أزرق قاتل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سهيلة عزوني
    أديب وكاتب
    • 16-12-2008
    • 74

    أزرق قاتل

    أزرق قاتل

    أكتافٌ لوحَّتهَا الشـًّمسُ حتى صارت بلون ِ الخبزِ اليوميِّ.. وعيونٌ أنهكهَا النعاسُ وطولُ التحديق في الأفق ِ ترنو للبعيد.. ترقب اللـَّحظة المناسبة للانقضاض على الأرض الحلم..
    هناك كانت سفنٌ تحط ُّ المراسي أو ترفعُهَا لتغادر الميناء و تذهب في رحلتها عبر البحر بكامل حريتها و بكرامةٍ غير منقوصةٍ..
    حرية ٌ لا تمتلكونهَا و كرامة ٌ لستم موعودين بها..
    عند الإشارةِ ،عَمدَ الجميعُ لطمس أيَّ دليلٍ على هوياتِهِم.. حاكيتـَهم في فعلهم فأحرقتَ جواز السَّفر..
    واحدٌ وعشرون شخصًا من طالبي الضـِّفةِ الأخرى على متنِ قاربٍ يتسعُ في الحالة الطبيعية لعشرة أشخاص ٍ، يسعون نحو أملٍ يسكن وراء البحر يظنُّه البعض منكم ورديَّ اللون ناعمَ الملمس..
    هم جميعًـا أندادُكَ و نظراؤُكَ من المزروعين في أزمنة ٍ غير مناسبةٍ على مربعاتٍ منتشرةٍ على مدى جغرافيا الرُّقعةِ العربيةِ.. ملوُّا حرفةَ الانتظارِ فركبوا الصَّعب كفرسان يعاندون أزمنتهم الصعبة.. يركضون وراء أحلامٍ كأفراس ٍ جموحةٍ.. وإن توقعوا نهاية ً محتملة ً في بطن حيتان ٍ تترصَّدهم عند كل ارتفاع موج ٍ.. لكنَّها تظلُّ أفضلَ من السقوطِ فريسة ً للمفخخات والعبوات النـَّاسفة، وتظلُّ أفضل من الغربة في وطن ٍ أصبح ملكية ً فردية ً لعصابةٍ من المفسدين في الأرض..
    *******
    تؤلمُكَ معدتـُك ، لم تتناول شيئاً منذ أيامٍ.. آخرُ عهدك بالطـَّعام كان كوبُ عدس ٍ منقوع ٍ في ماء البحر.. الآن نفد كلُّ المخزون.. حتى شربة الماء لم تعد تتوفـَّر..
    تبتسم في حنان ٍ و أنت ترى نفسك عائدًا من المدرسة إلى البيت حيث تستقبلك رائحة خبز أمِّك من منتصف الطريق..
    أمُّك.. آه كم أنت في حاجةٍ لترتمي بين ذراعين يغري دفؤهما بالمكوث دهرًا.. كم تشتاق أن تمرَّ أناملها على وجهك كي يزول ألمُ الوحشةِ و الجوع ِ و الخوفِ!
    تستيقظ من غفوة الحلم على واقع ٍ مرٍّ..
    صار للمكان رائحة ُ دورة مياه ٍعموميةٍ في منطقةٍ شعبيةٍ.. ارتفع بخر محتويات مثانات ركاب القارب المحفوظ في زجاجات الماء المستهلكة حتى آخر قطرة..
    فظيع ما تحس به الآن من جوع ومن عطش ومن خوف وضعف ، جمدت الأوصالُ.. جفَّ الحلقُ.. ذهب الصَّوتُ أو يكاد.. لم يعد هناك من الطـَّاقة ليكفي لمجرد تحريك الحبال الصوتية!
    تعمد إلى الزُّجاجة الموضوعة أمامك.. تغمضُ عينيك و تسدُّ أنفك و تفرغُ كل محتواها في جوفك..
    معدتك لم تقوَ على تحمُّل المشروب المنفر.. فلفظـَت كل ما تلقـَّته.. تتقيأ ُ.. تفرغُ كل ما في جوفك ومعه يندلقُ كأس المرارة الممتلئ حدَّ الحافة..
    *******
    طيلة حياتك واجهتك المواقفُ الصًّعبة ُ.. ذلك روَّضك قسرًا على الصَّبر بلا حدودٍ وعلى قوَّةِ احتمالِ ما لا يحتملُ..
    كم مرَّة ً خضتَ هذه الرحلة عبر البحر ثم عدتخائبًا.. ومع ذلك ظلـَّت الحاجة التي تسكن داخلك أكبر وظلـَّت نظرةُ عيني أمِّك المتوسلة ُ نجدتـَكَ أكبر من محن البحر وأخطار الإبحار.. دائمًا تعود للمغامرة والمخاطرة مرةً ومرَّةً و أخرى.. هل هو مقدَّرٌ على الإنسان أن لا يتقن سوى مغامرة ً واحدة ً فلا يعود يحفلُ بسواها؟
    و لكن الجواب يظلُّ عصيًّا..
    ماذا لو كان هناك حل آخر؟
    حل آخر؟
    تغمضُ عينيك في استسلام و ترتجلُ بسمة َ تهكـُّمٍ..
    - أريد أن أشرب.. شربة ماء.. هل يسمعني أحدكم؟ النـَّجدة ، النـَّجدة ..
    لكن صوتك لم يكن يغادر حلقك بل كان يرتدُّ مكتومًا حسيرًا كسيرًا إلى الدَّاخل.. إلى عمق جوفك .
    كم من الوقت مرَّ عليك و أنت على هذه الحال ؟
    تنتابُك حالة ٌ من السكينة المريبة..يبدو أن تلك الساعة قد حانت.. فلا محالة من الاستسلام لفكرة الموت..
