قراءتي لـ "رغبة" للدكتور الشاوي
رغبة/ قصة قصيرة
د. مرتضى الشاوي
www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?106146
العنوان بسيط، بل كلمة نكرة وحيدة، ويليها تفسير مقتضب يحاول أن يضفي على هذه "الرغبة" نوعا من التعريف الذي جاء مقللا من أهميتها: "رغبة/ قصة قصيرة". فكون هذه الرغبة "قصةً" يضفي على المادة نوعا من الاستبعاد وقلة الأهمية، وتتضاءل هذه هذه الأهمية أكثر عندما تصبح القصة نفسها قصة "قصيرة"! كل سمات العنوان توحي بعدم الأهمية، أو بأمر جد مألوف وغير ذي شأن. وحتى في تفاصيل القصة القصيرة تعود هذه السمة في عمر صاحب الرغبة، الطفل الرضيع غير الناطق "محسن." فما هي رغبة محسن، بطل القصة القصيرة؟
وحين تتكشف الأمور، فإنها تتكشف عن أمر بسيط و"مضحك" لا يخطر إلا على بال رضيع (رغم أنه أمنية الجميع)!؛وشأن الكثير من العقلاء (ربما كلهم) فإن الرضيع "محسن" يريد "القمر"، يريده أن ينزل من عليائه ويمثل أمامه.
وحسب القصة فإن لمثل هذه الرغبة ما يبررها هنا، فالمعرفة في مثل هذا العمر معرفة حسية لا أكثر، وتلعب فيها العين الدور الأول وربما الوحيد.
ليس غريبا أبدا أن يرغب محسن في حضور القمر، خاصة أنه في تلك الليلة كان لا يفصله عن القمر غير الفضاء الرحب، وأن والدته هي نفسها اسم على مسمى، هي خليلة "الليل" "ساهرة"، وفي ليلة الرغبة هذه أفاقت من "غرقة" النوم متأخرة "لشدة تعبها نهارا"، أفاقت في "سبيل راحة طفلها الودود ’محسن‘ ليلا". الليل وساهرة والقمر ومحسن، كلها تشير إلى رغبة، رغبة بامتلاك أو ملامسة "القمر"!
بكى محسن طويلا رغبة في القمر، وسهرت ساهرة طويلا حتى استحضرت القمر في حضرة محسن ليشبع رغبته، ويشعر بالرضى ويسكن إلى نفسه وإلى القمر. واستحضار القمر علاجا لبكاء محسن خدعة بسيطة وربما جاءت صدفة عفوية: فبعد طول بكائه أرادت ساهرة أن "تبرد" كبد وليدها ببعض الماء‘ فرأى في القدح صورة القمر فسكن وهدأ فجأة. جميلة هي المفاجأة ومريحة هي في تحقيق الرغبة، كما أنها بسيطة وعفوية ومفيدة.
فهل هي فعلا كذلك؟ الماء علاج الرغبة وإشباعها؟ لابد إنها قصة وقصة قصيرة، ولابد أن للقصة قصة، قد تكون قصة شعبية (قال البعض إنها واقعية من جنوب العراق، وقال آخرون إنها قصة براءة وقصة طفولة، وقال آخرون إنها أغريقية). وكما هي الحال مع كل رغبة، يصعب تحديد منبعها وأصلها ودافعها. لكننا نعلم إن كل رغبة لابد أن تنبع من "نقص" أو من "غياب"، فالمرؤ لا يرغب فيما يمتلك (هكذا قال فرويد). ولئن قلنا كل ما يجب أن يقال، فإن الحقيقة تظل أن هذه الرغبة هي حتما قصة لها قصة مع الصورة ومع الماء ولها أيضا محسنها العراقي أو صيادها الأغريقي!
