    كلّماضاقت بي ظروف الحياة, أدخل مخدعي باكيا, وأنظر إلى وجهكِ, الطّافحِ بالبشر, المشرقفي صورتكِ, التي يتماهى بها جدار غرفتي... وأغيب عن ذاتي في ارتحال نفسي بعيد, خلفقيود المكان والزّمان... فتسري في كينونتي الضعيفة, قشعريرة الحنان من هالة طيفوجهكِ, وأنتعش مجدّدا بالحياة...

    شاءتحكمة الله, التي أجهلها, أن ترحلي بعيدا عنّي, وتتركيني وحيدا أمّاهُ, أعانيالآلام والعذابات في عصر القهر, وزمن الوحشة, وحياة الغربة, ولا من يشعر بي, لا منقريب أو من بعيد... تركتينني أمّاهُ, أحارب كلّ الأشياء, التي أحاطت بي, إحاطةالسّوار بالمعصم, تريد نهش بقاياي... فآثرت على نفسي, ألاّ أغرق في بحار السّرابات,وألاّ أستسلم طائعا, لتتقازفني الأمواج العاتية, ذات اليمين وذات اليسار, ضياعا فيالمتاهات, التي لا نهايات لها...

    عزمتالأمر بعد تفكّر وتعقّل, ألاّ تستهويني المظاهر المزيّفة, التي يتباهى بها النّاس,ويتبجّحون بها, وينتحلون شتّى الصّفات, وألاّ أذوب في زيف العصرنة, و ألاّ أكرهعلى أجوائها الغريبة العجيبة... فلقد تعلّمت منكِ, كيف أمارس الحياة, بحرّيّةوجرأة وقوّة, وكيف أجتاز كلّ الصّعاب, ولا أخاف كلّ الأشياء, مهما صغرت أو كبرت أوتعاظمت...

    تعلّمتُمنكِ سيّدتي, ما لمْ ولن ولا أتعلّمه من غيركِ من النّساء, وتعلّمت منكِ ما لمتلقّنني إيّاه المدارس العصريّة, ونهلت من وعيكِ ما لم أنهله من وعي آخر, وغرفت منثقافتكِ ما لم أغرف من ثقافة أخرى... وتعلّمت منكِ, الكثير الكثير, وحفظت عنكِالكثير الكثير, وتدرّبت على راحة يديكِ, وتدرّجت في مراحل مدرستكِ...

    تعلّمتأن أحاسب نفسي مع قدوم كلّ مساء, وأحقّق معها مع إطلالة كلّ صباح, وألاّ أجعلللشّرور الصّغيرةِ, أن تبقى مختبئة في زوايا نفسي, وأن أحرّض مكامني على فعل الخيرللجميع...

    كلّماألقيت برأسي على وسادتي, يتراءى لي طيفكِ النّورانيّ, فتتطهّر نفسي من شرورها,وتنعتق من قيودها, وتتخلّص من سلاسلها... فأشعر بالهدأة والطّمأنينة والسّكينة,ويرتاح وجداني, ويطمئن ضميري, وأنتعش بروحيّة الإيمان, بتنام مستدامٍ...

    كلّيوم يبدأ ببركة الله تعالى, لله تعالى أتطهّر, نفسا وروحا وقلبا وفكرا ووجداناوخاطرا... وأرتدي ثياب طهارتي, وأنعش كينونتي, بقداسة الحبّ والعشق... أرود غرفتيالصّغيرة, بعيدا عن أعين النّاس, ومن تراودهم نفوسهم على الفضول... أقف خاشعا بينيديّ الله, وأستقبل قبلة الإيمانوالقناعة, تستقبلني جميع الخوافق متّجهة إلى نور الله في كلّ مكان...

    أقيمصلاتي, قناعة تفكّر, وأركع إجلالا وعظمة لخالق الأكوان, وأسجد تعظيما وعرفانالوحدة الله... وأرفع يداي عاليا إلى السّماء, أدعو الله لكِ في سرّي وعلانيّتي,يرحمكِ بواسع رحماته... وأتهجّد له في قيامي وقعودي, وفي نومي ويقظتي, وفي هجعتيوضجعتي, وفي تفكّري وخيالاتي, أن يجعل مسكنكِ الأخير بهيجا, ويمنّ عليكِ مثواكِالأفضل, راحة وطمأنينة في جنان الخلد...

    أمّاهْ...

    للأمومةمعناها الأرقى, كلمة لها قدسيتها, ولها طهارتها, إحساس نبيل مخبّأ طيّ حقائبالصّروح المجيدة والمباركة... تمتزج معاني الأمومة بروحانيّة الوجدان, تعانقأطيافها بشائر الرّؤى التي تشكّل الأمل المرتجى... بيارق الأمومة ترتفع أعلاماخفّاقة فوق القنن تتماهى على سواري العنفوان, تتجلّى في محاريب العطاءات... هذه هيالأمومة التي أتلمّسها في كينونتي, وهي ما رضعته مع الحليب من ثدييكِ يا أمّي...

