قراءتي لـ "رغبة/قصة قصيرة" للدكتور الشاوي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الهويمل أبو فهد
    مستشار أدبي
    • 22-07-2011
    • 1475

    قراءتي لـ "رغبة/قصة قصيرة" للدكتور الشاوي

    قراءتي لـ "رغبة" للدكتور الشاوي
    رغبة/ قصة قصيرة
    د. مرتضى الشاوي
    www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?106146


    العنوان بسيط، بل كلمة نكرة وحيدة، ويليها تفسير مقتضب يحاول أن يضفي على هذه "الرغبة" نوعا من التعريف الذي جاء مقللا من أهميتها: "رغبة/ قصة قصيرة". فكون هذه الرغبة "قصةً" يضفي على المادة نوعا من الاستبعاد وقلة الأهمية، وتتضاءل هذه هذه الأهمية أكثر عندما تصبح القصة نفسها قصة "قصيرة"! كل سمات العنوان توحي بعدم الأهمية، أو بأمر جد مألوف وغير ذي شأن. وحتى في تفاصيل القصة القصيرة تعود هذه السمة في عمر صاحب الرغبة، الطفل الرضيع غير الناطق "محسن." فما هي رغبة محسن، بطل القصة القصيرة؟

    وحين تتكشف الأمور، فإنها تتكشف عن أمر بسيط و"مضحك" لا يخطر إلا على بال رضيع (رغم أنه أمنية الجميع)!؛وشأن الكثير من العقلاء (ربما كلهم) فإن الرضيع "محسن" يريد "القمر"، يريده أن ينزل من عليائه ويمثل أمامه.

    وحسب القصة فإن لمثل هذه الرغبة ما يبررها هنا، فالمعرفة في مثل هذا العمر معرفة حسية لا أكثر، وتلعب فيها العين الدور الأول وربما الوحيد.

    ليس غريبا أبدا أن يرغب محسن في حضور القمر، خاصة أنه في تلك الليلة كان لا يفصله عن القمر غير الفضاء الرحب، وأن والدته هي نفسها اسم على مسمى، هي خليلة "الليل" "ساهرة"، وفي ليلة الرغبة هذه أفاقت من "غرقة" النوم متأخرة "لشدة تعبها نهارا"، أفاقت في "سبيل راحة طفلها الودود ’محسن‘ ليلا". الليل وساهرة والقمر ومحسن، كلها تشير إلى رغبة، رغبة بامتلاك أو ملامسة "القمر"!

    بكى محسن طويلا رغبة في القمر، وسهرت ساهرة طويلا حتى استحضرت القمر في حضرة محسن ليشبع رغبته، ويشعر بالرضى ويسكن إلى نفسه وإلى القمر. واستحضار القمر علاجا لبكاء محسن خدعة بسيطة وربما جاءت صدفة عفوية: فبعد طول بكائه أرادت ساهرة أن "تبرد" كبد وليدها ببعض الماء‘ فرأى في القدح صورة القمر فسكن وهدأ فجأة. جميلة هي المفاجأة ومريحة هي في تحقيق الرغبة، كما أنها بسيطة وعفوية ومفيدة.

    فهل هي فعلا كذلك؟ الماء علاج الرغبة وإشباعها؟ لابد إنها قصة وقصة قصيرة، ولابد أن للقصة قصة، قد تكون قصة شعبية (قال البعض إنها واقعية من جنوب العراق، وقال آخرون إنها قصة براءة وقصة طفولة، وقال آخرون إنها أغريقية). وكما هي الحال مع كل رغبة، يصعب تحديد منبعها وأصلها ودافعها. لكننا نعلم إن كل رغبة لابد أن تنبع من "نقص" أو من "غياب"، فالمرؤ لا يرغب فيما يمتلك (هكذا قال فرويد). ولئن قلنا كل ما يجب أن يقال، فإن الحقيقة تظل أن هذه الرغبة هي حتما قصة لها قصة مع الصورة ومع الماء ولها أيضا محسنها العراقي أو صيادها الأغريقي!

    والحق أننا من البداية مع العين ومع الماء (لعله ماء العين بكل ما تحمله العبارة من معان). فـ الرضيع محسن من البداية يشير إلى الأشياء "بلحاظ عينيه المورقتين كأنها غدير ماء رقراق"! وفي هذه الليلة بالذات لا شيء سيحول بين لحاظ عينيه وبين القمر، فوالدته صعدت "بولدها المدلل إلى سطح الدار ... حيث الهواء برقته مع صفائه وسكون الليل وشفافيته". ورغم كل ما فعلته من أجله، إلا أن بكاءه "ازداد شدة" وهو بكاء "غير اعتيادي"! لابد أن يزداد شدة ولابد أن يكون غير اعتيادي: فالرغبة هذه المرة لن تكون كأي رغبة، ومطلب القمر ليس كأي مطلب!