    شرعت في استعراض شريط شقائك.. تنقـِّبُ في زوايا الذاكرة عن صور ٍ متعاقبةٍ لأحداث حياتك ، كفيلمٍ سينمائيٍّ يوثـِّق لسلسلة هزائمك وانكساراتك الشـَّخصية منذ فشلك في تحقيق حلم والديك في الدِّراسة إلى عجزك عن تأمين لقمة عيش ٍ يوميةٍ مستمرةٍ لوالدتك ولأخوةٍ صغار تركهم الوالد أمانة في عنقك بمقتضى ترسيمه لك رجلَ الدًّارِ بعدَه..
    طابور من الذكريات تتنطـَّط بخيالك ، ثعالب لئيمة شرسة.. تشهر المخالب وتكشِّر عن الأنياب.. تتسابق.. تنقضُّ على أيامك و تتخطـَّفُهَا..
    لطالما كنت مسالمًا منصاعًا لعرف القطيع في الطاعة اللا مشروطة وفي التـَّسليم والرِّضا بما هو كائن. لكن ما من مرَّةٍ مددت يدك فيها لتنال شيئـًا إلاَّ وعادت لك فارغة ً كما أرسلتـَها.. رغم أنـََّك لم تكن متطلبًا ولا كانت حاجاتك في هذه الحياة معجزة ً كبرى غيرَ محتملةِ الحدوثِ..
    فقط زوجة ٌ وأولادٌ و بيتٌ ووطنٌ يعرفك ويعترف بك.. تلك كانت كل مطالبك..
    و لكنـَّك مع ذلك ظللت دائمًا عصِيًّا على الانزلاق في مستنقعاتِ الخطأ..
    *******
    رَفرَفت فوق رأسك سعادة ٌ مبهمة ٌ كالخدر.. تحسُّ و كأنك تغرق في سائلٍ دافئٍ بلـَّل وجهك.. تشرفُ عليك دموع أمِّك وهي تتمسًّك بك بيدين متعرِّقتين ومرتعشتين تحضنك مرَّة وتبعدك قليلا ً حتى تتملَّى وجهك وهي لا تزال مستغرقة في انتحابها.. تعود وتردِّدُ على سمعك بعض وصاياها ثمَّ لا يلبثُ صوتها أن يغيب.. تعزله عن سمعك شهقاتُ البكاء..
    تستيقظ ُ على شعور ٍبالصَّدمة صوت ارتطام القارب بشيءٍ صلبٍ.. ثم صدمة ٌ ثانية ٌ
    فتحَت عينَيك الكليلتينِ على الهلع وأنت ترى أزرق البحر يبتلع زرقة السماء..
    الرؤية صارت غائمة ٌ.. تجدُ نفسك في دوامةٍ.. تضغط على جفنيك ثم تحاول أن تباعدهما من جديد لتحصل على بعض الرؤية..
    تمتدُّ يدك لتقبض على شيء تتمسَّك به فلا تجد غير الماء.. يشُقُّ عليك التقاط ُ الـهواءِ اللاَّزمِ لرئتيك.. ينتابُ جسمك بعضُ الانهيار تستسلم روحك لبعض الإغفاء..
    *******
    غدًا سيقبضُ حرسُ السَّواحلِ على أجسادٍ أكلَ بعضَها الحوتُ ومزَّقها طولُ التـَّداولِ بين موج البحر وصخور الشاطئ..
    وستتبارى الصحفُ في نحت مانشيتاتٍ عريضةٍ جذَّابةٍ.. وستتحدَّث وسائلُ الإعلامِ بعباراتٍ حفظها الجميعُ ولا يفهما أحدٌ عن الظَّاهرة العابرة للحدود.. وعن ضرورة تدخُّل كافة الشركاء في إطارِ المسؤوليةِ الإقليميةِ المشتركةِ.. و سيغفلون الحديثَ عن أصل ما حدثَ.. تطوُّعُ الشـَّباب "الطائش المتهور" للقيام بمهمة أوكِلـَت أصلا ً لغيره وفشلَ فيها.. القضاءُ على سوءِ أوضاعِهـِم المادِّية وتحسينُ ظروفِ معيشتهم..
    حثالة ُ اليقظةِ المترسِّبةِ في قاع ِ وعيك تنذرُك بالخطرِ.. تذكـِّرُك بأنـَّك سبَّاحٌ ماهرٌ..
    لكن أين لعضلاتك أن تستجيب..
    بفعل قوة السقوطِ الحرِّ،يهوي جسدُكَ بثقله إلى القاع.. يسابقُ رأسُكَ بقية َ الأعضاء ِ.. لكن الرِّسالة استمرَّت في الإلحاح ولو بشكلٍ ضبابيٍّ.. تصرُّ على إقناعك أن ساعتك لم تحن بعدُ.. ينتصرُ بداخلك حبُّ البقاءِ.. بمجهودٍ خرافيٍّ تفيقُ من إغماءةِ حواسِّك.. تستديرُ حول نفسِكَ مائة ً وثمانين درجة ً عموديًا.. ترفعُ ذراعيك للأعلى.. تفتح كفـَّيك المنغلقين بإحكامٍ.. تـُصالبُ بين أصابع يديك وتقفزُ بكل القوَّة التي أنت قادرٌ عليها للأعلى.. تشهقُ شهقة َ الحياة حينما وجد الهواء أخيرًا طريقه لفتحتي أنفك..تحسُّ بتمزق رئتيكَ و حلقِكَ وكل مجاريكَ التنفسيةِ وأنت تشرقُ بالماء ِ المالح ِ الذي ابتلعتَـَه قسرًا..طعمُ الملح كان قاسيًا وحارقـًا على لسانك و شفتيك المتشقــِّقتين.. بصعوبةٍ بالغة ٍاستطعت أن تباعد بين جفنين منتفخين لتفسحَ الطـَّريقَ لعينين محمرَّتين أتى ماء البحر على كل دموعهما.. تحاولُ أن تستطلعَ المكانَ.. لا شيءَ.. ليس من حولك سوى امتدادٌ شاسعٌ أزرقُ مفتوح ٌ على كلِّ الاحتمالاتِ.. وحده جسدُكَ كان يطفو على هذه المساحات الممتدة من اللـَّون الأزرق.. استعدت شيئـًا من دربتِك الكبيرةِ في السِّباحة.. جعلتَ جسمَك يطفو على سطح ِ الماء ِ.. وسلـَّمته أمانة ً يقودُها الموج حيث المشيئة..
  • ميساء عباس
    رئيس ملتقى القصة
    • 21-09-2009
    • 4186