    وأنافي الحقول اليانعة بالورود والرّياحين والأزهار, أذكرك سيّدتي, وأنا أراقب تنقّلالفراشات البيضاء الهائمة بالحبّ والعشق, تحوم مع دفء سيّالات الشّمس على موسقةألحان الأنسام ودندنتها في أذن المدى, والفراشات المزركشة الألوان, كأنّها لوحاتمنمنمة بريشة فنّان حاذق, أواكبها تبحث عن الرّحيق في ميسم كلّ زهرة تناجي شروقالشّمس وغروبها...

    الأمومةالّتي تتجلّى لي في بهاء ونقاء وصفاء, كلّما إستذكرتكِ, وتراءى لي طيفك النّورانيّ,وأنا أتفكّر بكِ أمّاه... أرى طيف أمومتكِ الحاني السّيّالات, يُخيّم على ظلالأريج الرّحاب الإيماني المتّقد في نفسي وفي ومض روحي, حيث أستقبل من نور وجهكِالإيمانيّ, الهدي والرّشاد في مدى وفضاءات أجوائي الحياتيّة...

    الأمومةربيع دائم الإفترار, يمتد على مدار السّنة, وحنان الأمومة أوراق ذهبيّة ربيعيّةنضرة ودائمة الإخضرار, أبدا لا تذبل ولا تصفرّ ولا تهتريء على مذابح فصل الخريف,ولا تقرب لها عواصف الرّياح الجنونيّة... وتبقى الأمومة كما الشّجرة المخضلّةالوارفة, مترامية الظّلال, يركن إليها الأطيار, ليهنؤون في قلب حنانها...

    أبجديّةالأمومة, منظومة هجائيّة أخرى, تكتنز بأسرار الله, الّذي منح الأمّ ما لم يمنحسواها, من قداسة وطهارة... أبجديّة الأمومة أبدا لا تشبه أبجديّات التّواصلالأخرى, ولها أحرفها اللامكتوبة, والّتي لم ولن ولا تتّقن العمل بها إلاّ كلّ منطهّرها الله بالأمومة... وأنتِ أمّاه من أولئك الأمّهات اللواتي تطهّرن بالقداسةالآلهيّة, وأنجبتني بالحبّ والعشق إلى هذه الحياة...

    جميعاللّغات تتماهى بكِ, وكلّ السّمات تترقّى بكِ, ولك أجمل الصّفات... فأنت سِرّالبشارات في استمراريّة الحياة, وأنت رمز المزامير في أذن الموسقات, وأنت ديمومةالآيات في مسارات الأمل المرتجى... وأنت كلمة الله التي تراحم بها رحمك, المشتقّمن الرّحمة, والرّحمة من الرّحيم, إسم حسن من أسماء الله الحسنى, وله الأسماءالحسنى, سبحانه تبارك الله...

    أمّاهْ...

    ريشتيالصّوفيّة الّتي أرسم بها طيفك, بأشكال وألوان ومشهديّات تتراءى لخيالاتي... أبذلقصارى جهدي كي تأتي مطابقة لمعاني الأمومة الّتي أكرمك بها الله, والّتي أتمنّاها تنعشكينونتي برضى الله... حروفي وكلماتي لكِ أعزفها على أوتار موسيقى روحي, روحيالمنتشية بالأنغام العطشى لكِ, تحلم بالآمال المعقودة الّتي سيحملها لي الغد الآتيعلى صهوات الأحلام العِذاب...

    طيفكالأثيريّ الّذي لم ولن ولا يفارقني لهنيهة في استمراريتي, تهتزّ له رعشاتيوتنتابني قشعريرة أخرى, كلّما ومض في وجداني طيفك الشّفيف... ودائما طيفك ينعشنيبرنين سيمفونيّاته المعطّرة, ويغرقني في رؤى البعد المأمول بنعيم دائم في رياضالله...

    أستذكركيا أمّي الرّاحلة الهائمة في رحاب الله, كيف كنتِ تمضين حالات أفراحك وأتراحك فيكنف مسيرة حياتكِ... تقطعين الأوقات وأنتِ غارقة في كنف الخشوع الإيمانيّ لله,تختصرين كلّ الطّرق بطريق واحد, علاقتك بالله وهو أقصر الطّرق إلى رضى الله...تزرعين صلواتك وتهجّداتك حبّات حبّ وعشق في تراب العمل الصّالح, لتنبت سنابل مودّةورحمة تزدان بقطرات ندى الإيمان...

    كُلّماإرتفع من مآذن المساجد صوت الآذان يدعو النّاس للصّلوات في أوقاتها, أتذكّرك كيفكنتِ تتهيّئين لأداء الصّلوات متوشّحة بألبستكِ البيضاء وتقفين خاشعة بين يديّالله... وكُلّما دقّت أجراس الكنائس ونواقيسها لأداء مراسم القداديس في رحابها,أتذكّرك كيف كنتِ تتشهّدين باسم الله, وتتمتمين بالسّلام على ابن مريم عليهالسّلام... منكِ تعلّمت أسرار الإيمان ومراسيم الخشوع في الصّلوات...