    الخطأ الذي ارتكبته ساهرة فأسهرها أكثر أنها لم تنظر إلى عيون محسن ولا إلى يده اليسرى: "لم تشعر أمّه في حينه أنّ عيونه ترنو إلى شيء ما، ولم تنتبه أنّ يده اليسرى تؤمي إلى الأعلى". ولها ما يبرر هذا الخطأ؛ فالظلام في الأرض دامس، على عكس الوضع في السماء: "فالظلمة إلى الأرض عامة في كل جانب، والضياء في أطراف السماء يبدو منتشراً بطلعة القمرالمنير"! وبالصدفة فقط تجاوزت ساهرة حركة يد الرضيع إلى عينيه، فاستطاعت أن ترى ما يرى. تقول القصة: "وأخذت ’ساهرة‘ تنظر إلى حركة يده نحو الأعلى سرعان ما انتبهت إليه، وهو ينظر إلى الأعلى ، ويبكي بحسرة ولوعة غارقة بالدموع ولهفة ظامئة للقاء"

    وهكذا نرى أن عيون محسن معلقة بالقمر، غارقة بدموع ولهفة ظامئة للقاء، وكأن اللقاء ماء يسعى إليه في عطش الرغبة. وهنا تجتمع العيون والصورة والماء والنقص (سواء كان في صورة الظمأ أو كان لوعة غارقة بالدموع). ولما كانت "ساهرة" أُماً حنونا، فإنها ستبذل قصارى الجهد لإشباع رغبة رضيعها. ولن تتحقق رغبة الأم هذه إلا باجتماع العين والصورة والماء! وبين نوعين من التفكير، تفكير لبرهة من الزمن وآخر ملي، تحقق لها ما أرادت. هذا ما تقوله القصة القصيرة رغبة:

    ((وأغرقت في حيرة من أمر ولدها إنّه يومئ إلى هالة القمر ويريد أن يمكسه فلا تصل يده، أخذت تفكر برهة من الزمن، ماذا تعمل لجلب نور غير محسوس إلا بالرؤية؟))

    ((أعيتها الحيلة ، فلم تستطع ، ثم فكرت ملياً بأن تجلب له قدح ماء ريثما يشرب منه فيبرد قلبه بعد عناء من البكاء وذرف الدموع، ثم سكت الطفل فجأة إذ شعر بوجود القمر أمامه في قدح ماء رقراق، فتعجبت "ساهرة" ضاحكة مستبشرة أنّ سبب بكاء "محسن" رؤيته نور القمر الوضاء في كبد السماء!!!))

    ما أن يجتمع الماء والصورة إلا ونكون في حضرة رغبة وحضرة قصة الرغبة نفسها. فما هي "قصة" قصة الرغبة هذه؟ إنها ليست سوى قصة نرجس الأغريقي نفسه حين رأى صورته في الماء وهو يحدق في صورته. فالأغريقي ترك كبريائه وهواية الصيد وأمضى حياته محدقا في الماء يشبع رغبته. وكذلك محسن لم يعد معنيا بقمر السماء بل بقمره هو نفسه في قدح من الماء! ما كان لساهرة أن تتعجب في تفسيرها بكاء محسن، وما كان لها أن تستبشر كثيرا: "فتعجبت ’ساهرة‘ ضاحكة مستبشرة أنّ سبب بكاء ’محسن‘ رؤيته نور القمر الوضاء في كبد السماء"، بل كان عليها أن تهيئ نفسها لأسطورة نرجس أو (في أحسن الأحوال) لمرحلة المرآة. وللرضيع محسن أن يحسم أمره: أ يكون قمرا نرجسيا أم سيدرك الفرق بينه (قمرا) وبين صورته!
  • د مرتضى الشاوي
    عضو الملتقى
    • 08-07-2011
    • 85

    #2
    الاخ الهويمل ابو فهد :
    سررت بوجود أحرفك الفنية ووسائلك التحليلية مهما جدت واجتهدت في قراءتك فالنصوص تتعدد بتعدد القراءات كما هو جار عند المختصين .
    فالطفولة سمة من سمات الرؤية وتصويرالواقع من منظور شفاف ويتبلور في لحظة جمالية في حكمة انسانية تستمد من الواقع والوجود فتتجلى تلك الحكمة في مرآة أي كائن طفلاً او امرأ ةاو رجلاً .
    ورؤية الواقع والأشياء بعين الطفل تتضمن القصة منظور التحاكي في توظيف عنصر البراءة لأنه الصوت الداخلي الذي ينبعث من أولا يستطيع الآخرون استيعابه وفك لغزه على الرغم من وجود الأم الحنون بقربه الا أنه يبقى سراً من اسرار الخليقة عجزعنه الآخرون الذين حوله لما يمتلك من شعور بقيمة الاشياء ونفاسة الحياة .
    أنا ممتن لك مهما كان قلمك حاداً في نقدك التحليلي لقصتي المتواضعة في دلالاتها فقد بلغت المرمى بذائقة فنية ومنهجية اكاديمية رائعة .

