صورة
لا أدري ما ألم بأخي عبده ، وقت كنا داخل القاعة . صرخ بشكل استدعى انتباه الرجل الذي أدخلنا هنا ، و أعطى أمي مشطا ، و طالبها بتصفيف شعري ، و شعر أخي ، ثم اختفى ، وهو يقول :" حين تنتهين .. نادي علىّ ".
لم يتوقف البكاء و لا الصراخ ، و كأن نحلة لدغت عبده ، حتى حين راح الرجل ، يقترب ، من أمي ، و يفعل أشياء بفمه و لسانه ، و ذراعيه ، كانت تضحكني ، و تدفعني إلي التشبث أكثر بثوب أمي . رغم ذلك ، لم يتوقف عبده ، بل جعل الرجل يتراجع ، بوجه غير مبتسم .
لم تجد أمي حيلة إلا إعطائي قرش صاغ ، و طلبت مني الخروج ، و شراء حلويات وملبس به كله : " جار المحل دكان .. لا تروح بعيد " . و لا أدري كم كنت فرحا ، وكم تمنيت ألا يكف عبده عن البكاء .
لم يتخل عن البكاء ، رغم أنه أمسك الحلويات ، وكاد يهصرها بكفه الصغيرة ، بينما الرجل يرفعني على الدكة الخشبية إلي جوار أمي .
لم يكن من حل ، و هذا ما ظهر على وجه الرجل ، وهو يتراجع بوجه أسود . و فرحتي بالصورة لن تتم ، و بجلبابي الزُّفِير ، الذي سوف ألبسه في العيد .. و كان من رأي جدتي ، أن أرتديه ليرى أبي ، أننا بخير ، و لا ينقصنا شيء في غيابه ، و أن جدي و أعمامي يقومون بالواجب ، هذا ما قالته جدتي لأمي ، و هي تهمس لها أسفل بئر السلم .
أخيرا انتبهت أمي لشيء ، فجأة فكت زراير جلبابها الأسود من أعلى ، و أخرجت ثديها ، وما أن رآه أخي ، إلا و اندفع غارقا في بياضه ، حتى أنني وددت لو حملتني على ذراعها الآخر ، بل تمنيت لو لم تأتِ بعبده معنا .
اختفى البكاء ، فأقبل الرجل بوجه مضيء ، و رمى بسمته ، فأنارت آلته الضخمة التي تلبس أسود مثل أمي ، والتي تقف هناك أمامنا . أدخل وجهه فيها ، ثم رفعه : جميل .. جميل .. طب مش كنت تقول من ساعتها " . ثم قهقه ، و أنا أضحك معه ، و أتابع نظراته ، وهي تجرى على صدر أمي .. أطفأ الأنوار ، ثم أشعل ما فوقنا . التفت ، و تابعت ما فعل ، حتى جاء صوته ، و حركة قدميه ، ثم يداه وهما تعدلان من اتجاه وجهي ، وربت على رأس أخي ، و أنا في فزع أن يلمس صدر أمي ، التي جفلت ، و أحسست بها تهتز بقوة حين كان يداعب عبده .
أسرع خلف آلته التي تشبه دبور الغيط : بص لي .. لا تتحرك .. واحد ، اثنان ، ثلاثة .. هب .. مبرووك .
فزعت أمي واقفة ، و هي تلملم نفسها ، تخفي صدرها ، ثم تسحبني إلي الخارج ، بينما كلماته تلاحقنا ، وهو يعطيها ورقة :" بعد ثلاثة أيام تكون الصورة جاهزة ".
و أنا أفض غلاف قطع الحلوى ، و أدسها في فمي كلها ، قبل أن يبكي عبده مرة ثانية ، وتضيع علىّ ، كما يفعل دائما !
تعليق