والحق أننا من البداية مع العين ومع الماء (لعله ماء العين بكل ما تحمله العبارة من معان). فـ الرضيع محسن من البداية يشير إلى الأشياء "بلحاظ عينيه المورقتين كأنها غدير ماء رقراق"! وفي هذه الليلة بالذات لا شيء سيحول بين لحاظ عينيه وبين القمر، فوالدته صعدت "بولدها المدلل إلى سطح الدار ... حيث الهواء برقته مع صفائه وسكون الليل وشفافيته". ورغم كل ما فعلته من أجله، إلا أن بكاءه "ازداد شدة" وهو بكاء "غير اعتيادي"! لابد أن يزداد شدة ولابد أن يكون غير اعتيادي: فالرغبة هذه المرة لن تكون كأي رغبة، ومطلب القمر ليس كأي مطلب!
الخطأ الذي ارتكبته ساهرة فأسهرها أكثر أنها لم تنظر إلى عيون محسن ولا إلى يده اليسرى: "لم تشعر أمّه في حينه أنّ عيونه ترنو إلى شيء ما، ولم تنتبه أنّ يده اليسرى تؤمي إلى الأعلى". ولها ما يبرر هذا الخطأ؛ فالظلام في الأرض دامس، على عكس الوضع في السماء: "فالظلمة إلى الأرض عامة في كل جانب، والضياء في أطراف السماء يبدو منتشراً بطلعة القمرالمنير"! وبالصدفة فقط تجاوزت ساهرة حركة يد الرضيع إلى عينيه، فاستطاعت أن ترى ما يرى. تقول القصة: "وأخذت ’ساهرة‘ تنظر إلى حركة يده نحو الأعلى سرعان ما انتبهت إليه، وهو ينظر إلى الأعلى ، ويبكي بحسرة ولوعة غارقة بالدموع ولهفة ظامئة للقاء"
وهكذا نرى أن عيون محسن معلقة بالقمر، غارقة بدموع ولهفة ظامئة للقاء، وكأن اللقاء ماء يسعى إليه في عطش الرغبة. وهنا تجتمع العيون والصورة والماء والنقص (سواء كان في صورة الظمأ أو كان لوعة غارقة بالدموع). ولما كانت "ساهرة" أُماً حنونا، فإنها ستبذل قصارى الجهد لإشباع رغبة رضيعها. ولن تتحقق رغبة الأم هذه إلا باجتماع العين والصورة والماء! وبين نوعين من التفكير، تفكير لبرهة من الزمن وآخر ملي، تحقق لها ما أرادت. هذا ما تقوله القصة القصيرة رغبة:
((وأغرقت في حيرة من أمر ولدها إنّه يومئ إلى هالة القمر ويريد أن يمكسه فلا تصل يده، أخذت تفكر برهة من الزمن، ماذا تعمل لجلب نور غير محسوس إلا بالرؤية؟))
((أعيتها الحيلة ، فلم تستطع ، ثم فكرت ملياً بأن تجلب له قدح ماء ريثما يشرب منه فيبرد قلبه بعد عناء من البكاء وذرف الدموع، ثم سكت الطفل فجأة إذ شعر بوجود القمر أمامه في قدح ماء رقراق، فتعجبت "ساهرة" ضاحكة مستبشرة أنّ سبب بكاء "محسن" رؤيته نور القمر الوضاء في كبد السماء!!!))
ما أن يجتمع الماء والصورة إلا ونكون في حضرة رغبة وحضرة قصة الرغبة نفسها. فما هي "قصة" قصة الرغبة هذه؟ إنها ليست سوى قصة نرجس الأغريقي نفسه حين رأى صورته في الماء وهو يحدق في صورته. فالأغريقي ترك كبريائه وهواية الصيد وأمضى حياته محدقا في الماء يشبع رغبته. وكذلك محسن لم يعد معنيا بقمر السماء بل بقمره هو نفسه في قدح من الماء! ما كان لساهرة أن تتعجب في تفسيرها بكاء محسن، وما كان لها أن تستبشر كثيرا: "فتعجبت ’ساهرة‘ ضاحكة مستبشرة أنّ سبب بكاء ’محسن‘ رؤيته نور القمر الوضاء في كبد السماء"، بل كان عليها أن تهيئ نفسها لأسطورة نرجس أو (في أحسن الأحوال) لمرحلة المرآة. وللرضيع محسن أن يحسم أمره: أ يكون قمرا نرجسيا أم سيدرك الفرق بينه (قمرا) وبين صورته!
تعليق