    تعليق

    • الهويمل أبو فهد
      مستشار أدبي
      • 22-07-2011
      • 1475

      #3
      الأخ العزيز الدكتور مرتضى الشاوي

      تحية طيبة وبعد

      اشكرك على رأيك في الموضوع وكذلك على رأيك في قراءتي. وأتفق تماما مع رأيك في أن (النصوص تتعدد بتعدد القراءات كما هو جار عند المختصين)؛ وأملي أن قراءتي لم توح بأنها القراءة الوحيدة أو الأهم أو الأصدق. فمثل هذا الإيحاء أو الموقف لا ينبغي أن يكون دعوى أية قراءة.

      كما اتفق معك في أن الطفولة سمة من سمات "الرؤية وتصوير الواقع من منظور" معين، وقد لا يكون بمثل ما وصفته من الشفافية والتبلور. فربما اختلفت معك في جزئية الشفافية والتبلور، بل لعلني اختلف معك في أمر اللحظة الجمالية وحكمتها الإنسانية في "عملية" الاستمداد من الواقع والوجود. وفي المقابل فإنني أتفق تماما معك في أن الحكمة اياها "تتجلى في مرآة أي كائن طفلا أو امرأة أو رجلا".

      كل هذا لا علاقة له بقصتك القصيرة والتي تصفها بالمتواضعة وهي في رأيي غير ذلك، بل أراها تكيثفا سلسا وممتعا جمع فنيا خيوطا متعددة تشكلت في هذه الرغبة التي رأى فيها القراء "منظورهم" الخاص (لا استثني نفسي). والطفولة عموما (حتى براءتها) هي نفسها "منظور" نوظفه من منظور الراشدين (غير الأبرياء؟). وفي القصة لا يختلف نرجس (الراشد البالغ) في إدراكه عن الرضيع محسن: كلاهما في الإدراك والتمييز بين المعرفة الحسية والتجريدية سواء. وعشق الذات لا شك ينتظمنا جميعا بدرجة أو بأخرى، ولعل محسن، على النقيض من نرجس، سيتجاوز حدتها لكن يبقى تحديقه في صورة القمر (ولنا جميعا أقمارنا) لا يختلف عن نرجس محدقا في صورته.

      لست مُنظّرا لفن أو لأدب معين، وإنما أنطلق من أن الخطاب (مهما كان جنسه) مع الاستجواب المتأني سيكشف عن خيط خاص يمليه الخطاب نفسه. وفي قراءتي لـ "رغبة/ قصة قصيرة" حاولت أن أجمع في وحدة شبه متجانسة ما رأيت أنه خيط ناظم اعتمادا على تفاصيل القصة نفسها وعلى ذاكرة لغتها.

      لا أدعي أن قراءتي لا يعتريها نقص، ولا أدعي أن لا مجال هنا لقراءات أخرى، بل أجزم أن قارئا آخر يستطيع أن يأتي بقراءة من منطلق آخر، وتكون "تضحية الأم" محورها، وغيره قد يركز على صورة بيئة القصة وصفاتها الجميلة مقابل عسر الحياة وضنك العيش، وآخر قد تأخذ قراءته البعد النفسي للرغبة، واحتمالات أخرى لا حصر لها.

      في الختام، بودي لو أنك أشرت إلى مواطن الحدة في قراءتي لأعتذر أو أبرر.

      لك مني الود والتقدير

      تعليق

      • د مرتضى الشاوي
        عضو الملتقى
        • 08-07-2011
        • 85

        #4
        ايها الاخ المتفضل ( الهويمل ابو فهد ) وردت كلمة ( حادا) في تعليقي والأصح هي ( جادا ) من الجدة ....ربما فسرت لديك ان هناك مواطن حدة .....قد تكون السرعة في الكتابة مباشرة على صفحات الملتقى بسبب وقتي القصير وتواجدي غير الطويل قد صحّف حرف الجيم الى الحاء .
        وقصدت بعبارة ( قصتي المتواضعة ) لانني مازلت تلميذاً في مجال القصة رغم تخصصي الاكاديمي... وغايتي هو مد الجسور بين الاقسام الادبية بشيء من المشاركات
        ارجو لك التقدم والازدهار

        تعليق

        يعمل...
        X