    عندماأستيقظ باكرا مع شقشقات الضّوء الفجريّ, حيث يتماهى الصّباح بالأنسام اللّطيفة...أخرج من غرفتي نحو أواني الورود, الموزّعة في جنبات الشّرفات في بيتنا الواسع,أروي تربتها وأرشّها بالماء, وأدغدغ وريقاتها لتتشذّى بالحبّ والعشق, وكي يضوععبير طيبها في أنحاء غرف البيت, إقتداءً بما كنتِ تمارسين وأنت بيننا, قبل أنيتغمّدك الله بواسع رحمته, ويسكنك رحابه الطّاهرة بالرّحمة والغفران...

    تفتقدكالورود أمّاه في رحاب دارتنا, ودائما تفاجئني عنكِ بالسّؤال, كلّما حملني الفضولإليها, حيث هي تنعم بالهدأة والسّكينة في جنبات البيت وشرفاته... تقطر من عينيّالدّموع حزينة على فراقك منسابة فوق وجنتيّ, وتشاركني الورود ,الّتي عايشتكِ, فيالحزن, وكأنّ قطرات النّدى على أكمامها, دموع الحزن على مرارة الفراق, وتعبيرا عنلوعتها لبعدك القاصي عنها...

    أمّاهْ...

    مواهبيالّتي أنعم الله بها على كينونتي, ما هي إلاّ من إيحاءات أمومتك لي وحنانك لي, وماهي إلاّ ما رشح من نبل رعايتك لي وحضانتك لي... وهي يا أمّاه النّبراس الإيحائيّ,الصّامد في قلاع كينونتي من إيحاءات طيفك المبارك, المتناهي لي في البعد... أمدّلك يداي وأناملي مفترّة بالدّفء, كأغصان الأشجار في الحدائق الغنّاء, وأنا بينهاأرفل تحت نظرك الحاني, بثوب العفاف ووشم العنفوان...

    مازلت أذكر رغم قهر الأيّام والسّنون لي, ويتراءى لي وجهك الممتليء بالحبّ والعشق,الطّافح بالبشر, المشرق بالأنوار, وكأنّك لست إلاّ في غيبوبة النّوم, وما زالجثمانك المسجّى يخاطرني في رواق البيت قبل أن يوارى في غياهب التّراب وظلمةالقبر... ما أنت إلا القربان الأعظم لجنائن الأنهار المتدفّقة في مدينة الشّمس,وبقايا عظامك ما هي إلاّ نديم الصّفاء, ساكنة في القبر, تخاطرني مع كلّ مساء وصباحبأناشيد الماضي والحاضر والمستقبل...

    خلفأسوار أسرار الموت, حكمة الخالق في فناء كل شيء, تتجلّى الدّروس والعبر في مساراتالحياة... كأنّي خلف تلك الأسوار أستنير بطهارة الأمومة وقدسيتها, ترتسم أماميبصري في الأفق البعيد, وكأنّها لوحات زيتيّة عابقة بقصائد الحبّ والعشق... تلتقيفي دفائن آيات براءاتها, أسرار الآمال المرتجاة, تراودني كيفما ارتحل وجداني,وترتمي نفسي في دفء أحضانك, مخضّبة بملامح الخجل...

    حروفالأبجديّة غير كافية لي للإستدلال والتّعريفات والمناقبيّات الّتي كنتِ تتحلّينبها يا أمّي... وعقول النّوابغ والمبدعين والمفكّرين والكتّاب والشّعراء, أيضا لاتفي للتركيز والتّمايز والتّفسيرات لصفاتك الّتي ميّزكِ بها الخالق سبحانه... أنتأمّي الّتي حملتني وتعذّبت بي ووضعتني وحضنتني وسهرت على تربيتي وتنشئتي... أنتِكلّ شيء في الحياة على الإطلاق...

    أنتِسفينة النّجاة والخلاص لي, وأنتِ الأمل المرتجى في البعد لي, وأنت المثل المحتذىلي في معتركات العيش, وأنت الهدي والرّشاد لي في متاهات الحياة... وأنت قممالعنفوان الّتي أتمثّل بها في مساراتي, وأنت قيثارة الحبّ والعشق الّتي تُفعمنيبالشّدو, وتنعشني بالموسقة... وأنت رؤى النّور البعيد الوامض في اللامتناهيات, يهدينياستقامة السّبيل إلى الهدف الأسمى المنشود...

    تتراءىلي روحك في طيفها الأثيريّ, شفيفة النّقاء والصّفاء, تتماهى في برزخ عالمالذّرّ... حيث يتجلّى بديع صنع الله في عظمته وقدرته ووحدته... وحيث عجائب الخلقوغرائبها ترسي معايير المعادلات ومقاييسها في أقانيم الحبّ والعشق من رحم المودّةوالرّحمة الّتي أودعها الله في صدور الخلّص له من عباده...

