نزوات فرانسيسكو غويّا
عبد الرحيم التوراني
في تلك الساعة المتأخرة من الليل، دخلت شقتي لأفاجأ بها محتلة من طرف أشخاص كثيرين. تراجعت إلى الخلف، ناويا أن أعود من حيث جئت، مرت لحظة ظننتني فيها أخطأت عنوان شقتي. لكن صورة زوجتي الميتة تبتسم في الإطار الكبير على الحائط أكدت لي أني في شقتي. تقدم نحوي شخص يشبهني. لكنه أصغر مني سنا. عمل على تهدئتي وتطميني. حاول خلق جو من الدعابة. ثم نظر إلي قائلا:
ـ ألا تحب أن تستقبل ضيوفا في بيتك؟ عهدي بك مضيافا كريما..
تمتمت:
ـ بـ.. بـ.. بلى.. ولكني..أ...أ...
قاطعني الشاب الوسيم:
ـ ليست هناك لكن ولا أخواتها.. تعالى يا صديقي لأقدم لك ضيوفك..
أخذ محفظتي ووضعها في المكان الذي اعتدت دائما أن أضعها فيه. بعد نصف خطوة التفت نحوي. خلع قبعتي ووضعها في مكانها أيضا على المشجب. أشعل نور الصالون. كان الصالون ممتلئا عن آخره بأشخاص من أعمار متفاوتة. على كل حال بدت لي أصغر من عمري. بينهم أطفال وأولاد صغار. كلهم لهم شبه كبير بالشاب الوسيم الذي قلت لكم أنه يشبهني. ولو رآه أحد منكم لما تردد في نسبه إلي كابني أو أخي الشقيق الأصغر. لما واجهت ضيوفي اعتدلوا في جلستهم. وحدهم الصغار لم يأبهوا بحضوري. بقوا منشغلين بلوحة "الإعدام" للفنان الإسباني فرانسيسكو غويّا . أملك نسخة مقلدة منها. اقتنيتها من رسام موهوب في تقليد اللوحات الفنية العالمية. تقليد يخلق الحيرة والعجز في التمييز بين الأصل والمستنسخ. أنا أيضا ساورني شك كبير في هؤلاء الضيوف الذين حلوا ببيتي من غير دعوة أو مناسبة، كلهم مستنسخون عن الشاب الذي أخذ مني المحفظة والقبعة واستقبلني في شقتي. أردت أن أسأله عن كيفية دخوله الشقة، فتراجعت. لكني تشجعت وسألته من غير تمتمة عن اسمه. نظر إلي باستغراب. كيف أنسى اسمه. حاولت أن أبتدع عذرا. سبقني مبتسما وأجاب:
ـ اسمي عبد الرحيم. وسكت.
رددت الاسم مرتين:
ـ نعم.. عبد الرحيم.. نعم.. عبد الرحيم..
هو له نفس اسمي أيضا.
تشجعت أكثر. سألته هذه المرة عن لقبه.
استغرب أكثر من الأول. نظر إلى عيني. لاحظ حمرة بهما. سألني كم كأسا شربت. لم أجب وابتسمت. التفت وأخذ يتابع جنود نابوليون وهم يعدمون الضحايا الأبرياء في لوحة الصالون. ثم عاد إلي ليخبرني عن لقبه. قال:
ـ اسمي العائلي هو التوراني. وسكت.
كنت جالسا على كرسي ووقفت. صحت:
ـ وتملك وجهي واسمي الكامل أيضا. لا يمكن.. لا بد أنك تهزأ بي يا... يا السي عبد الرحيم..
أخذ يضحك. تبعه أشباهه من يجلسون في الصالون. أغاظني ضحك الصغار أكثر.. توجهت بغضب إلى منتحل ملاحي واسمي. نبهته إلى المخاطر التي ينزلق فيها. قلت له:
ـ اسمع يا هذا...
سارع ونطق:
ـ أنا لا أسمى ب "هذا".. من فضلك سميني بالاسم الذي اختاره لي والدي وذبحا كبشا من النوع الصردي بقرنين كبيرين في حفل العقيقة. الماثل أمامك ليس من غير اسم. اسمي يا سيدي : عبد الرحيم التوراني. قلها "وشلل بها فمك"...
لم أتمالك نفسي. وجدتني أضحك. أخذ يضحك معي. تبعته نسخه في الصالون. قهقهاتهم كلعلعة الرصاص المنهمر من بنادق عساكر غويا على الجدار.
فجأة انتفضت.
