"صراع الريح": صراع الروح
أميرة عبدالله
التهذيب: الرِّيح ياؤُها واو صُيِّرت ياء لانكسار ما قبلها، وتصغيرها رُوَيْحة، وجمعها رِياحٌ وأَرْواحٌ. قال الجوهري: الرِّيحُ واحدة الرِّياح، وقد تجمع على أَرْواح لأَن أَصلها الواو وإِنما جاءَت بالياء لانكسار ما قبله
والرُّوحُ: النَّفْسُ، يذكر ويؤنث، والجمع الأَرواح. التهذيب: قال أَبو بكر بنُ الأَنْباريِّ: الرُّوحُ والنَّفْسُ واحد، غير أَن الروح مذكر والنفس مؤنثة عند العرب. وفي التنزيل: ويسأَلونك عن الرُّوح قل الروح من أَمر ربي؛ وتأْويلُ الروح أَنه ما به حياةُ النفْس.
**************
في البدء: صورة غابة وطفلة وعصف رياح في كوخ تصور طفلة تحمل قطة في صراع مع عصف الرياح! وفي النهاية تعود الصورة من جديد ومن بعيد وكأن يدا خفية تحرك صفحات بؤس. وعلى هذا المسار نبدأ وتبدأ قصة صراع الريح
وهكذا من البداية ونحن شهود "عراك" في غابة خضراء (أو بصورة أدق، نحن في "الغابة الخضراء") وهي سمات تتأرجح بين الإيجابية والسلبية، سمات تمتد إلى تتمة الجملة (في عراك مستميت مع صخب الرياح). الغابة دائما توحي بمغموض ما؛ أما سمتها الخضراء فسمة إيجابية. وهذا التزاوج بين الإيجابي والسلبي إنما هو تجسيد للعنوان نفسه إذ نحن أمام صراع (أمر سلبي)، وأمام (الريح) التي تعود في أصلها إلى (الروح) والحياة. هذا التجاور الضدي يستمر في كامل القصة حتى لكأن القصة تجسد نفسها في صراعها من أجل "بقاء" محال ومستمر (هل هذا تناقض؟ مفارقة؟ ربما، أو لعلنا نقول: إنه مفارقة بقاء: من بقى بمعنى ظل وتوارى وبقى بمعنى امتد وجوديا واستمر).
وإذا دققنا في العنوان وبداية القصة (سطرها الأول) نجد الصراع محتدم بين اللاوجود والوجود (بين الصمت/انعدام الكينونة/ غياب الريح-الروح وبين مادية صخب الرياح/الروح).
في الغابة الخضراء، حيثُ الصمت في عراك مستميت مع صخب الرياح،
لماذا؟ مثل هذه المفارقة لابد أن تنطوي على مفاجأة، ولعلها مفاجأة المفاجأة: فالأمر ليس أقل من مخاض ولادة، وستصرخ بعده طفلة في كوخ، تجسدها صورة معلقة على حائط (بل على الحائط). وبين الصورة وصاحبتها اتساق يعكس التجاور بين السلبي والإيجابي الذي نراه في العنوان وفي سطر القصة الأول. وعلى القارئ أن يتنبه قبل المفاجأة: في البدء تبدو الصورة وحدها هي "الباسمة" و"تحمل بيدها قطة"!
هذا ما يجول بخاطر القارئ أول الأمر. لكن الصورة تتعقد أكثر فأكثر كلما أُعيدت القراءة وكلما حاول القارئ استجلاء الصورة. فهنا تماما تختلط الأمور في بنية الجملة. فدعونا نقرأ الفقرة:
كان هناك كوخ تقطنهُ صورة
معلقة على الحائط لطفلة صغيرة باسمة تحمل بيدها قطة.. سريرها مبعثرٌ ما عليه ، ملعقتها تقبع على الطاولة المستديرة وبقربهااااا رواية البؤساء ودمية منكوشة الشعر.
من يدقق جيدا في قاطن الكون لا يستطيع التمييز ما إذا كان الساكن هو الطفلة التي ترى الصورة على الحائط أو الساكن هي الصورة لطفلة صغيرة باسمة تحمل بيدها قطة. أم أن الأمر لا هذا ولا ذاك، بل إن الكوخ الذي تقطنه صورة معلقة على الحائط، هذا الكوخ هو مُلك "طفلة صغيرة باسمة تحمل بيدها قطة.. وأن "سريرها مبعثرٌ ما عليه"! ومهما تأملنا في المشهد تظل الصورة تتناسخ لطفلة بعينها تجسدها صورة معلقة على الحائط. ولأن المشهد مشهد قصة، فإن لدينا صورتين مرتبطتين: الصورة على الحائط وصورة الطفلة التي تتحرك في الكوخ، والتبادل بينهما تبادل متحرك، لكنهما امتداد للتضاد السلبي الإيجابي الذي يجسده العنوان.