    ماأحلى وأطيب حلاوة الشّهد المنساب من رضابكِ فوق شفتيكِ متساقطا عند قرمزيّةلماكِ... وما أجمل تلك الومضات الّتي تتجلّى في مآقي عينيكِ العسليّتين... وهيتزرف بعض الدّمع الدّافيء ينساب فوق وجنتيكِ وأنتِ تدندنين لي كي أغفو بين يديكِ,حالما بالحنان المنعش لروحي ونفسي وكينونتي...

    لوتعلمين أمّاه ماهية الأحزان والإكتئاب وصعوبة الإبتعاد والهجر والفراق؟!... ليتكِأمّاه تدرين ما أنا فيه من الحيرة والقلق من جرّاء قهر الأيّام؟!... وليتكِ تعرفينأنّني كلّ يوم أرتحل إليك وأبوح لك بما يتفاعل في كينونتي من ظلم الآخرين لي؟!...أبكي عند تراب قبرك حتّى أرتحل في غيبوبتي لأجل... وأضع على ضريحك باقة من الورودوالرّياحين, تضوع بالطّيب لأنفاسك الطّاهرة... وأعود القهقرى إلى سجني الّذي عليهاعتدت في هذه الدّنيا, بإنتظار حكمة الله...

    أمّاهْ...

    أَنْتِفِتْنَةٌ فِي جَنَّةِ الحَيَاةِ, صَاغَ الله قَلْبَكِ مِنَ شَفِيِفِ رُوْحِهِ,خَفْقُ نَبَضٍ بِالحَنَانِ, صَدَى الأَنْفَاسِ الدَّافِئَةِ... أَنْتِ سَوْسَنَةٌتَتَنَهَّدُ مَعْ كُلِّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ, وَرَذَاذُ الطِّلِّ هَامٍ عَلَىالأَكْمَامِ, يَا غُرَرُ الجَمَالِ تَتَأَلَّقُ عَلَى جَوَانِحِ المُقْمِرَاتِ...بِكِ كَانَتِ بَدْءُ الكَائِنَاتِ, مِنْ رَحَمَكِ صَاغَ الله رَوَائِعَالرَّئِعَاتِ, يَا أُمُّ الحَيَاةِ... يَا مَنْ سَامَرْتِ أَحْلاَمِي فِياللَّيْلِ وَالسُّبَاتِ, يَا مَنْ سَقَيْتِنِي الحُبَّ وَالعِشْقَ فِي أَكْؤُسِهَانِئَاتٍ... أَنْتِ نُعْمَى الوُجُوْدِ, وَطَيْفُكِ دَائمًا يُلْفِتُنِي,يُحَرِّضُ فِي كَوَامِنِي الذِّكْرَيَاتِ...

    صَغِيِراكُنْتُ أُنَادِيِكِ بِلَهَفٍ, وَشَوْقٍ مُتَعَاظِمٍ لَكِ... كُنْتِ دَائِمًامِثَالُ الجَمَالِ أَرَاكِ, وَكَمْ كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ يُسْبِغَ الله عَلَيَّوَمَضًا مِنْ حُسْنَكِ وَجَمَالكِ... صَدْرُكِ الدَّافِيِءِ بِالحَنَانِ, كَانَلِي أَفْضَلَ وِسَادَةٍ, أُلْقِي بِرَأْسِي إِلَيْهَا, وَأَرْتَاحُ عَلَيْهَا...حَمَلْتِيِنِي تِسْعَةَ أَشْهُرٍ فِي بَطْنَكِ, وَكَثِيِرًا تَأَلَّمْتِ بِي...أَطْعَمْتِيِنَنِي مِنْ صَدْرَكِ كُلَّمَا الجُوْعُ إفْتَرَسَنِي...وَحَمَلْتِيِنَنِي بَيْنَ ذِرَاعَيْكِ كُلَّمَا أَجْهَشْتُ بِالبُكَاءِوَالصُّرَاخُ أَخَذَنِي... وَكُلَّمَا غَفَوْتُ كُنْتِ تَرْكَعِيِنَ قُرْبَسَرِيِري... لَيْتَنِي بَقِيِتُ صَغِيِرا, وَبَقِيِتِ بِقُرْبِي يَا أُمِّي...