قلت له:
ـ ألا تعرف أن انتحال الشخصية سلوك إجرامي؟ لن ينفعك ادعاء الجنون. لا يجوز لأي شخص ان يدفع امام المحكمة بالجنون أو بمرض نفسي في جريمة تقوم على أساس الاحتيال.
أكيد أنك تتمتع بقدرات عقلية عالية كي تقوم بانتحال شخصيتي. وأنك تملك درجة من الذكاء والقدرات العقلية كبرة جدا. أشهد لك بذلك. بالله عليه ما الذي شد إعجابك بشخصيتي حى تعتدي عليها بالانتحال.
ظل ساكتا ينظر إلي في صمت بعينين زائغتين. بهما حمرة. كذلك فعل أتباعه في الصالون. ظلوا يراقبون في صمت تطور الحكاية.
هددته بطلب البوليس إن لم ينسحب وجماعته فورا. أخرج من جيب سترته بطاقته الوطنية. هي نفس بطاقتي الشخصية. نفس الاسم وتاريخ الميلاد والعنوان ونفس الرقم التسلسلي. فتشت عن بطاقتي في جيبي وجدتها. ولاحظت نفس الانكماش على البطاقتين. ارتميت على الشاب الذي يحمل ملامحي واسمي وبطاقتي وأخذت بخناقه. أصرخ وأصيح وأحتج.
- ماذا تريد مني أيها المحتال? بماذا ستنفعك شخصية مثل شخصي? إذا لم تضرك فلن تنفعك. من بعثك إلي وسلطك علي? اعترف وإلا ستموت.
هرع من في الصالون. حالوا بيني وبين الشاب. أخذوه مني. ورأيتهم يتسللون الواحد وراء الآخر. يدخلون إلى ألبوم صوري الموضوع على مائدة تتوسط الصالون. اكتشفت أثر خنق بعنقي. اختفت صورة زوجتي الميتة. وضعت مكانها صورة للمغنية اللبنانية فيروز. كما اختفت لوحة "الثالث من ماي" أو "الإعدم" للرسام غويا ووضعت مكانها لوحته النزوات Los caprichos . دقات بالباب. فتحت لأجدني في مواجهة البوليس الدولي. يسألونني عن سرقات حدثت بمتحف البرادو بمدريد.
عبد الرحيم التوراني
في تلك الساعة المتأخرة من الليل، دخلت شقتي لأفاجأ بها محتلة من طرف أشخاص كثيرين. تراجعت إلى الخلف، ناويا أن أعود من حيث جئت، مرت لحظة ظننتني فيها أخطأت عنوان شقتي. لكن صورة زوجتي الميتة تبتسم في الإطار الكبير على الحائط أكدت لي أني في شقتي. تقدم نحوي شخص يشبهني. لكنه أصغر مني سنا. عمل على تهدئتي وتطميني. حاول خلق جو من الدعابة. ثم نظر إلي قائلا:
ـ ألا تحب أن تستقبل ضيوفا في بيتك؟ عهدي بك مضيافا كريما..
تمتمت:
ـ بـ.. بـ.. بلى.. ولكني..أ...أ...
قاطعني الشاب الوسيم:
ـ ليست هناك لكن ولا أخواتها.. تعالى يا صديقي لأقدم لك ضيوفك..
أخذ محفظتي ووضعها في المكان الذي اعتدت دائما أن أضعها فيه. بعد نصف خطوة التفت نحوي. خلع قبعتي ووضعها في مكانها أيضا على المشجب. أشعل نور الصالون. كان الصالون ممتلئا عن آخره بأشخاص من أعمار متفاوتة. على كل حال بدت لي أصغر من عمري. بينهم أطفال وأولاد صغار. كلهم لهم شبه كبير بالشاب الوسيم الذي قلت لكم أنه يشبهني. ولو رآه أحد منكم لما تردد في نسبه إلي كابني أو أخي الشقيق الأصغر. لما واجهت ضيوفي اعتدلوا في جلستهم. وحدهم الصغار لم يأبهوا بحضوري. بقوا منشغلين بلوحة "الإعدام" للفنان الإسباني فرانسيسكو غويّا . أملك نسخة مقلدة منها. اقتنيتها من رسام موهوب في تقليد اللوحات الفنية العالمية. تقليد يخلق الحيرة والعجز في التمييز بين الأصل والمستنسخ. أنا أيضا ساورني شك كبير في هؤلاء الضيوف الذين حلوا ببيتي من غير دعوة أو مناسبة، كلهم مستنسخون عن الشاب الذي أخذ مني المحفظة والقبعة واستقبلني في شقتي. أردت أن أسأله عن كيفية دخوله الشقة، فتراجعت. لكني تشجعت وسألته من غير تمتمة عن اسمه. نظر إلي باستغراب. كيف أنسى اسمه. حاولت أن أبتدع عذرا. سبقني مبتسما وأجاب:
ـ اسمي عبد الرحيم. وسكت.