    #2
    H;أكتاف كرغيف
    وطمس هويات
    وعبوات ناسفة تلوح من البعيد
    مرحبا بالسهيلة
    ومرحبا بتلك العودة الجميلة الممطرة
    حنينا وألما
    تنشقت هذا المالح كثيرا
    وحرق العين والقلب
    قصة جميييلة تطرق كل أبواب الشعور واللاشعور
    أسلوب رائع شدني حتى آخر موجة ليلفظني البحر ويحتّني
    أرحب بك أجمل ترحيب
    قصة رائعة بفكرتها وأسلوبها
    ومفرداتها الهادئة الرومانسية التي تغلغلت في القلب
    محبتي
    وانتظاري لكل جديدك
    ولمشاركاتك

    ميساء العباس




    ملوُّا حرفةَ الانتظارِ فركبوا الصَّعب كفرسان يعاندون أزمنتهم الصعبة.. يركضون وراء أحلامٍ كأفراس ٍ جموحةٍ.. وإن توقعوا نهاية ً محتملة ً في بطن حيتان ٍ تترصَّدهم عند كل ارتفاع موج ٍ.. لكنَّها تظلُّ أفضلَ من السقوطِ فريسة ً للمفخخات والعبوات النـَّاسفة، وتظلُّ أفضل من الغربة في وطن ٍ أصبح ملكية ً فردية ً لعصابةٍ من المفسدين في الأرض..
    مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
    https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

    تعليق

    يعمل...
    X