    تَكْرِيِمًاوَعَرَفَانًا لَكِ وَبِكِ, جَعَلُوا لَكِ عِيِدًا سَنَوِيًّا, يَتَجَدَّدُ مَعْنِهَايَةِ كُلَّ شِتَاءٍ وَإِطْلاَلَةِ كُلَّ رِبِيعٍ... حَيْثُ تَتَوَازُنُ الأَوْقَاتُعَدَالَةً, وَيَتَسَاوَى حِكْمَةَ خَالِقٍ, زَمَنُ اللَّيْلِ وَزَمَنُالنَّهَارِ... وَحَيْثُ تَتَبَرْعَمُ أَكْمَامُ الأَغْصَانِ اليَابِسَةِوَتَتَوَرَّقُ, وَتَتَمَوْسَقُ الأَوْرَاقُ بِالحَنَأنِ... وَتَتَفَتَّحُ مَيَاسِمُ الوُرُوْدِ,وَتُزْهِرُ وَتَتَفَتَّقُ بِالأَزْرَارِ, وَتَتَشَذَّى بِالطِّيِبِ يَنْتَشِرُ فِيالأَرْجَاءِ... وَتُنْبِتُ الأَرْضُ بِالحُبِّ وَالعِشْقِ, وَتَلْبِسُالطَّبِيِعَةُ أَجْمَلَ ثِيَابِهَا مِنْ سُنْدَسِ الإِخْضِرَارِ... كُلُّ ذَلِكَإِحْتِفَاءً بِكِ يَا أُمِّي... لَيْتَ كُلَّ الفُصُوْلِ فُصُوْلَ الرَّبِيِعِ,وَلَيْتَ كُلَّ الأَسَابِيِعِ أَسَابِيِعَ الوَفَاءِ وَالإِخْلاَصِ, وَلَيْتَكُلَّ الأَيَّامِ أَيَّامَكِ يَا أُمِّي...

    عَيْنَاكِالثَّاقِبَتَانِ أُمَّاهُ, نَجْمَتَانِ مُتَلأْلِئَتَانِ, تَخْتَصِرَانِ كُلَّالنُّجُوْمِ, الوَامِضَةِ فِي دُجَى اللَّيِلِ, قَنَادِيِلَ مُعَلَّقَةً فِيقُبَّةِ السَّمَاءِ... وَوَجُهُكِ أُمَّاهُ المُشْرِقِ بِالبَسْمَةِ, بَدْرٌوَامِضٌ بِالبِشْرِ وَالضَّوْءِ, يَخْتَصِرُ كُلَّ البُدُوْرِ, المُتَكَوْكِبَةِفِي كَبِدِ اللَّيَالِي... لأَجْلَكِ أُصَلِّي أُمِّي بَيْنَ يَدَيِ الله, مِنَالغَسَقِ حَتَّى الفَجْرِ, وَأَبْكِي وَأَتَهَجَّدُ حَتَّى الصَّبَاحِ...وَأَنْتَظِرُ قُدُوْمَكِ البَهِيُّ مَع سَيَّالاَتِ الشَّمْسِ, الَّتِي تُطِلُّعَلَى مَدِيِنَةِ الشَّمْسِ مَنْ خَلْفُ الأُفُقِ... فَكُلُّ الصَّبَاحَاتِ لاَ رَوْنَقَلَهَا بِدُوْنَكِ... وَكُلَّ اللِّقَاءَاتِ وَالمَوَاعِيِدِ وَهْمٌ بِلاَحُنُوَّكِ...

    كَمْأَنْتَظِرُ شَوْقًا وَحَنِيِنًا وَتَشَاغُفًا, قُدُوْمَ انْبِلاَجِ الصَّبَاحِ,كَيْ يَحْمِلُنِي حَالِمَا إِلَيْكِ عَلَى صَهَوَاتِهِ الأَثِيِرِيَّةِ,المُرْتَحِلَةُ فِي الرِّحَابِ المُمْتَدَّةِ عِبْرَ ثَنَايَا حَنِيِنِالأَنْسَامِ... أَتَذَكَّرُ أَيَّامَ الطُّفُوْلَةِ وَالحَنِيِنَ وَالوِدَادِ,وَأَتَذَكَّرُكِ أُمَّاهُ, فَتَلْتَهِبُ لَكِ عَوَأطِفِي, وَتَجِيُِشُ بِيأَحَاسِيِسيِ, وَتَتَّقِدُ كَمَا البُرْكَانِ... أَعِيِشُ حَيَاتِي مُعَذَّبَا,أَرْقُبُ عَوْدَتَكِ مَعْ كُلِّ مَسَاءٍ وَصَبَاحٍ, وَيَطُوْلُ بِيَ الإِنْتِظَارُعِنْدَ مَرَافِيِءِ الحَيَاةِ... صَادِقُ الوَعْدِ لَكِ أُمَّاهُ, وَالأَحْزَانُتَشْهَدُ, مَا جَفَّتْ مِنِّي المَآقِي, وَلاَ الأَشْجَانُ عَرَفْتُ لَهاَإِطْمِئْنَانْ... أَبْكِي وَأَبْكِي, زُوَّادَتِي ذِكْرَى الأُمُوْمَةِ,وَأَنْسَامَ الحَنَانِ...