رددت الاسم مرتين:
ـ نعم.. عبد الرحيم.. نعم.. عبد الرحيم..
هو له نفس اسمي أيضا.
تشجعت أكثر. سألته هذه المرة عن لقبه.
استغرب أكثر من الأول. نظر إلى عيني. لاحظ حمرة بهما. سألني كم كأسا شربت. لم أجب وابتسمت. التفت وأخذ يتابع جنود نابوليون وهم يعدمون الضحايا الأبرياء في لوحة الصالون. ثم عاد إلي ليخبرني عن لقبه. قال:
ـ اسمي العائلي هو التوراني. وسكت.
كنت جالسا على كرسي ووقفت. صحت:
ـ وتملك وجهي واسمي الكامل أيضا. لا يمكن.. لا بد أنك تهزأ بي يا... يا السي عبد الرحيم..
أخذ يضحك. تبعه أشباهه من يجلسون في الصالون. أغاظني ضحك الصغار أكثر.. توجهت بغضب إلى منتحل ملاحي واسمي. نبهته إلى المخاطر التي ينزلق فيها. قلت له:
ـ اسمع يا هذا...
سارع ونطق:
ـ أنا لا أسمى ب "هذا".. من فضلك سميني بالاسم الذي اختاره لي والدي وذبحا كبشا من النوع الصردي بقرنين كبيرين في حفل العقيقة. الماثل أمامك ليس من غير اسم. اسمي يا سيدي : عبد الرحيم التوراني. قلها "وشلل بها فمك"...
لم أتمالك نفسي. وجدتني أضحك. أخذ يضحك معي. تبعته نسخه في الصالون. قهقهاتهم كلعلعة الرصاص المنهمر من بنادق عساكر غويا على الجدار.
فجأة انتفضت.
قلت له:
ـ ألا تعرف أن انتحال الشخصية سلوك إجرامي؟ لن ينفعك ادعاء الجنون. لا يجوز لأي شخص ان يدفع امام المحكمة بالجنون أو بمرض نفسي في جريمة تقوم على أساس الاحتيال.
أكيد أنك تتمتع بقدرات عقلية عالية كي تقوم بانتحال شخصيتي. وأنك تملك درجة من الذكاء والقدرات العقلية كبرة جدا. أشهد لك بذلك. بالله عليه ما الذي شد إعجابك بشخصيتي حى تعتدي عليها بالانتحال.
ظل ساكتا ينظر إلي في صمت بعينين زائغتين. بهما حمرة. كذلك فعل أتباعه في الصالون. ظلوا يراقبون في صمت تطور الحكاية.
هددته بطلب البوليس إن لم ينسحب وجماعته فورا. أخرج من جيب سترته بطاقته الوطنية. هي نفس بطاقتي الشخصية. نفس الاسم وتاريخ الميلاد والعنوان ونفس الرقم التسلسلي. فتشت عن بطاقتي في جيبي وجدتها. ولاحظت نفس الانكماش على البطاقتين. ارتميت على الشاب الذي يحمل ملامحي واسمي وبطاقتي وأخذت بخناقه. أصرخ وأصيح وأحتج.
- ماذا تريد مني أيها المحتال? بماذا ستنفعك شخصية مثل شخصي? إذا لم تضرك فلن تنفعك. من بعثك إلي وسلطك علي? اعترف وإلا ستموت.
هرع من في الصالون. حالوا بيني وبين الشاب. أخذوه مني. ورأيتهم يتسللون الواحد وراء الآخر. يدخلون إلى ألبوم صوري الموضوع على مائدة تتوسط الصالون. اكتشفت أثر خنق بعنقي. اختفت صورة زوجتي الميتة. وضعت مكانها صورة للمغنية اللبنانية فيروز. كما اختفت لوحة "الثالث من ماي" أو "الإعدم" للرسام غويا ووضعت مكانها لوحته النزوات Los caprichos . دقات بالباب. فتحت لأجدني في مواجهة البوليس الدولي. يسألونني عن سرقات حدثت بمتحف البرادو بمدريد.
تعليق