ومثل هذا التبادل الحركي يجعل التفاصيل بين واقع الصورة والصورة على الحائط تغذي الصورتين معا، فيتبادلان المواقع. فمثلا: هل السرير "المبعثرُ ماعليه" هو في الصورة على الحائط أم هو في الكوخ، أم في الصورة وفي الكوخ في آن. وهل الطاولة المستديرة وما عليها (المعلقة) هي في الصورة فقط أم في الكوخ أم في الكوخ وفي الصورة؟ الأمر نفسه ينسحب على رواية البؤساء وعلى الدمية منكوشة الشعر!
في النهاية، لا يستطيع المرؤ إلا أن يرى الطفلة تنسل من الصورة متحركة داخل الكوخ وتستند إلى أحد النوافذ! ونسمع مع الطفلة صوت المذياع (والصوت نوع من الريح/الروح في كل الأحوال)، تماما كما نسمح صوت الريح/الروح تعصف بالكوخ وأبوابه، فتدب الحياة الصاخبة في الصمت (في البدء كان العراك بين الصمت وصخب الرياح). وهنا أيضا في صخب أثر الرياح نجد المذياع والكوخ يستعيدان تفاصيل المشهد الأول، ومن الصمت يبدأ الصخب، والقارئ حقيقة أمام مشهد مرئي ومسموع:
صوت المذياع كانَ يصدح ..
الأبوابوالنوافذ تغلق وتفتح ،، والطفلة الصغيرة تستند على إحدى النوافذ وبيدهاالقطة، بينما يتردد صوت:ارفعوا الصورة ،، لا تدعوها تتحطم..
هنا الصورة المعلقة على الحائط كاملة نزلت من حائطها إلى أرض الكوخ (أرض الواقع إن جاز التعبير)، نزلت بطفلتها وقطتها وربما بسريرها وطاولتها وملعقتها ودميتها منكوشة الشعر! ومن صمتها بدأ الصوت يتردد "ارفعوا الصورة"، ونزولها عن حائطها يعني "تحطمها"، لماذا؟ هل الصورة الصامتة أفضل من حياة حلت بها الريح/الروح؟ ربما! فبداية الحياة مسيرة إلى نهاية مألوفة. وكان لا بد أن "يتردد صوت: ارفعوا الصور،، لا تدعوها تتحطم"! من أين جاء هذا الصوت؟ أ هو ما يصدح به المذياع؟ أم هو ما تبوح به الغابة الخضراء في صراعها مع الريح؟ أم جاء هو من عمق الحياة البشرية؟
الطفلة وهي تستند إلى النافذة ليست سوى صورة انتقلت من استنادها على الحائط إلى استنادها على النافذة. بل إن قطتها أيضا شاركتها الاستناد. في مثل هذا التحول بقيت "الصورة الواقعية" نفسها، مع اختلاف بسيط، اختلاف روح: فقد تحولت "البسمة" الصامتة إلى صوت ناطق. فلم تعد الصورة ذات دلالة بنفسها وإنما عليها أن "تنطق" لتكون! وما أن تنطق حتى تخشى النهاية!
ومن المؤكد أن الصورة وحدها تبقى بلا ظل؛ أما الحياة فظلها دليل بقائها. وفي جدلية الصمت والنطق ثمة "ظل"يجمع الريح ودلالتها بين بداية ونهاية. ولذلك قالت العرب مجازا "ضحا ظله" لمن فارق الحياة وقضى. وهنا يأتي تبرير الإصرار على رفع الصورة لمنع تحطمها في عبورها من الحائط إلى النافذة، أو من الجمود إلى الحياة. فالظل لا بد أن يمضي، والكل لابد مخترق جداره، حتى رجل الثلج:
الظل يمشي بعيداً ،، يخترق الجدار تتبعهُ القطة..
دموعٌ ساخنة تهبط على الوسادة وكأن الثلج ذاب في ليلة شتاء قارص وأذابَ معهُ رجل الثلج.
وبعد سفح الدموع على غياب الظل وغياب مَنْ تبعه، تعود القصة من جديد، وكأن الكاميرا تلتقط مشهدا عن بعد. ومع هذه اللقطه نرى "نور" المصباح يتلألأ ونرى كذلك رواية البؤساء، تضاد جديد، وهو تضاد يستعيد لنا العراك المستميت بين الصمت وصخب الرياح في البدء وقد تجسد في مادية ملموسة ومرئية. ثم إن الرواية لم تعد مجرد رواية، بل أصبحت "كتاب البؤساء" إصرارا على استمرار الصراع:
لا زال نور المصباح يتلألأ وكتاب البؤساء تتراقص صفحاته كأن هناك يداً خفية تحركه وتدغدغه.
واليد الخفية تحرك الكتاب وتدغدغه حتى تتحطم الصورة فيمضي الظل ويسود صمت ليعود الأمر من جديد! هذه الاستمرارية تتجلى في "القطة" وأرواحها السبعة (وفي الرواية الغربية أرواحها التسعة)، كما أن القطة رمز يجمع الروحاني والمادي، إضافة إلى ما تحمله من أبعاد سلبيه في كافة الثقافات. صراع الريح إذن صراع حياة تبدأ لتتلاشى لتعود من جديد
تعليق