    عَصْفُالرِّيَاحِ, وَإِنْ جُنَّتْ, مَهْمَا تَعَاظَمَتْ عَصْفًا, لاَ تُقْلِقُنِي...وَقَصْفُ الرُّعُوْدِ, وَإِنْ احْتَدَمَتْ, مَهْمَا إشْتَدَّتْ رَعْدًا, لاَ تُرْعِبُنِي... فَفِي رُوْحِيالشَّفِيِفَةِ, هَمْسُ حَنِيِنٍ, أَعْظَمُ مِنْ عَصْفِ جُنُوْنِ العَوَاصِفِ, حَنِيِنٌيُطَمْئِنُنِيِ... ذّلِكَ حَنِيِنُكِ الَّذِي أَسْتَشْعِرَهُ فِي البُعْدِ يَاأُمِّي... وَفِيِ كَيْنُوْنَتِي الأَبِيَّةِ, نَزْعُ صَوْتٍ بَعِيِدُ الرَّجْعِ,هَائِمٌ فِي الإِمْتِدَادَاتِ, أَتَحَدَّى بِهِ إِشْتِدَادَ قَصْفَ الرُّعُوْدِ,صَوْتٌ عَازِفٌ يُطْرِبُنِي... ذّلِكَ الصَّوْتُ الشَّجِيُّ, هُوَ صَوْتُكِالحَانِي, فِي البُعْدِ يُنَادِيِنِيِ, وَيُشْجِيِنِي يَا أُمِّي...

    نَكَبَاتُالأَيَّامِ, وَإِنْ تَكَاثَفَتْ فَوْقَ كَاهِلِي, لَمْ وَلَنْ وَلاَتُرْهِقُنِي... وَالبَلاَيَا وَإِنْ هَجَمَتْ عَلَى قَلْبِي, فَلَمْ وَلَنْ وَلاَتُحْبِطُنِي... وَجُوْرُ الزَّمَانِ, وَإِنْ تَعَاظَمَ زُوْرًا وَبُهْتَانًا, لَمْوَلَنْ وَلاَ يَفَلَّنِي... وَالرَّزَايَا مَهْمَا هَدَّتْ مِنْ سُوْرَ آمَالِيوَحَطَّمَتْ, فَلَمْ وَلَنْ وَلاَ تُحَوِّلُنِي يَبَابًا وَلاَ خَرَابًا...فَإِنَّ فِي حَيَاتِي أَمَلاً, أُحَاكِيِهِ وَيُحَاكِينِي, كَأَنَّهُ السَّيْفُالمَسْلُوْلُ فِي وَجْهِ المَنَايَا, يَدْرَأُ عَنِّي وَيَحْمِيِنِي وَيَزُوْدُعَنِّي وَيَحْرُسَنِيِ... ذّلِكَ المَلاَكُ الأَمِيِنُ, طَيْفُ أُمِّي...

    ذِكْرُكِالمُبَارَكُ, أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عَبَقِ الطِّيِبِ, وَضَوْعِ العَبِيِرِ,وَأَذْكَى لِي مِنَ الشَّذْيِ اللَّطِيِفِ, يَتَمَاوَجُ فِي ثَنَايَا تَمَوُّجَاتِالأَثِيِرِ... وَأَحَنُّ وَأَشْجَى, مِنْ مَوْسَقَةٍ حَانِيَةٍ عَلَى الوَتَرِالأَوْحَدِ, تَتَوَالَدُ مِنْهُ أَنْغَامٌ, عَلَى إِهْتِزَازَاتِ الوَتَرِالشَّرُوْدِ... مُحَيَّاكِ وَأَنْتِ فِي خُشُوْعٍ تُصَلِّيِنَ لله, فِي العَشَايَاوَالسُّحُوْرِ, وَتَضْرَعِيِنَ تَهَجُّدًا وَإسْتِغَاثَةً لِلْمَوْلَىالقَدِيِرِ... تُنَاجِيِنَنِي عَلَى مَهْلٍ, قُرْبَ السَّرِيِرِ, وَأَنَا أَغْفُوْحَالِمَا, وَإِلَيَّ يَرْنُوْ طَرْفُكِ تَارَةً وَأُخْرَى لِلْعَلِيِّالبَصِيِرِ...

    كُلَّمَاحَاوَلْتُ أَنْ أَسْتَلَّ القَلَمَ, كَيْ أَبُوْحَ لَكِ, عَمَّا يَعْتَلِجُ فِيكَوَامِنِي, وَأَكْتُبَ لَكِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ, مِنْ حَرْقَةَ نَفْسِي عَلَىرَحِيِلَكِ, وَبُعْدَكِ عَنِّي, أَتَرَدَّدُ كَثِيِرًا؟؟؟!!!... غِيَابُكِ تَرَكَلَنَا فَرَاغًا, قَدْ كُنْتِ لَنَا نُوْرًا وَهَدْيًا, وَطَيْفَكِ كَانَ وَيَبْقَىوَسَيَبْقَى لَناَ وَبِنَا حُضُوْرًا رُوْحِيًّا أَبَدِيًّا, وَكُلَّ مَا عَدَاهُلاَ مَعْنَى لَهُ... غِيَابُكِ عَنَّا, فَرَاغٌ رَهِيِبٌ فِي دُنْيَانَا, شَعَرْتُبِهِ مَع اليَوْمِ الأَوَّلِ لِغُرُوْبَكِ عَنِّي... وَخَيَالُكِ لاَ يَبْرَحُنِي,وَدَائِمًا وَأَبَدًا أَرَأهُ أَمَامِي, فَأَرْتَعِشُ وَأَنْتَعِشُ مُجَدَّدًا...

    أمّاهْ...

    شاء الله لكِ ما شاء, وبمزيدمن الرّضى والتّسليم, تقبّلت ما شاء لكِ الله... فما طال العمر بكِ سيّدتي وما طالبنا الزّمان, حتّى انتقلتِ إلى رحاب الله الواسعة, وغدوتِ تسكنين تحت الثّرى...تركتيني وحدي, وسافرتِ على صهوة راحلة الموتِ, لا معين لي, يجتاحني الحزن, ويسكننيالكمد, لا عضد لي, ولا من أسكن إليه, حتّى غدوتُ فاقد الصّبر, هائما على وجهي,أضرعُ لله يُلهمني السّكينة والهدأة, كي أمسكّ أمري...

    كمأقضي الليالي باكيا, أذيب دمعي الصّارخ, شوقا ولهفا لكِ... لمن أشكو أمري سيّدتي؟!والكلّ من حولي يتجاهلني, والمآسي هدرت كياني, وأثقلت على كاهلي كلكلها... حبُّكأمّاه هو عشقي, هو فخري واعتزازي, أنتِ هواي, وهواكِ أنسام عليلة حانية من ربوعمدينة الشمس... إليكِ أبوح في سرّي وفي علانيّتي, وقلبي يعتصره الحزن عليكِ, وروحيتئنُّ في برزخها, ونفسي خارت محطمّة, وجسدي وهن من الألم عليكِ... فهل يا أمّاهألقاكِ ثانية؟!...

    أتلفّتحولي بحذر شديد, أستيقظ في كنف الليل, والكوابيس تتملّكني, أحدّق في أوجه الظّلامحيرانا... تغيمُ عيناي بدموع الذّكرى الأليمة, وأنا أحاول جمع بذور مصابي برحيلكِ,أغرسها وأعاودُ غرسها في حنايا ضلوعي... كم أجثو وحيدا أجترّ الأحزان, وتجترّنيالآلام, قرب تراب قبركِ؟! والموتُ يُطعمني رغما عنّي لُقمته... إليكِ أمضي كلّ يوممع الشّروق والغروب, أبثُّ لكِ كلّ حكايات حزني وألمي ووجعي, فواهٍ واهٍ لموتكِأمّي...

    كمأتمنّى أن تعودي لي, رغم يقيني بإحالة عودتكِ؟!... أحلم وأنا بهذا العمر الذيتجاوز الصّبا, أن تُهدهدينني, مثلما لو كنت طفلا صغيرا, وأن تُلاعبينني كما كنتِسابقا تُلاعبيني, وأن تزرعينني في ثرى مدينة الشّمس, شجرة غضّة يانعة مزهرة مثمرة,ترمي بظلالها وفيئها, تأوي إليها الأطيار الصّادحة, والعصافير الزقزاقة, والسّنونوالحالمة, والحمائم واليمائم الهادلة, وتتفيّأ ظلالها كلّ الأحباب والعشّاق في رضىالله وتقوى الله...

    جبينيالمشرق بالنّور, بعضُ إشراقاتِ ضياكِ, وصدري المفعم بالإيمان, بعضُ ومضاتِ هُداكِ,وقلبي المتموسق بالتّشاغف لكِ, بعض من دفء حنانكِ, ووجداني الذي لا تغيبين عنه,بعضُ من قبس ذكراكِ, وعقلي المتفكّر دائما بكِ, بعضُ من حكمة فكركِ, ووعييالباطنيُّ الذي أنتِ قوامه, بعضُ نور وعيكِ, وعرفاني الذّاتيُّ الذي أنتِ أسسه,بعضُ شعلة عرفانكِ... بكِ أمّاه عقلنتُ قلبي, وبكِ أمّاه قلبنت عقلي, وبكِ وعيتوعيي, وبكِ ذاد عرفان ذاتي... رحماكِ, رحماكِ, رحماكِ, وطيّب الله ثرى أبيوثراكِ...

    أرسليلي طيفكِ الأثيريّ الشّفيف, النّقيّ الصّفيّ الوضّاء... أرسليه لي, ذات ليلة كثيفةالظّلام, أرسليه يتلألأ في كنف الهدأة والسّكينة الغسقيّة, ويتهادى لي من عمق وقلبنجمة الصّبح الإشراقيّة, ليحملني عبر سيّالاته القدريّة, حيثما تبدو وامضةرؤاكِ... فأذداد إيمانا على إيمان, وأكتنز تقوى على تقوىً, وأسمو سموّا على سموٍّ,وأحمل ذاتي بذاتي, كي أعرج في مسارات الخيط الفضّيّ, الممتدُّ بين الأرض والسّماء,وأتواصل بكِ روحا أثيريّة شفيفة, تنتعش في برزخ الحقّ والإيمان ورضى الله وتقوىالله...

    أناسجين ربقة جسدي, الكثيف بالمادّة التّرابيّة, المخلوقُ من الحمأ المسنون, وسجينكهوف هذه المرذولة, التي يُسمّونها الأرض, وهي فانية, وكل شيء فان, ولا يبقى سوىوجهه الكريم بعد فناء كلّ الأشياء... وأنا يا أمّاه, أعيش مُجبرا في العصر القاهرالفاجر الكافر, حبيس الأعراف البالية, والتّقاليد العفنة, ومزاجيّات العشيرة القبليّة,التي تتماهى بها النّفوس المريضة, والعقول الصّدئة, الموبوءة بالفصام, تحت ستائروأوشحة وديثارات, متعدّدة الألوان والأشكال, تتنافخ بما ليس فيها... فمتى أمّاهتدعينني إليكِ, كي أرتاح؟!...

    إغسلينيسيّدتي من ذنوب هذه الأرض, المليئة بالشّرور, التي تتربّص بي من كلّ حدب وصوب,والتي تتعاظم وتتكاثف يوما عن يوم... وامنحيني أمّاه, من الأمل المرتجى, الذييُحاكيني, وأُحاكيه في البعد المأمول... واضرعي لي عند الباري, حيث أنتِ, فيمثواكِ الأخير, لِيزداد يقيني, علّ يوما ما, فيهِ ألتقي بكِ وأراكِ... إنّي ها هنافي حياتي الفانية, وفي شجوني المتعاظمة, وفي أحزاني التي تفترسني, أرفع يدايللسّماء قانطا داعيا مستغيثا متضرّعا, أستجدي طالبا آملا رضى الله ورضاكِ...

    طواكِالرّدى, على حين غفلة منّي, وزُفّ جثمانكِ إلى مثواه الأخير, ورقد هامدا ساكنا تحتالثّرى في روضة قبرك, وهامت روحكِ الطّاهرة في رحاب الله, وعادت نفسك المطمئنّةورجعت إلى ربّها بارئة, راضيّة مرضيّة, ودخلت عباده ورياضه ورحابه... وبموتكِأمّاه غاضت ينابيع المحبّة والحنان, وتخيّلت روحي, نزلت معكِ في حفرة القبر, بعدمارافقت نعشكِ المسجّاة عليه... وقلبي أحسسته يدُبُّ حزينا كئيبا لفراقكِ, ونفسي مازالت حتّى اليوم وتبقى وستبقى, تسكب توجّدها عند تراب قبرك...





    حسين أحمد سليم
    hasaleem
  • غسان إخلاصي
    أديب وكاتب
    • 01-07-2009
    • 3456

    #2
    أخي الكريم حسين المحترم
    مساء الخير
    هلا وغلا بك على الدوام ، وحياك الله وبياك .
    ماهذا الحب السرمدي للوالدة الغالية ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ .
    كل ماكتبت يصلح ليكون ( موسوعة ) لكل المشاعر الصادقة المرهفة للأم التي تتعب ولكنها لاتحصل إلا على النزر القليل من تعبها وتضحياتها لأولادها .
    وكأنك تترجم حبا سرمديا للوالدة التي ربتك فتركت أثرا لايستطيع الزمن مهما طال وانقضى أن يمحُ قدرا بسيطا من ذلك الحب الذي غمر قلبك الوفي .
    لي عودة لكل مابحت به .
    ننتظر مشاركاتك في مواضيع القسم ، فرأيك يهمنا .
    تحياتي وودي لك .
    (مِنْ أكبرِ مآسي الحياةِ أنْ يموتَ شيءٌ داخلَ الإنسانِِ وهو حَيّ )

    تعليق

    • شاكرين السامرائي
      أديبة وكاتبة
      • 15-06-2012
      • 574

      #3
      من أجمل ما قرأت, كنت تحاكيها و تناديها آماه, أبكيت عيونا و أحزنت قلبا بمناجاتكم, رحم الله والدتكم و تغمدها بمغفرته,, تحياتي لكم قلمكم الثري الجميل

      تعليق

      • حسين يعقوب الحمداني
        أديب وكاتب
        • 06-07-2010
        • 1884

        #4
        ألأخ حسين أحمد سليم
        بحق ملحمة في حب الأم ودفتر للحس نلتقط منه كل جمال نريد أن نستشق
        وفي ذاكرتنا قولبنا الأم .. تقبل خالص تقديري قليل جدا مانريد أن نقول بحق ماتقدم

        تعليق

        • سعاد سلسبيل
          • 06-11-2012
          • 9

          #5
          أبكيتني والله
          شكرا الك

          تعليق

          • غسان إخلاصي
            أديب وكاتب
            • 01-07-2009
            • 3456

            #6
            أخي الكريم حسين المحترم
            مساء الخير
            أين أنت يا رجل ؟؟؟؟؟؟
            عسى المانع خيرا ، تركتنا حيارى نتحسر على مشاعر خالدة بثثتها لأمك ........
            ننتظرك بفارغ الصبر .
            تحياتي وودي لك .
            (مِنْ أكبرِ مآسي الحياةِ أنْ يموتَ شيءٌ داخلَ الإنسانِِ وهو حَيّ )

            تعليق

            يعمل...
            X